كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الثلاثاء، 31 مارس، 2009

الدائرة التي تدور حول النقطة الواحدة.



امسك قلم رصاص، انقط نقطة على الورق، ارسم دائرة حول النقطة و حرك قلمك مرارا و تكرار على الدائرة ليدور القلم بلا توقف حول النقطة. هكذا استطيع ان الخص حال العديد من البنات في مجتمعي الكويتي الغريب.
نحن نكبر و نشب على عبارات مثل " ضل راجل ولا ضل حيطة "، " المره ما لها إلا ريلها" ، " بيتج اولى فيج"،
" ما ابيج ترجعيلي مطلقة" و أخيرا " صبري و تحملي هذا ريلج و ما لج غيرة".

لازالت المرأة الصغيرة في مجتمعنا تتمنى الزواج مثل كل فتاة بالعالم. تحلم باليوم المنشود و بالفستان الأبيض، كما أنها لازالت كلمة العنوسة تذل و تحرق و تؤلم و تفتت القلب و تعصر الشخصية. فالفتاة التي لم تتزوج تتهم بأنها غير مرغوبة، والفتاة المتزوجة لازالت تعتبر محظوظة و قايم نصيبها بغض النظر عن دواخيل هذه العلاقة و تفاصيلها. لا أحد يهتم ان كانت سعيدة او راضية طالما أنها أخذت من منزل والديها .. فالصفة في هذا المجتمع أهم بكثير من سعادة و راحة الموصوف.

الكثير من بنات الكويت يؤمنون بالعفة، بل و يطبقونها بحذافيرها في حياتهم. الكثير من الفتيات لازالوا يرفعون شعار العذرية المطلقة، فلا علاقات مع أي شاب أجنبي تذكر حتى وان كانت واحدة من هذه التي تبدأ بالهاتف و تنتهي بالهاتف و لا شيء آخر في المنتصف! العديد من البنات لازالوا تحت عباءة أمهاتهم ينتظرن النصيب يدق الباب ليبدأ التعارف بغرفة استقبال المنزل الفاخرة بوجود الوالدين. فيظهر الرجل أفضل ما فيه، و تخفي الفتاة أفضل ما عندها، فيستنتج الشاب أنها البنت الأصلح: فخدودها احمرت من الخجل، و ركبتيها كانت ترتجف من الحياء و الكلمات كانت ثقيلة في فمها. و هذه كلها دلالات العفة التي يبحث عنها كل شاب كويتي سواء كان من جماعة العمرة كل شهر و الحج كل سنة، او من أصحاب دبي كل شهر و تايلاند كل سنة.
فيدخل هو عش الزوجية و تدخل هي القفص برجليها.

تلك البنوتة سمعت كل تلك العبارات سابقة الذكر من أمها و جدتها، فبلعت الفتاة كل شعارات الحياة الزوجية وتوجهت لبيت الزوج متخمة بالطاعة. فيصبح ذلك الرجل الجديد هو النقطة وهي الدائرة التي تدور حوله مرارا و تكرار بلا توقف و لا هوادة..
تدور حوله لتنافس أمه على حبه و تثبت له ان رعايتها له ليست اقل من رعاية وحب والدته قبل الزواج.
تدور لتثبت له أنها البنت السنعة من العائلة المرموقة .. تدور حوله و تنجب له كم الأطفال الذي يريد، و تعود للمنزل متى يريد، ترتدي ما يريد، تمشي كما يريد، و تعمل او لا تعمل، تقود السيارة او لا تقود ..
علّق انه يحب الشعر الأشقر فصبغت، ويحب الفتاة النحيلة فنحفت، ويكره الكعب العالي فقصرت ويرغب بالسفر فجلست في المنزل تربي الأولاد و هو في السماء معلق.
ما الذي يدفع تلك الفتاة و غيرها المئات من عبادة ذلك الرجل الذي أصبح بين ليلة و ضحاها زوجها؟

أنا لا أشجع العلاقات العاطفية قبل الزواج - على الرغم من انني أؤمن بجدواها الاجتماعي - ولا أقول أن نظريتي صحيحة 100% ..
ولكني فعلا شاهدت العديد من الدوائر التي تدور بلا توقف حول النقط!
ولاحظت ان تلك الدوائر المنهكة انتظرت طويلا في حدائق المجهول اللفارس الوسيم لينقذهن من وحش العنوسة، انتظرن وحدهن في ذلك المكان البعيد لفترة طالت او قصرت بلا دروس ولا علوم ولا تهيئة من أي نوع.
باعتقادي ان العلاقات العاطفية قبل الزواج هي بمثابة مدرسة ابتدائية تعلّم الفتاة ألف باء العلاقة بين الرجل و المرأة. تلّخص لهن عن طريق التجربة حتى وان كانت سطحية أولى المعلومات وأهمها عن طبيعة الرجل الشرقي خاصة و العالمي عامة!
حيث لو عرفن تلك الفتيات منذ بداية البداية ان الرجل مهما كان عمره، شكله او لونه هو بالغريزة مدمن سيطرة..
لعرفن كيف انهن يجب ان لا يغذين تلك الغريزة بالسماح لأنفسهن ان يكن الفريسة الوديعة التي بدورها تغري تلك النفوذ العاطفية القوية فيطمع الرجل و يجشع الى ان تكون زوجته نسخة مملة من عنوان علاقة تفتقر لكل ما هو مثير و تلقائي.
يعلم انه سيعود للمنزل ليجدها في انتظاره، ترتدي ذلك الفستان الزهري لإنه امتدحه يوما فلصقته بجسدها انتظارا للمزيد من المديح. طبخت الطبق الذي يحبه فيجده حاضرا كل يوم، و غمرت نفسها بالعطر الذي اشتراه فصبته عليها حتى سأمه و سأمها امرأة لا تتغير
ولا تتجدد!!

هناك مصطلح خطير في اللغة الانجليزية لم أجد له ترجمة ترضيني في اللغة العربية:
"Taking someone or something for granted "
إعطاء الزوج كل ما يريد ليس بالضرورة شيئا سلبيا، ولكن إعطاءه وطاعته بكل ما يريد على حساب ما أنا أريد هو الأخطر في العلاقة الزوجية. ان تضع المرأة الزوج بالوسط و تجعل حياتها وأفلاكها وأقمارها تدور حوله يجعله حتما يعتبرها ملكا مطلقا له ..
((taking her for granted))
فلا يفكر في ما هي تريد! ولا يعمل ليرضيها، ولا يجتهد لإسعادها ..
هي هنا زدائما ستكون! عالمها يدور حوله و ليس لها نشاطات ولا تطلعات ولا أهواء سواه ..
هي هنا و ليس لها أحدا سواه.
وهنا السؤال : ما الذي سيحدث للدائرة اذا اختفت النقطة؟ ما الذي سيحدث للزوجة اذا قرر الزوج الرحيل؟ الهجرة؟ اذا وافته المنية؟ او اذا وجد امرأة أخرى لا تعطيه كل ما هو يريد، تتحدى رجولته، و تستثير أهوائه فيجد في الجري خلفها وخلف عنجهيتها الأنثوية الطاغية متعة لا تقاوم؟

المصيبة ان الدائرة رضت بالدوران حول النقطة منذ البداية، لم تبن لها خطوطا ثانوية، ولم ترسم لنفسها خططا بديلة.
كانت النقطة هي الأساس وهي الأهم فتوقفت كل الأحلام وكل الأمنيات وكل التطلعات الى أجل غير مسمى. وها هو الأجل أتى والنقطة قررت سحب نفسها من وسط الدائرة فتركتها تدور وتدور حول خواء و خلاء..
ولا تنفك الدائرة من الدوران حول اللا شيء حتى تستوعب ان جل وقتها وأجمل سنوات عمرها قضتها في الدوران حول نقطة واحدة، ثم رحلت النقطة فقضتها في الدوران حول لا شيء ونست ان تضع نفسها في الوسط من البداية فلا تفقد الطاقة التي ضاعت، ولا العمر الذي مضى.

أمسكي قلم رصاص ..
انقطي نقطا كثيرة في المنتصف وارسمي دائرة حول النقط، ودوري بالقلم حتى تتعب يداك ..
النقط هي ( . ) أنت أولا، ( . ) ثم أحلامك،( . ) زوجك، ( . ) أبناؤك، ( . ) عملك الذي ترغبين في التطور فيه
( . ) مشروع تجاري صغير أتتك فكرته و انت مراهقة،( . ) رياضتك اليومية، ( . ) صديقاتك المخلصات،
( . ) مشاركاتك الأدبية التي تودين إرسالها لمجلتك المفضلة،( . )دورات تعليمية وددت التسجيل فيها، ( . ) ساعة الاستجمام اليومية في حوض الحمام مع الفقاعات و الأملاح المعطرة، ( . ) أعمالك الخيرية الفردية،( . ) قراءاتك في المواضيع التي تثير اهتمامك، ( . )السفر الى البلاد التي طالما وددت زيارتها، ( . )اليوغا و غيرها من آلاف النقط (. ) (. ) ( .)

انقطي وانقطي قدر استطاعتك في تلك الدائرة، ودوري حول ما تنقطين فكلما كثرت النقط اعلمي انك بمنتهى الغنى وانك تعيشين كل دقيقة من حياتك بمنتهى التفوق.
واذا وجدت انك تملكين فقط نقطة او نقطتان فاضغطي على الزر الأحمر في رأسك واستمعي لصوت الإنذار يصم الآذان.
اسكبي بسرعة فائقة نشاطات أكثر وأمنيات اكبر وتطلعات أعمق في دائرتك ليشتغل العقل فتعود عليك الإيرادات من كل جانب وتجد النفس قيمتها الحقيقية.
يقولون ان لا تضع كل البيض في سلة واحدة فإذا سقطت السلة انكسرت كل البيضات، لا تضعي كل حياتك في جهة واحدة، عددي الجهات و نوعي الوجهات فالحياة جد قصيرة لنعيشها كلها في نقطة واحدة من هذا الكون الكبير.

الأحد، 29 مارس، 2009

تتعلم منّي . وأتعلم منها !!



تتعلم منّي ان تصمت إذا لم تجد شيئا تقوله، أن تنصت للخواء في الأجواء حولها وتستمتع بقطرات من صوت لاشيء يترك اذناها سواحا للهواء العليل وصوت السكون.
أتعلم منها أن ابكي على ما كل ما يقهرني، أن اصرخ بوجه كل من يغضبني، وأن انتحب دقيقتان عندما أضيّع شيئا أحبه.

تتعلّم منّي أن جمالها يكمن في الأنوثة والإنسانية داخلها، وأن قوارير العطر وأقلام الكحل، وأنابيب الروج ماهي إلا ألوان دافئة تضع رونقا على عنوان المقال.
أتعلم منها كيف اصبح جميلة عندما ابتسم بصدق، وكيف اصبح فاتنة عندما أحب بعمق، وكيف اصبح بمنتهى الجاذبية عندما أتصرف على سجيتي.

تتعلّم منّي مبادئ الإنسانية عندما أمسح على رأس طفل لا اعرفه، أو أساعد امرأة عجوز على اجتياز السلم المتحرك.
وأتعلم منها أن افعل وأمضي .. ولا انتظر مقابلا على أي شيئ.

تتعلّم منّي السواسية واحترام الآخرين عندما أصنع كوبا آخر من العصير لخادمتي، أو عندما اسحب لها كرسي المطعم لتجلس بينما يداها مشغولتان.
وأتعلم منها أن لا ضير من اجتياز الخطوط العريضة والأكل معها على طاولة واحدة .. ومن صحن واحد!

تتعلّم منّي أن تكتب، أن تمسك قلما ما وتخربش عندما تشعر بالملل. أن ترسم دوائر كبيرة ومستطيلات ممطوطة وتضع داخلها كل ما يحزنها ويتعبها..
وأتعلم منها أن بعض الأحيان الكتابة لا تجدي .. وكل ما يهم هو حضن كبير من ذراعان دافئتان.

تتعلّم منّي أن تمشي بإنطلاق ولا تخاف الحفر، أن تحلق عاليا ولا تخاف السقوط، وأن تغطس عميقا في كل ما يهمها، ولا تخاف الغرق في بطن الحيتان الكبيرة.
أتعلم منها كم لطيفة تلك الخطوات الصغيرة، وكم متواضع التحليق في منخفضات القلوب، وكم ممتعة أحيانا الطرطشة فوق الماء وغمس القدمين بمياه ضحلة.

تتعلّم منّي أن تعتني بشعرها بحمامات الزيت وخلطات الأعشاب، أن تضع قناعا نتنا من طحالب البحر على بشرتها، وأن تشرب مخفوق سمجا ثقيلا لتنقص وزنها ..
أتعلّم منها أن أحب طبيعة شعري الصحراوية التي لا تنفعها الكثير من المياة، وأن اقنع بنعومة خدّاي حتى وان ظهرت صخرة موسمية، وأن اترك قليلا لجسدي متسعّا من الوقت ليتمدد ويرتاح.

تتعلّم منّي الغضب على الظلم ومطاردة الحق الى آخر الدنيا..
وأتعلّم منها أن الغضب يخمد والحياة تمضي ما ان أجد شيئا آخر يشغلني.

تتعلم منّي أن الحوار يوصلنا دائما الى نقطة تفاهم ..
وأتعلّم منها أن التنازلات توصلنا أحيانا الى واحة حب ..

تتعلّم مني كيف تينع بقلب أمها ..
واتعلم منها كيف أكبر بعين ابنتي ..

تتعلّم مني أن تتعلم منّي ..
وأتعلم منها أن اتعلّم منها ..

الجمعة، 27 مارس، 2009

وجهان لصفعة واحدة !


تذكر عندما كنّا صغارا نتقاتل على حبّات العنب المثلجة التي كانت ماما تضعها لنا في صحن مشترك؟
لا اريدك أن تأكل اكثر منّي .. وكنت تحرص على ان لا تترك لي الحبّة الأخيرة.
مسكينة ماما، كانت تعتقد انها عندما تحشرنا أنا وانت والعنبات في صحن واحد، كانت تعلمنا عمليا معنى المشاركة. تقاتلنا وتشاجرنا الى ان صفعتك وشددت شعري فأحسست لأول مرّة بمرارة أن يكون لي شعر طويل.

اتذكرعندما كنّا نتصالح، فتقترب واقترب الى ان تسقط الحواجز، وتبرد الصفعة، و تطير الشعرات التي اقتلعتها من رأسي ونبدأ من جديد باللعب.

تارة تتنازل عن ذكورتك فتلعب معي بالدمى، عادة ما تختار باربي السوداء ذات الشعر الأسود القصير، ربما لإنك تجد فيها ولو عزاءا ضئيلا لخشونتك التي تبعثرت على اعتاب منزلها الوردي ذو الحديقة الجميلة، داخل غرفتها، في خزانتها التي امتلئت ملابس مزركشة وحقائب مربعة.
كنت تلبسها اجمل ما لديها، فتبدو انت وهي في غاية التألق.

وتارة اضع انوثتي جانبا، ارفع شعري فوق رأسي لكي لا ينسدل وامسك بشخصيات الأبطال معك، يتصارعون ويتقاتلون مثل جبابرة الكارتون. كان دائما بطلك اكبر وأقوى من بطلي، ولكن بطلي كان عادة ما يملك قوى خفية لم تفكر بها انت من قبل، فتارة يختفي فلا يستطيع بطلك ان يراه، وتارة يتحول الى نار او رخام فلا تقوى اسلحتك على هزيمته.

كنّا أنا وانت منذ طفولتنا بدايات ضدين متوازيين لا يتلامسان
فكنت دائما تغلبني بالقوة، وكنت دائما احطمك بالدهاء ..

تذكر عندما كنت تقلد أصوات الصراع مثل فنّان اصوات محترف ..
تعرف كيف ترتل اللطمة، واللكمة، وصهيل الخيل التي يمتطيها بطلك.
صوت محرك السيارة العجيبة، وصوت النار الذي يخرج من سلاحك، صوت تكسر عظام بطلي وصوت ارتطام جسده على جدار سور الصين العظيم عندما تلقمه الضربة القاضية فترسله طائرا تعيسا من الكويت الى الصين!
تذكر عندما كنت لا اعرف كيف اقلد الأصوات ولا كيف ابتكر اصواتا جديدة، فصوت ضرباتي كصوت مواء البقر، ورصاصات رشاشي كصوت صهيل جواد معتوه.
اتذكر عندما كنت تغضب منّي لإنني اضحك على مؤثراتي الصوتية السخيفة ونحن في منتصف المبارزة، سيفي يقع من يد بطلي فتدوس على بطنه وتهزمه لإنه لا يعرف كيف يموت.

اتذكر في العيد عندما كان يلتم الأتراب حولك منبهرين بموهبتك في تقليد اصوات الحيوانات؟

هذا يسألك عن صوت القطط الغاضبة، وهذي تسترجيك أن تقلد صوت الحمامة الحانية ..
كنت تحترف المواء وتمتهن الهديل كأنك قد ولدت سرّا في قفص حمام قد روعه قط مشاغب!
تذكر في العيد، عندما كنت اضعك في غرفة الملحق في بيت "ماما عودة"، اقفل عليك الباب وادعك هناك لتشحذ حنجرتك الذهبية بينما اعلن بدوري لكل اطفال العائلة ان عرض اصوات الحيوانات سيبدأ، ومن يريد الحصول على مقعد يجب ان يدفع دينارا وإلا فاته العرض المثير.
كانوا يدفعون، ويجلسون بصمت امامك. كنت اشير لك كالساحر الماهر بإسم الحيوان المطلوب، فتقلده بإحكام منقطع النظير ويضحك الصغار الى ان تدمع عيونهم. يخرجون وقد قطعوا تذكرة أخرى للعرض القادم بعد نصف ساعة. في ذلك اليوم حصلنا أنا وانت على واحد وعشرون دينارا اقتنصناها كالصقور من ايادي اطفال العيد.
تقاسمناها في المنزل وحدنا واشترينا فيها مزيدا من الأبطال ومزيدا من الدمى ومزيدا من الحلوى.

كبرنا قليلا فكبرت العابنا معنا، اكتشفنا ذات يوم كنزا ثمينا في حنجرتك التي لم تتم بعد دورة اكتمال القمر، عندما كنّا نلعب كأختين ترقصان في سيرك في بلاد الغجر، فتحدثت معي بصوت نسوي رخيم شجي كصوت الأخت التي طالما تمنيتها بدلا منك ..
لعبنا طيلة ساعتين ..
وانا .. تتملكني نشوة عارمة بالصديقة التي وجدتها أخيرا وبصوتها الذي لا تخطئه اذن صاغية بأنه صوت انثى.
لعبنا الى ان تعبنا ..
فاقترحت عليك ان نداعب ابناء اعمامنا على الهاتف، نتصل بهم وتخبرهم انت بصوتك الأنثوي الجميل انك فتاة معجبة بهم.

اتصلنا بفهد وسمعناه يذوب مع الفتاة الجميلة ابنة الجيران التي رأته صدفة بالجمعية التعاونية وعرفت انه ابن وليد، فاستخرجت رقم هاتفهم من دليل الهواتف.
ثم لعبنا على حسين ابن العمة نورية، فقال لنا انه سيذهب الآن للبقالة المقابلة لمنزله، ورجى الفتاة أن تلقاه هناك ..
واعدناه على اللقيا وانصهرنا بضحك عميق ونحن نعلم انه واقف هناك أمام البقالة ينتظر!
ثم اتصلنا بعمنّا الأعزب راشد، كلمته الفتاة بنعومة فائقة لا اعلم من اين عرفتها، فخرّ ساجدا أمام الصوت وبدأ بموجة مريبة من الشقاوة. خفنا أنا وانت من الكلمات الكبيرة التي لم يكن مسموح لنا ان نسمعها آن ذاك. فصفعنا سماعة الهاتف بعد ان قالت له الفتاة ان امها قادمة.
اضطربنا أنا وانت وتوقفنا عن اللعب بالقلوب لفترة، ولكننا ما لبثنا ان عاودنا لعبة الضحك على القلوب.

هذه المرّة قررنا ان نتحرش بخالي الصغير، هو يكبرنا كثيرا ولكنه اصغر اخوته ..
كان صديقنا الحميم وجليسنا الذي لا يملنا ولا نمله. اتصلنا فردت زوجته، منذ تزوج وهي تقف عائقا بيننا وبين طفولته التي تكتسح شبابه ما ان يرانا .. فيلعب معنا ولا يتعب.
اتصلنا مرة اخرى فردت من جديد فهربنا. انتظرنا دقيقتان واتصلنا فأجابت ..
هذه المرة اشرت لك ان تتحدث، فتحدثت الفتاة المثيرة تطلب عبداللطيف.
" أنا صديقته في العمل، معجبه به كثيرا ولا اقوى على العيش من دونه .. من أنت؟ صوتك قبيح وشكلك اقبح"

دوّى صوت ارتطام الهاتف دالفا داخل بيته، لم نتمالك ضحكاتنا فذبنا ونحن نحاول ان نسرق بعض شهقات الهواء ..
سقطنا على الأرض أنا وانت وضحكنا الى ان بلت قليلا على نفسي.
اعجبتنا اللعبة لإن نجاة لم تكن تعجبنا، في الساعة الحادية عشرة ليلا عندما نامت والدتنا تسحبنا الى غرفة المعيشة واتصلنا ببيته من جديد، كالعادة .. جاوبت هي:
" من انت؟"

قالت: "زوجته".
قلنا: "لا انت سخلته".
دوّى الإرتطام ذاته من جديد ودخلنا في نوبة اخرى من شهقات الضحك العميق..

في الليلة التي بعدها في العاشرة والنصف عندما خرجت ماما للعشاء مع البابا.
تغافلنا الخادمة وهي تعد لنا العشاء ومسكنا الهاتف من جديد، طلبنا الرقم، فردت هي، وسألت بسرعة هذه المرة:
" ماذا تريدين منّي؟"

قلنا: "اريد عبداللطيف"
قالت: "هو متزوج و مستقر، خافي من عقاب الله يا هدّامة البيوت"
قلنا: " أنا هدّامة وأنت عوّامة، انت سمينة مثل البقرة وهو لا يحب السمينات، حتى البثرة الدائمة على جبينك تذكره بالقمامة، افقدي وزنك، وحسني من شكل وجهك فهو جميل ويريد امرأة جميلة".
وركض الهاتف داخل بيته هاربا لنوبة ضحك هائجة.

ضحكنا بلا توقف ..
لا شيء كان بإمكانه ايقافنا، كنّا اطفالا على مشارف المراهقة، بمنتهى الشقاوة. وهي كانت امرأة غير واثقة من نفسها بمنتهى الشقاء، وجدت نفسها فجأة متزوجة من رجل وسيم ومقتدر.
لم يسئ معاملتها يوما، ولم يشكو الشامة الحمراء الكبيرة على جبينها. ولكنها فكرّت أن معرفة الزميلة "المفترضة" لتفاصيل شامتها قد تدل على بوادر علاقة وطيدة بينها وبين زوجها الذي وصف لزميلته يوما شيئا سلبيا في ملامحها!

اتذكر عندما جاء خالي عبداللطيف الى بيتنا، أخذ أمي وذهب دون ان يكلمنا ..

كان يبدو مضطربا حزينا ومكسور!
رجحنا انا وانت انه عرف لعبتنا لهذا لم يكلمنا، وقررنا ان نعترف له ونشركه معنا بالضحك.
جاءت ماما، وجدتي فوزية وخالتي نوال وهو، اخذوا بعضهم بمنتهى الصمت الى غرفة الضيوف واغلقوا الباب خلفهم !!

اتذكر عندما لاحظنا بعد فترة أن خالي عبداللطيف يأتي للتجمعات العائلية يوم الأربعاء وحده!
يجلس على الكنبة الطويلة وحده ..
يأكل وحده ولا يجدها ليناجيها وهي تجلس على استحياء بجانبه.
اتذكر عندما كان ولفترة لم تكن قصيرة ينسحب بسرعة من الجلسة الجميلة ويذهب لغرفته القديمة في الطابق العلوي في منزل ماما فوزية!
وعندما علمنا انه اصبح أبا، جلب ابنه يوسف لتراه جدتي ثم اخذه بسرعة فلم يتسنى لنا الوقت لنلعب معه!
كان الطفل اصغر من الدمى، وعندما حملته ماما فوزية قبلته وبكت. ولم نعد نراه إلا بالأعياد والمناسبات الكبيرة.

اتذكر عندما سألنا ماما اين نجاة؟ قالت انها ذهبت .. ولن تعود!






الأربعاء، 25 مارس، 2009

كارما .. قليلة أصل !!

(3)
فبراير ..
=======
اضع على رأسي شالي .. وأستعد لأشد رحالي بعيدا عن البيت الذي لم أشعر به بالدفئ منذ زمن ..
أعلم أنه ليس الوقت المناسب، أراه في الصالة يمسح دموعه .. لازال ينتحب.
اليوم هو اليوم الثالث والأخير من عزاء والدته.
لم اقصد أن ازيد حزنه ولا أن أشعل همّه ..
ولكني لا أقوى على الإنتظار اكثر ..!
اذهب اليه وهو يجلس في بقعة بعيدة توّا فرغ من نوبة نشيج ..
يرفع رأسه ويرى الحقيبة بيدي .. لا يتكلم .. ولكني أقول له أنني مغادرة
لم أعد أطيق العيش معه بعد الآن!
حياتنا أصبحت أشبه بالصحراء الخاوية من كل فرحة .. صفراء جافة ووعرة.
أعرب له عن أسفي على التوقيت الدنيئ لإلقاء القنبلة .. لكني فعلا لا اريد الاستمرار.
لا يتكلم .. !
تغرق عيناه بدمعة صامتة ..
لا اشعر بشيء ..
أخرج من الباب وتلفحني نسمة هواء .. استنشقها كلها .. وابتعد.

ابريل ..
=======
أنا في عذاب ..
كيف استطعت أن اترك الرجل قبل أن يجف الدمع على قبر والدته !!
غاضب علي وحانق من قلة أصلي .. ربما يدعو علي بكل صلاة .. " يا رب لا توفقها "
لهذا ربما لم أجد بعد الرجل الجديد الذي يتمناه قلبي ..
حياتي بعد الرحيل بطيئة ومملة الى ابعد الحدود ..
لا املك ثقة بنفسي ..
ربما هو تأنيب الضمير الذي يكبلني ولا يتركني أحلق للبعيد؟


اكتوبر
======
بعد ثمان شهور من الرحيل أقرر أن اذهب اليه ..
اعتذر عن قلة أصلي وعدم شعوري بالحال وتقديري للضروف !!
هي الكارما لا غيرها ..
تركته وحيدا يغرق في حزن ما .. فتركني القدر وحيدة لا يقترب منّي رجل!
سأذهب ما ان استجمع افكاري ..


ديسمبر
======
في آخر يوم من آخر السنة .. أقرر المواجهة ..
لعلها تصبغ السنة الجديدة بفأل جميل!
السبت صباحا أعلم أنه يجلس في تلك القهوة يرتشف كوب كوكو ساخن ..
دائما كان هناك .. مصحوبا بي او وحيدا .. كان دائما يذهب ..
المحه من بعيد وقد ازداد وزنه قليلا .. بالكاد يضع رجلا على رجل !
يبدو بخير .. وبصحة جيدة ..
امشي بجانب طاولته واتظاهر أن الصدفة من جمعتنا ..
أشهق باستغراب وأحييه بفوضى اللقاء .. مفاجأة ..
يكلمني بهدوء، عيناه لا تلمع بغضب قديم ولا مرارة دفينة! اذن لماذا يدعو عليّ؟؟
يدعوني للجلوس على طاولته فأنتهز الفرصة وأجلس على طرف الكرسي استعداد للهروب ..
كل ما ارغب به هو خاتمه تريحني وتبعد الكارما السيئة عن مستقبلي ..
أفتح الموضوع القديم مواربة، أطل برأسي من فتحة الباب على الماضي .. وأعتذر بغموض
لم يفهم في البداية ..
ولكنه عندما استوعب .. ضحك !
جلجلت قهقهة غريبة تمددت خلالها ملامحه ..
وجدت نفسي ضائعة بين واحدة وأخرى ..
قال لي بعد ان انتهت النوبة ..
" حملك لحقيبتك وخروجك من البيت كان أجمل ما حصل لي في تلك الفترة"
.... ؟؟؟؟؟ ....
كان على علاقة بمديرته حينها .. أحبها كثيرا عندما كنّا معا ..
يقضيان كل رحلات العمل معا .. عندما كنت افتقد الدفئ في المنزل ..
وكان في الصالة يبكي موت أمه .. ويفكر كيف سيخبرني أنه لم يعد يريدني!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت ثلاثيتي .. ولكن يبقى أن أقول أن القصص الثلاثة السابقة .. حصلت فعلا لإمرأة واحدة مع ثلاثة رجال مختلفين !!
هممممم .. السنا محظوظين عندما نرى آثار باقية لجروح غائرة في قلوب غيرنا؟؟

الثلاثاء، 24 مارس، 2009

خمس أيّـام صينية ..

(2)
( رحّال )
.. اليوم ..
تغادريني هكذا بلا التفاتة للوراء؟
بلا تردد .. بلا اضطراب؟
حتى عينيك لم تبرح مكانها ولم تلتصق سوادتيك بالزاوية بحثا عن بقعة خفية .. لعلك ترين اطرافي خلسة قبل الرحيل!
لم تلوّح يداك لي وداعا، ولم تدفعي الصغيرة لتحرر لي من فمها قبلتين محلقتين ..
" وداعا بابا .. سنشتاق اليك".
من أين أتيتِ بهذا القدر من الفولاذ؟ متى اسكنتيه داخل قلبك؟ ومتى جفّت ينابيع عينيك من رحيقهما العذب؟
كنت تبكين عندما اغادر في رحلة عمل، وتبكين عندما أعود! بكاؤك كان يثلج صدري ويجعلني أعلم ان هناك دفئ صادق ينتظرني ..
اين ذهب الدفئ في لمسة يديكِ؟ وكيف اختفت تلك الإبتسامة الشهية على شفتاك؟ الى اين طارت الألفة؟
هناك شيئ مختلف!


( اي ميل )
..الأمس ..
أعود الى المنزل بشوق، أرتب الوسادات الملونة الجديدة التي اشتريتها خصيصا ليوم الوصول .. بيدي.
أخبر نفسي ..
"سأحمم حصة الصغيرة - غدا صباحا - وأعطرها، البسها فستان ابيض مُزهّر بعباد شمس اصفر عند الطرف .. أضعها في حضن المربية واقفز عدوا الى غرفتي .."
أخلع كل تعب الدنيا، والبس من جديد الشوق الذي احمله ما ان غادرت ..
لماذا أشعر بالحداد عندما تترك المنزل؟ وكأنه يوم طلاقي منك أو يوم موتي؟
لماذا كلما تغيب .. أحس أنها المرة الأخيرة التي سأراك فيها؟ يتعبني الاحساس البارد ويسد مجرى تنفسي عن زخّات الهواء.
عندما تتصل وتقول "عائد" .. ابلع شهيقا قويا رغما عن أنف الهلع، فتكسر السدود في جوفي وتفرح المدافن.
بالأمس اتصلت .. وقلت أنك ستطير اليوم من هناك .. في الغد عائد.



( رَحّال )
.. قبل خمس أيام مضت ..
غادرت الكويت اليوم الى رحلة عمل للصين ..
ترحالي كثير لهذا أنا بمنتهى النحافة!! لا أفهم رجال الأعمال السمان الذين لا يفكرون في انقاص وزنهم!
الطائرة غير مريحة للبشر ذوي الأوزان الثقيلة!
أحب زوجتي وأعشق من امتدادها طفلتي .. ولكنهما غالبا بعيدتان في الوطن وأنا معلق بين السماء والأرض.
أصل المطار .. يستقبلني من يستقبلني .. وابدأ رحلة عمل يتخللها القليل من راحة وامتاع.

( مذكرات)
.. قبل اربعة أيام ..
غادر في الأمس الكويت في رحلة عمل للصين ..
أعلم ان السفر جزء من عمله .. ولكنني مللت كثرة الفراق !
مهلكة ومضنية ومحزنة الأيام الكثيرة التي مشت فيها طفلتنا ولم ير خطواتها الأولى، وقالت بابا ولم يكن موجودا ليسمع!
ترى كيف يستحمل كل هذه المسافة بينه وبين الحياة التي بدأها .. وتركها لوحدها تكمل الفصول؟
أتربع على الأرض آكل سندويشة من احدى المطاعم السريعة .. أشاهد برنامج لا أحبه ولا يهمني ..
لا يهمني شيء – عادة – عندما لا يكون هنا.

( رَحّال )
.. قبل ثلاث أيام ..
هذه ليست المرة الأولى التي ازور فيها الصين .. كبيرة وموحشة ولكنها أبدا ليست مملة.
النساء هنا بمنتهى الرقة، خصوصا بنات الطبقة الراقية وخليلات رجال الأعمال ..
اكتشفت أن في الصين أيضا من الممكن أن تكون المرأة عربون صداقة، او هدية فارهة تهدى للعميل بعد الإنتهاء من صفقة دسمة ..
أعطوني واحدة بمنتهى الجمال في رحلتي السابقة، وعندما انهينا الصفقة اليوم .. طلبت من شريكي الفتاة ذاتها!
كانت رقيقة، جلد رقبتها شفّاف وابيض كالطحين ..
قضيت معها وقتا شبقا ..
وعندما غادرت غرفتي أحسست بحنين جارف لزوجتي وطفلتي!


( اي ميل )
.. قبل يومين ..
لا أعرف ماذا تفعل بالصين خمسة أيام اذا كان الإجتماع يستغرق يوما واحدا فقط؟
لماذا يرسلونك لتقضي خمسة أيام في بلاد كبير وخطر .. تنتشر فيه الجريمة والأوبئة والأمراض؟
أشتاقك .. وأتنهد غربة الوقت الذي اقضيه من دونك ..
أضع رأسي على وسادة فارغة إلا من حنين .. ازفر عندما لا أجدك بجانبي .. وأغرق في نوم عميق!


( رَحّال )
..الأمس ..
العودة اليوم ..
متلهف للعودة كالعادة رغم السفر الذي يستغرق اكثر من 24 ساعة!
اطبع في وقت متأخر من كل ليلة يوميات أسفاري على مدونتي، لا يعرف أنها بوحي إلا صديقي ..
اعلم انه نائم ولكنه يصحو ويقرأها كل صباح.

( مذكرات )
.. اليوم ..
العودة اليوم .. اكاد لا اطيق الانتظار ..
افتح بريدي الإلكتروني وأرى رسالة بعنوان " ( رَحّال ) .. زوجك الذي لا تعرفين" ..
لا أعرف من المرسل، ولكني أشعر بفضول للضغط على الرابط !!
مدونة بقلم مألوف .. وبوح يكاد يلمسني من فرط قربه منّي .. أحداثه كأنها مراية ضوئية لمذكراتي .. يحاكيان بعضهما ولا يعلمان!
اقرأ .. ويدور رأسي .. وأعلم أن طرفا ثالثا أرادني أن اعرف .
لا أبكي .. ولكني أنا هذه المرّة من يوظب شنط الرحيل ..
بلا التفاتة للوراء .. بلا تردد .. ولا اضطراب ..

الاثنين، 23 مارس، 2009

هكذا العمر ينسكب ..

ثلاث قصص لثلاث أحداث .. من اليوم الى الأربعاء .. ستجدون كل يوم قصة !
==================================================
(1)
وأخذتني من معصمي ..
ووضعت لي في راحتي حفنة تراب، تساقطت حباته وتسربت من فرط كثرتهم عليّ ..
يدي صغيرة سيدي لا تحتمل كتلات رمل ناعم حملته فوق طاقته من رسائل مخفية، ارسلتها من روح خوفك إليّ.
تلك المبادرات الغامضة على أشياء لا اعرفها ولا أفهمها تكاد تضيعني أكثر منك ..
تكاد تخلق فيما بيننا فجوة بعمق الفراق الذي كان بيننا.
كنت بعيدا عن العين .. ولكنك لم تكن يوما بعيدا عن القلب، ربما لإن عيناي وقلبي استثناءات الجوارح الكثيرة من حولنا.
خذ حفنتك .. لا أريدها، وليس لدي وقت لأحللها وأفسرها وأطرحها مضغة لم يكتمل نموها على رصيف التوقعات ..
أنتظر منها جوابا شافيا لكل جراحي ودواءا كاملا لكل أسئلتي التي يوما لم تفكر أن تجيب عليها!


في الخيمة الكبيرة كانت تجلس ..
الجو ربيعي والهواء المشحون بمليون نسمة خجولة يكاد يكون الزائر الدائم في رحلات كشتاتنا ..
للتو عدت من أمريكا، كاليفورنيا سرقتني لأربعة أعوام وهذه الخامسة ..
لم تعد الدراسة وحدها هاجسي، ابتلعتني الأرض التي تلفظ من بطنها كل شيء .. فلم أعد اعلم من أنا وماذا اريد؟
كل ما اعرفه عن ظهر غيب أنني فقط أريد العودة الى لوس آنجلوس بأسرع وقت ممكن!
عندما رأيتها تجلس هناك ترددت في الدخول، نظرت صوبي مرّة واحدة ولم تعد عيناها إليّ ..
أعلم أنها غاضبة منّي، أو ربما حزينة عليّ لإنني لم أكن الرجل الذي تصورتني مرّة أن أكون ..
سافرت ولم أعد لأفي بالوعد الكبير الذي قطعت ..


يتردد في الدخول الى الخيمة التي أجلس داخلها ..
على وجهه رسمت نظرة بلهاء مشوبة بالجزع!
هل يخاف منّي أم يخاف أن يبتلعه فم الخيمة فلا يقوى على الهرب الى بلاد الغرب مرّة أخرى ..
أنظر صوبه مرّة واحدة وأشبع بسرعة من محياه ..
ذلك الوجه اللامع الذي كان يعميني عن كل شيء لا يهم. الشعر المموج يصففه دوما بحرفية متناهية. القوام الطويل الرياضي لم يتغير ..
لم تزحزح كماله بيتزا نيويورك ولا تشيز ستيك فيلادفيا ولا مشروبات كاليفورنيا.
يدخل في النهاية رغما عن التردد لإن الكل قد تجمع في الخيمة الكبيرة ولا يريد أن يبقى
وحيدا في الخارج !!

لا اقوى على رؤيتها ..
وهج يسطع من مكانها، تنعكس عليها أشعة الشمس فتحيلها نورا مستحيل التحديق فيه ..
وكأنها سراب أسمع صوتها ودغدغة ضحكتها ولا أراها ..
أخافني الوضع وأرعبني الخيال الذي طرأ فجأة في رأسي .. فلبست نظارة الشمس حتى وأنا في الداخل !!



نظارة شمس وأنت في الخيمة المظلمة نسبيا ؟
روحها باهتة وقاتمة خيمتنا وانت تزيد عينيك ظلاما لكي لا أراك ولا تراني؟
يلبسها ويجلس في الزاوية كأنه أعمى قد ظل طريق العودة الى الوطن ..
أو ربما يرتيديها لكي لا يشعر أحد بوجوده.
غائب حاضر كما انت دوما، اسمك معلق بمهجتي، رائحة عطرك تتدلى من أنفي، وكلماتك التي كان لها معنى تتمطى كل يوم على حواف اذني .. وتعود تنام!
لماذا لا تأخذني من يدي الى الخارج؟ الى البراح الكبير من رمل وصفار ..
لماذا لا تخبرني بماذا سنفعل بعد تلك الخطوة التي نأخذها خارج اعتاب الخيمة الكبيرة؟
لماذا لا تقول لي أنك لست برجل .. وعدتني بالرجوع واستكمال سيرة الحب الذي انفتح في صبانا وتوقف عندما سافرت صيفا الى امريكا لتأخذ كورس لغة؟
الكورس تحول الى سنة، والسنة أصبحت سنين، والسنين أصبحت عمر، والعمر أصبح سراب!


تمكنني نظارتي من النظر اليها الآن ..
ساهمة وشاردة وعلى وجهها ستة وعشرين علامة استفهام .. اعلم أنني المعني بالإجابة، ولكنني لا استطيع.
كيف أخبرها أنني وجدت كُلي هناك؟ وقد قلت لها أنها نصفي ؟
كيف أخبرها أنني أتحدث الإنجليزية الآن .. وقد أخبرتها أنها اللغة الوحيدة التي اتقنها؟
كيف أشرح لها، أن هذه الشوارع الضيقة باتت تخنقني .. وقد قلت لها يوما أنها وحدها طريقي؟
كيف أقول لها أنني أحب "كورتني"، تلك الأميرة من عائلة رفيعة في أورنج كاونتي، وقد رجوتها دهرا أن تكون مليكتي؟
أشعر بالألم في صدري .. والخزي في جبيني .. ورطوبة غريبة في عيناي!

يحرك نظارته كثيرا ويحك عيناه ..
أخبرته دائما أن لا يرتدي عدسات لاصقة في البر!!



أشعر بالفزع وبوادر اختناق..
بلا مقدمات ولا تفكير أناديها بإسمها عمرا لم انطقه ..
بدا غريبا وثقيلا على لساني ..
أخرج فتتبعني وفي عينها هطول مطر من بهجة وأسئلة ..
تلك الإبتسامة وذلك الشال، ونظرة عتب جميلة تتعلق على هضاب العشم ..
نمشي صامتين بجانب بعضنا .. لا أعرف ماذا أقول، ومن اين ابدأ ..
أقف على كثبان رمل ناعم كملمس خديها ..
امسك يدها .. آخذ حفنة من التراب .. وأضعها في راحتها ..
وأراها تنسكب!

الجمعة، 20 مارس، 2009

*صندوق البرميت ..




بين ظفيرتيها يقع خط الإستواء..
والخط الأبيض مختبئ تحت بخنق أسود مطوّق بخيوط النشل الذهبية. مفرقها الناصع لازال يرى بالعين المجردة بالرغم من سواد الغطاء. في الخارج في براحة الرمل القريبة من بيتها لازالت تلعب الحجلة والغميضة مع بنات الفريج.
"أمي قالت ما نروح بعيد لي بيت بوجاسم .. بعدين تجينا حمارة القايلة" وضعت خطا عريضا لصويحباتها " ما نروح يعني ما نروح". تأففت رقيّة وسحبت مزنة بعيدا عنها :
" اذا ما تبين تيين معانا كيفج .. احنا بنروح ناكل سبال". صمتت ولحقتهم بعينيها وهما تبتعدان.
جلست على الرمل تحفر حفرة، وداخلها تضع الصخرة السحرية التي تساعدها دائما في اكمال القفز على خريطة الحجلة بدون اخطاء. كانت دائما تفوز.

من بعيد يقبل .. يمشي بإتجاهها، أحست بالقادم فرفعت رأسها لترى، عرفته فأطرقت تكمل الحفر " آنا اواريج يا رقيّة .. والله ما اعطيج ربازتي ولا أخليج تفوزين".

اقترب منها :"طيبة .. شتسوين؟" بدون ان تنظر اليه : "قاعد احفر"، يجلس على ركبتيه ويمد يده "اساعدج؟" لم تنظر "لا".
يبتسم، يقرص خدها بتحبب ويقف. تغتاظ وترمقه بغضب وهو يبتعد.

منذ بلغت طيبة الثانية عشرة وأهل حمد يلحّون عليه بالزواج، والدته تستعطفه "طبّقت الاربعه وعشرين ولين الحين ما عرّست!! ريّح قلبي يا حمد وخليني اشوفك معرس وفي حضنك حرمتك". كتم السر في البداية ثم مع الإلحاح فل الصرة وانطلق الحب عصفورا في الأفق .. " أبي طيبة".
أحبها من زمان لا يعرف منذ متى. كنّ لها مشاعره وحملّ طفولتها ذنب اكتمال دورة القمر، عمرها عمر الزواج ولكنها لازالت تنشد مع البنات اناشيد العيد وتنتظر العيدية بدون صبر. تصرخ مع الصغار "خروف مسلسل هدّوه" وتجري بعيدا مع الريح عندما يطاردها عليوي ليخرجها من اللعبة.

كان كل ما يراها تلعب يقرص خدها ويمسح على رأسها، كانت شقية وجميلة تجعله يبتسم، وهو كان فتيا يحب الفرح.
تكلمت الأمهات ووافق الآباء على المصاهرة "حمد والنعم فيه من خيرة شباب الفريج، رجال ويعتمد عليه". دخل حمد البحر مرتين، كان غواص ماهر والكل يشهد له بالذكاء والنشاط والأخلاق الحميدة.

طيبة تنكمش بجانب أمها على سجادة الصلاة:
" بس يمّا .. انا بي العب ما ابي اعرّس"
" راح تلعبين"
" بس يمّة رقية وسبيكة ومزنة ما راح يلعبون معاي!"
" يا يمّا مالج شغل فيهم، راح تلعبين معاي ومع بدرية ورحمة ولطيفة .. انتي تحبين لطيفة"
" بس يمّا لطيفة كبيرة وعندها فهد وسعد .. شلون العب معاها، ما ترضى تلعب معاي"
"راح ترضى .. خلاص انتي الحين بتكبرين"
صدمتها الفكرة، وتنازعتها رغبة عارمة في خياطة البخنق حول رأسها لكي لا تخلعه، وفكرة لبس العباية السوداء الحريرية ووضع الديرم الأحمر القاني على شفاتها. نفضت الأفكار الكبيرة من رأسها وجرت للخارج لتعيد فتح حفرة الكنز واسترجاع ربازتها من بطن الأرض.
"خلاص راح العب حجلة مع حمد!!"

في اليوم التالي رأت في منامها صندوق، والصندوق مفتاحه عندها، عندما فتحت جفونه رأت كمية مهولة من بيض الصعو وبرميت وجاكليت وقمرالدين، شهقت وسألت "من منو؟" قالوا لها انها هدية حمد. فزّت من النوم وهي تتلمض طعم حلو كالسكر في فمها. غسلت وجهها وصلّت، دعت ربها أن يتحقق حلمها ويجلب لها حمد برميت وقمر الدين عندما يتزوجها.

في يوم الزفاف لبست طيبة أحلى فستان اخضر، وضعوا على رأسها هامة جميلة من ذهب وأجلسوها في كرسي خشبي وسط الدار، مسكت كل واحدة من نساء الفريج طرف من بساط اخضر كبير فوقها.

أحسّت أنها في خيمة وسط بحر من نور. غنّت المنشدة واستهلت ادعية الجلوة بالصلاة والسلام على رسول الله. صدح صوتها الحاد في ارجاء المكان ((أمينة في أمانيها )) والنساء يردون (( هالله هالله )).

كانت مندهشة، مأخوذه الى عالم سحري هي فيه الأميرة، وصيفاتها يغنون ورقية ومزنة ينظرون لها من بعيد.

تُرى ولا تُمس مثل الشمس او القمر.
تحت البساط جلست طفلة لازالت تتعلم الأحرف العربية والأعداد. لازال والدها يدللها ويأتي لها بعرائس الصوف والدراعات الحمراء التي تحبها. قالت لها والدتها انها عندما تخرج من تحت البساط ستكون قد اصبحت امرأة. وبفارغ الصبر انتظرت طيبة لحظة الخروج. تخيلت نورا ازرقا يشع من عينيها وهالة من لون تحيط بها عندما تخرج من تحت البساط، تخيلت صوت جهوري مثل صوت الرياح في احد ليالي الشتاء التي اخافتها، وتخيلت انها عندما تخرج من تحت الغطاء ستكون كبيرة مثل امها، و جميلة مثل لطيفة.

انتهت "اليلوة" وجاءت اللحظة، سحبت امها يدها لتقف، انزاح البساط من فوق رأسها، وصهلت طيران النساء من حولها،

تلفتت .. اين النور الأزرق وصراخ الرياح؟
وضعت والدتها عباءة حريرية على جسمها الصغير، لفتها جيدا ..
شيلة سوداء فوق رأسها، "بوشيّة" غطّت وجهها ودفعتها الى الخارج، مشت طيبة لا تدري الى اين ..

لاول مرّة لا ترى الشارع ولا ترى اين تضع قدماها .. تخبطّت .. التوت ساقها وكادت تسقط. سحبتها يد وتضاحكت النساء من حولها، التفتت فرأت أمها تسير بمحاذاتها .. دققت اكثر فرأت دمعة لامعة على خدها من تحت الشاش الأسود، لطيفة ايضا تبكي والنساء الأخريات كلهم يضحكون.

بكت ..
في بيت أهل حمد وقف الرجال يحيّون المعرس، وعندما رأوا موكب العروس تنحّوا عن الطريق وافسحوا مجالا واسعا لدخولها.
دفعتها يد للداخل عندما توقفت رجلاها عن الحركة. "ليش احنا في بيت حمد!" سألت نفسها. دخلت، ثم دخلت بابا آخر من جديد وفجأة سكت كل شيء. الطيران صمتت للحظة، والأناشيد صمتت للحظة، واليبّاب سكت. رفعت البوشية عن رأسها وأدارت عينيها في الغرفة.
فتح الباب، أمها تدلف بسرعة وكأنها لصّة تسرق اللحظات من صدر الحدث، جرتها وهمست وهي تلهث:
" طيبة يمّا سمعي كلام ريلج وسوّي كل إللي يقولج عليه، انت خلاص صرتي مرّة. اذا قال لج نامي .. نامي، واذا قال لج تعالي روحي، واذا قرّب منج مايخالف، اذا شال ملابسج عنج مايخالف، واذا شاف رجولج مايخالف. واذا لمس صدرج مايخالف. واذا نام فوقج مايخالف".

طرقات قوية متطفلة على الباب قطعت حبل افكار الأم وبددت سحابة الفزع الى واحدة اكبر منها في وجه طيبة ..
"انشاالله .. انشاالله" صرخت الأم .. قبلت طيبة .. وخرجت

فزع في عين طيبة نادى لوعتها من قعرها، مشوبة بحيرة غريبة و .. غربة، لأول مرّة تشعر طيبة بالغربة.
تملكها رعب لم تشعر به من قبل ولم تختبره. أشياء لا تعلمها ولا تدريها القيت فوق رأسها الصغير وهو الآن يدور.
دارت عيناها مرّة أخرى في ارجاء الغرفة ..
فراش عريض، حصير، سراي وصندوق مبيّت كبير، دنت من الصندوق اكثر، يشبه كثيرا صندوقها الذي رأته في الحلم، مدّت يدها وسحبتها عندما سمعت الباب يفتح.

صوت الطيران يعود يصم آذانها من جديد و يبّاب عالي .. فوضى الأصوات لم تعد تعجبها.
دخل حمد .. لأول مرّة تلاحظ كم هو اطول منها، دنى وتراجعت، علا صوت الطرق والزغاريد والطيران والطبول، وعلت اناشيد النساء واغاني الفرحة.
فزع ركب وجهها فتسلقت نظرة جافة في عينيها..

دنى وتراجعت ..
قشعريرة اعترت ساقيها وصب الخوف ناره في ركبتيها .. دنى وتراجعت
اصطدمت بالصندوق الكبير خلفها، ولم يعد هناك مساحة في الوراء، مسك يدها وسحبها ..
" تبين تشوفين شنو في الصندوق؟"
فتح الصندوق ..
فرأت جاكليت وبرميت وعروسة صوف ..
___________________________________________________________
* القصة مستوحاة من طفولة جدتي .. فقد كانت طفلة عندما تزوجت .. وجدي " الله يرحمه" كان يعاملها بمنتهى الرقة
ولم يلمسها كزوجة حتى بعد فترة طويلة من عقد القران.

الخميس، 19 مارس، 2009

لا أنتعش !!


مزاجي اليوم .. فضاء مزدحم .. وخواء ثقيل !!
أغمضت عيني البارحة في السابعة والنصف مساءا قبل الجميع ..
كان شيئا خارجا عن إرادتي..

أشعر أن زوجي متباعد الأفكار .. على طاولة غدائنا لا المس بوادر تواصله!
هناك شيء في رأسه، بدا في غاية الهدوء ..

أرى في منامي أحلام متضاربة ..
روح الحلم كانت غريبة ..
أمي تغسل عمتي الصغيرة في الماء والصابون بينما هي تبكي وتنتحب!
أدخل بيتي الجديد كبير جدا .. الغرف فارهة وواسعة الى أبعد الحدود .. أحمل على كتفي (لوفا) تتعلق عليها (دودة) !!
في الحلم .. الدودة كانت ابنتي !!

آخذ بنات خالالتي لأريهم بيتنا الجديد الكبير جدا ..
بقاعاته الكبيرة، أثاثه الذي لا يشابه ذوقي .. وغرفه الواسعة ..
يبدون اعجابهم معجونا بأصوات صفقات أحذيتهم ذات الكعوب العالية على رخام بيتي الجديد!!
وقبل رحيلهم .. آخذهم الى محل "العسل" الخاص بي والقابع في غرفة خارجية من بيتي !!
يأخذون ما يشتهون من عسل طازج وصافي .. كما يأخذون شمع العسل أيضا ..
أودعهم ..

أفيق من نومي في الصباح .. أتذكر كل الحلم لا تخفى علي تفاصيله !!
حلم متناقض متضارب غريب ..وغرابته تكمن في أنني أخاف من الدود، أحب منزلي الحقيقي، ولا آكل العسل !

أنظر الى وجهي بالمرآة بعدما صحوت من نومي .. شعري لامع وجميل
ووجهي مشرق .. مرتاح
ابتسم الى مرآة الحمام وتأتيني فكرة غريبة ..
ربما أنا بهذا الجمال اليوم .. لإنه اليوم الذي سأموت فيه!
لا ادري لماذا يطل رأس فكرة الموت كلما حصلت لي أحداث غريبة ؟؟
(( يمكن لإني وايد أشوف أفلام ؟؟))

آخذ حماما دافئا يزيح بقايا النوم من جسدي ..
أخرج وأشعر أني بمنتهى الشوق اليه ..
أدخل الى حمامه لأراه يغسل أسنانه .. أضمه وأخبره أنني أشتاقه ..
يبتسم !

أمام المرآة أجفف شعري وهو على كرسيه خلفي يقرأ لي مكونات العصير الجديد الذي يأخذه للعمل كل يوم ويشربه هناك ..
عصيره عنصر هام في رجيمه الصباحي ..
ونكتشف معا ان العصير مليئ بالمكونات الغير مرئية .. خضار وفواكه متعددة!
عندما يحين وقت رحيله في السادسة والنصف ينهض ويقبلني ..
أضمه وأسأله ماذا يشغل باله؟ كان بعيدا عني يوم أمس !
يبتسم بغرابة .. ويقول أنني أنا من كنت البعيدة .. نتحاور ..
يخبرني أنه في العمل بمنتهى الإنشغال، ضغوطات كبيرة لإن المشروع قد شارف على الإنتهاء ..
والكل بحاجة الى خدمة منه .. وهو بحاجة الى الوقت!!

يخاف زوجي من القادم .. أنا متأكدة من هذا ..
مشروعهم قارب على النهاية ولا يعلم أين سيكون عقد عمله الجديد !!
هو يخاف الإبتعاد عنّا ..
كلنا نخاف الإبتعاد عن بعضنا .. ولكن ان تطلب الأمر، ستلتقي عيوننا كل ويك أند!!
لا تخف حبيبي .. سأكون دائما معك مهما تكلف الأمر .. أقولها له بصدق وأنا أغرق في بحر عينيه، أتعلق برموشه الصويلة ..
يودعني ويغيب ...

أذهب لمغسلة الحمام من جديد وأنثر خصل الماء على وجهي ..
لا انتعش !
أرطب بشرتي بكريمي المفضل ..
لا انتعش !
لا تستيقض طفلتي لتودعني وأوصي مربيتها أن لا تعطيها كاكاو لإنها مريضة ..
أخرج من الباب فتلفحني يد النسيم .. تلامس أنفي وتدغدغ شعري ..
لا أنتعش !

أصل للعمل .. واذهل لأطمئن على زميلتي التي لم تأتي للعمل يوم أمس ..
تخبرني أنها مريضة، ووجها يقدم لي شهادة صادقة على التعب..
أدعو لها بالشفاء وأعود لمكتبي ..
أنظر الى النافذة الكبيرة جدا على يساري .. الى الشوارع والناس والسيارات الملونة ..
ولا انتعش !

بعد نصف ساعة ..
تأتيني رسالة قصيرة على هاتفي ..
أقرئها وتقول لي:
(( Thank you for everything baby .. I know you will be with me and i hope happily. I will not worry about our future as long as you are in my side))

تدمع عيناي حبا وحنانا للمرسل البعيد من شعيبة ..
استنشق هواء قلبي ..
وأخيرا ..

أنا أنتعش ..

الثلاثاء، 17 مارس، 2009

أنا والزلاطة .. اليوم الأول!


"صباح الخير" ..

أدحرجها من قمة أنفي لتسقط على الأرض
لا تلتقفها السكرتيرة عند مدخل المكتب، تتركها تسقط على الأرض وتتدحرج وتقف .. وتنبت داخلها نخلة
ترد بعد سنة وشهرين .. "صباح النور" .. متهالكة ضعيفة وما لها خلق شيء
لا أهتم .. وأدخل الى مكتبي ..
زميلتي في المكتب أخذت اليوم مرضية .. يعني اليوم آنا بروحي ..
ارتاح لإن يومي سيكون هادئا .. واغتاظ لإن الطوفة غالبا لا تشاركني السوالف كما تفعل مناهل ..
أجلس على الكرسي وأطالع الصحف .. خمسة مكدسين على مكتبي كل يوم، اقرأهم بعجالة وانتقي ما يحلو لي ليكون ضمن الرسالة الصحفية اليومية التي يرسلها رئيسي للمدراء والقياديين!!
اغلبهم لا يطلع عليها، ويقال ان بعض السكرتيرات تلقمها فم القمامة ما ان تمسكها بيدها!!
لا اهتم .. محظوظة أنا لإن مطالعة الصحف واقتناص مقتطفات الأخبار وقراءة مقالات الكتاب المفضلين روتين صباحي أحبه وافتقده إن أخذ منّي بالغلط!!

يحاورني بطني واتجاهل، يوجعني رأسي واتجاهل، ثم تصرخ علي معدتي .. لا مجال للتجاهل !!
أمس كانت بداية الرجيم .. اتفقنا أنا والبطل زوحي أن ننقص أوزاننا 5 كيلو بشهر ..
ينتهي الرهان بتاريخ 15-4-2009 ..
قال لي امس ونحن في السيارة:
(( لم أعد أطيق فكرة ان ملابسي ضاقت، اريد أن ارتدي ما اشاء وأكون بمنتهى الراحة والرحابة داخلها ))
زوجي "سمين سابق" بلا مذكرات ..

أكل طريقه نحو التشافي من مشاكل عائلية عندما تركته والدته للحاق بصديقها في ولاية أخرى. كان صغيرا وقتها وأخذته خالته في حضنها وربته مع أولادها ..
الى اليوم يشكر لها صنيعها .. ولكنه لا ينسى مشاعره عندما غادرت والدته وتركته بلا أم.
أفكر في سرّي .. اذا كانت طفولته جعلته سمينا نفسيا ..
فما هي حجتي؟؟

أنا صغيرة جدا، قصيرة جدا وحيزي الكلّي لا يأخذ من الكون ما تأخذه نملة في صالة التزلج الكبرى في سكيتنج.
لهذا، أنا في صراع دائم مع الوزن .. يبدو الكيلوغرام الواحد كبيرا ثقيلا على عاتقي ..
كم أكره الزيادات الغبية التي لا تعلم أين تختبئ!!
اناقش البطاطات المقلية باستمرار قبل أن آكلها:
" ارجوكم .. كونو اذكياء لطفاء وابحثوا عن مكان متواري .. بعيدا عن المحطات المكشوفه!!"
ولا من مجيب !!

صرخة مدوية أخرى و لوية يد ..
افلت يدي من قبضة الجوع، أحمل سماعة الهاتف وأتصل ..
هالو .. بونجونو ؟؟
Yes Madam .. how can I help you??
سيكريت غاردن سالاد بليز ..
اصابعي تتعانق، ووجهي يمتقع وعيناي تدمعان بانتظار الجواب الشافي ..
No Salads Madam .. Its all finished
ارقع زغرودة مدوية ..
ها ها .. أحلم .. ولم يتحقق بعد الى الآن ..
يرد بحماس:
Ok Madam .. 10 minutes and your salad will be there
يا علّك العافية انشاء الله .. ما في يوم تحققلي المراد وسلطتكم تكون خالصة ..
لكي ارجع البيت وأقول لزوجي أنني أكلت خبزة صاج بالنوتيلا والبندق من "شاي ونعنع" لإن سلطات "بونجونو" قد نفذت!!
ارسل له عبر الأثير "أوكي" خائبة واقفل الهاتف بانتظار الزلاطة !!

تصل السلطة بسرعة فائقة .. واضعها خلفي لكي لا تلمحها معدتي وتعصب علي ..
أكاد أسمعها تصرخ من الداخل، مع صوتها صدى مخيف:
" انتي من صجج ؟؟ اصوم اصوم وافطر على زلاطة؟؟"
ارد عليها بمسكنة:
" حبيبتي معدتي الحلوة الأمورة .. هذي سيكريت غاردن سالاد من بونجونو .. كشخة ولذيذة"
تزمجر معدتي:
" سكرتوج بلا سكرتوج .. انتي شنو شايفتني هبلة تقصين علي بكلمتين بالعنقريزي!! لا يا حبيبتي .. آنا كويتية من بطن كويتية .. متربية على المجبوس والدقوس والصوصج والبطاط".
أتجاهلها .. وانشغل بأوراق مبعثرة على مكتبي ..

آكل الزلاطة وانا ارسم على وجهي ابتسامة .. اتصنعها بإتقان
يقاطع ابتسامتي صوت قرمشة الخيار والفلفل البارد الأصفر ..
حواري الوحيد الآن خشك خشك خشك خشك ..
اوراق الخس الخضراء تلاسن الروكا، ويقف الجزر المبشور في الوسط يحاول فرض الصلح بحلاوته ..
انتهي من الزلاطة .. وأفخر بنفسي ..

ينتصف اليوم .. ويدور رأسي من جديد بحثا عن شيء يؤكل ..
يا ترى شنو قاعد تسوي يا الأمريكي .. قاعد تاكل سالاد مثلي وإلا قاص علي وطايحلك بتب كي اف سي!!
تؤرقني الفكرة .. واتوعده في نفسي:
" آنا اوريك" ..

يمر الوقت .. والصراخ لا يتوقف ..
صورة الأمريكي وهو يأكل فخذ دجاجة مقلية سبايسي لا تفارق عيني ..
أحس بالحر والبرد في نفس الوقت من الخيانة ..
كنتاكي مرّة وحدة!!
لم أعد احتمل ..
أنادي الفرّاش اللهلوب الفرّيرة أسرع واحد فيهم ..
سوجييييييييييييييييييييييييييييييييد ..
" روح ييبلي ماكدونالدز "

الأحد، 15 مارس، 2009

كانت ليلتي ..!

أشاهد صور صالات الأفراح التي تطير زاجلة الى بريدي الإلكتروني بذهول، وأسترجع يوم فرحي ..
تلك القاعات في الفنادق الفارهة التي أعادوا تشكيلها وربما بنائها من جديد بألوانها النادرة ..
زخرفاتها المذهبة معجونة بإسمي العروسين وصورة ثلاثية الأبعاد لملامح وجهيهما مغموسة بغموض في عين الأحرف!
تلك الكراسي التي تقبع هناك مزهوّة بفساتينها الحريرية وشرائطها الستان ..
الطاولات المستديرة الفخمة والمبرقعة بمفارش من دانتيلا بيضاء، تتوج سطحها زهور لم تكن يوما موجودة في الكويت ..
الكريستال المدلّى من السقف، الكوشة المخاطة تماما لتشابه ابتسامة العروس وتتآخى مع لون طرف فستانها ..
الهدايا الصغيرة في الصناديق الخشبية المنقوشة والساكنة على صدر كل كرسي ..
الحلويات الضخمة التي تدور بلا توقف .. ووليمة العشاء التي لم يسمع بها بعد فرعون ولا هارون الرشيد ..!
جميلة الصور .. وبديع كل الفن والجهد والذوق الذي وضع تحت اسم الليلة الكبيرة، ابداع موازٍ للإبهار يكاد يسبق الكمال بخطوة.
استعيد الشريط ..
12\12\2006 كانت ليلتي ..
فستان رقيق من التيل الأبيض أضعه فوق جسدي منسدلا ذيله كطابور من صغار الغيوم، تركت مدرستها لتذهب تسوح السماء، في رحلة استكشافية لفرحتي ..
تمسك الغيوم بأيدي بعضها اثنين اثنين. .
ضاق فستاني عاليا وانفرج منخفضا الى الأرض ليعطي انفتاحة بتلات زهرة بيضاء مقلوبة. بدوت داخل الفستان بمنتهى الصفاء ..
شعري أسود منسدل بحرية شقية .. لازال يحب الحرية شعري ويكره الترويض ..
لم يساعدني أحد في اختيار الفستان، وتسريحة الشعر ولا رتوش الوجه ولا الحذاء .. صديقة عمري لم تكن في الكويت .. فبحثت عن كل شيء لوحدي .. ووجدت كل شيء لوحدي.

في بيت جدتي خيمة مبنية في حضن الحديقة، كبيرة وفارهة يدخلها النسيم من كل مكان ..
أرائك وثيرة منسقة وطاولات صغيرة .. وجو بديع أبى إلا ان يشارك في اليوم الموعود.
عشائي جاء من بيوت كل من أحبني وأراد مشاركتي يوما بلقمة ..
صنعت خالاتي وليمتي كلٌ ببهار مختلف من فرح خالص.
صُفّت الأطباق الفضية على طاولة طويلة خارج الحديقة فبدى الركن زاخرا بلذّة النسمات التي تلوّح حبا للطعام.
ضيوفي كانوا كلهم أهلي .. قطعة منّي، لم يكن هناك شخص لا أعرف ماذا يعني لون نظرته، احفض قلوبهم عن ظهر غيب، وأفهم معنى الدموع التي خضبت خدودهم بالياسمين ..
ضيّقة الى ابعد الحدود كانت ليلتي ولكنها وسعت كل حب الدنيا، وحملت بين طياتها رحابة الأذرع التي حملتني رضيعة، انتشلتني طفلة شقية، وضمتني وأنا على أريكة بيضاء بفستان ابيض ..
خيمتي وأهلي وصحبي وعشائي وحميمية ليلتي كلها توقفت عندما أتى ..
طويلا شامخا كالصقر الأمريكي على ختم دولته، غريب عليهم لم يعتادوه، ولكنه أقرب من نفسي منّي..
أبيضا لامعا كزوج باربي، يرتدي ابتسامته تلك المعهودة التي سرقت للمرة الأولى قلبي ..
أسنان بيضاء مرصوصة بإحكام بجانب بعضها، وشمس صغيرة تضيئ المكان ما ان يبتسم ..
ذهبت إليه .. مسكت يديه وخطوت معه أول خطوات عمرنا معا ..
قدمته للخيمة ومن فيها لأول يوم بعناوين شتّى، في تلك اللحظة التي خطونا فيها معا داخل الخيمة ..
غدا رسميا زوجي وحبيبي وصديقي .. ظهر للملئ بإسمه الحقيقي بعد أن كان مخفيا بألف هاجس.
لمحنا النور الذي سطع علينا من عيون الآخرين، أعمانا الوهج لبرهة .. ثم أطلقنا بعيدا عن قفص الحرمان الى أفق وردي وتطلعات سحرية.
على الأريكة البيضاء جلسنا .. أنا وهو يدا بيد، تتلقفنا التحايا وفلاشات الكاميرات.
يضغط على يدي كلما علا صوت "ألف الصلاة .."، كان مضطربا خائفا لا يعرف ماذا يجري ..
لفحت بشعرها خالتي فضغط على يدي ..
رقصت جدتي سامريتها فضغط على يدي ..
زغردت عمتي فضغط على يدي وسألني إن كنّا "نقرب للهنود الحمر لإن الصوت أشبه بأصوات تعاويذهم" ..
كم ضحكت في تلك الليلة من كل قلبي ..

بعيدا عن الجميع في ركن هادئ داخل المنزل نلتقط صور بدايتنا أنا وهو ..
لا يترك يدي أبدا .. ولا يكف عن الإبتسام ..
بفستاني وشال حريري وجاكيت يلف قلبي .. ننطلق بعيدا الى الهيلتون .. ونترك الخيمة.


الجمعة، 13 مارس، 2009

الفيل يا أيها الملك ..




يحكى أنه في زمان كان هناك ملك، والملك عنده فيل صغير يحبه جدا ويدلـله. يأخذه صباحا معه في حواري القرية يمشيان جنبا الى جنب والملك يتفقد أحوال الرعية. الملك كان قاسي القلب مخيف. والناس كانت تهابه وتتجنب لقياه.
كبر فيل الملك فأضحى حرّا، متى يشاء يسوح في أرجاء القرية بلا حسيب، كان ضخما ثقيلا مربّى بالقصور.
يتحرك بين البيوت الطينية والدكاكين المتهالكة فيكسر ما يكسر ويهدم ما يهدم ولا يكترث .. فهو في النهاية فيل الملك!
اجتمع أهل القرية يوما ليتباحثوا حال الفيل الغدّار، لا يهمه مأواهم ولا حوانيت رزقتهم.
يمشي ويهدم وقد ضاقوا ذرعا بالصبر والهوان. أجمعوا على رأي كانوا يخشونه عندما قال أحدهم أن الفيل لن يترك القرية سالمة إلا اذا اقتنع الملك بمنعه من التجوال. ارتعبوا من فكرة مواجهة الملك الظالم .. ولكنهم لم يجدوا بُدّا من الشكاية ..
صباح يوم لبسوا أجمل ما لديهم من هلاهيل، ودعّوا زوجاتهم، قبّلوا أولادهم خوفا من اللاعودة، وذهب الرجال يتقدمهم كبيرهم ورأس مشورتهم في موكب متوار خائف وصامت طوال الطريق إلى بوابة القصر المهيب.
في حضرة الملك وأمام العرش وقفوا خانعين، يلكز أحدهم الآخر للبدأ بالسلام والمبادرة بالكلام ..
كانوا يرتجفون من الخوف، ويتراعدون من نظرة حارقة تثقب قلوبهم الضعيفة.


تنحنح كبيرهم وتقدّم للأمام، خلع طاقيته ومسكها بكلتا يديه، انحنى وتمالك آخر بأسه ونطق بصوت مبحوح ..
" السلام عليك أيها الملك المهيب .."
تحرك رأس الملك تماما اليه وزمجر صوته قويا جهوريا متهدرج ..
" ما خطبكم ؟"
ارتجف قلب كبير القرية .. وقال بإذعان ..
" الفيل يا أيها الملك .."
رفع الملك رأسه ..
" ما به فيلي؟"
غاص قلب كبير القرية الى ركبتيه ..
" الفيل يا أيها الملك .."
حدّق الملك أكثر في وجه الرجل ..
" ما به قرّة عيني؟"
توقف قلب كبير القرية إلا نبضة واحدة ..
" الفيل يا أيها الملك .."
صرخ الملك متململا بازدراء ..
" ما به ربيبي ؟؟"
تنفس كبير القرية بصعوبة .. وأخرج صوتا معقوفا للوراء ..
" الفيل يا أيها الملك وحيد وحزين .. يحتاج الى فيلة !!



يضحك ابني في كل مرّة أقص عليه "الفيل يا أيها الملك"، يبتسم عندما يعلم أنني اقتربت من النهاية ويستعد صوته لإطلاق ضحكة ناعسة قبل ان يضمني ويغمض عيناه لينام.


سألني مرّة اين قرأت القصة الطريفة؟ ولم اجيبه تفصيلا، قلت له أنني لم أعد اتذكر ..
في الحقيقة قصهّا لي حبّي الأول من أيام الجامعة، قالها لي ونحن نجلس على أحد الكراسي الخشبية في حديقة الكلية، لا اتذكر المناسبة ولكنني حتما أتذكر القصة واتذكر صوته وهو يحكيها لي بجديّة متناهية. أحببت القصة بصوته ونظرة عينيه وهو يحاكي تارة جبروت الملك، وتارة أخرى هلع المزارع وارتجاج صوته. التصقت داخلي القصّة وتأرشفت دون أن اعلم في ملفّات معنونة بقصص الطفولة المعجونة بجنون الحب .. تلك القصص التي لا تنسى.

أُقبل صغيري وأغادر طرف سريره، والقي عليه نظرة أخيرة قبل أن اقفل باب غرفته عليه. لا أحتمل بعض الأحيان فكرة أن تفصلني عنه حواجز وأبواب ولكنّي أعلم أن اللعبة الآن بيدي لأخلط الخلطة المبدئية لعجينة رجولته .. الكرة حتما بملعبي حتى وإن كان هو من يركلها لوحده ليل نهار.
يتأفف زوجي من دلالي السمج – كما يسميه – للولد. أنا اعطيه كل ما يريد ولكني أحرص على أن آخذ شيئا بالمقابل. يحصل على لعبة جديدة عندما يساعدني في ترتيب السرير، ويأخذ حلوى اضافية فقط عندما ينجز مشروعا ما .. حتى وان كان تصفيف ألبومات الصور.
لا أعرف متى بدأت علاقتي حميمة ودافئة معه، لم نكن أصحاب عندما كان في الثالثة، فقد كان يحب والده أكثر منّي. يجري اليه عندما ندخل سويا للمنزل، ويجلس بجانبه هو على طاولة الطعام، بعيدا عنّي ..
بدا صديقي عندما بدأت أقص له قصص ما قبل النوم عندما بلغ الخامسة، كان يعشقها ويتشبث بثوبي لكي لا ارحل:
" قصة ثانية ماما .. ارجوك"
ولم أكن أفعل إلا اذا وعدني معاونة اضافية في يوم غد، كان دائما يعد .. وكان دائما يفي ..
أخبرني يوما أنه من بين كل القصص، قصة "الفيل يا أيها الملك" تسعده وتجعله يضحك ويرتاح وينام، سألته مرّة ان كان يفهمها .. يفهم مغزاها وما تحتوي من حكمة؟ قال ..
" كبير القرية مهرّج .. أراد أن يجعل الملك يضحك" ..
ضحكت كثيرا ذلك اليوم، ولم أشأ ان أبدد مفهوم طفلي البحت في جدوى البحث عن الفكاهة في كل قصة. كان المهرجين اصدقائه، والضحكة غايته، والسعادة هدفه حتى وهو يحكي لوالده نكتا جديدة تعلمها في المدرسة، يفرح ملئ طفولته عندما يقهقه والده عاليا ويسأله أن يعيد النكته .. كان يعيدها له مئة مرّة لا يتعب ولا يمل.

بعد اربع سنوات حصل فيها ما حصل، ذاته اليوم الذي وعدني فيه أنه سيساعدني في وضع ملابسه الشتوية في صناديق التخزين، أتصّل عليه صديقه واستأذنني في أخذه الى مباراة المنتخب لكرة القدم ضد منتخب الدولة الشقيقة المجاورة. كان الحدث كبير والكل يستعد للمواجهة المثيرة. والد صديقه سيأخذهم الى المباراة، سيبقى بالطبع معهم، ثم يعيد ابني الى المنزل في طريق العودة.
لم أحادث الوالد ولكنّي أخذت رقم هاتفه من ابنه تحسبا لأي استفسار او طارئ.


سردت لإبني الوصايا العشر وأعادها على مسامعي بالحرف والكلمة، كان في غاية الحماس والإثارة، يستعد بكل شيء لكل شيء. اشترى علم الكويت وبوق للتشجيع، لبس فانيلة المنتخب الزرقاء وقبعة عليها علم الكويت، وأخذ معه صفّارة. دسست بجيب بنطاله نقود ليشتري هناك شيئا يأكله .. لم يكترث وجرى بعيدا عنّي الى السيارة السوداء عندما سمع صوت البوق يناديه في الخارج.


لأول مرّة يذهب عنّي طفلي .. لأول مرّة لا نتقاسم لحظات السعادة معا .. ولأول مرّة سيأتيني بأخبار ما فعل وما رأى خارج أسوار مدرسته. أحسست وقتها بالخواء يجتاح العتمة داخلي. أنا لست بالعمل وهو ليس معي! لم أعتد هذا النوع من الفراق.
بعد ساعة أتصلت على هاتف والد صديقه فرد ابني مباشرة، اعطاه الرجل الكريم الهاتف ما ان رأى رقم هاتفي، اعجبتني الشهامة. اطمئنيت عليه وسألته ان كان يشتاقني، بالكاد اسمع ردّه من صوت الهواء وهتاف الجمهور، ولكنه أعطاني اجابه محببة وأقفل الهاتف.
الساعة العاشرة والنصف وصل ابني .. مشوبا بفرحة تلفّه كاللحاف السحري، حمرة الوهج في خديه من هول الإثارة، وبريق خاص في عينيه من عمق السعادة. منذ زمن لم ار وجه ابني لامعا مستبشرا هكذا ..
سألته عن الرحلة، عن المباراة، ان كان مؤدبا طوال الطريق .. وعن ان كان قد شكر والد صديقه قبل أن يترجل من سيارته؟ فرحت في داخلي لإنه أطاع التعليمات ولم ينس أي من الوصايا. أحسست بفخر عارم، ونزلت دمعة من عيني وأنا أرى ابني يفك عقد ارتباطنا واحدة واحدة مع الأيام. أحسست أنه كبر، وأنه قادر على الفرح بدوني!


بعد الاستحمام وقصة ما قبل النوم وقبلة الرأس اللذيذة وكلمة الحب الجميلة نام .. كان الوقت متأخرا وأنا مستعدّة للنوم.
سريري كان دافئا اكثر من المعتاد، وغرفتي مستريحة بستائرها الراخية ضفائر تتدلى من رأس الليل. وضعت رأسي على الوسادة وتركت النوم يدغدغ قدمي بريشته السحرية.
الثانية بعد منتصف الليل أسمع المنادي ينتشلني من قاع نومي، جرس هاتفي يرن وهو عادة لا يرن في هذا الوقت اطلاقا، فتحت عيناي وارتعبت .. رقم غريب ولكنه مألوف. جلست على طرف سريري استعدادا للهرب، حملت هاتفي وترددت في فتح الخط.
بعد ثوان ضغطت الزر .. وجاء صوتي نائما وخائفا في نفس الوقت .. "الو!"
صوت دافئ لاقاني في منتصف الطريق .. دلف دون استئذان:
" قال لي ابنك اليوم قصة .. أنا أخبرتها لحبيبتي قبل احد عشرة سنة على كرسي خشبي في كلية الآداب .."
سقط قلبي بحضني .. لم أجد ما أقول .. فصمتُ
" عرفت أنك انفصلتي عن زوجك، لم أسعد بالخبر ولكني بكيت من الفرحة .. أنا انفصلت عن زوجتي منذ عام، لم تكن مقدرّة لنا السعادة .."
أحسست بإرتعاش شفتاي، ودمعة تنزلق على خدّي .. تمالكت نفسي وظهر صوتي من جوفي ..
" زياد ؟"
بصوت مهترء يغالب نشيج الفراق وضحكة اللقيا بعد طول سنين قال:
" الفيل يا أيها الملك وحيد وحزين .. يحتاج الى فيلة .."
ضحكنا وبكينا .. الى ان طلع الصبح علينا ..

الثلاثاء، 10 مارس، 2009

كبرت ..


وأخيرا كبرت .. رغم كل الأشياء التي كنت اعتقد أنها تمنعني من أن اصبح امرأة ..

رغم شعري المجنون الذي يكره الجاذبية ويأبى الارتباط ببعضه ..
رغم سمرتي وغمقان لوني ..
رغم أسناني التي تحب بعضها كثيرا حتى تراكبت ..
رغم المثلثان العريضان فوق عيناي يسمونهما الآخرين حواجب !!
رغم قصر قامتي .. وإمتلاء بنيتي .. وتشابك أفكاري .. وبعثرة شخصيتي على ناصية الطريق الى النضوج.

كبرت ..

رغما عن كل الأكاذيب التي كنت اختلقها عندما أشعر أنني مهددة بالإختفاء من على ساحة الحدث ..
رغما عن كل الخيالات التي كنت أعيشيا عندما أحس أنني في طور الإنقراض ..
رغما عن حقيقة أنني لست الأجمل بين بنات خالاتي، لست الأهم بين اخوتي، و لست الأذكى بين زميلات صفّي.
رغما عن ضياع هويتي، وانطماس ذاتي الغضة في معارك الإنتماء ..
رغما عن الشتات في من أصدّق من صحبي! ومن أحب من أهلي! ومن فعلا يسكنني في قلبه ويحفضني من كل مكروه.
ورغما عن صورة مهزوزة لنظرة مزاجية لديني الذي كالرسوم البيانية يرتفع وينخفض طبقا لمعطيات ظروفي ..

كبرت ..
وأنا أغار من كل الفتيات اللاتي لا يخفن من الأمشاط ذات الأسنان الدقيقة.
وأنا اغبط كل الفتيات اللاتي لا يهبن البلوزات الضيقة ولا يخجلن من نهودهن الصغيرة.
وأنا أفرح عندما أشاهد ابتسامات متوارية اكثر من ابتساماتي وأسنان وعرة أكثر من أسناني.
وأنا أقرأ كثيرا لكي أهرب من النقاشات التي لا تقتنع بآرائي، تهمّش قناعاتي .. ولا تعترف بعمق حواراتي.
وأنا العب كثيرا مع نفسي .. ومع أبطال القصص التي اقرأها بالليل لوحدي .. لإنها لا تقاطعني ..

كبرت .. ووجدت أول ربع من أرباع نفسي ..
واجتزت تلك الفترة المترامية التي لم اعرف فيها اغواري ..
و تغيّر النور في عيون الآخرين عندما تلفني أشعة الشمس بضوءها ..
واصغى إليّ الناس عندما أتحدث، وسكتوا حتى انتهي من آخر كلمة في جعبتي ..
ولاحقتني عيون الرجال متطلعة الى ملامح وجهي ..عمق ابتسامتي .. وأشيائي الأخرى ..
وقرأتني صديقاتي كتابا مفتوحا لا يخاف الافتضاح، فبقت في سطوره من قبلتني، ورحلت من لم تحب التفاصيل الجديدة في شخصيتي.


كبرت .. ووجدت الربع الثاني من ارباع نفسي ..
عندما بدأ يهمني داخلي اكثر مما هو خارجي ..
عندما سافرت لأول مرّة لوجهة تهمنّي ..
عندما أبقيت لأول مرّة سرّا خطيرا داخل قلبي ..
عندما كتبت أول قصّة من واقع أيامي ..
وعندما كذب عليّ حبيبي الأول .. وقال انه يحبني ..

كبرت .. ووجدت الربع الثالث من ارباع نفسي
حين قفزت فوق أكبر صخرة من جبال مخاوفي
حين سطرت واحدا من اهم انجازاتي ..
حين لمست بيدي واحدة من قمم سعادتي ..
حين فهمت أنني واحدة .. ولا أحد يشبهني ..
وحين وضعت علم الوصول الى معالم ذاتي ..

كبرت ..
ووجدت الربع الأخير من اربعاع نفسي في اللحظة التي قال لي رجل حقيقي أنه يريد أن يتزوجني .. وأنه يريد طفلة تشبهني ..

===========================

بالمناسبة .. اليوم عيد ميلادي :)





الاثنين، 9 مارس، 2009

بلطية العايمة فلم بطولة وجه .. وكراكيب !




هناك عبقرية روحية في وجه عبلة كامل ناهيك عن أدائها.

تلك الملامح العارية البعيدة عن الإضافات والألوان، الجسد الذي تُرك يسرح بخياله في دهاليز الزمن بلا قيود ولا سلاسل ممّا زاد المرأة التي تسكنه صدقا وقربا وواقعية، وأخيرا .. تلك الإبتسامة التي تشرق من الداخل بلا رتوش ولا تحفضات.
عندما علمت ان فيلم "بلطية العايمة" من بطولة عبلة كامل، أخذت صديقتي في صباح السبت الى سينما الآفنيوز.

على الرغم من عدم ثقتي الكاملة بالحكاية المصرية الحديثة، إلا أنني افتقد عبلة كامل، وأحب ان ازيد رفها الذي في رأسي صورا واعمال كلما سنحت لي ولها الفرصة.

لفتت نظري تفاصيل التصوير في المشهد الأول، صامت وبطيئ عمدا ليعطي انطباعا بالتكرار والروتينية، "بلطية العايمة" تبدأ صباحها بين كراكيب بيتها، تغتسل وتجهز "الفطار" للأولاد، وترسلهم الى المدرسة.

عنصر الفقر المدعق يطل برأسه منذ البداية ليعطي مقدمّة ضمنية لما سيواجهه المشاهد من بؤس.

عرفت من المشاهد الاولى ان القصة ستكون واحدة من تلك القصص التي يتعارك فيها الخير ملبوسا بالفقر، مع الشر الملفوف بالغنى والجبروت. وعندما رأيت "سامي العدل" موجود في الفيلم، تأكدت لي الحكاية وأنا ما زلت في الدقائق الأولى!

موسيقى الخلفية، ملابس "بُلطية"، الماء بكل أشكاله متمثلا بالبحر والنهر والبحيرة الذين حضروا بقوة في الفيلم وأصبحوا بمثابة أبطال صامتين يدعمون حبكة الفيلم للوصول الى ذهن المشاهد. اختفاء "الرجل" من بيت بلطية، لمّة العيلة الحميمة، الشغل الكادح في عربة بليلة على رصيف شط الاسكندرية، كلهّا مقدمات لأحداث حضرناها في أفلامهم السابقة وأحداثها المكررة. حتى قصة الحب بين أخت بُلطية "مي كساب" والوله "قاهر" لا تضيف جديدا على الفيلم أكثر ممّا هي وسيلة للتنقل بين الأحداث وتنويع معطيات الحدوتة.

رجل غني لديه فكرة لمشروع سياحي وشركاء بمنتهى القوة والنفوذ. عيناه مسلطة على منطقة "ماكس" الفقيرة مسلوبة الحول والقوة ولكنها مليئة بمقومات المشروع السياحي الضخم والناجح. سكّان فقراء أولياء بالكاد يعيشون حياتهم ويلقطون رزقهم من هنا وهناك. رجل الأعمال يريد الأرض، وهم يريدون الاحتفاض بالمكان بحلوه ومرّة وكل الذكريات المطبوعة على جبينه. والقصة معروفة ..

ما بين التقليدي والمعلوك والمألوف .. رتوش تضفي قليلا من الإنحراف عن مسار الأحداث. الجدّة أم "بلطية" الحاضرة الغائبة، المصوّر الشهم، البياعة الصينية المتنقلة، اطلالة رجاء الجداوي الجميلة، وأخيرا .. أصيص النعناع الطازج الذي تقطفه بُلطية من بلكونها المطل على البحر لتضعه مباشرة في شايها يعطي انطباعا خاصا بالألفة، ويجر النفس الى كوب شاي منعنع ومنعش.
هناك الكثير من الأحداث المتناثرة التي لو كتبت قصة الفيلم كاملة لوضعتها بين شرطي – اعتراض – لجدواها الضئيلة في الفيلم.

فهي فعلا لا تزيد ولا تنقص.
على خلاف مشاهد بلطية وهي تسبح بالبحر وتغوص داخله. طرطشتها بدمعاته، وكناية غسيل وجهها وجوفها وكيانها بمائه تجعلنا نفهم كمشاهدين سر تمسك هذه المرأة بالمكان وإن كان خرابة تعمها الحشرات وتغزوها الكراكيب.


يبقى أن نشير الى البطل الأول في الفيلم، ألا وهو وجه المرأة بنت "كامل" وابتسامتها. دلعها البلدي الأصيل، وبكاؤها في خضم أهوال المصير التي تواجهها. وما جعلني في حيرة من موهبتها الفذّة هو مشهد الكلمة التي القتها ما قبل النهاية في غاليري الصور التي تم دعوتها اليها ..
اذا كانت انسانة فنّانة تملك هذا الإقتدار الاستثنائي لصنع وجه يحمل هذه الدرجة المتعمقة من البساطة والأميّة والجهل بالشيء واهتزاز الثقة مشوبا ببوادر صدمة محزنة .. لماذا تختار "عبلة" أن تمثّل بفيلم متوسط الرواية والأحداث مثل "بُلطية العايمة"؟

عبلة كامل بالنسبة لي هي ميريل ستريب العرب .. بنت مصر الفلاحة والصعيدية والاسكندرانية وبنت الحواري زوجة الصيّاد وام السبعة والتسعة ..
يجب أن يكون لها الرأي الأول والأخير في الحكاية التي سترويها على الشاشة الفضية، لإنها هي فقط من يعلم حدود امكانياتها التي لا حدود لها.

الأحد، 8 مارس، 2009

النفيسي يقتل العمّة " بيغي"!



قرأت في ايلاف الإلكترونية مقالا للكاتب شاكر النابلسي بعنوان (ظهور بن لادن جديد في الكويت). يتحدث الكاتب عن السيد عبدالله النفيسي الذي في احدى محاضراته في البحرين شرح كيف لمجاهد مسلم توّاق للشهادة، "أن يقتل 330 شخص أمريكي في ساعة واحدة عن طريق شنطة تحتوي على اربعة ارطال من مسحوق الإنثراكس المدمر".

لا أدري لماذا وأنا أقرأ المقال .. خطرت على بالي العمة "بيغي"!

ضمن عائلة زوجي وفي مدينة "كوربس كريستي" – تبعد ثلاث ساعات عن هيوستن" - يقع بيت خشبي صغير ومتهالك. في البيت القديم تعيش الجدّة الثمانينية التي تقلها كل صباح ابنتها الخمسينية "بيغي" الى عملها كموظفة استقبال في المصبغة القريبة. العمّة بيغي – عمة زوجي – تعيش في ذات المنزل مع ابنها الذي التحق توّا للجامعة هو وخطيبته التي أحبها منذ أن كانا معا في المرحلة الإبتدائية. خُطبا وسيتخصصان معا في علم الآثار والجيلوجيا ليبحثا عن عظام ديناصورات في غانا وكينيا ويتطوعان بوقتهما الفائض في مخيمات إغاثة المجاعة. أهداها خاتما ماسي صغير من مجموعة جدته. ترعى "بيغي" ايضا الصبي "زاك" ابن أخت زوجي الذي تطلق والداه فلم يعد له مكان في بيت مزدحم مع أم عاملة ليل نهار، وأب في طور تكوين عائلة جديدة.

تُطعم "بيغي" كل يوم أخيها المعاق "داني" الذي يأتي على عكازة مشيا على الأقدام من بيته القريب ليجد على طاولة اخته أكل لذيذ وفي حضن أمّه حب دافئ. تأوي "بيغي" ايضا قطتين، ستة كلاب، وتسعة طيور. ترعاهم وتطعمهم، وتأخذهم للبيطري ما ان يطرأ عليهم أي مرض!

تعمل "بيغي" في محل متخصص لبيع حاجيات حيوانات المنازل بمبلغ زهيد مقارنة بنا، تضع راتبها على راتب والدتها العجوز المعقوفة نهاية كل شهر ليدفعا ايجار السقف الذي فوق رؤوسهم هم والأطفال والمعاقين والحيوانات والطيور. طيبة الى ابعد الحدود، تشع رغم بساطة العيش ايمانا كبيرا بالحب الذي يجمع حولها وفي منزلها المتواضع العائلة في كل موسم عيد شكر او كريستماس.

لم تعلم شيئا عن الكويت إلا عندما قدم زوجي إليها وتزوّج فتاة من أهلها، بعد ان اعتنق دينها! وعندما لمحتني اتعذر عن الصلاة في منزلها، استفسرت من زوجي، فنظفت لي غرفة كاملة ما ان عرفت التعليمات، ومنعت عن دخولها الكلاب لكي أصلّي بها بدلا من ذهابي تكرار الى الفندق.

فكرت أن لو كانت العمة "بيغي" صدفة في مكان اختاره المجاهد ليقتل العدد المطلوب في مناورة شنطته الجبارة، وماتت " بيغي" واحدة من 330 ألف! من سيسند العجوز في طريقها الى الحمّام؟ ومن سيبقي السقف فوق رأس الجدّة والطفل والحيوانات الشريدة؟ من سيدعم حلم الإبن وخطيبته؟ ومن سيطعم "داني" المعاق ويبعد عنه عكازتيه عندما يجلس بصعوبة على الكرسي؟
على أشلاء "بيغي" وغيرها الآلاف من الأبرياء الضعفاء – المعارضين ربما لسياسة بلادهم - سيواجه النفيسي والمجاهد "الشهيد" ربّه في يوم لا يُترك فيه أي قاتل بلا حساب، ولا تنفع فيه مبررات مختلقة ولا علل واهية بإسم الدين والنصر والشهادة التي اتخذها البعض رزقة في دنيا ضاعت فيها الأرزاق، وعطبت بها النوايا، واختلطت فيها مفاهيم كانت في يوم من ثوابت الإنسانية.

الجمعة، 6 مارس، 2009

صالون تجميل .. وردي

بيديها الصغيرتين تمسك المشط الزهري وتمشط شعري، لا تتكلم، ولا تخبرني كما كانت تفعل كم هو طويل وناعم!
اخنق الألم الذي يعتصر صدري وهي تغنّي لي " انتي الروح ويمكن أكثر .. ما قصرت بحقج لكن .. الوقت إللي بحقج قصّر ..)
اغنية حزينة كنت اغنيها لها عندما تريد أن تنام ..
الى الآن لا تستوعب الكلمات ولكنها تحب اللحن وتردد ما كنت أقول.
للمفارقة .. تكاد تكون الإغنية وصفا حرفيا لحالتي ..
تعيد مشطها الى قمّة رأسي فيلمس البلاستك البارد فروة رأسي، تخفف من ضغط يديها لإنها تعلم بقلبها أن تمشيط هذا الجزء يؤلم ان لم يكن هناك شعر يكسوه.

في واحدة من تلك الأيام الربيعية الجميلة قررنا أنا وهو أن نأخذ الطفلة الى البر، أهله يحرصون على نصب أجمل مخيم في المنطقة المعنية يسمونه Camping five stars ، وكان المكان بالفعل خمس نجوم لعدة أسباب ..
زوجي لديه اربعة أخوه هو خامسهم .. ولا أخوات، عندما كانوا صغارا كانت والدتهم تشير الى خمس نجمات في السماء وتسمّي كل واحدة بأسم احدهم، وعندما كانوا يسألونها عن القمر، كانت تخبرهم أنها أختهم التي لم يكتب الله أن تأتي الى الدنيا بعد.
كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر.
وعندما علموا انها لن تأتي غيّرت الأم وجهتها وأخبرتهم أن القمر هي الكنّة الأولى التي تدخل المنزل ..
بعد سنين طويلة من الحكاية .. أنا أصبحت القمر.

أرض ممتدّة وخيام فارهة وسور مزركش وأعلام الكويت على رأس كل عامود.
حمّام "افرنجي" خاص داخل كل خيمة. ملعب كرة طائرة وسلّة معلقة لكرة السلّة، طاولة طعام خشبية في الخيمة الكبيرة وتلفزيون بلازما ضخم.
مواقف محددة للسيارات ولافتة كبيرة تضيئ ليلا كتب عليها أسم المخيم " Five Starts Camp".
المكان من أروع ما يكون، والأخوة الخمسة لا يتركون منعطفا إلا وأخذوه ليوفروا لوالديهم، لي وللحفيدة الأولى ولأصدقائهم أروع سبل الراحة وسط الصحراء.

كم أحببت دخولي الأول عليهم ..
أخبرني زوجي أيام الخطوبة أن لديه 4 أخوة هو أكبرهم. وصفهم لي واحد واحد، وشرح لي مزاياهم ومهاراتهم واهتمامتهم كل على حدة.
كنت متوترة جدا عندما عرفت أنني سأقابلهم للمرة الأولى بعد كتب الكتاب.
أخذني بفستاني الليموني الرقيق وركبت معه للمرة الأولى سيارة حياتنا ..
كنّا متوجهين الى بيته.
على المدخل خفق قلبي وتهدرج صوتي، مسك يدي وفتح الباب لأرى أكثر من خمسين شاب في ملابس تقليدية قديمة.
فانيلة بيضاء داخلية وإزارات ملفوفة و"جريمبات" فوق الرؤوس.
عند الباب بدأ الإحتفال، رقص وغناء وأهازيج الماضي الجميل مصاغة بإسمي واسمه. صوت ينشد اليامال معجون بواقعنا، والجموع ترد عليه. تصفيق متشابك ومتقن الى ابعد الحدود، ورقصات في طياتها مليون حب واحترام للقادمة الجديدة ..
انتهت الوصلة البديعة فخرج الأصدقاء وبقى في المكان اربعة .. أكاد اقسم أنني عرفتهم قبل أن يتقدموا للتعريف بأنفسهم. بدت وجوههم مألوفة وملامحهم فيها الكثير من تقاطيع زوجي.
خفيفة ارواحهم، ومضيئة ابتساماتهم، وراقية نظرتهم للفتاة الأولى التي تدخل منزلهم الذكوري البحت.
رحبوا بي كثيرا وأخبروني لحظتها عن قصة القمر والخمس نجوم.

تنتهي ابنتي من تمشيط شعري، تلملم الخصل المتناثرة من على الأرض وهي ترمقني بطرف عين.
تنتشلها بسرعة علّني لا أرى تاجي الساقط من علو. .
تقبض عليها بيدها وتلقيها في قمامة حمامها لكي لا أراها.
تدمع عيني وأمسح الدمعة لإنني وعدتها مسبقا أنني لن أحزن طالما هي معي.
" يالله الحين أسويلج تنظيف بشرة"
استلقي على ظهري وفقا لتعليماتها، فتغمس فوطة صغيرة بوعاء ماء وتمسح فيها على وجهي ..
أكاد أشعر بدفء يديها الصغيرتان ولمعان عينيها وهي تخبرني كم خدّي ناعم وأخّاذ.
تضع كريم أبيض في كيفيها وتمسح به على خدّاي وجبيني وهي تصطنع لكنة لبنانية مهزوزة تخبرني من خلالها فوائد تنظيف البشرة التي تنقي الوجه وتفتح المسامات.
اكتم ضحكة نزقة، واغمض عيني ..

في المخيّم ألعب الكرة مع اخوة زوجي، واركب خلفه في رحلة على ظهر حصان ..
تماما كأمير سندريلا عندما قبلها شفاءا من سم التفاحة وأخذها معه على حصان ابيض، امسك بصدره واضمه الى صدري، أستنشقه فيختلط رحيق عطره مع نسمة هواء باردة. اضمّه أكثر وادفء.
هناك على ظهر الحصان أحسست بوخز ..
بقعة ما تؤلمني كلما لصقت صدري بظهره .. ابتعدت، ثم ضممته من جديد لأتأكد من واقعية الألم ..
وهو لا يرى .. أتحسس بيدي اطراف نهداي، وارتعب عندما أجد كُرّة يابسة في أحدهم. اضغط عليها أكثر فتؤلمني أكثر .. ! أشرد
" مسكيني حبيبتي .. أخاف تطيحين"
أسمع صوته ولا اعلم ماذا يقول .. بديهيا امسكه وهو يزيد من سرعة الحصان. مع الهواء تتقافز خصلات شعره القصير فأشم رائحة دهن العود.
انتشي من الرائحة للحظة وانسى الكُرة.

في غرفتها وعلى سريرها وبين يديها الناعمتين اضع اصابعي ..
تلونهم بطلاء وردي بلون شفتيها، وتخبرني أن اصابعي صغيرة تماما مثل اصابعها..
تلمسني ابنتي فأشعر ان كل آلام السموم قد زالت بلحظة سحرية من جسدي ..
غثيان الكيماوي لم يعد يزعجني، سأغدو طيّبة، سينبت شعري من جديد حديقة وافرة وشلال من حرير أسود ..
بعينيها لم اتغيّر، ولم تختلف في نظرها روحي التي خابت وكُسرت ثم نهضت على عكازيها من جديد لتكافح الموت من اجلها ..
تنام بجانبي، وتغطيني عندما يهرب منّي اللحاف، تجلب لي دوائي وتمسك قنينة مائي الى ان اشربها ..
وعندما تذهب للسوق مع والدها .. تجلب لي معها من "كليرز" كل مرّة حلق جديد وسكارف رأس ملوّن.
تنتهي من طلاء اضافري فتسمع صوت خطوات والدها يدخل المنزل بعد العمل ..
تجري الى الجارور وتخرج لي سكارف بنفسجي لأول مرّة أراه .. تضعه على رأسي وتربطه بإحكام ..
أنوثتها البدائية تعلم أنه لا يجب يراني هكذا .. ما حدث لرأسي من جفاف سر خاص بيني وبينها ..
نحن الإثنتان فقط نعلم كيف نواجهه.
يفتح والدها الباب ..
فيشع نور عينيها عليه ..
" بابا .. انظر .. اليست ماما جميلة ؟!!"
يضمني الى صدره ويُقبل جبيني .. يسحب السكارف عن رأسي ويغوص بعيناي .. متعبتان ودامعتان ..
" أجمل امرأة رأيتها في حياتي .."

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت