كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 30 ديسمبر 2010

نتف ..



اقترض من جارتي قليلا من السكر، بابها جار بابي لأكثر من سنتين ولم نتعارف على بعضنا إلا عندما احتاجت زيت للقلي! على مسطبة مطبخي الرخامية أذيب ملعقتي بفنجان الشاي، ابتسم خفاءا بيني وبين نفسي! حتى آخر حفنة سكر وضعتها بلا شعور في كوبه، قبل ان يغادر للعمل عب قهوته ووقف عند الباب يربط حذائه، بمكاني المتواري خلف الوهم أتخيل نفسي أطبع قبله ما على خده، ربما كانت قبلة وداع او ذلك النوع من القبل الصديقة التي يعتاد عليها المتزوجون! انفض الفكرة من رأسي وأركلها بعيدا مع صوت الباب يصفع نفسه عندما خرج للعمل دون مع السلامة !


في أول أيام زواجنا كنت أقبله خطفا على شفتيه وهو يهم بالرحيل، الآن لم أعد أعرف كيف اقترب منه أكثر من ذراعين، بين الأزواج، تصبح المسافات الصغيرة جدا أميال غربة، نتوه فيها، نحوم حولها ولا نعرف طريق عودة. أمشي على أطراف أصابعي وهو نائم لكي لا اوقضه، اضع كفي على فم ابني ذو السبع شهور، اكتم ضحكه لكي لا يزعجه، وأجري صفى ومروى كل يوم ما بين القدور والمقالي لكي لا يتأخر طعامه أكثر من المعتاد فيعتقد أنني زوجه ناقصة الأهلية. ألوم والدتي في جلسة نسوية بعيدة:
- الله يسامحج يا يمّا خليتي "خالد " كعبة وانا معتمرة أبدية!
ترد بفخر عنجهي غريب ..
- طبعا .. هذا السَنَع
بيني وبين نفسي ايضا أفكر في مصدر الكلمة التي تقدسها والدتي بقدر تقديسها لذكرى والدتها التي علمتها أسرار الأنوثة والزواج! من اين أتت فكرة "السنع" تلك ومن الذي صاغ مفاهيمها الأولية لتتلاقفها أجيال النساء! من التي بدأتها وكيف برب هذا الكون وصلت إلي؟


يقطع حبل أفكاري صوت ابني يفيق من نومة ليل هانئة! هذه المرة لم اوقضه في لحظة أرق لكي ألعب معه، او احادثه عندما أجد نفسي في زوبعة وحدة. نام "يوسف" في سريره طوال الليل وصحى عندما فرغ البيت لنا، نلعب ونضحك ونبكي ونصرخ كيفما شئنا ..


احمله من على السرير واغمسه بحضني، أقبله فيبتسم لي، تحييني أسنانه اللؤلؤية الجديدة وتبعث في داخلي أمل الأشياء البيضاء، تذكرني أسنانه بالورود التي كنا نزرعها بصحون الورق على كرات القطن عندما كنا في المدرسة، ظهرت زهوري بيضاء ناصعة، اتذكر انها اعطتني وقتها مفهوما جديدا لمعنى أن يينع لي نبتا ابيض!
أطعمه حليبه، أغير حفاضه وأضع على جسده ملابس طازجة ونظيفة، أتركه يلعب في أرجاء المنزل بعدما أزحت كل ما هو قابل للكسر، وغطيت كل الزوايا الحادة. احمل سلّة تكومت داخلها ملابسنا المتسخة والقمها فم الغسالة الكبير .. يرن جرس الهاتف المحمول فأفتحه وانا اعلم انها أختي، تتصل بي كل يوم في هذه الساعة المبكرة من كل صباح لكي تحسدني على عدم عملي واغبطها في المقابل على وظيفتها ..


اسمع "يوسف " يقترب، صوت حبوه، مشيته الخفيفة على اربع يقترب من باب غرفة الغسيل. اتقدم اليه واحمله :
- ما ادري هدى .. اشوف "خالد" اذا قاعد في البيت ما راح اقدر احضر !
لم تيأس مني .. لازالت اختي تدعوني لتجمعاتها الشهيرة مع صاحبات العمل، كل اربعاء يتجمعن في بيتها لقضاء ليلة جميلة يملئنها بضحكات نزقة على قصص شيقة. ولازلت في دوامتي، انتظر بكأس نصف فارغة ان يقرر خالد ان يذهب لمكان ما في الوقت نفسه ..


يعلك ابني قرطاسا غريبا، نصفه بيده ونصفه الآخر بفمه! آخذ منه القرطاس واتركه على الطاولة بجانب غسالة ملابسي، اتفاوض مع اختي التي منذ الأزل تقنعني ان "خالد" لا يستحق عنائي. لا اسمعها، تشخص عيني على القرطاس الذي أتى به يوسف من مكان مجهول داخل بيتي، كان ذلك الشيء "واقي" ذكري لم أره في حياتي ولم يستخدمه زوجي أبدا معي !
اقفل الخط دون كلمة وداع، احمل القرطاس واتلمس الحلقة المطاطية التي بداخله! لم تعد تربطنا انا و"خالد" علاقة حميمة لكي يودع مثل هذه الأدوات في منزلنا، وحتى وإن طفرت الظروف وقمنا بما هو جائز لنا، لم يستخدم "خالد" ابدا واقي معي! أخذتني الدهشة، عقد لساني بألف عقدة، وكالمجانين رفعت ابني ذو السبع شهور وأخذت أسأله .. من اين لك هذا!
يمر اليوم اقضيه في البحث الحثيث على خيوط تدلني على المكان الذي أتى به "يوسف " بالقرطاس! أمسك يدي من الإتصال بهدى وإخبارها عن الإكتشاف الجديد، أقرر انني لا اريد حطبا على ناري، وأنني قادرة على حل مشاكلي واستخراج خبايا زوجي بنفسي. انهكني التعب فآثرت الجلوس أمام ابني، اطعمه غدائه واستجديه ان ينطق أي كلمه.


اليوم التالي ذاته الروتين، هذه المرة ايضا نسيت ان اشتري سكر لكوب شاي "خالد" فاقترضت حفنة اكبر من جارتي التي مازحتني :
- شفيه الحلا مهاجر بيتج؟
ابتسمت ابتسامة مُرة وغادرتها..
هو .. اليوم لم يبتسم ولكنه حتما غادر، وعندما استيقظ "يوسف" بكيت بحضنه وتركته كالمعتاد يلهو بينما اغطس بغسيلي اليومي والتنظيف. أفرك غضبي حثيثا في قاع مغطس الحمام، اسمع صوت الفرك وارتاح، يملؤني صوت الإحتكاك برضا ما، فأضع كل قوتي على تلك الاسفنجة الصفراء وأشعر بالإنتصار وانا اراها تتفت أمام عيني!


اسمعه من جديد، مثل كل يوم يحبو أليّ، أرى وجهه الصغير، تلفحني ابتسامة عجائبية. هذه المرة جاء ابني الى بقعتي، امسك حواف المغطس، سحب نفسه للأعلى ووقف منتصبا ومد لي يده ببضع أوراق صغيرة مقتطعة! اقرأها، كانت واحدة كرت ركوب طائرة بإسم امرأة لا اعرفها، تاريخها جاء تماما مصادفة مع تاريخ رحلة عمله الأخيرة! وكرتين متلاصقين كانا لحضور عرض فيلم رومانسي جدا في سينما ذلك البلد الجميل!


ضحكت .. كالمارد أخرج من وسط المغطس، افرد قامتي واضحك. ارفع ابني واقبله في كل مكان أطاله. ربما لن اعرف ابدا من اين اتى "يوسف" بقذارة زوجي، ولكنها حتما وضعت بمكان سافل جدا لا تصله إلا الحشرات والغبار، و فضول ملاكي الصغير الزاحف على اربع.
ستكبر عزيزي وتطول قامتك وتنسى حقارة والدك التي قدمتها لي على طبق بِرَك، ولكنك لن تنسى أبدا أنك كنت السبب في استعادة سعادتي ..


خرجت في حوضي الى الأبد .. وتركت أشلاء الإسفنجة الصفراء منتوفه في مغطسه.

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

صفعة غربة وقرصة حنين ..




اليوم : الثاني والعشرون

الموقع : مطار جورج بوش - هيوستن تكساس

الوقت: الخامسة وخمس وخمسين دقيقة

***

قبلها كنت أحن الى الوطن، للحضن الذي ضمني طوال عمري، لصوت أمي قريبا على الهاتف، لأختي تركل الباب وتدخل وبنات خالاتي يتصلون لجلسة نسوية شهيرة في إحدى مقاهي الآفنيوز.

أحن للوقت الذي كنت أحفظه في صرة، أفتحها متى شئت وآخذ منها ما اريد ..

لسيارتي وللشوارع التي اعرفها عن ظهر غيب ..

في إحدى رحلاتنا، كتفي بكتفه وكفي لازالت بكفه، يتحشرج صوتي وأنا أخبره أنني تعبت المسؤوليات التي لم أعتد عليها ..

تعبت من الحياة الخالية من بشر وجدوا خصيصا ليجعلوا حياتي أسهل وأيسر ..

تعبت من الغربة، من اعتمادي الكلي عليه في التنقل .. تعبت من تغيير الخفاضات، وتعبت من غسل المواعين والتنظيف المستمر عندما أشعر أنني لست في بيتي وأنني يجب ان لا أترك ساقطا من يد الطفلتين إلا والتقطته قبل ان يصل الأرض!

والدته حنونة ورحيمة الى ابعد الحدود، لم تشتك ولم اسمعها يوما تتأفف ..!

ولكن شعوري أنني لست في عالمي او في دائرتي يعاجلني بصفعة غربة وقرصة حنين ..

أخبره ولازلت أمسح على يديه، واضم بإصبعي سبابته أنني أود ان اعود قبله ..

سآخذ "هنا" وأعود .. لتتبعني انت بعد قضاء يوم السنة الجديدة مع والدتك!

يصمت .. أشعر بخيبة صوته ورقعة في قلبه .. يحاول ان يحيل الحوار الجاد الى هزل:

You dont love me anymore?

اشهق ..! تذكرني شهقتي "بماجدة" تشهق فراق حبيبها في أفلام الأسود والأبيض ..

أترك يده واضم ذراعه الى صدري ..

I love you so much .. but I need to get back ,, I miss home

يفهم ..

هو أكثر شخص من الممكن ان يعرف كيف يكون الإشتياق ..

بدون ان ينظر بعيني ..

يوافق بصمت ..

***

على أريكة تراثية أجلس وأتحدث لموظف شركة الطيران بلغتي العربية، "خالتي" "ماري آن" تنظر إلي ويتلون وجهها مع غرابة الكلمات، يبدو المنطوق بغاية الإثارة بالنسبة لها، هو صامت وأنا أحول حجزي وصغيرتي من الثاني يناير الى الثاني والعشرون من ديسمبر.

***

ما إن حصل التأكيد على مقعدي في طيارة العودة أصبح كل الصعب أهون !!

المسؤولية، العمل، الأطفال، الحفاظات وحتى دورة التظيف الصباحية ..

أصبح الليل أدفا، البنات أحن وهو بغاية الوسامة ..

جدته العجوز المريضة بدت حزينة عندما اخبروها أنني سأعود ولن أراها في الكريسماس .. قالت لهم أنها ليست مستعدة لتركي أعود !

***

يأتي يوم العودة .. أحمل حقائبي وغصة في قلبي، ثقل في رجلاي، وشوق له ولغدن حتى قبل الفراق ..

في ذلك اليوم أبكي على كل شيء، أبكي مرات عديدة ولا استطيع النظر في عيني غدونة ..

في ذلك اليوم ضمتني دون سبب، قبلتني دون سبب، وقالت لي أنها تحبني حتما دون سبب ..

في ذلك اليوم بالذات .. كان مزاجه ملبد بالغيوم أكثر من أي يوم مضى !

***

في طابور المطار لإستلام البوردنغ وتسليم الحقائب، انا وهنا وهو وغدن، يصف معي في طابوري ويساعدني بحملي قبل الوداع ..

نقترب من الموظف وأرجع خطوة ..

المح مكتب شركة الطيران بضع خطوات عنّي ..

أبكي، أمام الناس وبدون مقدمات

أسأله إن كنت سأجد مقاعد لي ولهنا في الطائرة التي سيرجع هو عليها ..

يضحك ويدفعني لأستعلم ..

أقف هناك وأصلي أن يساعدني الله لأبقى معه، أخطأت يا ربي وها أنا اصلح خطأي ..

يا الله ساعدني ان أبقى مع أحبائي .. قدمنا معا .. فأكتب لنا ان نعود معا ..

تنتشل عينيها من شاشتها وتقول لي ان المقاعد متوفرة

أدفع الفارق ..

واركض نحوه ينتظر دوري في الصف، يتباطأ خطوة ويأجل التقدم !

أخبره أنني سأعود معه ..

ويخبرني كم أنا مجنونة !!

الأربعاء، 15 ديسمبر 2010

رسالة جديدة ..




وكأنه دهر مضى قبل أن أفتح مدونتي اليوم وانقر على طلب " كتابة رسالة جديدة "..

اشتقت المدونة واشتقت عيونكم عندما تقرأني ..

لازلت هناك، اعيش في مكان متناقض كما هو مزاجي ..

بنفس اليوم تنقلب درجة حرارة الجو من البرد القارس الى دفئ رائع!

طبيعي جدا ان ارتدي "كوت" من الصوف الحار ولا ازال انتفض من البرد، وبعد ساعات أجدني أخلع كل الطبقات وأجري في حديقة اللعب مع الأطفال بتي شيرت !

أتساءل ماذا حصل؟ يبتسم ويقول لي:

Welcome to Houston!!

بلدك جميل عزيزي، أخضر كبير وواسع في الواقع نستطيع ان نضع عشرة من كويتينا داخل حدود ولاية "تكساس" وحدها

ولكني كويتية سيدي، بطبيعة الحال سأشتاق للبلد الصغيرة الحارة اغلب الاوقات، بطبيعتها الصحراوية القاحلة وبردها النادر ونويرها الأصفر الذي يشعرنا بصدق أن بلادنا تمر بمرحلة ربيع!

أشتاق الى 360 كثيرا، لا اعرف لماذا 360 ! ربما لإنه الأقرب الى بيتي، ربما لإنه المكان الذي كنت التقيه بعد اسبوع من الفراق ..

ارتدي اجمل ملابسي، اسرح شعري واضع ألوانا خفيفة جدا على وجهي والتقيه ..

فيشع نور عينيه علي ويخبرني كم أنا جميلة!


هنا .. ليس لدي وقت لأبدو جميلة !

بالكاد اجد وقتا كافيا لأتذكر تسريح شعري ..

فتاتيّ يأكلون طاقتي كلها، يحصرونني في بقعة الأمهات الحقيقيات التي لم اعتد عليها ..

الآن فقط فهمت قليلا لماذا تحاول بعض الأمهات هنا قتل أنفسهن بعد الولادة ..

او لماذا اقدم ذلك الأب الشاب على قتل طفله الذي لم يسكت عن البكاء لساعتين متواصلتين .. ضربه في امعاءه ضربة واحدة فأودت بحياة ذلك الطفل المسكين ذو الأربع شهور !!

يقول الأب الباكي .. لم اقصد ضرب ابني ولكن بكاؤه افقدني صوابي !!

هناك أشياء كثيرة تفقد الصواب هنا !!

أكثر مما تصورت ..


أشتاق لكل النعم التي أجدها بحوزتي تلقائيا في الكويت ..

أن أكون امّا تساعدها أيادي متخصصة بالإعتناء بالصغار


ولكن الوقت سحري، والأمومة لها طعم مختلف ..


هنا الآن صديقتي الحميمة..

تنام بحضني واستيقض على ابتسامة عريضة من وجهها الجميل .. تشع بعيني أسنانها الأربعة

صغيرة ولطيفة الى ابعد الحدود ..


أنا بخير ..

لكل من سأل عني، لكل من ارسل رسالة صغيرة، ولكل من قال لي انه اشتاقني

أنا ايضا اشتقتكم


العودة ان شاء الله يوم 22-12 والوصول يوم 23

أكاد لا أقوى على الإنتظار


الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

مليئة بالمفاجآت ..


وصلت هيوستن، وصلت بعد ما بجيت بالطيارة تقريبا بالساعة الخامسة من الرحلة كان بعد فاضل على الرحلة 12 ساعة!

"خضرة " كانت في مزاج حركة حركة حركة ستوب ونورية في مزاج لعبة الكراسي

الأمريكي تنعز بكرسي ومسك الريموت وقعد يلعب تنس طاولة

وأنا كنت الكرة ما بين مضرب الليتل مونستورز إللي طلعتهم للدنيا بسابق الإصرار والترصد ..

كانت الرحلة Interesting من البداية، فبعد "السكرانة" إللي كانت معانا في طابور الـ Check in

والهوشة إللي حضرناها من البداية الى النهاية بين عائلة مصرية ومسئول طيران القطرية

وبعد ما قال الأبو " خلاص يا ابن .... الغيلي التزاكر" ..

ركبنا الطائرة الى الدوحة لتصر خضرة ان تبكي العشر دقاق الأولى وتتشيطن التسعة والأربعين دقيقة وتنام العشر ثواني الأخيرة

مطار الدوحة Busy Busy Busy

نورية كانت نايمة تقريبا أغلب الوقت وخضرة "معك الى الأبد" ..

السيكيورتي لرحلة الولايات المتحدة أشبه بخلية نحل من " إخلع" ..

إخلع الحذاء والجاكيت والحزام والجوارب .. شيل اللابتوب من الحقيبة، حط البوك والمفاتيح في الصندوق، شيل العيّل من العربانة ..

بغيت ابجي .. الله يخليكم خلوها نايمة ..

طبعا لأ ..

قعدت "نورية" وصارت تلعب من "خضرة" على البلاط الأحمدي ..

وآنا قاعدة على كرسي بعيد لا أرى لا أسمع لا اتكلم

اقنعت نفسي اني لازم ما اضطرب على كل شي ولازم اريح اعصابي شوية لإن الرحلة طويلة والمشوار لا زال في البداية ..


الرحلة عذاب للكبير الوحيد، خليط من الملل والضيق، والغربة، والظلام، والحبس، والتواجد مع ناس لا تعرفهم ولا تحبهم بالضرورة معلق في الهواء في مكان صغير لمدة 16 ساعة. فما بالك للكبير برفقة طفلين؟


عرفت إني قادرة على أشياء عديدة ومتنوعة، وقدرتي على التحمل اكثر قليلا مما كان متوقع


خلال الرحلة اشتقت لنعمة المشي، فكرة القدرة على النأي بالنفس في مكان بعيد عن الأطفال، فكرة ان استنشق هواء طري، اشتقت كثيرا للمربيات ليزيل وليا، والأكثر من هذا وذاك .. اشتقت لفكرة الذهاب لحمام نظيف فيه رشاش ماء خصوصا وإني اعلم انني لن احضى بهذه النعمة لما يقارب الشهرين القادمين ..


وصلنا بيت ماري آن " خالتي " .. ليفاجأني الأمريكي بأجمل هدية من الممكن ان تهدى لإمرأة من الكويت تذهب لأمريكا لفترة طويلة، فعلا وحقا ركّب لي" هوز بالحمام".


كنت فعلا شوية وايبب وألفح وأخرع خالتي .. بس مسكت نفسي ووعدتها بأن الرحلة ستكون مليئة بالمفاجآت :)



عيدكم مبارك جميعا ..
وعشاكم من عواده ..

الخميس، 11 نوفمبر 2010

من أروع ما سمعت ..





الحب يعني اتنين بيدّو ..

مش إيد يتبني وستميت إيد يهدّو ..

الحب حالة .. الحب مش شعر وقوالة

الحب يعني براح في قلب العاشقين للمعشوقين

يعني الغلابة يناموا في الليل دفيانين ..

الحب يعني جواب لكل المسجونين

هما ليه بقوا مسجونين !

يعني أعيش علشان هدف .. علشان رسالة

يعني أحس في قيمتي فيكِ

إني مش عايش عوالة ..

يعني لما اعرق .. تكافئيني بعدالة

الحب حالة ..

الحب مش شعر وقوالة ..

الحب حالة ما تتواجدشي بوسط ناس

بتجيب غداها من صناديق الزبالة.






الأربعاء، 10 نوفمبر 2010

ومشلوعة عيني ..




مقصرة ومشلوعة عيني ..

بس أدري انكم بتسامحوني على التقصير

بكرا السفر .. بكرا

شهرين في ديار "الفرنجة" مع طفلتين مخلوطتي الأعراق معجونتين بالشطانة الأبدية

لما الحين ما حطيت ولا عود بجنطة سفر، ولا صليت صلاة الإستسقاء ولا قريت صورة يس ولا تشهدت على روحي الشهادتين ..

"غدونة" تقول انها ما تبيني اقعد يمها بالطيارة لإنها بتلون .. ما ادري يمكن اقطع حبل ألوانها !!

وبتحذف " هنا" من الويندو اذا خذت اغراضها !!

طبعا ماله داعي أفسر وأقول ان "خضرة" ما يحلى لها إلا الشي إللي في إيد " نورية"!

وقعدي بالوسط بس فاككي وراضي ومسحي دموع اربع اربع ..


عاد اليوم بروح في Mission impossibe الى سوق بو إمية

ما راح أخلي ألوان، طين، لعبة، تركيب، مسجلة، مكنسة، منظرة، دمية، شباصة، عضاضة، ستكرز .. إلا وشريتها !!

ولو أكو ماريجوانا او بانجو ترى باخذ وكيفكم قولوا إللي تقولونه !!

وحدة من الشايتين .. يا ذابحه يا مذبوحة، يا قاطّه يا مقطوطة، يا شايحة يا مشيوحة، يا دافنة يا مدفونة !!


أدري ان ما راح يهوّن علي مصيبتي (( الحمد الله على كل حال طبعا .. وألف من ذتشره )) إلا دعاؤكم لي في عز الليل

طلعا اليوم المشهود راح يمشي عندكم عادي وطبيعي ولا كأنه في وحده وفريخاتها معلقة بالسما 16 ساعة

ارجوكم وهذ وصيتي لكم سواء وصلت "شيكا بيكا" براس فيه شعر او منتوف ..

لا تنسوني بالدعاء ..

بس دعاد واحد موحد بصلاة العشاء غدا ..

(( يا رب تهون عليها، وتسهل دربها، وتسخر لها خضرة ونورية والأمريكي والمضيفات، والركاب، والكابتن ومساعده ))

يمكن تحن علي القلوب وتكون معاي السوبر ناني راجعة لأهلها .. يا رب بمرة ملك يسمع مناجاة أم Freaking out


عاد إذا وصلت بالسلامة ولما الحيني بكامل قواي العقلية راح اكمل " نتلاشى للأمام" عاد ما ادري اذا كان بيصير عندي وقت هناك لأعود شهرزادا خصوصا ان ما عندي خدم وحشم ونانيز ومانيز!!


اذا ما صار ..


لما اعود للكويت " حبيبة القلب" راح استأنف الشهرزادية لا محاله


طايرين على القطرية

غدا الساعة الرابعة وخمس واربعين دقيقة فجرن ن ن ن ن ن ن ن ن ن



أحبكم كلكم .. واستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ..


Sara Al Mukaimy .. Over & Out


ملاحظة : أحد القراء الشاطرين الحلوين العزيزن على قلبي وايد يترجم الملحمة إللي فوق للقراء في الديار العربية حيث يعتبون علي بعض الأحيان لغلاجة الكلمات وصعوبة المطلحات ..
الترجمة في التعليق وإللي يترجم لابد له صوغة من الشيكا بيكا

الأحد، 7 نوفمبر 2010

"غدونة" تلتقط الكرة !


هناك عادات نصنعها تباعا لتصنع عادات أخرى عند الآخرين .. مثال ؟؟
عندما أستحم وآخذ الخمس واربعين دقيقة التالية في تهذيب شعري "الغير مهذب" يجد "الأمريكي" وابنته وقتهما الكنز للقيام بشيء ما خاص جدا لهما. في غرفتي والباب مفتوح، أجلس على طاولتي وأطل على نفسي من خلال المرآة. عادة ما ينتظرني الإثنان للخروج. بعد تحلطم "الزوج" وأسئلة غدونة ..
Mommy .. you didn’t tange ??? tange = change


يأخذان بعضهما في وقت مستقطع من عمق الإنتظار، بابي المفتوح يمكنني من سماع كل شيء، ومع الحركة والجري ألمح أطيافهما تجتاح المكان وتخلف فيه دفئ العلاقة التي من الممكن أن تبني سدود ابنتي تزرع في نفسها رياحين الرضا. كان "الأمريكي" يوم أمس يعلم ابنته كيف تلتقط الكرة الصغيرة " كرة دورا الوردية" عندما يهم بإلقائها إليها من بعيد. في أغلب الأحيان تفشل "غدونة" في التقاط كرتها، ربما كان خوف الإصطدام! أرى والدها يجلس أمامها لا يفصله عنها سوى شبرين، يعلمها بحنكة "رياضي مخضرم" كيف أنها إذا شاهدت الكرة وهي تطير بإتجاهها سوف تتمكن من التقاطها لا محالة. يشرح لها النظرية، ويفسر لها الفكرة المبدئية لفن الإلتقاط. ثم يبتعد عنها بضع خطوات ويرمي لها الكرة، تبتسم هي ولا تلتقطها.


يعيد عليها والدها النظرية أكثر من عشرين مرة، "غدن" تنظر لوالدها في كل مرة، تبتسم له وهي يلقي الكرة معتقدة أنها احترفت الموضوع واتقنت العملية فقط لكونها تقف هناك ! أراه من على مقعدي يمثل لها، اضحك خفاءا على عينيه المحولتان وهو "بالصورة البطيئة" يريها كيف يركز عيناه على الكرة وهي تطير بإتجاهه. واضحك أكثر عندما تقهقه "غدن" وتقول له ..
Daddy your eyeth ith crathy !!


للمرة التاسعة والتسعين يبتعد عنها والدها ويخبرها للمرة المائة والعشرين أنها لكي تلتقط الكرة .. يجب ان تركز عينيها على الكرة وهي تطير بإتجاهها. تخبره أنها مستعدة. أراها من على كرسيي والباب موارب ترسم على وجهها ملامح جادة، لم تعد تبتسم ولكنها في مرحلة تأهب. يلقي عليها والدها الكرة، تتباعها بعينيها، ترفع يديها الصغيرتان وتلتقطها من الهواء.


اسمع "الأمريكي" يكاد يكبّر ويهلل ويسجد لله سجدتين شكر.. وهي تضحك من كل قلبها وهو يحملها من على الأرض ويرفعها فوق رأسه ككأس البطولة ..
ربما كان كأن بطولة الأبوة، عندما يزرع في امتداده بعد تعب .. نظرية ما .. حتى لو كانت ( كيف نلتقط الكرة )!

ماذا عنكم؟ ماذا علمكم "يور داديز" ولا زلتم تتذكرون النظرية وتمارسون النتيجة؟


الاثنين، 1 نوفمبر 2010

مغموسة بالعسل .. ملفوفة بالسولوفان


كل الكلام .. لم يكن له توقيت ولا حدود، لم يكن للحكاية بداية ولا نهاية، كانت هكذا تطفو، تتمخطر من غيمة الى غيمة .. تتلاقفها آذاننا فتطرب ونضحك.


لم اضحك هكذا منذ زمن! أعشق الضحك الذي يجعلني أنازع لشهقة هواء تاهت منّي. كانت الروح تحكي ولا تشعر بالخجل من تعليق تعلق على طرف اللسان او إحساس ضاع في حنايا الروح وقرر أخيرا أنه الوقت المناسب والمكان المناسب والآذان المناسبة للبوح.


قالت لي الزين أن احضر معي خضرة ونورية، أعلم مسبقا ان خضرة خارج الحسبة لإن وقت نومها مقدس وإذا كسرته سهرت معها طوال اليوم. أما نورية فقد دفعتني الى غرفة ملابسي عندما اكتشفت أنها انتهت من اللبس ولم أجهز ..
- Mommy .. go change, I want to go to your friend


تحسب غدونة أن كل ما عندي مسبقا وبضرفية الميراث في الحيا .. لها. حتى صديقاتي، والأمسيات التي أخططها معهن، لابد ان أجد "غدن" في حلتها الجديدة و "عناقيصها" على طرفي رأسها تعلن تصميما كاملا على المعية. أخرج من غرفتي بعد حين لأجدها "متشردغة" على فراشها بنومة عميقة والبنطلون يسحب من عليها ليوضع بدلا عنه بنطرون بيجامة التايغر التي تحبها.


"هنا" ايضا ترتدي البيجامة كوبي بيست مثل أختها وتقرر أنها لن تنام إلا عندما تتعلق بالماما "الكاشخة"! تصر "هنا" أن تحبني أكثر من اللزوم، وأكثر مما تعودت عليه طوال فترة علاقتنا فقط عندما أكون بملابس الخروج .. أي شيء غير ذلك "طاف"!


في سيارتي ابحث عن المنزل، نحن الثلاثة نسكن بمناطق متقاربة جدا، عادة ما أسئل نفسي كيف لم أرهم صدفة في الجمعية؟على فكرة، لماذا نجد كل الناس يوما ما في الجمعية؟


البيت على العنوان .. وأدخل لأجد الزين عند الباب، جميلة بدت الزين، رائقة أميرة بيتها تعرف كل بقعة فيه. أحب الشعور براحة الناس في بيوتهم، مع الوقت يكون المنزل ثالثنا او رابعنا، طفلنا الضخم او أخينا الكبير.


أجد على طاولة الزين ترحيبا نابضا بالحب، صداقة سبقت واقعها، وعمق إنساني في صوتها يشعرني بالرضا لإنني أتيت الى عالمها. وأجد ايضا على طاولة الزين " كب كيكس" تلقائيا أشعر بسعادة أكثر، عادة ما أسميها بيني وبين نفسي سعادة "الريد فيلفيت". أشارك زين بحديثنا الدافئ، صوتها يهدئ روحي، يجلعني في حالة تصالح مع نفسي. الزين "بمنتهى الرئة" وصفتها لي سيدة مصرية تعرفني وتعرفت عليها مؤخرا ..

أجيبها بيني وبين نفسي " وأنا أشهد" على غرار لكنة نهّاش فتى الجبل الله يرحمة ويغمد روحة الجنة.


زمن، وساعة يدور عقربها وتحضر صديقتي الجديدة القديمة القريبة البعيدة، قرقعة استكانة على صحن الروح ودفئ الشاي اللذيذ الذي يملؤها ويسقي الوله. غريب أنني لأول مرة أرى استكانة وأشعر أنني لابد ان رأيت وجهها في مكان ما، سمعت صوتها يخرج من بعض البوستات التي قرأتها لها ولامست حدرا عميقا في نفسي. تحدثت استكانة فتمنيت أبدا أن لا تصمت.


يا لله .. هذه المرأة تماما كمدونتها، سوالف مغموسة بالعسل ملفوفة بسولفان ملون، مربوطة بشريط ساتان وعليها ألف بالونة صغيرة ملونة! لا أكاد انتهي من فتح الجلدة الأولى من فيضها حتى أجد تحتها مفاجأة! حمامة تغني، قوس قزح بالترتر، ثريا مزركشة، وبحر من العمق الآدمي، ونظرة فريدة لكل ما هو جميل في الحياة ..


لا شيء أكثر اريده من هذه الأمسية، الزين واستكانة وكب كيكس!! أخذت واحدة وأكلتها مع الحديث، لتقفز استكانة من مكانها وتجلب للطاولة أمامي بكل بساطة هدية!!


كيكتي، كيكة كتابي، القلادة إياها بكل التفاصيل والحذافير التي الأحبها. خجلت من اللطف الذي باغتني، ورددت الإبتسامة بمليون شكر وفرحة نزقة حاصرتني فاضطربت في مقعدي ..
سألت استكانة .. شنو الفليفور؟؟
قالت لي .. مفاجأة !

اقتطع الكيكة ليطل عليّ شغفي .. استكانة تذكرت بوست ما كتبت فيه أنني أحب الريد فيلفت !!

لماذا استكانة تتذكر شيئا أحبه وكتبت عنه؟


ضحكنا الزين واستكانة وأنا .. وصلت المنزل الساعة الثانية عشرة وأنا لازلت مغموسة بالسكر .. و مصبوغة الريد فيلفيت!
غود آفتر نووووون أعزائي ..
أنا من قلبي .. أحبكم

الأحد، 31 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (16)



يعتنق عبدالوهاب ديانة الحب، رومانسي تعمه فوضى اليأس، تزعزعه نبرة دلع وتكبسه كلمة "أحبك".

وسمية مسبقا تعرف كل هذا فسبقته دائما بخطوة. بدا الثنائي الجديد الذي كنت أعرف أطرافه مسبقا غاية في الألق! على الرغم من سنّي، عرفت بفطرة السعادة أن وسمية وعبدوالوهاب متوافقان الى ما لا نهاية. عندما يتحدثان يكمل أحدهم حديث الآخر، وعندما يصمتان لا تتوقف عينيهما عن الحوار. كانا مليئين ببعضهما يرتشفان شهد العلاقة الجديدة التي فاتت، دارت من جديد وعادت لتتوج مسيرتيهما العاطفية المتلاطمة الأمواج بنقطة نهاية سعيدة ومرسى ينعم بالهدوء. ذهبت وسمية الى شقة عرسها، استأجرها عبدالوهاب على شارع الخليج العربي الشهير، في حضن الشعب البحري تطل الشقة على البحر بامتداده الأزرق وأفقه الجميل.


قالت لي وسمية يوما أنها لن تنسى تلك الشقة الفارهة ما عاشت، حيث كانت اللحظات بيضاء والذكريات رائقة وشفافة. وعلى الرغم من أن وسمية مرة أخرى لم تعد جارة طفولتي، إلا أنني لم أشعر يوما طوال فترة زواجها من عبدالوهاب أنها بعيدة عنّي! كانت دائما على بعد خط الهاتف عندما ارفعه عليها لأقول أنني اشتقتها، كان في نفس اليوم يأخذني عبدالوهاب لها.


في شقتها المنمنمة كل شيء صغير، حتى الثلاجة التي ركنت في زاوية المطبخ كانت صغيرة، الحمامات نظيفة ولامعة وغرفة النوم بلون اللافندر. بدت وسمية مرتاحة في بيتها، بمعية الرجل الذي يبدو أنه نجح في مساعدتها على دمل الجرح ونسيان الماضي.
بعد السنة الرابعة من زواج استوطنه الحب وغرست فيه رايات التفاهم اكتشفت وسمية أنها لن تنجب لحبيبها طفلا. عرفت في تلك الفترة بعد أن كبرت قليلا لأفهم شرح والدتي أن وسمية تعرضت لحادث بدا بسيطا وقتها عندما كانت صغيرة على صهوة دراجتها الحديدية. قيل لي أنها ارتطمت بالجدار بقوة وسقت على الأرض تبكي، اعتقد أنها كانت في الرابعة او الخامسة. أخذها والدها الى المشفى فنظفوا الجروح ولفوها ولم يطلع الطبيب المعالج على موقع الألم الذي كانت تشير إليه، كانت وسمية تتألم من منطقة ما أسفل بطنها. دارت إشاعة في تلك الأثناء ولا أعلم ما مدى صحتها لإن وسمية بطبيعة الحال لا تتذكر، تقول الإشاعة أنها عندما عادت من المشفى كانت تنزف قليلا من فرجها، اعتقدت جدتي أنه جرح من عرض الجروح. الى اليوم لا تتذكر جدتي إن كانت الإشاعة واقعية، فعند الإستعلام منها تقول ان جروحها كانت كثيرة والدماء كانت متناثرة على أجزاء متفرقة من فستانها.
- انتِ ما تبين بيبي؟
- أبي نورة .. أبي بيبي حلوة مثلج ..
- عشان تعلب معاي؟
- وتلعبين معاها ..
- بس أمي قالت لي أن عيالج كلهم في الجنة، ينطرونج هناك عشان تصيرين أمهم.


أتذكر جيدا ردة فعل وسمية عندما قلت لها الجملة الأخيرة، اغرورقت عيناها باللؤلؤ أغمضتهم فذابت الدموع سيلا ضئيلا على خديها، ابتمست شبه ابتسامة، حزينة كانت وخصوصا بعد عودتها من رحلة علاج في بريطانيا مع عبدالوهاب. ضمتي يومها، أذكر انها قالت لي ..
- أنا عندي بيبي .. انتي بنتي ..
لم أتحدث في الموضوع بعد ذلك اليوم، بمعرفتي الحميمة فيها، بقربي منها ومن فيض الحب الذي كنت ولازلت أحمله لها قررت بيني وبين نفسي أن أكون فعلا بنتها.


عبدالوهاب لم يعر الموضوع اهتماما واضحا على الرغم من حبه الجامح للأطفال، عبدالوهاب واحد من هؤلاء الرجال الذين يجب ان يشاكلوا الأطفال الغرباء في كل مكان. لابد أن يخرج لسانه ليناكفهم، لابد ان يبتسم لهم ولابد أن يلوح لطفل فضولي في سيارة واقفة بجانب سيارته وداعا صادقا. أحبت وسمية زوجها أكثر، كانت تتمتع بتلك الرجولة الطاغية التي لا تهزها زلازل الظروف ولا تحرقها براكين الحرمان. لم يفتح خالي فمه يوما للحديث عن الموضوع مع والدتي، لم يدافع عن نفسه وعن فحولته في بداية بوادر تأخر الحمل عن وسمية، ولم يجد ضرورة أبدا لإعادة تدوير الأمل. كان واحد من هؤلاء الرجال الصادقين مع أنفسهم، القانعين بقدرهم، المكتفين بنعمة دون اخرى. كان دائما يقول " الزواج قسمة ونصيب والأطفال قسمة ونصيب" محظوظ جدا من يوفق في الإثنين، ومحظوظ ايضا من يوفق في احدهم".
يرددها ويصدق كل كلمة فيها ..



0000



يرن هاتفي بلا توقف، أعلم أنه "عمر" ولا أرد. لا احمل نفسي عناء النظر في الشاشة الوامضة صهيلا ضوئيا يشق ظلمة الليل. عندما يعود داوود من غيابه المستمر تنام عمتي في غرفتي، وعندما يغيب او "يغور" كما كانت تقول تنام بغرفتها لتمنحني وقتا لنفسي، شيئا من الخصوصية. أي خصوصية تلك التي احتاجها وأنا دوما وحيدة إلا من دوار؟


منذ ذلك اليوم الذي قابلت فيه صراخ آسيا وصمت عمر وهو يرسل لي رسائل بلا هوادة، يخبرني أنه يحبني، أنه يريد مساعدتي، سوف يقف بجانبي. كتب لي في أحد الرسائل المهملة في سلة الوارد عندي:


" إذا تبين تنزلين الطفل راح أسافر معاك وأدفع كل التكاليف..

وإذا تبين نتزوج أنا مستعد نسافر ونتزوج بلا أهلك وبلا أهلي".


أقرأ الرسالة وأشعر بتبلد غريب في أوصالي. لا أشعر بدفء الكلمات ولا حرارة المشاعر. أشعر بالكسل! أتكاسل تحليل الرسائل مثلما كنت أفعل، تفكيكها الى قطعها المبدئية وكلماتها المصدر. لا تحتاج مني هذه الرسالة اي تحليل. عمر يقف في مكانه ويترك لي الكرة بملعبي. يعطيني كما دوما يفعل خيارات أغرق بها ولا ينتشلني من هم الحيرة الذي أنا فيه.


من أنا لكي أقرر بعد كل الذي فعلت؟ كانت قراراتي السابقة بمنتهى الغباء، غبائي هو ما أوصلني لهذا النفق المظلم بلا ضوء الخلاص، أزم عيني وأقطب جبيني وأحاول ان أرى النور في نهاية المشوار، لا أرى الا سواد العار وعذابات الجريمة. من هذا المفترق لا خيارات لدي، أنا موعودة بالموت أيا كان شكله وكيفما كانت رائحته. أقف على قدماي وأتقدم بتردد نحو المرآة الكبيرة التي تعتلي صدر طاولة خشبية رصت عليها قوارير مزركشة، انظر الى وجهي فلا أرى إلا الهالات السوداء وعينين حمراوين، لم أكن أعلم انني كنت أبكي! أنا بكيت حتى فقدت إحساسي في بفعل البكاء، إن كانت عيني تعتصران دمعا أم لا، ما من فارق.


على أطراف المرآة رصت صور صغيرة، كتلك التي في بطاقاتنا المدنية وجوازات سفرنا. تدخل وسمية زاوية الصورة في طرف مرآتها فتعلقها في الإطار. واحدة لوسمية وهي صغيرة، لداوود بالأبيض والأسود فتيا في زي الكشافة، لابن أخت داوود طفلا نابضا بالحياة، لطفلة صديقة وسمية التي توفاها الله إثر مرض ما. تتدلى من المرآة صور العديد من الأطفال التي حرمت منهم وسمية . وهناك أيضا في الزاوية الأخرى صورتي وأنا رضيعة، كانت تلك الصورة الوحيدة التي كتبت خلفها وسمية بخط يد دلّ على صغر سن صاحبته، معوج خطها لم تتقنه بعد: " نوره أحلى بنية العالم".


أقرأ السطر اليتيم وامتقع، أسقط في بئر عميق سقوطا أبديا. كلما هويت أكثر، كلما زاد شعوري بحزن يكاد يخنقني. هكذا وأنا أرى انعكاس خيالي على المرآة .. أرى فجأة وجه طفلتي. تلك التي تشاركني الآن جسدي، هي ذاتها التي يريدون مني قتلها. هكذا وأنا هناك في بقعة عميقة من حزن يقطه أوصالي، عرفت يقينا أن ما في داخلي بنتا.


من موقفي القاسي أبكي، من مذبح روحي أنتحب ..

هذه المرة كان بكاء مختلفا لدرجة أنني أحسست بحرقته. هذه المرة أنا لا أبكي نفسي، مصيري او مستقبلي .. هذه المرة أنا أبكي طفلتي.


أسقط على الأرض وأجلس في دائرة غامضة، درجة جديدة من الجزع، ربما كان تلك النقطة الفاصلة بين العقل والجنون، بين البقاء والرغبة الصادقة بالرحيل. فكرت وأنا في دائرتي أنني لكي احمي طفلتي يجب أن أقتل نفسي، هذه الوسيلة الوحيدة التي لن اضطر فيها لقتل جنيني بيدي، أموت أنا ولا أقتل روحا بريئة، حتى ولو ماتت بموتي!


تنتقل غشاوة عيناي من اللاشيء الى رسغي، أتحسس النبض النافر وأتخيل مقدار الألم الذي سأشعر به إن غرست موسا وشطفت خطا قاتلا في يدي. ارفع رأسي للسقف، أبحث عن شيء أعلق فيه حبلا يقتلع روحي، يخيفني المنظر، أجزع! أغمض عيني وابتسم، أتذكر خزانة الأدوية التي تحتفظ بها وسمية في حمام غرفتها، استرجع كمية قوارير المرصوصة ببطن الخزانة، أعلم أنني سأجد منها واحدة تنهي تواتر الحزن الذي بات يلوّن عمري. إن مت لن اضطر لقتل طفلتي، سنموت معا، لن يحزن أحدنا على الآخر ولن يلومني كل الوقت الذي سأعيشه بعدها، لن يناديني ضميري بالقاتلة ولن اضطر لدفن سر بهذه العفونة في بؤرة ما في دهاليز مستقبلي. أتنفس، لأول مرة أسحب من السقف هواءا كثيرا يملئ صدري وعلى الرغم من كل ألم الفكرة وشذوذها إلا أنني شعرت بأنني أخيرا وصلت لمحطتي، سأترجل من القطار وأرحل الى الأبد.


أرفع نفسي من الأرض، أهم بسحب خطواتي فحيحا هادئا الى غرفة وسمية ومن ثم حمامها، أفكر بيني وبين نفسي أنني يجب ان لا أنتظر الصباح، ربما لإني أحب الشمس، وأحب عينا وسمية وربما لإنني لن اقوى على تنفيذ جريمتي في حضرتهما. أتحسس طريقي في الظلام غشاوة الدموع على عيني لا تساعدني كثيرا على الوصول الى باب غرفتي. أخطو ببطئ، أرفع رأسي وأقف فجأة عندما تلمح عيني كيانا واقفا عند بابي، تلمع عينا وسمية في الظلام. التفت لساعة المنبه الإلكترونية على الطاولة التي بجانب برأسي، يشير الوقت الى الساعة الثالثة فجرا، أعود برأسي الى المكان الذي تقف فيه عمتي وقبل أن أفتح فمي لأسألها ..
- لبسي شي دافي وتعالي معاي ..
بدون سؤال ولا انتظار لأي تبريرات، اضع على جسدي جاكيت طويل من الصوف وأتبعها الى سيارتها.



يتبع ...

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (15)


ترتشف استكانة شاي بالنعناع الأخضر وتسألني إن كنت أرغب يوما بالزواج ..
- لا يمّا آنا ما أحب الرياييل ..
- هاو .. ليش؟
- ما ادري ..
أفكر قليلا ..
- لحيتهم تقزز

تضع استكانتها على الصينية الستيل وتضحك ملء قوامها المكتنز وشفتيها الغليظتين. يدخل والدي فتعيد عليه ما قلت ليلتقطني من الأرض ويبدأ بحك لحيته بخدّي! لا اعلم من أخبر والدي انها لعبتي المفضلة؟ كلما وجدني بمتطاول ذقنه بدأ معي نوبة الخدش حتى يحمر وجهي.

اشتكي لوسمية التي اعلنت مؤخرا خطبتها على عبدالوهاب، مشكلتي مع لحية والدي ..
- انحاشي .. ركضي حيل بسرعة عشان ما يصيدج
- بس اهو كبير وسريع ما اقدر انحاش منّه ..

تضحك وتخبرني عن ذكرياتها مع والدها، كان "بابا عود" رجلا معتدلا بكل شيء حتى بمعاملته لبناته الثلاث اللاتي كن يجدن دوما طرق جديدة للحصول منه على ما يردن. الى اليوم تتندر عماتي على الطريقة التي كان يغضب بها منهن، كان يخرج طرف لسانه ويعض عليه، ويبقى متوجعا متورما لأيام. وسمية الصغرى بين الفتيات كانت المفضلة لديه، يحبها ويدللها قدر استطاعته، وعلى قدر احتمال جدتي لدلاله لها إلا أنها كانت تتصرف حيال قربها من والدها بصورة غريبة. تؤمن عمتي أن جدتي التي لم تذق يوما هنيئا مع زوجها كانت تغار منها وتحاول قدر استطاعتها ان تبعد وسمية عن والدها. ربما لهذا قضت وسمية أكثر سنين طفولتها الأولى في بيت خالتها أم هناء ونبيله.

- أبوج وايد زين نورة .. بس يتأثر بسرعة
- يعني شنو يتأثر ؟
- يعني يسمع الكلام إللي يقولونه الناس ويصدقهم .. يتأثر فيهم
- يعني شلون؟
- يعني لمّا أحّد يقول له ان نورة بنية مو زينة وهي شيطانة ومو مأدبة يمكن يصدقهم ..
- وآنا .. ما راح يسألني ؟؟
- لا .. ما يبي يسألج .. عنده كلام الناس كافي

من الحوارات التي دارت بيني وبين وسمية ولا أزال أتذكرها، ربما لإنني الى يومنا هذا لا اعلم ما الذي كان يدور برأسها عندما قررت ان تحدثني عن والدي بكل تلك الحرقة. عرفت فيما بعد، بعد زمن وبعد ألم نبذة مقتضبة من تاريخ تطور رجولة والدي. كان في ريعان الشباب وفورة المراهقة عندما علم أن عمتي الكبرى رقية تحادث أحد الشبّان، كان يحبها ويتربص بها تحت ضل شجرة متوارية تبعد خطوات عن مدرستها. آثر أبي في ذلك الوقت ان يثبت للجميع أنه أصبح رجلا فداس على رأسها ووضع سكينا على رقبتها، كانت جدتي تبكي ووالده يصرخ ورقية سقطت بعدها في بؤرة سوداء من صمت، لم تتحدث لشهور بقت متوارية عن الدنيا الى ان جاء خاطبها " الولد ذاته" وأخذها بعبائتها السوداء وأخرجها من ظلامها. الى اليوم علاقة رقية بوالدي ضبابية، حتى بعد سنين طويلة لا تحادثه مباشرة وهو لا ينظر في عينها. أتساءل بعد معرفتي بالقصة .. ترى من فيهم الحاقد ومن النادم؟

كنت أعلم أن لأبي سوابق تصرفات غير مشرفة، كنت أعلم ان الحُلم الذي يسكنه قبع في أعماقه انعكاسا لتجارب مؤلمة، أخبرني يوما أنه تعلم دروسه جيدا لإنها جاءت من عمق الوجع، آلم أشخاص يحبهم فهجر قلوبهم الى الأبد ..
- الفاس يقلع شجر والأعصاب تقلع بشر
أخبرني يوما، هكذا بدون مقدمات. ضحك وقتها وقال لي انه مؤلف الحكمة!



0000



أرتجف، لا يكف جسمي عن الدوران في دوامة الغربة. اغترب لإن لا أحد يحبني ولا أحد يصدقني ولا أحد يرغب بسماع ما لدّي. وسمية الوحيدة التي فتحت لي حضنها لأرتجف وأدفئ وأهدئ بعد نوبة نشيج. أحكي لها ما حصل في بيت عمر فيحمر وجهها وتضرب بكفها فخذيها، صوت الضربات حاد ومؤلم. لأول مرة أرى عمتي تتعامل مع الأمور ببدائية نسائية لا تليق بها، تشق جيبها وتضرب نحرها وتولول كالمعجونات بالقهر على مدى الأزمان الغابرة. أعتب على نفسي لإنني نقلت لها ما قالته آسيا، لم تكن عمتي لتسمح لأي امرأة كانت ان تشكك بطهري، حتى وأنا حامل بدون زواج!
- آنا أواريج فيها ..

أخافها وأخاف عليها، اعلم ان تلك الجمرة التي وضعتها على قلبها لن تنطفئ إلا عندما تنفذ عمتي خطة انتقامها. أرجوها بيأس ان لا تنحاز لشياطينها، أن لا تميل لتلك البقعة الدبقة التي تخزن فيها شرورها، أن لا تدخل الى ذلك الكهف المنتن الذي تخبئ فيه عفاريتها..
- تبين تسوّين المصيبة مصيبتين؟
- لازم ينقطع لسانها او يحترق قلبها مثل ما حرقت قلبج
- قلبي محروق وسمية، بس مو منها !


لم تنم عمتي تلك الليلة، كانت منكفئة طوال الليل على فكرة ما، تدغدغ الفكرة رجلها فتجفل. قامت الساعة الثانية الى صالة المعيشة واعتقد أنني ما بين صحوتي ونومي سمعتها تحادث نفسها.. عادت وأندست بجانبي! تركت الفراش الساعة الخامسة، ذهبت الى الحمّام ثم جلست على طاولة الأكل تحدق ببقعة صمت أمام عينيها. من مرقدي خفت من طوق الأفكار الذي يدور برأسها. ارعبتني فكرة ان تفقد عمتي إنسانيتها على أعتاب حكايتي، أن تتجرد من جمالها الذي تربيت على ألقه، حبها الذي ترعرعت بكنفه، ان تقترف ذنبا حتى أنا لا أغفره.
رفعت رأسي من على الوسادة، نظرت الى ظلها الجالس في البعيد، وقلت ..
- وسمية .. خلاص .. أنا أبي أسافر !

يتبع ...

القلادة إياها فيييييين ؟؟


حاليا في مكتبة دار العروبة لمن فاته المعرض..

مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع

النقره - مجمع العثمان شارع قتيبه

ص. ب. 26223 الصفاه 13123

2664636 - 2610842


وايضا .. مي من مدونة مكتبتي تكتب رأيها في " القلادة إياها "

الرابط

شكرا مي ..
قرأتها مرتين، وظللت مبتسمة حتى بعد حين :)

الأحد، 24 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (14)


عندما أخبرت والدتي عبدالوهاب على سفرة الغداء أن وسمية طُلقت شهق بلقمة الماء الذي عبها للتو وكح بعدها الى حين! سأل واستفسر ثم قام واستنفر لوحده غاضبا من الرجل الذي أخذها ليهينها ويعذبها.
- والله ما تستاهل .. خوش بنية..


على الرغم من علاقة والدتي بوسمية التي لم تكن لها ملامح واضحة، إلا أن أمي كانت دائما في صفها. تدافع عنها عند أبي عندما تشتكي منها العجوز ومن سوء أفعالها. كانت أمي المتعاطفة الأولى مع وسمية والمتعاقدة معها بالخفاء لتخرجها من بيت أمها الى بيت رجل يستحقها.
- شرايك وهّاب .. ما تبي تاخذها؟


احمر وجه عبدالوهاب وتوقف قليلا عن الكلام. كان عبدالوهاب واحدا من هؤلاء الشباب النادرين الذين لا يهمهم قول القائلين ولا توجهات المجتمع الرائجة من كل زمن. كل ما يهم الشباب من الارتباط بامرأة بلا سوابق، امرأة من عائلة معينة ومن أصول معينة، امرأة لا تعمل او تعمل فقط في مجال نسائي. لم تزن ثقلا في تفكير عبدالوهاب كل تلك العوامل، كان فكره مُنصب كليا على شخصية المرأة وما يحسه هو نحوها. كان مؤمنا حتى في ذاك الوقت بكل تلك الأفكار التقدمية مثل حق المساواة بين المرأة والرجل، عمل المرأة بكافة المجالات، وحقها ان تخطئ وتصيب وتبحث بنفسها عن طريقها بدلا من السير على طرق مسبقا مرصوفة ومحددة لها. كان عبدالوهاب يحب فكرة مصاحبة وسمية، التقرب منها، التعرف عليها من قرب، أن تجمعهما سيارة واحدة في رحلة سفر طويلة او ان تجمعهما جلسة رائقة في كافيه يتحادثان فيه عن كل ما يخطر ببالهما. وسمية بالنسبة له لفحة من عبق الماضي، صديقة طفولة منسية وشقاوة بريئة ودّ بينه وبين نفسه أن يأخذ ما يتذكره عنها الى مستوى أعلى وأعمق وربما أكثر نضوجا وشقاوة.


تتعثر كلمات وسمية عندما تخبرها والدتي بالإقتراح، تحاول ان تجمع كلمات لإنتاج جملة مفيدة فلا تستطيع. ضحكت المرأتان عندما آثرت وسمية الصمت وهزت رأسها بالإيجاب. قالت وسمية لوالدتي أنها ترغب بالجلوس الى عبدالوهاب أولا – بإشراف الأهل طبعا – لتتعرف عليه عن قرب وتقرر في نهاية المطاف.
فرحت جدتي ام والدي للفكرة، وابتسمت ام والدتي عندنا أخبرها عبدالوهاب أنه يفكر بوسمية ..
- وعليّه خنت حيلي، البنية مثل قطعة القمر .. ما تهنت بزواجها.


تم الإتصال والإتفاق على يوم الخميس من الأسبوع القادم ليزور عبدالوهاب بيتنا ويجالس وسمية عربون صداقة ومفتاح ود. لم تكن الجلسة خطبة، كانت كما تسميها وسمية " تعارف بعد عشرين سنة".


أخطف نفسي من تحت مشط والدتي وأجري الى غرفة وسمية التي تتزين أمام مرآتها، بدت اكثر جمالا وتألقا مع طريقتها الجديدة لوضع كحل عينيها. شعرها ثائرا وناعما في نفس الوقت مع تموجات رقيقة. ربما كان أجمل ما في وسمية هي تلك الإبتسامة التي ارتسمت بخفر على شفتيها. كانت وسمية تعلم جيدا من منطلق فطرة إمرأة أنها موعودة مبدئيا بالسعادة.
تتأفف العجوز وتتمطى وهي تحاول الإعلان ضمنيا أن جلسة "البنت" مع "الولد" قد طالت، كعاشقين قديمين جدا مقتطعان من أفلام عبد الحليم وشادية جلسا في زاوية بعيدة من صالون بيت جديي يتناجيان بفرحة. نسمع من مكاننا صوت ضحكات تفر منهم رغما عنهم فتزيد جدتي غليانا!
- قومي قعدي عند عمتج ..


لأول مرّة تحرضني جدتي على شيء فعلا أريده! كنت أتحرق للذهاب لعمتي وخالي، صديقاي اللذان سيتوحدان ليكون حبي لهما مضاعفا. ترسلني جدتي لأكون إنذارا منها "بطريقتها الخاصة" ربما تفهم وسمية أن أمها لا تستسيغ جلوسها الطويل بلا ثقل وتمنع مع عريس محتمل. اقفز من مكاني وأجري نحو مشروع الزيجة الذي يتحقق أمام عيني. أقف بينهما وابتسم، يناكفني خالي ..
- نعم .. شتبين؟


أرد عليه ..
- انت شتبي ؟؟ هذا بيتنا
- أنا .. ابيها. يشير على وسمية فتبتسم بخجل ..
- جم تدفع؟

يضحكان .. ينفرط عقدا منثورا بالأمل كانا يخيطانه فيما بينهما منذ تعارفا لأول مرّه، لا أعلم لماذا شعرت حينهما أنهما مسبقا متزوجان. تضمني عمتي وتسر لي بأذني شيئا ..
أجري الى أمي وأسر لها ..
- تقول عمتي وسمية .. لي ياج الغزال مسكيه

تضحك والدتي وتجلسني بجانبها وتسمح لي بأخذ كعكة غاتوه بيضاء مطلية بالشيكولاته.


0000


تفتح لي الخادمة الباب الخشبي الثقيل، تنظر لي وفي عينيها ترحيبا صادقا. حتى قبل أن أفتح فمي تقول لي أن عمر في الطابق العلوي، بعد لم يذهب للجامعة. أسألها عن آسيا فتخبرني أنها نائمة. أطلق ساقاي وأقفز الدرجات الطويلة الى الطابق العلوي، قلبي ينبض وأشعر بوخز في خاصرتي وكأن أحدا يطارني. افتح باب غرفة عمر دون أن أطرقه، أدخل ليطل رأسه من خلف باب خزانته المفتوح .. ويأخذ شهيقا طويلا.
- آنا أحلم؟
- لا .. آنا إللي في كابوس


يتقدم نحوي وأحس بأصابعي تأكلني، رغبة عارمة تتملكني لأصفعه، لألطمه، لأدفعه للأرض وأركله ولكني على الرغم من كل تلك الرغبات .. آثرت أن استقبل ذراعيه وأدفن نفسي في حضنه.
- أمك وابوك ما قالو لك شي !؟
- عن شنو؟
- عني .. وعنك
- أمي وأبوي شدخلهم بالموضوع؟

تلمع عيناي بالدموع، نجلس على حافة الفراش، على شفى حفرة من السمو او السقوط. جئت بفستاني وشرائطي لأحاول أن أقنع حبيبي أنني طاهرة على الرغم من كل ما يحدث داخلي.
- عمر آنا حامل ..

يدنو للخلف شبرا وينظر لي، كأنه يراني لأول مرة في حياته، يحاول فك طلاسمي وتحليل اللغز الذي نطقته للتو بلساني.
- شلون؟
- من ذاك اليوم في البيت الصغير ..
- بس احنا ما ..
- بس صار ..

تفتح آسيا الباب، تعلم مسبقا أنني هنا، ترحب بي بحماس مصطنع وتخبرنا أنها تريد محادثتنا في الصالة، تتركنا وتبتعد:

- أمي تدري؟ يسألني
أومئ له بالإيجاب ..

لم يكن بين غرفة عمر وغرفة المعيشة الأنيقة في الطابق العلوي إلا بضع خطوات، ولكني شعرت ثقل غريب في قدماي وأنا أسوق نفسي الى مواجهة هلاك. هذه المرة لم تكن امرأة غريبة خدعتها بحجة الفن الذي تهواه! هذه المرة جئت أنا، بنفسي وصوتي وجسدي وروحي التي يهواها عمر، جئت له لأضع بين يديه خيارين، ان يكون رجلا او أن يبقى طفل الى الأبد ..
تضع رجلا على رجل ولا تنظر لي، تتحدث:
- سمعي حبيبتي، قصة "الفيرجينتي" هذي ما تدخل العقل، وآنا ادري ان عمر ما سوّى الأشياء إللي تخلي المره تحمل من الريّال، هذا إللي انت قلتيه وإللي اهو يأكد عليه .. فإنتِ شوفي منو كنت معاه، وشسويتي وياه وصار إللي صار. لإن يا ماما ما يصير كل واحد رش شوية "سبيرمز" على وحده .. حملت!

تلتفت لعمر ..
- صح ماما؟

ينظر نحوي..
أتوارى .. اتقوقع داخل نفسي وانكمش الى أن اصبح عقلة اصبع، تكبر آسيا لتصبح عملاقة مخيفة ويبقى عمر صامتا ينظر في الفراغ الذي بيني وبين امه. بدى لي منطق آسيا مقنع جدا، لوهلة من الزمن شككت بنفسي وأخذت تعتصرني قبضة ندم صارمة، لماذا أتيت؟ وما الذي دعاني للحديث مع عمر في بيته؟ كان من المفروض ان آخذه في روضي، ان اجالسه لوحدي وأخبره .. اقسم له أنه الوحيد الذي لمسني ..
- نورة .. آنا حتى لو صدقت أمي ما راح اتخلى عنج، إللي تبينه آنا راح اسويه

تقاطعه ..
- شنو بتسوي ماما؟ بتتزوجها وتضيع مستقبلك ؟
- يمّا .. اهي مستقبلي
- لا .. مستقبلك دراستك وشهادتك ورياضتك وشركة ابوك، تكون غبي إذا خليت بنية الله واعلم من وين يايبه مصيبتها تكون مستقبلك ..

يصرخ ..
- يمّا !!

تخاطبني ..
- شوفي ماما، أنا قلتها لعمتج والحين اقولها لج .. زواج لأ وإللي تبون تسوونه سووه. بس أهلج كلهم راح يدرون وأبوج أولهم.

أخرج من البيت كالشاه المساقة الى مسلخ ذبحها، عمر يناديني ويجري خلفي وأنا لا اسمع إلا بحة والدي وهو يسمع خبر فضيحتي. عيناه وتلك الدمعة اليتيمة التي سيذرفها قهرا علي عندما يجد نفسه وحيدا على الفراش. أترك عمر كمَه بيد أمه يتشاجران في عالمهما المليء بالرخام واللوحات الزيتية والاحتمالات الرائعة. اترك عمر للمستقبل الذي تعده له آسيا، ربما للفتاة التي ستختارها من بين صف المعروض في أحد الأعراس الفاخرة، اترك عمر ولا ألومه لبرهة على الشكوك التي زاولت رأسه في أن من بداخلي .. ربما ليس من فعله!



0000


يتبع ...

السبت، 23 أكتوبر 2010

سأكون في المعرض ..


لإنه اليوم الأخير ..
سأكون في المعرض من الساعة 6:00
أشتري حصتي من الكتب وأهدي "القلادة إياها"
لكل من فاته الإهداء

الخميس، 21 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (13)




- شفيها بنت أخوج؟
اسمع داوود في غرفة وسمية يفح بأسئلة لا تعنيه! بات الشك يساوره بعد أن دار حولي سبع مرّات يشم رائحة سر دفين. سألني يوما بينما آكل فطوري وأتعرّق من الغثيان الذي بات يزورني بكثرة، إن كنت مريضة؟ نظرت اليه وأخبرته أنني أعاني من نزلة معوية. نظر لي بتردد وانزلقت نظراته الوقحة الى بطني، وقف أمامي ووضع كفه على بطنه وربت على كرشه الصغيرة ..
- سلامتج ما تشوفين شر !
كيف لا أرى الشر وهو أمامي كل يوم، يطوقني بنظرات محمومة ويحاول ان يفتح معي مواضيع باردة! لم أحب داوود منذ ان تزوجته وسمية قبل أربع سنوات. بعد موت عبدالوهاب بثمانية سنوات قررت وسمية أن يكون لها زوجا لتحظى بتلك المكانة الاجتماعية التي تحتاجها كل امرأة بعد أن تفقد رجل.
تهب فيه وسمية :
- ما فيها شي .. وإياني وإياك تأذيها بكلمة، البنت مريضة وبحاجة للراحة.
- ما شفتكم ولا مرّة تروحون الطبيب! هذا اي مرض إللي يتعالج بالبيت؟
- نفسي .. ما سمعت عن الضغوط النفسية والكآبة؟
- كآبة؟ وهذي ما كملت خمسة وعشرين وكآبة ؟؟ عيّل لا امتنت وعيّزت مثلج شبيصير فيها؟؟
تصمت عمتي، اعلم حتى وأنا استرق السمع أنها تفكر ..
- شرايك تسافر جم شهر؟ أنا ادفع لك ثمن تذكرك، روج لبنان صيّف هناك اقعد بشقة أمك ودردع بهالمشروب لين تموت.
- ما عوزج .. تبين الفكّة ! ماني متحرك من هني إلا لمّا اعرف شفيها نورو ..
أحس بانقباض في معدتي. يخيفني شبح الرجل الدنيء الذي يختبئ في هيكل داوود، أعلم أن للرجل سوابق في القفز ليلا على الخادمات اللاتي كانت وسمية تجلبهن لخدمتها. لم تسلم حتى " تراجي" الخادمة الأثيوبية ذات الستة وخمسين عام من شره عندما قرر ليلا أن يزور فراشها بدلا من فراش زوجته، صرخت بأعلى صوتها وألقمته ضربات متكررة بأبجورتها على رأسه حتى شجّت جبينه، خافت عندما شاهدت الدم فهربت في نفس الليلة. استيقظت وسمية لتراه ممدا عند فراش "تراجي" ينزف من رأسه. أخذته للطبيب ليخيط جرحه وحذرته إن فتح فمه أو فكّر في تبليغ الشرطة عن "تراجي" ستشهد معها ضده وتخبرهم أنها ليست المرّة الأولى التي يطغي فيها على مخدع خادمه.
تخدم وسمية الآن "أنزوما" خادمة نيبالية عريضة البنية، عمرها 35 ثلاثين وذات صحة ممتازة، بضربة واحدة منها من الممكن ان تكسر داوود نصفين. تضحكني وسمية عندما تهدده بها فيخاف ويرتعد.




0000



يزورني سعد في بيت عمتي، يجلب لي ملابسي واللابتوب الخاص بي وبعض الأشياء التي اوصيته أن يجلبها من البيت. يجلس على طرف فراشي في الغرفة التي خصصتها عمتي لنومي، كانت ملاصقة لغرفتها، فيها نافذة كبيرة تطل على الشارع الخلفي الذي يختبئ خلف بيت داوود الذي كتبه بإسم وسمية لتقبل الزواج منه. تملك وسمية الآن البيت بكامله ولا تتوانى عادة من تهديد داوود بطرده كليّا من البيت فيعض على اصابعه ويتحسر على اليوم الذي وثق فيها وكتب لها البيت بإسمها بيع وشراء.
يداعبني سعد ويخبرني أن البيت أجمل بدوني، حتى أخي الصغير الذي لازال يشق طريقة نحو مبادئ المراهقة يفتقدني. يسألني عن سبب البعد عن البيت:
- هذي اول مرّة تنامين اسبوع كامل في بين عميمة وسمية ؟ نورة أحّد مضايقج في البيت؟
لا أعلم ماذا اقول له، أحب سعد لإنه كان الهدية التي حصلت عليها بعد عشر سنوات من كوني بنت شاطرة وفتاة مطيعة! كان والدي يخبرني انني سأحصل على أخ او أخت عندما اسمع كلام والدتي ولا اضايقها. بعد سنين من العمل الدءوب على تميزي واعتدالي جاء سعد ليخرجني من دائرة الوحدة ويعطيني الله به هدية لطالما انتظرتها. أحب سعد ايضا لإن بعده تغيرت والدتي، خفت هلعها واختفت علامات الجزع التي كانت ترتسم على وجهها عندما كانت تسألها العجوز عن حملها المنتظر:
- بعد هذا حق! إذا ما حملتي بزوج خالد مرّة تترس لنا البيت عيال. هذا ولدي الكبير ما راح أخلي ذريته بنت وحدة!
ترتبك والدتي ويحمر وجهها، تكتم لوعتها بقلبها وتتوجه لتتسول حلولا من أطباء وحواجين. لم يبق عشبة قميئة إلا ونقعتها وشربتها على الريق، لم يبق ابرة إلا وغرستها في افخاذها كل مساء، ولم يبق دعاءا إلا وتضرعت به الى الله لوحدها في ليلها عندما كانت تستيقظ قبل الفجر لتصلي ركعتين قيام وتبكي رجائها خالصا من روحها ترسله دموعها الى سابع سماء. بعد مرور تسع سنوات من ولادتي يئست أمي وتوجهت لوالدي تعطيه صرّة رضاها على موضوع الزوجة الثانية. دنى منها والدي وأخبرها انه لا ينسى العشرة، وأنني – أنا – نعمة من الله الذي أنعم عليه بإبنة بينما حرم منها الكثيرين. قال لها ان لا تستمع لتلميحات أمه، هي امرأة عجوز نشأت على مفهوم واحد للأنوثة، لا تعتبر المرأة كاملة في منظور جدتي إلا عندما تنجب قدر المستطاع، بنينا تفخر بهم وبنات يخدمونها ويرعونها عندما تكبر.
عاش والدي في كنف والديه أكثر من أخوته، هو الأول الذي كبر ونضج مبكرا ليشهد حوادث كثيرة تؤلمه ذكرياتها الى اليوم. حتى مع سلاطة لسان العجوز وتدخلها في شئونه الخاصة لا زال يشفق عليها ويرحمها. يقول أنها تجرعت من أبيه ذلا وهوانا لم يسمع به أحد.
- مو مضايقني أحد سعّود .. بس الإمتحانات صعبة وآنا ماني قادرة أركز في البيت.
- إي أدري، دانة ودلال وايد مزعجين ..
ابتسم وأسأله ..
- تحبهم ؟
- إي بس شياطين كلّه ألاقيهم بداري، ياكلون حلاوي ويخربون أغراضي ..
- ما يخالف .. يهال
نتسامر أنا وسعد، نقابل بعضنا ونقتسم بيتزا بيباروني دافئة. نسترجع حكايانا القديمة وذكريات أخوتنا..
حملت والدتي مرة أخرى بعد ولادة سعد بتسع سنين، الى الآن لا أحد يعلم لمَ يحتاج جسد والدتي لمدة طويلة ليستضيف جنينا آخر. تموت وتحيى أمي طوال فترة المحاولة والانتظار، تسمع ما لا يسرها كل يوم تقريبا وتصمت لتتدثر آخر الليل بثوب صلاتها وتنام على سجادتها بعد أن أنهكتها صلاة الحاجة. حملت بالتوأم دانة ودلال وفرحت ملئ مهجتها عندما علمت ان في أحشائها دليلا مزدوجا على خصوبتها، صمتت العجوز لفترة الحمل كاملة وعندما علمت أنهما بنتين بدأت تعلك من جديد سيرة كنتها المعطوبة التي بالكاد تحمل بالبنين. بعد دانة ودلال أخذنا والدي لبيت جديد، فرفعت والدتي راية سلام على رأسها، في بيتها الذي لا يعايرها فيه أحد.
- متى بترجعين؟ يسألني سعد ..
وأقول له أنني لن ارجع إلا عندما انهي امتحاناتي وأسافر مع عمتي لقضاء الصيف خارج البلاد ..
- بروح معاكم
اربت على رأسه وأحزن عندما قلت له ..
- لا حبيبي .. ما راح تستانس!




0000



ارتدي فستانا..
لا أذكر متى آخر مرة ارتديت فيها فستان أنثوي مثل هذا. أمشط شعري ناعما منسدلا الى نصف ظهري واضع على رأسي طوق اسود بشريطة ستان. بدوت كفتيات المدارس الأجنبية، بريئات ومرتبات. انتظرت وسمية تخرج لعملها فأخذت مفاتيح سيارتي وتوجهت هكذا بلا إنذار مسبق صباحا باكرا الى منزل عمر.



يتبع ...

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (12)


الى اليوم لا اعلم لماذا كانت عمتي تحادثني أكثر من الكبار التي كانت تنتمي اليهم، أكاد أجزم حتى وانا في تلك المرحلة الخضراء من طفولة أنها كانت تقول لي جزءا كبيرا من أسرارها، تشرح لي أحاسيسها الدفينة، كانت تعري روحها أمامي وتبكي بحضني بينما نحن جالستان على الطرف الأيسر من سريرها. عمتي كانت تشكي ما يحزنها لطفلة لم تتعدّى السابعة ربما لإنني كنت لا أفهم أغلب الحديث، فلا أردده لأي مخلوق حولي.


عندما عادت وسمية من بيت حسين الى الأبد شدد عليها اخوتها الثلاثة خناقا حادا، تعاليم والدتها كانت واضحة وبينة. المطلقة قنبلة موقوتة لابد وان يأتي اليوم الذي تشهر فيه أنوثتها سمّا يدمر اسم العائلة. كانت جدتي تخاف على وسمية من الرجال وتخاف منها! وسمية صغيرة وجميلة ومكتنزة .. ومطلقة!

امرأة بلا أختام ولا شمع احمر يدل الراغب القادم على طهرها، وسمية الآن وبعد طلاقها شابة سهلة المنال، ناقصة عقل ودين لا يردعها صك عذريتها ولا تطهر سمعتها صابونة مسك. بقي لوسمية سنة أخيرة لتنتهي من دراستها الجامعية، تقرر العجوز ان يأخذها عامر للجامعة قبل عمله ويرجعها عثمان بعد الظهر ما إن يستيقظ من النوم. بقي عثمان مدة طويلة بلا عمل خصوصا بعدما أقفلت الوزارات أبوابها بوجهه. لم تكن وسمية تخرج مع صديقاتها ولم تعطى لها مفاتيح سيارتها إلا عندما ترغب والدتها في ان توصلها عمتي لوجهتها. كان أبي متفقا مع كل ما يحدث لوسمية، مقتنعا أنها الطريقة المثلى للمحافظة على فتاة أصبحت بين ليلة وضحاها مطمع سائغ للرجال. يشمت عثمان بها ما أن تواتيه فرصة سانحة ليزيد عليها مصابها :
- عشان تعرفين مرّة ثانية إن اختيارج مثل ويهج.


يقذف الجملة المحفزة قهرا في وجهها كلما فتحت فمها بمطلب او سؤال. لكي تخرج بعيدا عن البيت، كانت تسترجي والدتي أحيانا للخروج معنا أنا وهي. أو ان تأخذ والدتي معها لجلسة صاحبات في مقهى بعيد. كانت والدتي دائما ترفض لإنها لا تفعل شيئا من دون علم والدي. أحاول بسنيني السبعة مساعدتها، فتح الأبواب المغلقة في وجهها حتى لو مسافة متطرفة لتستنشق وسمية هواءا مسروقا من جيب ظروفها. أحاول ان استعمل تأثيري المجدي في أغلب الأحيان، بالغ التأثير على أبي لكي يسمح لوسمية ان تأخذني لمكان ما، كان يرفض غالبا ويأخذني بنفسه أحيانا أخرى فأجر وسمية معي لنخرج معا لنشرب عصيرا من دكانها المفضل او نشتري كعكتها المسطحة ذات السكر الوردي.


وعلى الرغم من ذكائها المتقد وعنادها الأبدي إلا أن وسمية بدت بمنتهى الخضوع، وكأن شيئا داخلها قد كسر. في تلك الفترة أهملت دراستها وأخذت بالتغيب عن فصولها. تركت أشغالها الفنية التي كانت تحبها، لم تعد تصنع ربطات الشعر وتيجان الرأس المزينة بالترتر وتراب المنثور اللامع. لم تعد لتزيين غرفتها بفراشات جديدة. بدت ساهمة وبعيدة وكأن حسين قد أخذ منها ذلك الدافع للدفاع عن حقوقها المكتسبة بالحياة.


في تلك الفترة أيضا صامت وسمية عن سيرة الرجال، حتى جلساتها الماجنة مع هناك ونبيلة ابنتا خالتها لم تعد مسلية ولم أعد أراهن يضحكن حتى تدمع أعينهن لنكتة قذرة او قصة جنسية عجيبة. لم تعد وسمية ترغب بسماع المزيد عن سيرة الحب والزواج، تنصحانها هناء ونبيلة أن تنسى ما حصل وتركز على المستقبل.


أي مستقبل ذلك الذي سينتشل وسمية من قعر النبذ الذي مارسه حسين على أنوثتها؟ أول زواج إن صحّ وتكافئ من شأنه أن يُكمل المرأة لتصبح بمقاييس الروح كاملة، فينزح كمالها، يأز للخارج لتنتج وتبدع وتنجح في مختلف اهتماماتها. حسين أطبق عليها بشذوذه فأصبحت بنظر نفسها نصف امرأة، لا تستطيع ملئ رجل. كان يجب ان تشاطرها امرأة أخرى سريرها مع زوجها لتحظى بتلك الأجزاء من الثانية التي يعيرها فيها حسين شيئا من شبقه.


حتى بعد زواجها لم تتأكد وسمية أنها جميلة، مغرية وكاملة الأنوثة، فعادت لبيتها كسيرة وشاردة.
- تبين تتزوجين خالي عبدالوهاب؟


أسألها وأنا عند خاصرتها، تنظر للأسفل وتحدق بعيني اللامعتين بمقتطفات أخبار مهمّة سمعتها من حديث والدتي مع جدتي على الهاتف. عبدالوهاب خالي الأصغر الذي يكبر وسمية بأربع سنوات، أعتقد انهما كانا يلعبان في حوش بيت جدتي لأمي عندما كانت عمتي الكبرى – صديقة والدتي في المدرسة – تزور أمي قبل زواجها من والدي.

أخبرني عبدالوهاب يوما قصة أنه كان يلاحق وسمية عندما كانوا صغارا ويشد شعرها. أذكر ايضا أنه سألني وقتها ..
- لمّا الحين شعرها ناعم وطويل؟


عندما أخبرت وسمية بسؤاله في ذلك الوقت لمعت عيناها وضحكت، القت على مسامعي كلمات اعجاب وتحبب لصالح عبدالوهاب وأضنها كانت تتمنى بقرارة نفسها أن أنقلها إليه .. ففعلت :
- قالت وسمية ياحليله عبدالوهاب كان شيطان، بس ألحين رَّيال قول وفعل.


يبتسم عبدالوهاب، وأشعر من موقعي الذي كان يصل لصدره بينما يضمني وهو جالس على كرسي مكتبه ان هناك فراشات شقية بدأن ترفرف داخله.



0000



أختار ان اتصل بنهى، لم اعد استلطف الإنقطاع الكلي عن أخبار الشلة. اشعر بحاجة ماسّة لأعرف شيئا عن عمر، خبر واحد، ملاحظة عابرة واتمنى من كل قلبي ان تكون نشرة أخبار مطولة. تعلم نهى مسبقا أنني في ورطة، أخبرتها أنني اعاني من مشكلة عائلية شائكة، لم أبح بالكثير من التفاصيل فتركت لها حرية الإستنتاج. نهى تعرف كيف تحيك قصصا من أحداث متناثرة.
- بس آنا ماني فاهمة ليش ما تقدمين امتحانات الميد تيرم! شنو علاقة طلاق أمج وابوج بموضوع دراستج؟


ابتسم في داخلي، كنت على صواب. قررت نهى أن مشكلتي تكمن بوالداي. أخبرها أنني لا أطيق النظر في الكتب، نفسيتي المنهكة لا تسمح لي حتى بقراءة سطرين. لم أكن أحبذ الكذب على نهى، في النهاية هي صديقتي الوحيدة التي من الممكن أن أبوح لها بهمومي ولكن هذا الهم أكبر منّي ومن نهى. أسألها عن عمر فتصمت ..
- بعيد نورة .. وايد بعيد !


لم يعد يجالس الشلة، لم يعد يقضي وقتا اضافيا في الكلية ولم يعد يمارس الرياضة التي يلعبها مع فريق الجامعة. سأل عني للخمس أيام الماضية وقال انه ذهب لبيتي ولم يجد سيارتي. اخبرته نهى أنها لا تعرف شيئا عنّي وأنني اتصلت بها مرة واحدة وأخبرتها أن لدي الكثير من المشاكل في البيت. استنتجت بيني وبين نفسي من كل ملاحظات نهى أن عمر لم يعلم عن حملي، والداه لم يبلغاه بالموضوع وآثرا ان تنتهي حكايتي بإختفائي كليا من حياته.
- لازم تتصلين فيه نورة، إذا ما تبينه عطيه أسبابج عشان يرتاح .. حرام عليج!


حرام؟ مزعجة كلمة الحرام عندما تلتصق بي وتنتزع بنهائية مطلقة عن الأشخاص الذين يقترفون الحرام! لماذا لا يكون الحرام على عمر، الشريك النصفي الذي تساوى ذنبه بذنبي. عمر الذي تسبب بفجيعتي عندما قرر أنه لا يستطيع السيطرة على سوائله؟ متساويان نحن بالذنب ومتناقضات بالعقاب. أنا أتسول حياة جديدة على مشارف جريمة قتل وهو فقط، لم يعد يلعب الرياضة التي كان يمارسها!


لماذا لا يكون الحرام على آسيا التي تحكم على أطفال خطيئة أبنائها بالموت لان ذكورها صغار ولا تريد هدم مستقبلهم! ماذا عن مستقبلي أنا؟ لماذا لا يكون الحرام على سعدون والد عمر الذي لم يكلف نفسه النظر في وجه عمتي التي لبست روب محاماة لا يليق بها، التي لملمت كرامتها المدلاة من سقف الفضيحة وذهبت لتقبض ثمن مهمتها الأخيرة في وأد طفلي من على صينية يحملها فرّاش المكتب! حرام علي أنا التائهة في كابوس الحرام الحقيقي الذي يريدونني اعتناقه عندما يقدمون لي خيار واحد في طبق من فضة، أن أميت ما بأحشائي او أن ندفن أنا وهو في قبر واحد!


احقد على عمر، لأول مرّة أحس نبرة كره في صوتي عندما أتحدث مع نفسي عنه. ربما كانت غيرة!

أحقد على عمر لإنه يفتقد فتاة كان يحبها اختفت من عالمه الى حين، هذا كل ما يواجه عمر من حزن. أنا المعجونة في فراش الفجيعة، الموصومة بالعار، الموعودة بالموت أيا كان شكله. انا المجبولة على الذنب الأبدي وتأنيب الضمير عندما أقرر أخيرا ان أتخلص من الكائن البريء الذي تتكون ملامحه داخلي.

أنا المغتربة التي تنام في بيت غير بيتها، وفراش غير فراشها وتتلوى بجسد غير جسدها. لماذا لم يعرف عمر الى الآن؟ حتى وإن لم أقل له بنفسي، لماذا لم يفتح والده فمه بمحاضرة شرف وأخلاق يلقيها على مسامعه ليتعلم أن لا يجتاح مرّة أخرى جسد امرأة؟ لماذا لم يعاقبه على فعلته؟ لماذا لم يسحب بساط الأمان من تحت أقدامه؟ لماذا ينام عمر هانئا وأنا أحترق بفرن لوعتي؟ أتساءل بيني وبين نفسي كيف ستكون ردة فعل عمر!

هل سيمسك يدي ويأخذاني لوالديه ليزوجاننا فأسترجع حياتي وأكتب لطفلي ميلادا جديدا؟


أقرر بيني وبين نفسي، أن عمر لابد أن يعرف.



يتبع ...

الاثنين، 18 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (11)

تحذير..
يحتوي هذا الجزء على كلمات وتفاصيل صالحة فقط للكبار ..
لا أنصح القراءة لذوي الإحساس المرهف او الحساسية المفرطة اتجاه الجرأة في الطرح.


لم أحادثه منذ اربع أيام، تمسك يدي هاتفي مئة مرة. تقفز أصابعي على أرقامه بنزق، أعقف أصابعي وأصفع الحنين الذي يخنقني ويختنق فيني. طلبت مني وسمية أن أختفي، أن أهمل امتحاناتي النهائية، أن لا أذهب للجامعة وأن لا أريه وجهي. كانت تريد ان تعرف أولا رأي عائلته. تخاف وسمية من الرجال بقدر قوتها عليهم، تؤمن أن السر إذا خرج عن اثنين شاع وانتشر، كل ما كان يهمها الآن أن يبقى السر في قلبي ورأسها الى أن تستبصر شأن آسيا وتعرف موقفها.
في بيتها الرخامي البارد، في صالة معيشة لعب فيها عمر وكبر. تنتظر وسمية قدوم آسيا، أخبرتني عندما عادت أنها لم تتخيل آسيا صغيرة وجميلة الى هذه الدرجة. بيضاء صافية بشعر فاتح وملامح ناعمة. شعرت وسمية بالأمان عندما رأتها لأول مرّة، بدا لها الأمر منتهيا ميسرا. الإنطباع الأول الذي يرتسم عنوان لمظروف تختبئ فيه آسيا أنها رائقة وحضارية الى أبعد الحدود!بهدوء نزلت آسيا سلم بيتها وسلمت على عمتي بود. جلستا، وأخذت المرأتان بحديث شيق حول أمور العمل والحياة. كلتا الأنثيين تمسكان صرّة شغف، عمتي صرتها تلف مصيبتي وآسيا صرتها تشع برونقها، فنها وحياتها المرفهة.
- آسيا آنا أسفة .. بس آنا لا صحفية ولا طلبت مقابلتج عشان نتكلم عن اللوحات والفن.
صمت..
تكمل عمتي:
- آنا عمة نورة
تسأل آسيا :- نورة رفيجة عمر ؟
تحتبس أنفاس وسمية ..
- نورة وعمر في مشكلة .. وآنا زرتج عشان نشوف شلون نحل مشكلتهم ..
تغمض آسيا عينيها ..
- لا تكملين
يقف نبض وسمية ..
- آنا مستعدة إني أدفع كل تكاليف العملية، حتى لو كانت برّة الكويت..
تحبس وسمية أنفاسها :
- كنت تدرين؟
- لا .. بس كنت متوقعة ! المعادلة ما تحتاج ذكاء .. واحد زائد واحد يساوي اثنين.
- العملية إحنا مو بحاجة مصاريفها لو كانت الحل الوحيد ..لكن المبدأ مرفوض.
- وسمية لا تفهميني غلط، آنا أحب نورة، بنت حلوة ولطيفة ومؤدبة. المشكلة انك ما تعرفين عمر، هو بعد لطيف ومؤدب، بس اهما أطفال تمادوا في لعبة فطرة والزواج عمره ما يحل المشكلة.
تقف عمتي وترتعش..
- ولا الإجهاض راح يحل المشكلة، شلون بتعيش نورة وهي شايله ذنب روح؟ شلون بيكمل عمر شبابه وهو ساعد في هالجريمة؟
- الوقت ينسّي كل شي ..
- اسمحيلي آسيا .. أنا ألومج، انتِ كنت جزء من السبب!
- ليش؟ لإني فتحت بيتي لولدي؟ لإني سمحت أنه يستضيف حبيبته في بيتي وتحت عيني؟ لإني ما كنت اتدخل في خلوتهم؟ في بيتي، وعلى شراشفي النظيفة أحسن من شراشف الشقق المفروشة والفنادق المشبوهة. كنت أحذر نورة بطرق غير مباشرة، انا ماني أمها أنصحها وأدبها وأفتح معاها مواضيع الجنس والجسد! أمها وين؟
- بس انتِ ام عمر !!
- انصحه وأوجهه وأرشده، وأقول له عن طرق تجنبه هالمواقف. وإذا غلط من واجبي إني أصلح خطأه الى ان يصير رجل مسؤول ومؤهل عمريا أن يصلح أخطاءه بنفسه. لكن إني افرض على ولدي زواج وهو ما كمل الواحد والعشرين! هذا هدم لمستقبله وتدخل بمراحل نضوجه.
أخبرتها عمتي إنني لم أفقد بكارتي وأن الحمل حدث من فوق ملابسي، أخبرتها أنني وعمر اقترفنا ربع خطأ، خطأ صادق! وأنني إن لم أتزوج سأدفع حياتي كلها ثمنا لهذا الخطأ. أخبرتها عمتي إنني لن أستطيع العيش متوافقة مع نفسي إن قتلت الكائن في أحشائي، وانها لن تستطيع النظر الى أولاد عمر في المستقبل دون أن تتذكر طفله الأول الذي حكمت عليه بعدم أهليته للحياة! شرحت لها عن طهر روحي، وبراءة نواياي وصدق دخيلتي، أنني لن انجو من سياط الذنب وآلام الضمير إن أزهقت مبادئ الروح التي تسبح بنهرها داخلي.
كانت آسيا تسمع بملامح منصهرة بشيء من الملل، وكأنها تستمع لأغنية قديمة او اسطوانة معادة! عرفت عمتي أن آسيا لن توافق على ما جاءت لها به ..
- إذا هذا آخر الكلام فأنا مضطرة لمقابلة بو منصور.
- صدقيني .. ما راح تكون ردة فعله أحسن من ردة فعلي .. أنا اقترح أنج تاخذين البنت برّة وتسترين عليها، غير هالكلام ما عندي.
وقفت آسيا ..
- والحين .. تحبين تشوفين لوحاتي؟
على مقعدها، في سيارتها بكت وسمية. تسربت دموع القهر من عينيها رغما عنها. بكت وهي التي قالت لي أن لا أبكي، وحرصت على أن لا أقهر. حارت وسمية بشوارع حيها قبل أن تدخل منزلها الخالي إلا من أسيرة انتظار. ربما لم تعرف ماذا تقول لي، كيف تزف لي خبر أن أموت او أن أميت طفلي؟ كيف ستحشرني بين عذابين، خيار السقوط من على وجه الأرض او السقوط من على وجه الإنسانية! كيف سنجتمع أنا وهي ومشرط مسنون بيدينا، نمزق النطفة إربا ونشرب على روحها نخب خلاصنا! كيف سنغادر المكان وفي نفوسنا نية واحدة .. هي إفراغي من بشريتي تماما كالبالون المنفوخ.
0000
وقعت الصدمة على رأسي وضفيرتاي فالتوت فكرتي وتعقدت آمالي، بعد خمس أيام عادت وسمية الى غرفتها الفارغة وهي تحمل معها حقيبة ملابس صغيرة مليئة بالدموع! أسأل والدتي لمَ وسمية حزينة وهي العروس التي تزوجت من تريد. تجيبني والدتي بخوفها الأزلي على دنياي الوردية أنها مريضة وجاءت بيتنا للراحة. أدير عيني واقطب حاجباي وأترك والدتي على سريرها تمسك بيدها قصاصة من صحيفة قديمة احتفظت بها لتتعلم " كيف تفغرين فاه زوجك؟"
كانت ولازالت أمي متأخرة بكل شيء، طريقة ملابسها، تبرجها، تصفيفة شعرها، مفهوم الجمال عندها، مفهوم الإغراء وكل المفاهيم التي تجددت وتطورت مليون موضة بينما لازالت أمي ترتدي قميص "الململ" الخفيف تحسبا لليلة حمراء.
لم تعجبني الإجابة ولم يقنعني التبرير، على الرغم من عمري إلا أنني احفظ وسمية عن ظهر غيب. وسمية لا تبكي ولا تعجن ملامحها بآه عندما تكون مريضة. وسمية تنتمي الى ذلك النوع من الإناث الذين يجدون متسعا شاسعا للتفاؤل حتى في قعر المرض. كانت تطلي أظافري وأطلي له أظافرها أثناء نزلة برد. تملئ بانيو حمامها بماء بارد عندما تنخفض حرارتها، أسمعها على الرغم من الإعياء لازالت تغني وهي في حوضها، وأشم من خلف الباب رائحة زهور عطرية وزيوت شهية.
حتى عندما دخلت المستشفى إثر اعتداء عثمان، داعبتني وسمية وضحكت معي! وسمية اليوم متجهمة، ذابلة وحزينة. وسمية خائرة القوى، مفرغة الروح، فاقدة لدافع الحب والحياة! ماذا حصل بنصف اسبوع أخذها فيهم حسين الى بيته؟ ماذا رأت هناك؟ اي لون من الأشباح؟ واي نوع من جنيات الليل؟
أدفع أذني ألصقها في الباب الذي فصلني عن جلسة عمتي وأمها وأخوتها، أسترق السمع وأتقاذف مع الباب هدنة تجسس. أسمع وسمية تبكي فيتكون غضب في صدري. أتوعد برأسي عثمان إن ضربها شرا، هذه المرة أنا سأنتقم.
- ما أقدر خالد .. ما أقدر أرجع له، ما أقدر استحمل.
- بس الرجال قال أنج على علم بموضوع زوجته الأولى، وانج وافقني ومنعتيه حتى أنه يقول لنا ..
- قال لي انهم منفصلين وانها تعيش في بين أهلها !! جذاب .. قاعدة معاه في نفس البيت.
يزفر عامر ..
- هذا قراراج وتدبيرج وانتي تتحملين إلي يصير لج، حتى لمّا خالد قال خلينا نروح نسأل عنّه فزيتي من مكانج وكليتينا بقشورنا ..
يتكلم عثمان ..
- عشان تعرفين إنا كنا ندور مصلحتج تنكسر وسمية ..
تخبئ بين ضلوعها رجاء ..
- شرطو عليه يا إما يحط لي بيت بروحي وإلا يطلقني ..
تشهق العجوز بدورها، وتصفع نفسها وتضرب صدرها ..
- انتي ينيتي !؟ ما صار لكم شهر متزوجين تقولين طلاق ؟ ترجعين بيت ريلج ومشلوعة عينج.
تصمت وسمية، وفي مساء اليوم التالي تحمل ذاتها الحقيبة الصغيرة المليئة بالدموع وترجع من حيث أتت! لم يدم زواجها من حسين أكثر من ثلاث شهور. كان يرغمها على مشاركة الفراش معه وزوجته الأولى! كان السيد المحترم مولع بالجنس الثلاثي، عندما رفضت هددها بأن ينقل لأخوتها وأمها زورا أنها تخونه. تحدته لو يفعل ستفضح أمر شذوذه لوالدته المتدينة التي تحسبه مخلص الأمة من شقائها .
بعد أيام غض طرفه عنها وحاول استمالتها للفراش، عندما غفت شعرت به يداعبها، تجاهلته ولكنها انتفضت عندما سمعت الأخرى تتأوه وتتلوى تحته .. كان يجامع زوجته الأولى، ام ولده في فراشها .. وهي نائمة عليه!
0000
اعترض على إلحاح والدتي للعودة للمنزل، بدت أكثر تطرفا في اتصالاتها عندما علمت أن داوود زوج عمتي وسمية قد عاد من السفر. أمي لا تحب داوود لإنه يعاقر الخمر. ألوم وسمية على فضح أمر زوجها أمام العائلة، العزاء الوحيد في داوود أن الخمر وبنات السوء قد استولين على ما تبقى من رجولته. لا صوت ولا فعل ولا شخصية، اسم رجل يحاول أن يكسو صورة جسده المتهالك بملابس واسعة وفضفاضة ليعوض قصر قامته ونحوله المخيف.
اعتقد ان وسمية لازالت على ذمته لإن وجودة وعدمه واحد، لا يلحقها منه نفع ولا ضر. لا تشعر به إن كان موجودا مركونا في زاوية متهاوي على نفسه، ولا تفتقد وجوده بالأيام والليالي عندما يخبرها انه مسافر في رحلة عمل، وهي تعلم مسبقا أن لا عمل لديه سوى السهر مع شلل البواليع في المزارع البعيدة. كل ما تفعله وسمية لداوود أنها تتمنى له رحلة آمنة في الذهاب، وتتحمد له بالسلامة في الإياب.
يتصل بي والدي هذه المرة ويخبرني بضرورة عودتي للمنزل ..
- أمج تحاتيج ..
- قول لها لا تحاتيني .. أنا بخير ومرتاحة عند وسمية
- بس أمج مو مرتاحة!
- يبا انت متى آخر مرة شفت داوود؟ انفخ عليه يطيح ..
تخطف وسمية التلفون من يدي وتقول لوالدي ما يريد سماعه ..
- بو محمد خلها عندي، تونسني بروحي بالليل ..
يحادثها والدي ..وترد عليه :
- لا خلاص، باسمع شورك واتطلق، ما عدت اقدر على هالعيشة. طردته من البيت وقلت له إن وطوط حشيت ريوله! خله يروح للزبالة إللي عايش فيها. استغفر الله مالي خلق قذارة وأمراض.
صمت ..
- لا صارلي عشر ايام ما شفته، خلاص أقول لك راح بشرّه خلّه يدمر روحه بروحه. عاد طلبتك انت وام محمد خلوها عندي خلاص، البيت كبير تونسني بهالعطلة .. خلاص الصيف قرّب. وإذا بسافر باخذها معاي عقب ما تخلص من الإمتحانات..ابتسامة ..
- مشكور ما تقصر .. طول عمرك ذخر..
تقفل وسمية الخط، وتلمع بعينيها فكرة السفر، ولأنني اعرف عمتي عن ظهر غيب فإنني اعلم ان في رحلة الصيف تلك ستقنع نفسها وتقنعني بالتخلص من الطفل. ركبت عمتي سحابة خفة، أضحت رشيقة ومتفائلة وهي تخطط مشوار الخطوات التالية. كانت مصممة على زواجي من عمر، وأنا مصممة على عدم زجنّا في معمعة الزواج. كان حبّي لعمر صادق وعميق، آخر ما أردته هو هدم الحلم الذي كنت أعيشه معه بإنذار زواج وإلا!
تضحك علي وسمية وعلى سذاجتي، تسميه "استهبال" الحب الأول الذي سيتلاشى ما إن يضع أبي سكينة المطبخ على رقبتي. عندما أخبرتني أنها ستتحدث مع والد عمر بكيت! لا أريد طرف ثالث أن يعلم. دعي مصيبتي فيني أتجرعها مُرا لوحدي، أتقيئها بسريري وأنام على قيئي، أحلم بها كل مساء كابوسا مليئا بالأفاعي، تقرصني لوحدي تعصرني الى أن أتوارى وأموت. ليتني أموت وينتهي كابوسي.
أتوسل لوسمية أن تخلع درعها وتعيد سيفها في غمده، تلك المعركة التي قررت أن تخوضها من أجلي باتت باردة وسمجة وحقيرة. أخجل منها لأنها تجردني من كرامتي التي تتسول لها وسمية عطفا عند باب مكتب والد عمر. في شركته ذات الثمانية والثلاثين طابق، ومكتبه الذي يطل على أفق الكويت. خلف أدراج سكرتيراته الثلاث وبعد الممر الطويل الذي تمشيه وسمية بانكسار.
قالت لي أنها كلما مشت خطوة أحست بضآلتها وتفاهة مطلبها! كيف ستطلب سيدة مثل وسمية إعادة كيان وإحقاق حق لإنسان لم يخلق بعد جاء نتيجة خطئ غير مقصود من ابنه !تماما عند باب مكتب والد عمر يقف موظف آسيوي بهندامه النظيف وقميصه المنشى، يحمل في يده صينية عليها فنجان قهوة وكأس ماء، يوقفها الرجل عن التقدم ويناولها بدلا من الضيافة ظرف ابيض. تفتحه وسمية لتجد داخله شيك بإسمي خط على صفحته مبلغ مبالغفيه .. وتذكرتي سفر الى تايلند!
يتبع يوم غد ..

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت