كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الثلاثاء، 6 يناير، 2009

يا من وفق راسين بالحلال

في غرفتها في الطابق السفلي بجانب الحمام والمطبخ وكل شيئ، تجلس جدتي كعادتها على كرسي وثير خصصته للصلاة! كلمّا ازورها أجدها تصلّي، فنتندر دائما أنا وبنات خالاتي أن كل صلاتها تراويح.
منذ صغري وجدت في غرف الجدّات سحر ما! تلك الغرفة المليئة بأسرار الزمن الجميل، بأشياء قديمة وكنوز عفا عليها الدهر الى ان اصبحت بلا معنى. الجدّات وحدهم يرون لها معنى، لهذا هي لازالت ملفوفة بقرطاس عتيق، والقرطاس في صندوق، والصندوق داخل خزانة، والخزانة مقفولة بالمفتاح ومغطاة بسجادة قديمة.
اسمع صوتها وأنا احوس في الغرف المجاورة: منو هنيييي؟
اقفز بفرح: آنا يمّا .. واجري اليها اسبق الخطى لألحق عليها قبل ان تبدأ بصلاة جديدة.
- يمّا .. هذي اي صلاة؟
- هاو العصر!! تجيب باستغراب وهي تعلم أنني اشحذ اسنان سخريتي التي تحبها!!
- يمّا ؟ شعندج توك تصلين العصر؟؟ مواعدة من ورانا؟ وينه .. وينة؟؟ أكيد خاشته بالكبت؟
تضحك بثقل جميل وحياء اجمل: سوّيرة الله يخس بليسج! ويني آنا وين هالأشياء.
اقبل رأسها وأجلس على الأرض عند قدميها: ما يندرى .. ياما تحت السواهي دواهي!
تضرب كتفي ونضحك. وأبدأ في جولة دورية بنظري في غرفتها. السرير الوثير المكسو برائحة السماء، عطورها ودخونها ورائحة مفرق شعرها المحنّى بالبرتقالي الصارخ، تختبئ الشعرات البيضاء الضعيفة خلف لون النار، جدتّي تعتقد أنها ستموت سعيدة عندما تقابل ربها حين يحين أجلها وشعرها مخضب بالحنّاء.
- هذي عشبة الجنّة.
- بس يمّا ريحتها مو حلوة!
- جبي جبج الله .. ريحتها عطرة مثل الورد، والله ورسوله يحبّون الحنّة؟
كان حوارانا التقليدي عندما كنت صغيرة وكانت تلقمط رأسي بمزيج الحنّة البارد، بعد فترة، انسى الرائحة عندما يعتادها أنفي وأستمتع بدفئ يديها مقابل برودة العجينة الخضراء.
خزانات كبيرة كانت ام صغيرة تغزو غرفة جدتي، بيضاء وخشبية فاتحة وغامقة ولون ضائع في المنتصف، تختبئ تلك الخماجير العتيقة كل في مكانه داخل الخزائن، ولا ترى الشمس إلا عندما تقرر ان تورثه لنا على عينها. تلفزيون كبير ناردا ما يفتح. مقعدين كبيرين أحدهما كرسي الصلاة، وبينهما تقبع ثلاجة صغيرة تضع فيها ادويتها.
- دريتي عن احمدو؟
- لا شفيه!!
- وعليا خنت حيلي .. متعلق قلبه ورياضو مو راضي يريّح افواده؟؟

لا ادري لماذا؟ ولكن لغتي ولكنتي تنقلب عندما اجلس تحت رجلي جدتي، نتحدّث في موضوعها المفضل "الخدم":
- هاو هاو هاو شفيه اقليبه؟ متعلق بشنو؟
- نوفيووو حيّة القلب، الحست عقله ويايني يتبجبج إلا يبي ياخذها!
- ويييييييييه يحليلهم، عندج "بين الأطلال" فبيتج واحنا ما ندري!
- بس عاد جب لا تصيرين ام بزيع .. تمشي وتذيع.
- لا يمّا ما اقول
- إيي عفية ابنيتي .. خل الله يسهل عليهم ويتزوجون، بعيدن انذيع الخبر
لا انفك من رؤية النور ينبع من قعر جدتي، كيف لقلب بهذا القدم ان يحمل حبا جميلا لا يشيخ؟ خافت جدتي من عيون الناس على صبيها الهندي المسلم أحمد، الذي وقع في حب خادمتها الفلبينية المسيحية نوفي! وبالطبع يجب ان تتجسد الدراما في الأفلام الهندية على مسرح الواقع فيظهر رياض السائق خال أحمد. والذي حن على راس جدتي ان تجلب ابن اخته ليساعده في امور البيت! الى الآن نحن لا نعلم ما هو عمل رياض غير توصيل جدتي من والى أماكنها المحدودة. ولكن لمعزته الكبيرة في قلبها انصاعت وجلبت أحمد لكي لا يغضب دريولها عاش عاش.
ظهر رياض بعينيه الحمراوتين ليقف امام الحبّيبة كالعظمة في البلعوم، ويصرخ على احمد الصغير الضئيل، ويهدده بالحرمان من الميراث والطرد من العائلة اذا اصرّ على الزواج من نوفي!
- قعدت آنا ورياضو ذاك اليوم في المطبخ ساعتين قعدة كبار، أحاول اقنع فيه .. ما كو فايدة!! امعيّي، يقول لازم احمد يسوي زوج بنية هندي .. بنية مسلم.
- ويه عشتاو!
- إييي والله .. قلت له، اشفيها نوفيوووه؟ بنية شاطرة وحرجة ودمها خفيف. شعرها ناعم وبيضا. سليمة تصكه إلا يبي احمدو ياخذ وحده جلحة ملحة مصعوية من هناك!!
- والله احمد بعد طلع شاطر .. قال اصيد عصفورين بحجر، شعر ناعم وطويل عشان ما يعايرونه الهنديات، بس غلبهم بالبياض.
- إييييييييييي.. ترى حي قلب، لا يغرج شكله كلّه مدوده ومسبه، بس يعرف شنو يبي..
لم تهنأ ام عبدالرحمن في نوم، ولم يهدأ لها تدبير. صحيح ان كل المحاولات لم تفلح في رياضو ابو عيون حمره من مباركة زواج ابن اخته. بل ارسل لوالدة احمد واخبرها بالفضيحة التي سيقترفها ابنها. ولا ادري ما فحوى الرسالة التي بعثتها والدته ردّا على ما جاء، ولكنها وصلت ذات يوم فلم يأكل أحمد ليومين ولم ينم.

ادخل بعد ثلاث أيام، لأسمع صوتها يلعلع من المطبخ الخارجي الى البوابة الرئيسية، اتسحب نحو الصوت لأجدها تصول وتجول وهي على عكازها في وسط مطبخ المعركة:
- اذا انت يبي نوفي ونوفي يبي انت .. خلاص .. أنا يزوج انتو اثنين. اهني في كويت رجّال يصير يتزوج مرة مو مسلم.
قفزت نوفي من وراء ماما طيبة وهي تمسح دموعها من على وجهها:
- ماما خلاص أنا يسوّي اسلام!
ماما طيبة تشتط:
- خلاص .. مشكل مال رياض خلاص، نوفي يبي يسوي مسلم، ماما مال انتا يصير فرحان. ماما مال انت قال اهو ما يبي جنّة مسيحي، خلاص نوفي مو مسيحي .. نوفي مسلم.
لم اتمالك نفسي من كتم ضحكة قفزت من صدري، ماما طيبة ما بذنها ماي، يا شاهدة على الزواج .. يا شهيدة "يا من وفّق راسين بالحلال". ولا حل وسط!
من على الباب، ومن خلف ظهر جدتي لمحت النظرة التي لن انساها ما حييت، نظرة حبيبان لم يهمهما كلام الناس، ولا سخرية الأقارب ولا عناد الأيام. ابتسمت نوفي لأحمد، وانزاحت الغمامة من على عينية وابتسم.

زوّجت جدتي عشيقان وجدا الحب في بيتها، فقررا الحلال على كل شيء. جدتي تأثرت كثيرا بأخلاق أحمد الذي تُقسم أنه لم يرد فعل شيء مع نوفي قبل الزواج لإلتزامه وتدينه، وتضيف: وإلا هذيج فهرة.. مالها أمان! (تقصد نوفي)

بعد اكثر من سنة على الزواج الميمون، أدخل غرفة جدتي كالعادة لأراها تصلّي، انتظرها بين الغرف الى ان اسمعها تنادي: منو هنييييي؟
ادخل واجلس تحت قدميها لتفتح واحدة من جواريرها الفائضة وتخرج صورا ارسلت لها من الهند.
- شفتي طيبة الصغيرة؟؟
- لاااااااااااا ما شفتها .. إي صج مبروك ما ياكم.
- الله يبارك فيج حبيبتي .. الفال لج ان شاء الله
- ان شاء الله.
تريني ماما طيبة صورة لإبنة نوفي وأحمد "طيبة" سميّة الغالية، التي اخذوها بعد الولادة للهند لتتربى في بيت جدتها، قرر والداها ان تعيش هناك لتكون لصيقة بالموروث الهندي والتربية الإسلامية. تناولني جدتي صورة وهي تسمّي وتهلل:
- شفني رياضو اشلون مرتز يم البنية؟ ما جنّه اهو إللي لوّع قلب أبَيها خنت حيلي قبل الزواج!
- بعد يمّا الوقت ينسّي .. والدم عمره ما يصير ماي.
- إي والله صاجّة بنيتي
اخرج من عندها .. وأذان المغرب يصدح في الأفق، وانا اعلم انها ارجعت الصور للجارور وعادت تصلّي.

ليست هناك تعليقات:

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت