كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 31 أغسطس، 2009

الدقائق الأخيرة قبل صوت الخط ..


بيديها المضطربتين تعصر سماعة الهاتف فيخنقها السلك اللولبي، يلتف حول رقبتها ويثني تلك الأنفاس الأخيرة من الطيران خارج القفص. في الفتحات الصغيرة تبث املها الباهت، بالكاد تتكلم من بين الدموع .. وهو بالكاد يُسمع صوته من الجانب الآخر!

- أنت تدري أني وايد أحبك!

يدري .. بل على يقين أن المرأة التي تحادثه من بعيد كانت في يوم من الأيام أقرب له من روحه، أدفئ من اللحاف الذي يتدثر به في ليالي الشتاء، وأحن عليه من نفسه. منذ خمس ساعات وهما على طرفين نقيضين من مأساة على وشك الإندلاع. اتصلت به في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل .. قالت له انها تريد وداعا لائقا بالسنوات الحلوة التي قضياها معا! وداعا حارقا صاخبا يحمل في يديه اسواطا سوداء تزغرد حزنا مضاعفا على ظهريهما .. ولا وقت للصراخ ولا مجال للأنين. لملم صوته، وبواقي الرجولة التي تعلقت في كيانه:

- كانت الخمس سنوات الأخيررة حلوة .. رغم كل إللي صار!

شهقت لمسمع صوت التاريخ الذي جمعهما، خمس سنوات ليست قصيرة من عمر زوجين شابين، نشقت:

- حلوة .. ومرّة !

أنة ثقيلة كسرت حدة الصمت، أخرجها من جوفه:

- الله يكتب إللي فيه الخير

عصرت السماعة أكثر وبكت .. بحرارة الزيت الذي حرق يدها وهي تطبخ له أول لقمة زوجية في مطبخ شقتهم الصغيرة، بمرارة الليالي التي عاشتها وحيدة عندما غادرها لحضور الدورة الأولى في لندن، بعمق الجرح الذي خلفه ولادة ابنهم الأول بعد العملية القيصرية، وبوفرة الدم الذي نزفته عندما اجهضت بعد الإرهاق ابنهم الثاني دون ان تعلم انها كانت حامل. بكت بكل الظروف والذكريات والأحداث التي لازمت الإلتحام في الخمس سنين الماضية.

- عمرها هوشاتنا ما وصلت هالدرجة !
رد بسرعة وبصوت أقوى:
- هاذي مو هوشة .. رهام .. هاذا مبدأ وكرامة!

السنة الماضية كانت صعبة، يسافر من دورة الى دورة ويتركها في البلد مع ولد بلا خادمة وبيت ومسئولية. بدا شغوفا بمستقبله أكثر من شغفه بها، مشغولا بدراسته ودوراته أكثر من انشغاله بما تريده وما تحتاجه من زيجة أحبا فيها بعضهما بعد عقد القران. قال لها يوما ( احنا تعلمنا نحب بعضنا مع العشرة، حبنا أقوى من غيرنا .. آنا أحمد ربي إني ما تزوجت عن حب، عشان ما انصدم بالإنسانة لما تختلف عني بعد الزواج!)

ساعتها رأت في منطقه تناقض غريب، خصوصا بعد معرفتها بفشل تجربته العاطفية الأولى التي لم يكتب لها النجاح لرفض أهل الفتاة تزويجها لشخص غير جامعي. تساءلت: كيف حكم على حبه القديم بالفشل لمجرد أن ضاع الامل!

السنة الماضية كانت تنام لوحدها، تتحدث في الحمام وفي السيارة في حوارات مختلقة لوحدها، تلقي نكته على نفسها، وتتبختر في الملابس الجديدة التي كانت تشتريها في غرفتها لوحدها .. تريها للمرآة ولنفسها. افتقدته، وأحسّت بغربة الوحدة رغم وجود اهلها من حولها! كانت تشتهي الصحبة بينما هو في باريس يدرس لمدة سنة كاملة بلا انقطاع. كانت هذه الدورة الرابعة الطويلة المدى التي يتركها من أجلها ويسافر. ترجته وارتحمت لديه أن يأخذها وأبنه معه في اسفاره الطويلة .. شرحت له بخجل المرأة أنها لا تقوى على فراقه، أنها خاوية من دونه، وكئيبة من غيره!

ملئ أذنيه قطنا ناعما ولم يسمعها .. الى أن وجدت شخصا آخر يسمعها!

عرفته في العمل .. مختص نفساني شاب رائع، يراجع مكتبها للحصول على تراخيص افتتاح عيادته الخاصة. عينيه دافئتين وأنفاسه رائقة. منطقه ناضج وكلماته تنضح بشيء غريب من الثقة والتمكن. حدثها أول مرّة بينما هو ينتظر في مكتبها عن تكاثر المسؤوليات على المرأة الكويتية وانحسارها عن الرجل. وحدثها في المرة الثانية عن الأمومة وروعتها وكيف ان المرأة جبلت عليها طبقا لنظرية التعشيش. فالمرأة لا تشعر أنها كاملة أنثويا إلا عندما تبني عشا لها ولأولادها.

وفي المرة الثالثة حدثته عن فراق الزوج، وصعوبة الأيام ووحدة الليالي .. لم تقل له أنها هي من تحترق بلوعة الفراق، ولكنه من خبرته عرف وعلم .. انها امرأة وحيدة، غريبة بين أهلها لإن الأهل الحقيقي يرزح في مكان بعيد، يجري خلف هدف ثانوي مهملا الهدف الأول والأهم.

مع الأيام أحاديث المكتب تحولت الى أحاديث هاتف، وزيارات العمل تحولت الى خروجات عشاءات مقتطعة وفنجان قهوة وقطعة كيكية. لم تتخيل يوما أنها على علاقة مشبوهة مع رجل غير زوحها، كانت فعلا حواراتهم واحاديثهم بمنتهى الإحترام تنصب بالآلام المدفونة والأحزان المخفية. لم يلمسها يوما ولم تنوي يوما ان تتوطد العلاقة لأكثر من صداقة.

رجع هو بعد السنة، لازال شغوفا بعمله، مشغولا بمستقبله .. واستمرت هي دون ارادة منها في علاقتها مع صديقها الإختصاصي الذي يعرف تماما كيف يسمع لأنثى تجد في اذني زوجها قطن ناعم يسد مجرى الحورات الجادة بينهما.

في ليلة كانا متجاورين على اريكة المنزل، يشاهدان في حضن بعضهما مسلسل يتابعانه، رن جرس هاتفها وفتحت الرسالة .. كانت الرسالة تقول: ((وينك)) ؟

اضطربت واقفلت الصفحة .. أخفت الرسالة ودسّت الهاتف بحركة عشوائية داخل شق الأريكة .. ولكنه سمع الجرس، ولمح الرسالة ورأى الهاتف.
سألها عن المرسل فكذبت، استفسر فدارت حول الموضوع، أصر فأصرت على الدوران النكران الى أن استفحل الشك وقُطع باليقين!

من بيت والدها وفي حضنها ابنها الصغير نائم، وفي غرفته القديمة في بيت والده وفي حضنه خاطره المكسور ودمعة رجل فارق وخسر .. اجابت:

- ما اقدر اشرح ولا اتندم اكثر .. آنا خلاص ما عادت فيني دموع!

- وآنا ما اقدر اغفر ولا اسامح .. انتي عزيزة وغالية وبتظلين ام ولدي، لكن نستمر في الحياة .. ما اقدر!

عصرت آخر قطرة كرامة فيها، بعد تلك الزيارة التي اقتنصتها من وقته المزدحم. دخلت عليه غرفته وقبلت رجليه ويديه وسقطت مغشيا عليها ندما وحسرة عليه. بعد كل هذا لازال فيها قطرة رجاء أخيرة ..

- فهد .. آنا وايد أحبك
نشق .. وبكى .. وانهار ..
- وآنا بعد أحبج !

كانت هذه الدقائق الأخيرة قبل اقفال السماعة وقبل أن يتوجه في الصباح للمحكمة لإنهاء اجراءات الطلاق!

السبت، 29 أغسطس، 2009

يوميات رمضانية .. ما يطلبه القراء .. وأشياء أخرى !


على السفرة، دقائق قبل الأذان أجهز حولي وفي مكاني كل ما سيدخل في جوفي بالثواني المعدودة القادمة بعد انطلاق المدفع! "ميري" تصب في حيزي قلاص ماء وكباية فيمتو قبل الجميع، تمريتي في حضني، وكل الأطباق التي أحبها من سمبوسة الجبنة الذائبة ولقيمات الوالدة الشهية وصمون الهامبورغر الصغير كلها مقبلات منمنمة في بيتنا غير قابلة للمساومة.

تسألني أختي " شفيج صايرة أم بطين هالسنة، كل شي تزهبينه يمج ؟؟

وأجد في السؤال غباء من نوع خاص !! أنا أم بطبن لإنني حرفيا أم بطين! دبتي امامي وخوفي الطبيعي الفطري على طفلتي الصغيرة القابعة في داخلي الصائمة طوال اليوم يدفعني بغريزة الأمومة الجميلة أن أكون على أتم الإستعداد لإطعامها بدون تأخير ولا مقاطعات " حمّود صبلي ماي لو سمحت" و " يما عطيني السلطة من فضلج"! لا وقت لدّي للمجاملات ولا خدمة الآخرين من حولي لأنني الوحيدة التي تطعم اثنين وأحيانا ثلاثة عندما تقرر "غدونة أن تلتصق فيني وتخطف اللقمة من يدي قبل أن تصل الى فمي.

والدي هو الآخر في صفي، ما إن يجدني صامتة إلا ويسألني " ها شنو تبين يبا " فطرته السوية هو الآخر تدفعه دون أن يطعم ابنته وحفيدته المختزلتان في كيان واحد بلا توقف .. من في الداخل ومن في الخارج حتى اترك السفرة للصلاة ومعدتي على وشك الإنفجار لأعود مرة أخرى أكمل فن الطقطقة ما بعد الصلاة وما قبل الشاي والحلو والفواكة!

لم يكن الصيام صعبا أبدا مع الحمل لإني والحمدالله في مرحلة متقدمة بعيدا عن الوحم ولوعة الجبد والدوخة، طفلتي بغاية الصبر والأدب " عسى الله يتمم عليها " ما لها حس ولا اسمع منها اي شكوى او اعتراض طوال اليوم سوى بعض الركلات المحببة التي تذكرني بإستمرار أن في داخلي حياة. ولكن المشكلة تكمن بالحيز المشغول سلفا داخلي بوجود انسان صغير يكبر ويتكون فيأخذ من مساحة المعدة والمثانة والزائدة الدودية والبنكرياس!

أعضائي الداخلية التنفسية منها والهضمية كلها في حالة إجتياح قسري، تكبر البنوتة وتصغر مساحتهم الطبيعية. حتى وانا على سفرة الفطور، قبل الاكل .. نظريا .. أنا سالفا متخمة من الداخل ويجب أن أتذاكى قليلا وآكل فقط ما يناسب الحيز الجديد لكي لا أعاني طوال الليل من الازدحام الخانق في وسط مدينة جسدي!

هل تعلمون أن اثناء الحمل – وخصوصا الأشهر الثلاث الثانية والأخيرة – تصغر المثانة الى ثلث حجمها الطبيعي؟ وهل تعلمون ماذا يعني هذا الكلام .. وسامحوني على الاسترسال بالمعلومة ولكنها فعلا تستحق التحليل!
اذا صغرت المثانة امتلئت بالسائل الأصفر بسرعة برقية، واذا امتلئت بسرعة برقية عاشت المرأة الحامل نصف يومها – وانتو بكرامة - بالحمام، واستفاقت من النوم الليلي اللذيذ من سبعة الى تسع مرّات لتفرغ محتوى مثاتنها الميكروسكوبية التي تنتفخ من شربة ماء!

فما بالكم بالمرأة الحامل في رمضان المحرومة من الماء والسوائل طوال اليوم، والسابحة في بحرهم ما بعد الفطور؟ ليلي الآن وفي هذه الفترة مقسم بالتساوي بين كل ثلاث شخرات زيارة للحمام .. وعليكم العد! بس هم ما نقول إلا الحمدالله على كل حال.



الأمريكي ورمضان!

نزولا عند رغبة اخي عين الصقر سأتحدث قليلا عن الأمريكي وسوالفه في رمضان:
أسلم زوجي قبل أن يكون زوجي بسنة عندما قرأ القرآن الكريم نسخته المترجمة بينما هو يعمل ويعيش في منتجع هيلتون المنقف. من لا يعرف الأمريكي، هو إنسان رائع ومعتدل جدا حتى قبل إسلامه وعلى الرغم من صغر سنة. عانى في طفولته من هجر أمه وأبيه وتشرد بين بيوت خالاته الى إن عادت أمه الى رشدها واحتضنته من جديد ولكن بعد أن كبر وشب واعتمد على نفسه. له مع أمه الآن علاقة جميلة جدا لا ينغصها ولا يمسها أحد.

التحق بالشركة العريقة الأمريكية التي لازال يعمل بها الآن وقدم الى الشرق الأوسط عام 2004 الى العراق تحديدا، ومن هناك الى الكويت ومن الكويت الى قلبي.

وهو في الكويت تعرف على ثلة من الفتيات العربيات اللاتي كن يعملن في نفس الشركة ونشأت بينهم صداقة جميلة مبنية على الاحترام والاستقامة. أهداه أحد زملائه نسخة مترجمة من القرآن الكريم فقرأها كلها واكتشف أنه كان مسلما طوال حياته لإنه آمن دائما بالرب ولم يكن مقتنعا ابدا ان المسيح ابن الله! لم يقتنع زوجي أبدا بفكرة الوساطة الإنسانية بينه وبين ربه، كان دائما يتساءل " لماذا نخاطب المسيح ليوصل صلاتنا ودعواتنا الى الله بينما الله موجود حولنا واقرب الينا من ارواحنا!". من هذا المنطلق تبحر زوجي اكثر بالدين الإسلامي ووجد انه – حتى وقبل معرفته بالإسلام – لم يكن يشرب الخمر إلا نادرا ولم يسكر في حياته إلا مرة واحدة. كما انه – وهذا ما أجده غريبا – لم يكن يوما مع امرأة في حياته قبل الزواج! كان زوجي من المؤمنين الصادقين "بالمانوغامية" Monogamy . وهي ما نسميه نحن " بأحادية الشريك".
أي أن زوجي وحتى قبل اسلامه كان يبحث عن امرأة واحدة يحبها قلبه، يهبها روحه ويعيش معها مخلصا وفيا طوال حياته.

في البداية وجدت من الصعوبة أن أصدق أنه عذراء .. ولكن أقوال أمه وأخواته أكدت لي الموضوع حيث خافوا أن يكون Gay أو من غير المهتمين بالفتيات لإنهم لم يروا معه صديقة ابدا! فمرور شاب بفترة المراهقة دون أن يكون له تجارب عاطفية امر غير وارد في قاموس الأمريكيين إلا فيما ندر!

لم يكن زوجي مثليي ولا معقد.. هو فقط أراد علاقة حقيقية مع امرأة تشاطره الروح قبل الجسد.

صام زوجي رمضان كاملا قبل أن يشهر اسلامه، رمضان 2004 فقط ليعرف جدوى الصيام ويجرب طقسا اسلاميا على سبيل المعرفة. أسلم رسميا في عام 2005، والتزم بالفروض الإسلامية بعد الدراسة والكثير الكثير من الأسئلة كنت أجيب عليها بمحاضرات دينية عبر الهاتف تمتد من الساعة الثانية عشرة ليلا وحتى السادسة صباحا!

ما أحبه زوجي في الإسلام هو مبدأ الرقي والتسامح والمساعدة المفروضة من القوي للضعيف، ومن الغني للفقير. كما أحب فكرة المعرفة المطلقة بوجود الله بدون وساطات بشرية، وان الله في قلوبنا يرانا ويسمعنا ويعلم ما في داخلنا. كره زوجي في نفس الوقت بعض الممارسات التي لا تمت للإسلام بصلة، التكلف، النفاق، الكذب، الإرهاب، العنصرية والفوقية وغيرها من الأمور التي اعتقد أن لا وجود لها عند المسلين ولكنه صدم بكثرتها وانتشارها. هو أول من أشار مباشرة الى نقاط كبري، ووضع اصبعه بصراحة جرحتني على نقاط نفاقي الديني مما ساعدني في النهاية على التخلص من كل فعل كنت افعله للناس بإسم الله.

يصوم زوجي رمضانه بإتقان منقطع النظير، يجاهد أكثر منّي لإن الشركة التي يعمل بها أمريكية لا تعترف بالمواقيت الإسلامية ولا تعير لإحتياجات الإنسان المسلم اهتمام. هو لازال يبدأ دوامه الرسمي الساعة السادسة صباحا وينتهي في الساعة الخامسة مساءا! يعمل 11 ساعة متواصلة يوميا في صحراء الجبيل بلا ماء! يشكو قليلا ولكنه يعلم أن الله معه، يشاطره التعب ويقدر له الإجتهاد.

سافر الينا يوم الخميس وغادرنا اليوم صباحا .. وضعت أمامه في بيت والدي ما لذ وطاب، وأكل كما يأكل العصفور طعاما متواضعا، صغرت معدة زوجي في الأسبوع الفائت لإنه كان يفطر لوحده في غرفته بثلاث تمرات، ماء وساندويشة التركي والجبنة التي يحبها. ولم ينسى أن يذهب للمتجر ليشتري "بطل فيمتو" مع بداية الشهر الفضيل. اتصل بي ذلك اليوم يخبرني سعيدا أنه وجد "فيمتو" في السعودية. كان صوته رقراقا جميلا ينضح بالتفاؤل رغم غربة الشهر الفضيل.

أمس جلس بجانبي وأنا أشاهد أم البنات، اقتطف له من المشاهد ترجمات سريعة .. ولم يهتم إلا لمشهد الأكل عندما وضع على الشاشة! تساءل عن فكرة وجود الأكل على التلفاز في شهر رمضان صريحا واضحا في وجوه الصائمين، بينما يمنع أكل غير المسلمين في المطاعم والأماكن العامة! قال أن المبدأ واحد ..

زوجي من معارضين اقفال المطاعم ومعاقبة غير المسلين على الأكل علنا في شهر رمضان، لإن فكرة الصيام بالنسبة له، لها قدرا كافيا من القناعة الإحترام في قلوب المسلمين لن تزعزعها رائحة الوجبات السريعة، ولن يهزها مرأى الناس وهم يأكلون!
" نحن لا نحتاج ان نرغم الناس الغير مسليمن على احترام طقوسنا وفروضنا، هم ليسوا مجبرين على مراعاة مشاعرنا طالما أننا نمارس حريتنا في الصيام مخيريين لا مجبورين ولا مسيرين" .. قال لي عندما اخبرته انهم عاقبوا شاب فلبيني عندما وجدوه يشرب علانية أول أيام الشهر المبارك.

عاد الأمريكي لجبيل اليوم صباحا .. وانا .. جلست هنا أكتب عني وعنه وعن رمضان.
***
One More Thing


اجابة على تساؤل الأخ او الأخت الغير معرف:

(( ودي اسئلج سؤال اتمنى تجاوبينهلما تطلعين مع ريلك في الكويت..ما تحسين ان الناس عنصريين؟ يعني نظرتهم لج غير؟ محد يتحرش او يقط كلام مثل السم؟ سؤالي خاص و يهمني اعرف تجربتج
شكرا))

كتبت عدة مقالات بهذا الخصوص .. ولكن تسعدني الإجابة:

أولا يجب أن اذكر أنني انسانة فخورة جدا بزوجي، اتشعبط فيه وأمسك يده وأضمه الى قلبي في الأماكن العامة متى ما شعرت بحاجتي لذلك. لم أكن يوما من ذلك النوع من النساء الذين يختبئون من قرارتهم حتى وإن كانت مختلفة على الناس من وحولي. كما أنني لم أعر لنظرة المجتمع الناقصة أي اهتمام.

هناك انواع عديدة من النظرات التي نراها ونشاهدها انا وهو .. في بداية زواجنا كانت النظرات اعمق، اقوى، اشرس وربما أكثر فضولية. لا اعرف ان اختلفت النظرات في السنة الأخيرة أم أننا فقط اعتدنا عليها ولم نعد نعيرها اهتمامنا في التدقيق والتمحيص.

نادرا ما علق الناس علينا بالسلب، من كان يعلق بحقارة كان يعتقد أنني صديقته او صاحبته ولست زوجته! كانوا يعتقدون أنني فتاة كويتية متحررة جدا "مصاحبة أمريكي" للوناسة ولمآرب أخرى. مثلا في بداية زواجنا علق شاب "محترم" :
( هاذ آخرتنا قامو بناتنا يمشون مع الكفار )

وكم وجدت في التعليق إساءة وتصغير لعقلية المعلق لا المعلق عليه، كم يدل تعليقه وتفكيرة على تخلف ونقصان! مشكلتنا في هذا المجتمع هو إلقاء الأحكام جزافا بلا سؤال وبحث وتمحيص وتدقيق!
أولا، كيف عرفت أنني لست أخته من أحد والديه مثلا، خالته، بنت عمته .. كيف عرفت أنني لست زوجته؟
ثانيا: كيف عرفت أنه كافر؟ هل لإنه أجنبي؟ وإن كان غير مسلم فهو نصراني .. والنصرانية دين كتابي، ولا يجوز أن نكفر الأديان الكتابية التي نزلت من عند الله!

كم وددت لو يتقدم المحدقون الحائرون منّا خطوة، ينفضون غبار الكبر والأحكام والظنون السلبية من على اكتافهم ويسألون أولا قبل إصدار أحكام عشوائية عليه وعلي فيمن نكون ومن نحن وما هي طبيعة علاقتنا! كنت سأجيبهم بكل سعادة.

جاءتني مرة امرأة خمسينية بعفوية محببة، استأذنت منه وأخذتني على جانب وسألتني إن كان والدياي يعلمان أنني "أصادق" الأجانب. ضحكت من كل قلبي وأخبرتنها أن والدي هو من سلمني له بيديه على سنة الله ورسوله بصداق ومأذون ومهر وزفة وطار. ابتسمت وارتاحت وذهبت اليه تقول له بإنجليزية ركيكة:
" You be careful with our daughter .. she is gold " ترجمة: " دير بالك على بنيتنا .. تراها ذهبة ".

خفّت النظرات مع الوقت ومع وجود طفلتنا بيننا .. تحولت نظرات الإشتباه والشك والقهر من بنت البلد "الصايعة" الماشية مع الأمريكان الكفار الى نظرات تساؤل وأحيانا استغراب ..

أكاد اسمع التساؤلات التي تدور في رؤوسهم : هل هي فعلا سعيدة معه؟ هل هما متفاهمان؟ بأي لغة يتحاوران؟ هل هو مسلم؟ ماذا عن العادات والتقاليد؟ هل ستعيش هنا ام سيأخذ بنيتنا الى بلاده البعيدة؟
أحيانا كثيرة أجد الحسرة في عيون الإناث .. وتعليقات طريفة مثل: " زين سويتي، رياييلنا ما منهم فود، كما قالت لي واحدة في تجمع نسائي : والله نفذتي بجلدج وعرفتي شلون تنحاشين من الأرف إللي احنا فيه".

وهذه طبعا فئة لم يوفقها الله في البطيخة الزوجية، مما لا يمنع طبعا أن هناك الكثير من الرجال الكويتيين الرائعين الذين يحترمون المرأة ويقدرونها، ويحرصون على أن تعيش في كنفهم براحة وسعادة وتقدير وحب متبادلين.

في النهاية عزيزي / عزيزتي الغير معرف
تبقى التجربة بين اثنين لا ثالث لهم، لا يتدخل بينهم الناس ولا الأعرف ولا التقاليد ولا المجتمع.
عندما يقفل الباب في نهاية اليوم على الزوجين، عندما يكونا لوحدهم .. هذا ما يهم. أعرف في قرارة نفسي أنني لم ارتكب خطئا، ولم اعصي أحدا، ولم اهضم حق انسان، ولم اظلم مخلوق.
أعلم من اعمق نقطة من قناعتي الشخصية أنني اتخذت القرار المناسب لإنني عندما اضع رأسي على وسادتي أحمد ربي على الرجل النائم بجانبي. ذلك الإنسان الرائع الذي عرفته وأحببته من كل قلبي، الذي ناضلت من أجل الإقتران به وكافحت من أجل أن أكون زوجته .. لم يخيب ظني ولم يخذلني. كان ولازال لحافي الذي يدفيني بحبه، وصخرتي التي استند عليها ما إن تتكالب علي أمواج الحياة.

في النهاية .. في النهاية .. في النهاية
هذا ما يهم.





الخميس، 27 أغسطس، 2009

معرض : Straight From the STATES







تقيم أربع بنات متميزات معرضهن الأول والفريد من نوعه تحت رعاية شهر رمضان الكريم بعنوان

Straight from the States





يحتوي المعرض على ملبوسات وشنط وأحذية وأكسسوارات طازجة من ارقى المحلات المشهورة في الولايات المتحدة







المعرض مقام في
The Exhibition مقابل قصر السيف - بجانب سلايدر ستيشن
آخر يوم هو يوم الأثنين الموافق 31-8-2009

الأربعاء، 26 أغسطس، 2009

Me .. Myself and Ramadan !!

أهلا رمضان ..
و
عادت عليكم .. يا هلا
و
موسيقى مقدمة برنامج الشعرواوي
و
صوت السور القرآنية وهي تسوح سماء المنطقة حزة التراويح
كلها أصوات أسمعها في رأسي ما إن يتم الإعلان أن غدا رمضان .. حتى قبل ظهورها الحقيقي على أرض الواقع!
إذا كانت رائحة رمضان الدارسين بأنفي .. وطعمه تمرية بفمي فإن كل ما سبق .. صوت رمضان بأذني ..
أستقبله لوحدي هذه السنة بلا صديقي العزيز، هو في الجبيل وأنا هنا تماما مثل بداياتي بين والداي الحبيبان
وكوكش اخوتي وأخواتي .. ولكن هذه المرة مع كوكش اضافي من الأحفاد .. ولدين لاخي وبنوتتي !!
طعمه مختلف قليلا لإني وما أن اضع أول لقمة في فمي .. أشعر بغربة الروح من فراق الحبيب !!
رمضاناتي منذ تزوجت وهي في حالة استنفار وعدم استقرار :
السنة الأولى صايمة سبع أيام .. وفاطرة الباقي لظروف النفاس !
السنة الثانية صايمة كل الأيام مع الأمريكي ولكننا في ريجيم قاسي .. بلا خبز، سمبوسة وحدة، 3 تمرات بدون هردة لقيماتتين!
(( تحية للدكتور بدر النصرالله))
هذه السنة: حمل ،لا نفاس ولا ريجيم .. ولكن بدون الأمريكي .. مما يجعل اللقمة صعبة والشربة لا تروي
ولكنني ولله الحمد أصوم بخفة ونشاط .. والبنوتة الصغيرة الجديدة في داخلي تصوم بكل شجاعة وبلا حنّة!!
المسلسلات التي أصادفها بعد الدوام كما يلي:
سدرة البيت تأليف الأخ علي فريج:
هدى حسين من أول حلقة شايلة هم الدنياعلى راسها ..
جدتي حبيبتي من شافت الأحداث قالت: " وعليّييية عشان جذي ضعفانة خلصانة ما بقى فيها حيل "
يا حلوج يا يمّا ويا حلو سواليفج !!
ما لفت نظري في الحلقة الأولى او الثانية في المسلسل الحوار الغريب والفريد من نوعه ..
الأخت متقطع قلبها على خوانها إللي قاعد يتحاربون عشان الحلال، معفسة ملامحها، وماسكة دمعتها غصب على حال اخوانها ..
بس بنفس الوقت تقول حق خالتها (( تعالي يا خالتي ناكل لقمة هنية بنفس شهية ))
آنا بعرف .. منو يقول جذي ؟؟ يا أخواني الكتاب الأفاضل .. ارجوكم خلونا واقعيين شوية
وارجوكم .. خذوا الحوارات من عقر داركم، من كلام امهاتكم وخواتكم ..
ترى والله الحريم أسهل وأبسط وايد من تصوراتكم.
الهدامة
للأسف إني الى الآن شفت حلقة وحدة بس .. بس إللي شفته جميل ومنسق وبمنتهى الترتيب
وفعلا شد انتباهي تتر المقدمة .. موسيقى جميلة وإخراج رائع للوجوه والصور والأسماء
فعلا شيء راقي ..
أم البنات
شوية أحس أن باط جبد الوالد لإنه لا يؤمن بوجود رجال من هذا النوع ويعتبر المسلسل مبالغا فيه ويتجنى على الرجل الكويتي!!
ولكن المسلسل فيه من الطرافة واللطافة الكثير على الرغم من تراجيدية الأحداث
البنات يشوقون - ماينس - البواريك السكّة ..
مرام .. دمها خفيف وتمثيلها مقنع
ملاك .. الله يخليج الله يعافيج خشي الشعر الأشقر عدل تحت الباروكة
شجون .. طبيعية وعفوية
فاطمة .. ويها وايد مريح على الشاشة، وحزنها محسوس
هيا .. كيووووووووووووت
بثينة .. لم تستطع اقناعي بعد .. ولكنها لازالت تحاول
أحلام حسين .. الله يسامحج على إللي سويتيه في براطمج
سعاد عبدالله : عسل وهي بس تنفخ وتتفخ في هالريّال لما راح ينبط ويفتكّون البنات منّه
غانم الصالح : يا حلوك ويا حلو تمثيلك .. والله انك ملك الشاشة الأبوية بلا منازع
صقر" ما عرف اسمه الحقيقي": لا تعليق
خالد البريجي : الدور مو لايق .. كنت تستطيع أن تحسن الإنتقاء.
ولكن الرأي المبدئي في المسلسل ..
Two thumps Up
دمعة يتيم
تأليف: حياة الفهد
كعاتها حياة الفهد متأقة بكتابتها، لاحظت أنها ابتعدت هذا العام عن تمثيل دور المرأة الطيبة المغلوب على امرها
وأخذت دور بمنتهى الشر والمقت والغضاضة .. ولكنها لازالت جميلة ورائعة وطريفة ..
بعض الحوارات فيها الكثير من المبالغة ..
في مشهد المستشفى امس مثلا .. عندما مرضت الاخت التي ليس لديها اولاد سوى الولد اليتيم الذي ربته منذ صغره وهو ليس من صلبها
بحث اخوانها وأختها السافر عن حلالها وعن مفتاح تجوريها بينما هي راقدة على فراش المرض أمامها وامام الناس.. غير واقعي
يا ليت كل النوايا الخبيثة تظهر بهذه السرعة وهذا الوضوح عيني عينك كما صورتها أم سوزان!
لكن الأحداث تسير بسرعة جيدة على الرغم من سهولة توقع الإشكال ومعرفة الحبكة ..
يعجبني عبدالله الطراروة بدوره الثاني ( الولد الخاضع المستكين لسلطة والده )
ياختي وجه هالصبي جدا معبر ..
مع إني ودّي أدخل الشاشة وأطقه جم سطار وأهزه وأقول له (( خو قلنا ابوك .. بس عاد صير ريال))
علي جمعة : برافوووووو على دور القرف إللي انت فعلا ضابطة
قشور الحب المتطايرة من فمه، والصراخ وفمه مليء بالأكل لا اعلم إن كان ذوقيا مقبول على الشاشة أم هو تقمص شديد وفن في الأداء!!
أحب الجو العام لأعمال السيدة حياة التي تكتبها بيدها .. تعطيني انطباعا بالإتقان وبتاريخ امرأة تعرف ماذا تفعل.
الحب الكبير
يقف العملاق عبدالحسين عبدالرضا في الشاشة بمحاولاته المتجددة لإثبات that he have it
ولكني لا استطيع رؤية بوعدنان القديم في اعماله الحديثة
في ظهيرة البارحة اذاعوا في الديوانية المقطع الصغير لبيض الخعفق وفرع الخعنفق
ولم استطع أن اتمالك نفسي من الضحك !!
تلك الروعة الفنية، الإبداع الفكاهي والموسيقى الحوارية فقدها بوعدنان برأيي ولم يستطع تجديدها
حواراته الحالية وقطاته وأفيهاته لازالت في نظري ناقصة لتلك الروح القديمة !!
ربما هو العمر .. او ركاكة الكتابة وتذتذب الإنتاج !
ولكني لازلت اعتقد أن عبدالحسين فقد شيئا .. لا اعرفه.
من طيّات الشهر الفضيل الذي نحن في خامسه ..
من لقمة المجبوس وخرخشة السمبوسة
من يقمة أول شربة ماء باااردة
كانت هذه مراسلتكم سبمبوت تحييكم وتتمنى لكم بقية يوم جميلة
ونلقاكم على الخير والمحبة إنشاء الله
وكل عام وانتو بخير .. وعساكم من عوّاده

الأربعاء، 19 أغسطس، 2009

بعيدا من هناك ..








لم تصدق اذناها عندما تلقت الإتصال من والدتها، كم مرّ الوقت سريعا وانتهت السنوات التي كان المفترض ان تقضيها دلال في الغربة. و كأنه الأمس عندما التمّت العائلة توّدع الراحلة الفتيّة لبلد يقع في النصف الآخر من الكرة الارضية.

تتذكر ذلك اليوم جيدا قبل خمس سنوات، كانت الام تبكي بحرقه، و الأب قد ارتسمت على ملامحه تلك التوليفة الغريبة من صمت وجمود، دائما ما يكون وجهه جامدا عندما لا يجد شيئا يقوله.
هو رجل من مزيج غير متجانس من الماضي والحاضر، من الجهل والتعلّم و الهيبة واللاوجود.
الأخوة الأولاد الكبار كانا في زاوية ضائعة من المكان، يقفون بعيدا يتفرجون على حفل الوداع وكأنهم لا يريدون ان تتلطخ يداهم بقرار القبول الغير متوقع! أصّر احدهم على والديه ان لا تذهب اخته الصغيرة للدراسة خارج الكويت، برّر ان الزمن لا أمان فيه، وامريكا بلد مليء بالمخاطر والمغريات. صرخ وانتفض ان البنت لا تؤتمن على نفسها، "وبنات هالوقت "يرعيين" وما تردهم اخلاق ولا وازع ديني" و جاء بآيات قرآنية و أحاديث نبوية تخدم الموضوع احيانا ولا تخدمه احيانا أخرى. أقفل الأب - ببادرة غير مسبوقه- اذناه واستمر في استكمال اوراق ابنته دلال.
أما دينا "آخر العنقود" فقد امسكت يد دلال بشغف وأخذت تقبلها كلما سنحت لها الفرصة، تبكي تارة وتوصيها بالإتصال الدائم وارسال الصور والأخبار يوميا عبر الإنترنت.

كانت دلال سعيدة، تتقافز نظرات نزقة من عينيها، كانت في غاية الحماس لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها بعيدا عن كل شيء عرفته منذ ولدت، كل المفاهيم والمعتقدات والدروس والتقاليد لن تأخذها معها في حقيبتها ولن تلحقها الى هناك. كانت تعتبر المرحلة المقبلة بمثابة اعادة بناء نفسها من فتاة عاشت تتلقى التعليمات الى امرأة ستصنع بنفسها تعليماتها، من فتاة يقرر لها والداها متى ترجع للمنزل، و ماذا ترتدي، من ترافق و اين تذهب، الى امرأة تصنع قوانينها وتلون حياتها بخطوط بيضاء وحمراء تخطها بيدها لا بأيدي غيرها.

عندما قربت ساعة الرحيل أخذ والد دلال حقيبة سفرها ليضعها في السيارة، و أخذت الأم ابنتها بعيدا عن باقي العائلة، ضمتها الى صدرها، قبلت رأسها و أوصتها بالصلاة. كانت دلال لا تصلّي بانتظام و الأم تعلم بذلك، و لكنها قبل الرحيل اهدتها اضافة الى دموعها سجادة صلاة و قرآن كريم: " لا تنسيهم يا دلال .. لا تنسي الله .. فإن تذكرتيه سييتذكرك .. ان ضاق صدرك عليك بالقرآن .. و ان كثرت همومك و استعصت عليك غربتك صلّي لالله ركعتين، فهو كفيل بازالة الهم و ازاحة الكرب" آخر الكلمات التي قالتها الأم وتركتها تبتعد.

خرجت دلال متوجهة للسيارة التي ينتظرها فيها والدها و اختها الكبيرة دانة، لم ترغب الأم في الذهاب للمطار، و لم يقدّم الاخوة الكبار خدماتهم في المرافقة.

عند بوابة المغادرة وقفت دانة و دلال تتعانقان، تبكي كل واحدة فيهن بحر دموع، دانة كانت رفيقة احلام دلال رغم الفرق الواسع في العمر بينهما، ستة عشر سنة عاشتها دانة قبل ان تأتي دلال الى الحياة، مرّت خلالها بأضعاف ما مرّت به دلال من المشاكل التي تأتي بها كل فتاة مع لحظة نطق نوع جنسها في المستشفى، و لكن الوطئ كان مع دانة اكبر و اعمق بحكم الزمن العتيق و قِدم المفاهيم و صرامة العادات و التقاليد.
حتى بعدما تزوجت دانة من رجل تقليدي اكمل بدوره مسيرة والداها في المحافظة عليها و صون كرامتها من كل ما هو مشين، اكملت دانة مسيرة احلامها بشخص دلال و خصوصا بعدما رأت قلادة "حرمة الأنوثة" تتوسع شيئا فشيئا من على رقبة اختها، فالوقت يتغيّر باستمرار و النظرة السائدة للفتاة " ما ردها لبيت زوجها" تتبدّل الى مرحلة جديدة كليّا من " اخذي شهادة تضمن مستقبلج بعدين الزواج".
حلمت دانة ان تسافر للدراسة في الخارج بعد ان تلقت خبر امكانية ابتعاثها من قبل حكومة الدولة، فقد كان معدلها الدراسي يؤهلها لتكون في صفوف المبتعثين و تميزها في الثانوية يجعلها من اكثر الأشخاص الذين من الممكن ان يكون النجاح من نصيبهم في عدّة مجالات، و لكن الحلم وؤد في مهده عندما أصرّت وادتها على الرفض، و أبا والدها حتى مناقشة الفكرة، فقد قال مقولته التي لم و لن تنساها دانة منذ اكثر من سبع سنين: " انتي اكيد جنيتي .. تبين تسافرين بروحج، تعيشين و تدرسين هناك بدون لا رقيب و لا حسيب عشان ترجعيلي حـــامل !!؟ آنا مينون اخليج تسافرين بروحج .. ما تشوفين سوالف البنات تشيّب الراس و هما اهني عند اهلهم .. هالدور بتروحين بروحج بلاد ثانية؟"
تلقت الصفعة .. انتهى النقاش .. و قتلت الفرصة.

مسحت دموع دلال و نظرت طويلا في عينيها، ابتسمتا و كأنهن فهمن رسائل خفية تشير الى انتصار الطموح و هزيمة عقدة الانثى الناقصة الأهلية، ضمّت دانة اختها الى صدرها للمرة الأخيرة و أسرّت في اذنها: " لا تنسين التحدي .. لنا موعد معاه بعد ما ترجعين"، اومأت دلال برأسها و ضغطت على يد اختها .. و غادرت.

عندما جاء اتصال والدة دانة تخبرها ان دلال انتهت من استكمال دراستها و ستعود للوطن بعد ثلاثة ايّام، شهقت بفرح، و اخبرت والدتها انها فخورة جدا باختها، تحدثتا عن الوقت الذي مرّ بسرعة و عن البنت الصغيرة التي تغلبّت على الغربة و عادت بشهادة عالية و تعليم مرموق. و شرعتا في تنسيق المهام بينهما حول تنظيم حفل الاستقبال، فالخالات و العمّات و بناتهن سيأتون الى بيتها انتظارا للقادمة من بعيد، ستكون بمثابة الحفلة المفاجئة لدلال، فهي لا تعلم ان الجميع سيكونون بانتظارها. اقفلت دانة من والدتها و اخبرت زوجها بالخبر السعيد، فرح لفرحها و اعطاها مصروفا اضافيا لتشتري هدّية عودة جميلة لأختها. هو يعلم كم تحب زوجته اختها و كم تفتخر بها، و يعلم ايضا انه يحب زوجته و يفتخر بها رغم كل فرص التعليم المتقدم و العمل الطموح التي رفضها بدوره عليها بحجة الأولاد و البيت و المسؤوليات و الأولويات. هو ايضا متعلم و يشغل منصبا كبيرا في مجال تدريب و تطوير الموارد البشرية، و لن يمانع فرحتها باختها بل سيفرح معها طالما ان الانجاز قد تم من قبل شخص آخر بعيدا عن ملكيته لوقت و طاقة و مجهود زوجته.

جاء اليوم سريعا مليئا بالأمل، لم تر دانة دلال منذ ما يقارب السنة و النصف بعد زيارتها الأخيرة للوطن، تتذكرها كانت دائما جميلة – طموحة و ذكية، تحب نفسها و تثق بقدراتها و لا تسمح لأحد ان يأخذ منها آرائها. فقد دخلت في نقاش حاد مع احد اخوتها في الزيارة الاخيرة و عندما قاربت على السيطرة على الحوار و دحض حججه الغير مدروسة، ثار و غضب الى ان رفع يدا جائرة عليها ليخرس حجتها الصلبة بالطريقة الوحيدة التي تعلمها مهربا من تفوّق النساء، تدخل الأب بسرعة و انزل اليد المرفوعة بازدراء: " متى رأيتني امّد يدي على واحدة من نساء بيتي؟" سأله الأب و الشرر يتقافز من عينيه.
ردّ الابن و قد اخذته حميتة غبيّة على رجولته، اخذ يتمتم و يدمدم بهي قالت و هي فعلت، قللت من احترامي، و نعتتني بالغبي! أخذ كل الحاضرين ينظرون الى بعضهم، فالكل قد سمع محاور النقاش منذ البداية و لم يلمح احدا تقليلا للاحترام او نعوتا من اي نوع. شعر الأخ بالغباء بعدما عجز عن استكمال الحوار فسمع صوت الغضب داخله يخبره انها اهانته فثار و ارعد رعدا خائبا بلا تأثير. كانت دلال وقتها سعيدة بالموقف، هاتفت دانة تخبرها بما حدث، لا زالت تتذكر ما قالته اختها بالحرف الواحد:" اعلم انك تعبتي من محاولات اثبات لوالدينا بأننا نحن النساء من الممكن ان نكون اشخاصا يوثق بنا و يعتمد علينا، و أنا اليوم اثبت و لو جزءا صغيرا من رسالتك". اثلجت صدرها اختها و علمت انها خير من يوصل الشعلة.

تجمع الأهل بانتظار المحتفى بها، و ذهب الأب وحيدا هذه المرّة ليقل دلال من المطار تنفيذا لخطة المفاجأة، وصلت للمنزل لتجد الجميع بانتظارها، يبكون، يباركون، يصفقون و يضمونها الى صدورهم بفرح. كانت البهجة تملئ المكان و عيني دلال تبحث بين الوجوه عن وجه طالما انتظرت لترى الفخر بعينيه، و تلاقت عيناهما، دانة و دلال من خلف الاجساد، تعانقتا و قرصتا الحلم الكامن بينهما الى ان غادر حضنيهما واقع محقق. ابتعدت دلال عن اختها قليلا و ربتت على بطنها النحيل: " لقد ربحنا التحدّي .. لا يوجد شيء هنا" ..

على الرغم من مفارقة التوقعات الجائرة إلا انهما ضحكتا من اعماق قلبيهما.


الأحد، 16 أغسطس، 2009

تفاصيل غدّونة ..


مثل العروسة البلاستيكية البالغة الواقعية، ملامح تكاد تلمسني ..


عندما كنت صغيرة كانت تستهويني الدمى الأقرب للآدمية، والداي يعلمان ان لعبتي الجديدة يجب أن تفعل شيئا في حياتها الصامتة، تأكل وتُخرج، تبكي وتضحك، معها قنينة حليبها او مصاصتها .. ويا حبذا لو كان معها حفاضا وملابس اضافية! ذلك النوع الآخر من الدمى الموغلة بالثلجية لا تعجبني أبدا .. في النهاية كنت طفلة احترفت محاكاة الواقع وتقليد الكبار.

" غدونة " "غدن" بالعربية و "غودي" بالإنجليزية بحرف (G) كما يناديها والدها هي أقرب ما يكون للحقيقة التي حلمت بها! في ملامحها، تضاريس تكوينها، وتفاصيل تركيبتها ربما التصوّر المبدئي لطفلة سأتذكر معها تاريخ معاد لطفولتي، وشيئا مبدئيا من مستقبل أمومتي. غدونة هي اللعبة الوحيدة التي لازالت لدي، لم أكسر يدها بحركة دفاشة، ولم امشط شعرها حتى يسقط، ولم ألون على وجهها بألولاني الشينية حمرة وكحلة! هي الوحيدة التي اضعها على صدري بدلا من الرف، وأنومها بجانبي في السرير ولا أركلها خارج حدود مرقدي وأنا نائمة .. هي الوحيدة التي أتحدث معها ولا أمل سوالفنا حتى وإن لم أكن أفهمها.

تفاصيل "غدونة " أشبه بحلم وردي حلمته ولا أتذكره! ذلك الحلم دثرني بلحاف من حرير وجعلني ابتسم طوال الليل في نومي. عندما صحوت لا اتذكر تقاطيعه، ولكنه جاء وذهب ليخلف إحساس فريد من العذوبة قد كسى نفسي طوال اليوم الى الليلة التي بعدها. وكأن يد الرب قد التفت حولي فسمعت همسا عجائبيا أنني يوما سيكون لي طفلة تشبه الدمية .. تكلمني عذوبة وتهمس لي حنان وتضحكني ببرائتها الى أبعد الحدود..

بدأت شخصية "غدونة " تظهر في يدها ..!

صغيرة وبيضاء ووردية .. اصابع حمراء الأطراف وكأن الدم تجمع في رؤوسها ونضح، فأضحت كصغار اللولي بوب. في يدها أجد سعادتها، حزنها، غضبها ورضاها .. في البداية كانت يد "غدونة" تتشكل كما الصلصال، أحملها على كتفي لأجد أن يدها قد تشكلت على شكل زهرة، نجمة، قبضة وسكنت تماما على ذلك الشكل.. اصابعها تتحرك وتقف فتنتج لوحة فنية ليد لها خطتها الخاصة في الحياة .. شخصية بمنتهى القوة!

عندما كبرت قليلا اصبحت تعي كم لطيف أنفها، تحركه بإستمرار "خشيم الفار" كلما أرادت مني شيئا! تعرف تماما كيف تحرك مشاعري بأنفها! عيناها دائريتان مغموستان بالعسل، براقتان الى أبعد الحدود .. خلافا عن الدمى القديمة، عيناها تتحدثان احيانا وتخبراني أشياءا ضمنية بمنتهى الشاعرية .. من عينها أعرف أنها في حالة حب مع الشنطة الجديدة التي اشتريتها .. او الحلوى التي وجدتها صدفة في جاروري .. ومن عينيها ايضا اعرف أنها محشورة في دائرة "النمبر تو" ..
ألم أقل لكم أن عينيها بمنتهى الشاعرية!

في الفترة الأخيرة ولم تصل "غدونة" لعتبة السنتان بعد، باتت علاقتنا أنا وهي تتطور بشكل ملحوظ !! من دميتي تحولت ابنتي الى صديقتي وشريكتي في كل شيء. نصلي معا، هي انبطاحا على سجادتي في كل صلاة، وأنا انتظارا في صلاتي متى تنتهي من سجدتها الإنبطاحية! أثناء التشهد تستغل "غدونة" قلة حيلتي ومحاولات خشوعي لتستقر في حضني، في تلك الأثناء فقط يحلو لها أن تضمني وتقبلني وتلعب لعبتها المفضلة " اخراج خصل شعر ماما المتوارية تحت ثوب الصلاة".

"غدونة" ايضا تستقبلني استقبالا خاصا كلما دخلت المنزل من العمل، تجري نحوي بيدين مفتوحتين لتضمني فيطير تعب العالم من عيني، ولكنها ايضا تبدأ في مرحلة من الدغدغة .. بيديها الصغيرتين واصابعها المايكروسكوبية تدغدغ أنفي تارة وتارة أخرى خدي لا أعلم كيف قررت أنها نقاط الزغزغة فيني !!
عادة ما يصحب الدغدغة صوت استثنائي طريف مع حركة لسان تمده للخارج ليصدر صوت " تغتغتغتغتغتغ "!

أضحك عادة من كل قلبي، فقط لمجرد فكرة أن ابنتي تدغدني لإنها تعلم أن الفعل يرسم على وجهي ابتسامة!

عرفت "غدونة" مؤخرا كيف تستخدم تكنيك الدلع والفهلوة الأنثوية بمفهومها البدائي وشكلها الغض .. تصدر أصواتا ناعمة لوالدها، تذوب على صدره وتربت على شعره إن أرادت منه شيئا! تناديه بمنتهى الرقة بينما تناديني بمنتهى الدفاشة والغضاضة ! تلعب مع والدها ألعابا بمنتهى النعومة .. وتترك له مجالا ليعتقد أنه يخيفها عندما يطاردها .. فتجري منه مسرعة مخلفة في قلبه انتصارا من نوع خاص .. ثم بشطارة تعود اليه !

تفاصيل "غدونة" كثيرة ومثيرة .. تكمن في ابتسامتها، اسنانها الصغيرة، خصل شعرها الحريرية الغاضبة من بعضها، صوتها الذي يظهر بكثرة في المنزل ويختفي غالبا في منازل الآخرين، في عسارتها بعد النوم واستكانتها قبله. في مصاصتها التي هي أعز الدنيا عندها، في شفتيها الورديتين، في مزاجها العالي عندما تقوم بتقليد أصوات الحيوانات، في رقصتها على الأغاني التي أغنيها لها، وأخيرا في اصبعها الكبير من رجلها اليسرى التي ومنذ ولادتها طبعت فيه وحمة بنفسجية غير تقليدية .. كحبة التوت التي ضيعت مكانها!

((أكتب هذه الكلمات وهي على فراش صغير في مستشفى السلام بعد نوبة وعكة صحية جراء فيروس في معدتها.
صغيرة جدا يدها التي ادخلوا في أحد أوردتها الرقيقة إبرة محلول " IV " .. بكيت كثيرا وأنا أرى ابنتي في ذلك السرير
وهي الشجاعة .. لم تبك ولا مرة، ربما أعياها التعب وعرفت في داخلها الصافي أنها ستكون بخير.
عادت غدونة الى البيت بعد خمس ساعات .. نامت واستيقظت ففتحت صفحة جديدة مع الحياة ..
وأنا تعلمت درس سنة .. بست ساعات ونصف!))

الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009

برونو من النمسا .. !


ساشا بارون كوهين الممثل المبدع / المعتوه هو نفسه بورات الذي ظهرت شخصيته من كازاخستان عام 2006 الى هوليوود ليجن الناس الذين باتوا يبحثون عن كل ما هو غير اعتيادي او تقليدي .. ليدهشهم ويسليهم. يظهر شاسا من جديد على شاشات السينما الهوليوودية بشخصية جديدة اسمها "برونو" جاءت هذه المرة من النمسا لتضع على كاهل المتلقي كما هائلا من الإنبهار والإشمئزار، الإعجاب والصدمة .. كلها على حد سواء؟

فلسفة الممثل اليهودي الديانة البريطاني الجنسية تنصب في مفهوم جديد نابع من خلط السينما في التوثيق، أن يجمع عمل جماهيري ترصد له استديوهات السينما الكبرى ميزانيات هائلة، في شخصية خارجة عن المألوف لم يعتد عليها الناس، بمواجهة تلك الشخصيات العادية جدا التي تصادفنا كل يوم في حياتنا اليومية. وكلما كانت شخصية البطل خيالية، مبالغ فيها ومستبعدة عن الواقع كلمّا كان بإمكان الناس العاديين أن يظهروا على حقيقتهم المخيفة.

"برونو" شاب في التاسعة عشرة، مثليي التوجه الجنسي علنا، يعيش حياته للموضة ويقدم برنامجا تلفزيونيا شهيرا في بلد منشأه متخصص أيضا بالموضة اسمه "فنكيزايد". مثل كل شاب بهذه المواصفات، لا يخلو شكل برونو الخارجي، قصة شعره، طريقة حديثه، وملابسه من تلك اللمسة الفانتازية الغريبة التي تدفع الناس للوي رقابها والنظر اليه.
ضمن احداث الفيلم يطرد برونو من عمله وبرنامجه فيقرر أن يذهب لبلد صناعة النجوم أمريكا وتجديدا لوس آنجلوس ليجري خلف حلمه في أن يكون نجما عالميا.

من هنا يبدأ الخلط بين الواقع والخيال من خلال دمج شخصيات حقيقية سواء من المشاهير أو الناس العاديين في الشارع ليكونوا ابطالا في فيلم "برونو" دون علمهم. فتظهر المغنية وحكم البرنامج الشهير " أميركان آيدول" "بولا أبدول" في مقابلة مدبرة مع "برونو" مقدم البرامج الاوروبي كما قيل لها، لتصدم أن الكراسي في مكان التصوير عبارة عن رجال حقيقيين. تجلس على ظهورهم وتخبر برونو عن مساعيها الخيرية في العمل التطوعي الإنساني! تهرب "بولا" عندما تصدم مرة أخرى بإنتهاك آخر سافر لحقوق الإنسان وتغادر الموقع دون ان تعلم أنها كانت في فقرة ضمن فيلم سينمائي ساخر!

"برونو" الذي تأخذه مساعيه في الحصول على الشهرة الى المشي بملابس خارجة عن الأدب في منطقة خطرة مثل القدس في فلسطين فيطارده المتطرفون رغبة في تأديبه أو قتله. كما يجتمع مع عضو حقيقي من حزب الله ويدعوه لإختطافه ليحصل على الإهتمام الدولي وبالتالي الشهرة. ويجالس إثنين واحد من حزب حماس وآخر من الحركة الصهيونية ويدعوهم الى السلام عن طريق أغنية ألفها وغناها بينهم.
يبدو من الوهلة الأولى أن ما يفعله ساشا في فيله غير قابل للتصديق، وما يفلعه الناس بمقابل الظهور في التلفزيون الأوروبي اعتقادا منهم ان من يقابلهم مذيع من النمسا غير قابل للتصديق أيضا.

في مرحلة أخرى من الفيلم يضع "برونو" اعلانا فنيا برغبته – هو المذيع الأوروبي – في استخدام بعض الأطفال لبعض الصور الفوتوغرافية مع ابنه بالتبني. تباعا يقوم بمقابلات مع آباء وأمهات قد تقدموا للحصول على هذه الفرصة لأطفالهم والذين لا تتعدى اعمارهم السنة والسنتين. المقابلات جدا حقيقية ولا يعلم الآباء أنها ضمن فيلم سينمائي، فكل همهم في النهاية هو حصول أطفالهم على الدور ومن ثم المبلغ المادي الموعود مقابل الصور. يسأل برونو ام مثلا إن كانت ستسمح لطفلتها بتشغيل آلات ثقيلة لجلسة التصوير فتوافق الأم بدون تردد. ويسألها إن كانت تستطيع أن تجعل ابنتها البالغة من العمر سنتان أن تفقد 10 ارطال من وزنها بأسبوع واحد فتقول الأم أنها ستقول بذلك بالتأكيد! ثم يسألها إن لم تستطع الطفلة فقد الوزن المطلوب، هل ستوافق أن تخضعها لعملية شفط دهون .. فتوافق الأم بعد ثواني من التفكير!

الفيلم قذر، جريئ، صادم ويتخلل الكثير من المشاهد الإباحية الحقيقية منها والمفتعلة، ولكن ما إن يتعمق المشاهد في أغوار الفيلم أكثر سيفهم الرسالة الحقيقية من وراء الشخصية الخارجة!
وكأن"برونو" يقول للعالم انه ربما يكون لواطي صريح، لا يخجل من أعضاء جسده ولا من رغباته الحسية. ربما يكون بغاية التطرف والصراحة مع من حوله ومع نفسه الى درجة الإشمئزاز والتقزز. ولكن من انتم ايها المتخفون وراء وجوهكم الطبيعية، وملابسكم العادية .. الموغلون بالكذب على الآخرين والنفاق على أنفسكم، الغارقين بالقذارة التي لا تشتمون نتنها إلا في غيركم. من أنتم أيها القابعون في سراديب أنفسكم المضللة المظلمة، لكي تحكموا على "برونو" الواضح الجريئ الصريح بأنه أرخص أو أقل منكم.

مشاهد حقيقية لبشر حقيقيين يتنازلون بسرعو وبسهولة عن انسانيتهم ومبادئهم مقابل حفنة حقيرة من دولارات، أو لشهرة وقتية لا تتعدى دقائق قصيرة، مشاهد حقيقية لسقوط أقنعة الناس مصاغة ومدارة في فيلم من المفروض كوميدي .. ومن المعقول أن يكون أكثر الأفلام وقاحة وصراحة على الإطلاق ...

هممممممممم .. مجرد سؤال !!

في صحيفة الوطن اليوم خبر صغير يقول:


ضبط 3 «جنوس» في الفروانية

كتب المحرر الامني: ضبط رجال أمن النجدة ثلاثة «جنوس» في منطقة الفروانية وهم في كامل زينتهم. تفاصيل القضية بدأت عندما كان رجال امن نجدة الفروانية في مهمة روتينية فشاهدوا مركبة يستقلها ثلاثة نواعم ظن رجال الامن بانهم فتيات نظرا للمكياج الذي يضعونه فتم استيقاف المركبة والطلب من مستقليها الترجل ليكتشف رجال الامن انهم جنوس فتم القاء القبض عليهم واحالتهم الى جهات الاختصاص.
انتهى الخبر
السؤال .. لماذا تم إيقاف المركبة من قبل رجال الأمن أصلا خصوصا عندما ظن رجال الأمن بأنهم فتيات؟ هل ركوب 3 فتيات متمكيجات في سيارة جريمة تستحق التوقيف؟؟

الأحد، 9 أغسطس، 2009

خمسة من جديد !



(5)
أنا وعبداللطيف، عبداللطيف وأنا مثلما بدأت قصتنا بتعارف مضطرب على حافة مرحلة عمرية، تبدأ مرحلتنا الجديدة انا وهو على حافة مرحلة عمرية أخرى. كم كبرنا، وكبرت معنا مشاغلنا وملاهي الحياة من حولنا.
كم أصبح اللقاء في الخيمة صعبا ومضنيا بعد أن تركها قاطنوها وأصبحنا نحن الإثنان بقايا صحبة استثنائية لن تعود من جديد!
أنا وعبداللطيف وثالثتنا خيمتنا والليل الذي يطل علينا بكل ذكرى كانت يوما جميلة. لا نعودها إلا ونتذكر ما قاله ضاري عندما جلس في الزاوية، لا اراديا كلما ذكرنا اسمه التفتنا الى قبر الصورة والرمل والوتد. نكتة ناصر وهو يقف على رأسه، ومكان ناصر المخصص للنوم في الربعة الشرقية!
اين من الممكن أن تذهب كل تلك الذكريات إذا لم نعد نعلكها انا وهو كلما وجدنا أنفسنا وحيدين في خيمة طفولتنا؟

سألته مرّة وهو يجلس على الكرسي المقابل لسريري بينما كنت منهمكة في ضب الذكريات بشنطة سفر، إن كان سيتذكرني بعد عشرون سنة؟ بعشوائية حرك قدميه ورفعهما من على الأرض ليتسنى للكرسي الدوّار أن يفتل، دار عبداللطيف بكرسي مكتبي أكثر من ثمانية مرّات، أقل بواحدة من السنوات التي قضينها معا .. اعلم أنه كان يصارع دمعة ويخفيها عنّي بالدوران!

كيف لنا أنا وعبداللطيف أن نبدأ مثلما بدأنا وننتهي مثلما سننتهي الآن؟ لماذا لم نعادي بعضنا ويكره كل واحد فينا وجود الآخر في الإنعكاس الجغرافي المقابل لغرفته؟ لماذا لم يضربني عبداللطيف مثلما كان يفعل اترابي من الصبية؟ ولماذا لم أحس منذ بداية البداية أنه سخيف وتافه؟ أو ما الذي جعلنا لا نشب في عيون بعضنا؟ لماذا لم تنشأ بيننا علاقة عاطفية مثل التي تغنت فيها الأغاني العاطفية الشامية القديمة ؟ كان ابن الجيران يحمل فوق رأسه لافتة مليئة بإحتمالية العشق الأول، لماذا لم أجد تلك اللافتة تشع بأضواء نيون من على جبينه؟ لماذا أخذني عبداللطيف في تلك الليلة الى الخيمة، جعلني واحدا من الأصدقاء ولم يأخذني لمكان شاعري نتقاسم فيه مبادئ قصة ساذجة لحب محتمل؟

توقف عبداللطيف عن الدوران، وضع عينه في مكان بعيد عن عيني وأخبرني أنني الحقيقة الوحيدة الباقية من أجمل البوم صور اقتناه في حياته! سكت، ثم قال لنفسه: " لم أعد استطيع لمس الآخرين"!

أسافر اليوم الى امريكا، احمل بين جناحاي حنين مبكر للوطن، للخيمة، وشوق يكاد يشق جدار قلبي لعبداللطيف. سيسافر هو الآخر بعدي بإسبوعين الى اسكتلندا للإلتحاق بجامعة عسكرية مرموقة جدا، سيصبح عبداللطيف الصبي ذو الشعر الموقوف قسرا عن الميلان والمعطف الأسود الغامض الذي كان يرتديه في ليلة الإختطاف .. طيارا حربيا!
وأنا؟ ماذا سأصبح انا؟ ولماذا أهرب الى بلاد بعيدة جدا عندما اكتشفت أنني في طور الإنقراض؟ أصدقائي كل اختفى بطريقته الخاصة .. علي أنا ايضا أن اجد طريقة دراماتيكية للإختفاء، ولا سبيل غير السفر.

في مطار نيويورك أمشي ببطأ، لم تكن المرة الأولى ولا الأخيرة التي أزور فيها التفاحة الكبيرة كا يسميها الامريكان. جاف المطار وبارد تماما مثل الشوارع والأزقة المعتمة المخيفة في مانهاتن ما وبعد جسر بروكلين! لم يسمح لي والدي يوما أن اقطن بروكلين يقول أنها مليئة بالمجرمين. لم يستوعب والدي يوما أن نيويورك مكان بروح مظلمة، ساعته نست الوقت او الوقت نسيها، والناس نسوا ان هناك شيئا في جوف الناس الآخرين يسمى عاطفة! كيف لي أن اترك الكويت والخيمة التي ملئتني املا متدفقا وحبا استثنائيا للصداقة والحياة وآتي راغبة الى نيويورك ..أدرس في جامعتها وأعمل كمتدربة في واحدة من أكبر شركات الموضة والأزياء وأكثرها شراسة! أنا ونيويورك سطران في قصة واحدة .. لا يمكن أن يتفقان على نهاية مرضية.

ما إن أصل حتى أتصل بوالدتي وأبشرها بالسلامة! ألمح ارتجاجا بصوتها وحنينا لا يغيب، أقفل السماعة من امي لترن سماعتي هي الأخرى بصوت "حنان" صديقة الثانوية التي تدرس في NYU قبلي بفترة دراسية واحدة .. اتفقنا مسبقا انا وهي أن نتشاطر شقتها الشاهقة في واحد من ابراج مانهاتن. أحب حنان، ولكني لم اعتد كثيرا على ملازمة النساء! أحاديث الحب والعشق والإعجاب والغمزة والإبتسامة لا تسليني، ربما لإنني منذ سن مبكرة جدا رأيت كل تلك الأشياء بمنظور آخر ومفهوم مختلف.

أنا حقا لا أعرف إن كانت الخيمة صنعت شخصيتي ام ألبست أنوثتي ثوبا فضفاضا من فوضى المشاعر! لماذا لا أتكلم مثل البنات؟ لماذا لا اتبضع مثلهن؟ ولماذا لا أشعر بأهمية قصوى لأجعل شعري مستقيما؟ عادة ما اتركه هكذا بالعراء، متموجا متعرجا كما اتفق اليوم مزاجه، لا يهمني أن اكون منسقة الى درجة خارقة من الكمال! وعندما رأينا أنا وحنان "باريس هيلتون" في زيارتنا الأخيرة الى لوس آنجلوس، اشتعلت حماسا هي .. وأنا لم استطع أن امنع نفسي من الشعور بالشفقة على باريس وعليها!

إكتشفت .. أنني أخرجت نفسي من الخيمة .. ولكن الخيمة لم تخرج مني الى الآن!


سافرت اليوم الى نيويورك! لا أعرف لماذا تحب تلك الفتاة المصنوعة من نُوّير كل البلدان الباردة الباهتة إلا من ضباب. من بين السهول الخضراء، والفراشات الوردية، والشواطئ القرمزية تختار مكانا موغلا بالظلام. عندما ذهبت لنيويورك للمرة الأولى حاولت ان ارسم خيطا وأصله بين انفها وأنف تمثال الحرية؟ دققت في ملامحهما الإثنتان اكثر، على متن عبارة وقفت بجانبي، يتطاير شعرها المموج في وجهي، اخذتني برحلة الى جزيرة إيليس ثم الى السيدة ليبرتي ..

هناك التقطت لها صورة، تضع تاجها، ترتدي معطفها وتحمل مشعلها .. ولكنها أبعد ما يكون عن صنمية التمثال الشهير وقلبه البارد! قلت لها ارقصي .. فرقصت! تموج معها المعطف وتمايلت الشعلة .. ففشلت فشلا ذريعا بإلتقاط نقاط التشابه فعدنا للعبارة وقطع الحبل.
سألتني قبل أن تسافر إن كنت سأتذكرها بعد عشرين سنة؟ ربما لن اتذكر إلا هي!
الفتاة التي علمتني كيف بإمكاننا نحن المختلفان عن بعضنا أن نتوحد في خيمة بلا عواميد. أن نضع أجناسنا وتواريخنا .. ما خلفنا وما بعدنا جانبا ونتحاكى كبشر! لا هي إمرأة ولا أنا رجل. الفتاة التي عرفتني كيف أحترم الشعر الطويل قبل أن أراه حبال غواية تشدني للبدن قبل الروح. كيف لنا انا وهي وثلاث صبية أن نتآخى على فنجان شاي، ونضحك من داخلنا على نوايا سيئة ضمرناها يوما لبعضنا!

بعد ثلاث سنوات من أول يوم جاءت فيها الى الخيمة صارحني واحدنا بإهتمامه الخاص بها، نظر اليها من الخلف وغمز! ساعتها أوسعته ضربا وقذفته في زاوية الخيمة – كنا وقتها في الخامسة عشرة - اعتذر ونام. لم تعرف يوما عن الحادثة، ولكنها فهمت مع الوقت أنها يجب أن تكون صريحة ومريحة معنا، فأخبرتنا أنها لم ولن تحمل شعورا عاطفيا يوما لأحدنا .. وقالت لنا بالحرف الواحد :
"من في عينية شرارة شقاوة فليخبرنا الآن لنرش في عيناه كومة رماد!"
من ساعتها .. ونحن فعلا أصدقاء، بإستقامتها معنا نفت احتمالية انوثتها الطاغية في منظورنا وأصبحت مع الأيام إنسانا جميلا .. لا إمرأة جميلة!

في برد يناير القاسي، على هضبة في اسكتلندا، على سريري .. اقابل نافذة غير نافذتها ، ارسل لها بريدا الكترونيا عبر الإنترنت أسألها عن أحوالها وإن كانت تشتاق الكويت؟ ترسل لي بعد دقائق : " سآتي بالصيف بعد ثمانية شهور .. هل سألقاك؟"
أجري لرزنامتي وأرسل لها : " سأكون هناك ".



خمسة من جديد ..
قلوبنا تلك الطائرة شوقا على متن طائرة حقيقة نركبها فتوصلنا بإصرار الى المكان الذي نريد! على مدى عشرين ساعة اتعلق بقشة في السماء .. لم أشعر يوما أنني أكاد أقع من طولي شوقا لأحداث وذكريات وبشر. في كل أسفاري السابقة كنت اعود لحض امي .. اليوم انا أعود لحضن نفسي.

أقرأ كتابا في مقعدي أم هو يقرأني ؟ آكل ألواح الشوكولاته المحشورة بين درفتي بسكويت ويفر هش واستمتع بالقرمشة .. لماذا أنا بغاية السعادة؟ لم تكن المرة الأولى ولا الأخيرة التي أسافر فيها وأعود .. ربما علم حدسي ان هناك شيء ينتظرني ...

أصل الساعة التاسعة مساءا .. والوجوه السمراء تحييني .. المح أشياء للمرة الأولى لم أكن اعيرها اهتماما .. أكتشف أنني أعرف الكثير عن هؤلاء البشر، عن تلك السيدة التي وقفت بإنتظار الإبن العائد من دراسة، اعرف أنه ولد لإن طوق الورود الذي تحمله بيدها أصفر لا وردي ولا أحمر.
اعرف تلك الجدة القابعة على كرسيها المتحرك على واحد من كراسي ستاربكس. لا تشرب القهوة بل ماءا باردا، تلك العجوز تنتظر حفيدتها العائدة هي الأخرى ايضا من أمريكا .. اعلم ذلك لإن على طاولتها وضعت صحنا كريستاليا ملئته حلوى منثورة وبتلات ورد .. جاءت الجدة لتزغرد لعودة حفيدتها وتنثر عليها وردا ونون.

أمشي في القاعة وأطالع الوجوه التي ارتسمت على جباهها لي أسئلة عشوائية: هل تعرف تلك الفتاة ابني؟ هل هي صديقة ابنتي؟ هل كانت في ذات الطائرة مع حفيدتي ؟ ابتسم .. لإن الإبتسامة – حتى لو لم أعرف الجواب – تعطي شعورا بالتفاؤل وجوابا ايجابيا على الأسئلة المتناثرة.

ألمح عين امي، شعرها اللامع، وساعتها الثمينة .. اجري نحوها واضمها وأشم رائحة طفولتي، عطرها الذي لازلت أسرق عبيره وخصل شعرها الناعم الذي لا امانع إن دخل بأنفي او فمي! تمسك يدي وتحكي .. ونخرج انا وهي على صوت الزغاريد والعناق وارتطام الحلوى على ارضية المطار!

لا أسأل امي عن عبداللطيف .. ولا هي تتطوع بأجوبة، نصل البيت فأخبرها أنني سأدخل بعد أن اقضي مشوارا سريعا .. تطير من راحة يدي بإتجاهها قبلة، تلتقفها وتضعها على صدرها ..

أجري .. أركض عبر البيوت المكتملة التي كانت يوما قيد التشييد، اجري عبر البراحات الخضراء التي كانت يوما مساحات من الرمل الأصفر .. أجري بين السيارات المركونة التي تبدلت أشكالها وتغيرت ماركاتها الى أفضل وأحدث وأغلى ..

عبر الشجيرات التي شبّت ونضجت وعلت لما فوق قامتي .. بين الممرات الضيقة بين البيوت، بعد محوّل الكهرباء الأخضر وكل ما رسم عليه من وجوه وكلمات .. الى المساحة الرملية المسيجة بالأشجار، الى البوابة الصغيرة التي لا نعلم من وضعها .. الى الوسط ..

أقف .. ألحق أنفاسي .. اتمالك طيور شوقي .. اتوجه الى الخيمة ببطئ، تمسكني يد وتشدني للوراء .. اهلع والتفت وأراه، اضمّه وابتسم وأستحم بإبتسامته .. يضع اصبعه على فمه ويخبرني صامتا بالسكون. يأخذني الى ما وراء الشجيرات يشير لي الى الخيمة:

أصوات .. وضحكات شقية .. وظلال خيالات صغيرة ..

منها خرجت اربع فتيات صغيرات .. وصبي واحد
انتهت ...

الخميس، 6 أغسطس، 2009

عيدين .. لا ثالث لهما !



(4)
في العشرين كبرنا على أنفسنا نحن الثلاثة ولكننا لم نكبر على خيمتنا، لم الاحظ يوما كيف تغيرت ملامح صاحباي ولا كيف تحوّل الصبية الذين نشأت بين عيونهم الى رجالا طويلي القامة مكتملي الرجولة!
ولم يهتما هما كثيرا في التغييرات الكثيرة التي حصلت في دائرتي الإنثوية.

حوادث من المفروض أن تكون محرجة مثل بروز مفاجئ لأشيائهم التي تختبئ في بناطيلهم بينما هم نائمين، بقعة الدم التي التصقت خلفي في فترات أهملت فيها نفسي، ظهور الخيط الاول من شواربهم وشعر وجوههم، تغير أصواتهم وبروز نهداي كانت كلها من الممكن أن تكون مثار نقاشات غير مريحة. ولكن بيننا لم يكن هناك شيئا يختبئ ولم يكن هناك ما يحرج! نعلم اننا في طور النمو، ونعلم اننا سنتغير كل في طريقته الخاصة. تواجدت بعض التلميحات الطريفة على ناصية النضوج، ولكنها لم تكن يوما دنيئة .. كنّا فعلا أصدقاء.
وعندما تذمرت من حاجتي الى سلة قمامة في الحمّام .. احضروها لي بلا نقاش .. كانوا يعلمون .. وكانوا يقدرون !

إكتشفت والدة ناصر في ليلة أن ابنها يكذب عليها، كانت حجته للخروج من المنزل في أول الليل من كل يوم والعودة في آخره هي ديوانية واحد من الأصدقاء الذين تعرف والدته أنه من جماعة المسجد التي نشأ ناصر في احضانها. بالمصادفة، رأت أم ناصر الصديق في رحلة عمرة بينما كانت للتو قد تخابرت مع ناصر وأخبرها أنه سيعود ديوانية "عبدالعزيز" كما يفعل كل ليلة.
سألت عبدالعزيز وهما في رحاب الحرم فأخبرها أنه لم ير ناصر منذ سنين في ديوانيته!
عادت وواجهت ناصر، فأخبرها بكل شيء إلا حقيقة صغيرة بيضاء أخفاها في جيبه الصغير : ان الخيمة التي يزورها كل يوم .. هي خيمة خاصة بالشباب".

صدّقت والدته في البداية، ولكنها وعلى الرغم من أنه أراها الموقع في احد الصباحات وأدخلها الى الخيمة، إلا أنها قررت ان تذهب مع والده ليلا لتتأكد أن هؤلاء الشباب الذين يجتمع معهم ابنها طوال هذه السنين لم يكونو شلة سوء. في ساعة متأخرة من ليلة هادئة صدقت نبوءة الأم .. لم يكونو الشباب شلة سوء، في كبستها المدبرة عليهم لم تجد خمور ولا مخدرات ولا أفلام خلاعية، ولكن بالنسبة لها وجدت ما هو اعظم تأثيرا وأشد فتكا .. وجدت أم ناصر ذات النهج الملتزم جدا .. داخل الخيمة .. فتاة!

في مشهد أشبه ما يكون بالأفلام المصرية الحديثة صفع والد ناصر خد ابنه أمامنا وتفّ بوجهه حتى تخضبت لحيته ببقايا لعابه المتطاير. كلمات كبيرة درامية تطايرت ايضا في وجه صديقنا مثل "فاسق وزنديق ومجالس المنكرات و مُصاحب المتبرجات .. انتهاءا بكاذب وخائن"! أم ناصر كانت في الزاوية تبكي، ووالده كان في قمة انشغاله يؤدب الولد الحائد عن الطريق الصويب!

لم نكن نعي أنا وعبداللطيف وحتى نواف وضاري عندما كانوا بيننا مدى تطرف عائلة ناصر، كنّا نعلم أنه ملزم بحضور حلقات الذكر وحفظ القرآن في المسجد المجاور منذ كان عمره خمس سنوات، كنّا نعلم انه يجب أن يصلي كل فروضه بالمسجد وأن والده يجب أن يراه هناك، كنّا نعلم أنه ممنوع من السفر الى بلدان مثل دبي والبحرين وتايلند وأمريكا لوحده أو مع اصحابه. ولكننا لم نتصور يوما مدى ضيق القبضة الأخلاقية والدينية التي حُشر بها ناصر. لم يخبرنا يوما عن قوانين منزله، لم يتحدث يوما عن تزمت والده وجديته المبالغ فيها بفرض الأحكام الدينية وغيرها من المعتقدات والأفكار عليه.
ربما لم نتخيل الأمر لإن نشأتنا أنا وعبداللطيف وحتى الإثنان الآخران كانت أبعد ما يكون عن هذا المقدار من الإلتزام!

ذهب ناصر مع والديه، واتصل على عبداللطيف في وقت متأخر من تلك الليلة بجهاز نقال مختلف يخبره أنه لن يستطيع رؤيتنا لفترة حتى تهدأ النفوس وتبرد الحكاية. طوال تلك الليلة جلسنا أنا وعبداللطيف في دوامة التفكير فيما كان ولازال يواجهه ناصر في المنزل! كل الحكايا والظروف العائلية التي كان يتحجج بها عندما نقرر الذهاب الى الخيران مع أسرة احدنا، عندما نشتري تذاكر لمسرحية في العيد، عندما نهم بحضور حفلة غناء لفنان نحبه أثناء احتفالات هلا فبراير!

كان ناصر يلقي بحجة ظروف عائلية على الطاولة ولا يفسر أكثر حتى بتنا لا نسأل. أخبرته يوما أنني سأساعد قدر استطاعتي إن أراد مني ذلك، كانت يدي الممدودة مضطربة وحائرة، لم أكن أعلم كيف ستكون طبيعة عوني .. ولكنه نفى .. وانتهى الموضوع.
استرجعنا الحسابات القديمة والحوادث الطاعنة انا وعبداللطيف: لهذا كانت حالة عائلة ضاري شغل نواف الشاغل، لهذا هو لم يستطع السكوت عن الموضوع ولم يقوى على اهماله! لهذا كان ناصر يزور قبر ضاري لشهور طويلة .. يبكي ويصلي ويطلب له الرحمة والغفران! لهذا كان ناصر الوحيد الذي يحرص على صيام كل شهر رمضان عندما كنّا صغارا، ولهذا هو يحمل في طياته تناقضات متطرفة في كلا الإتجاهين! فتارة متحرر ومتفتح الى أبعد الحدود، وتارة مغلق ومتزمت بصورة غريبة وفجائية!
بدأت الرؤية تتضح لنا الآن، وبدأنا فعلا نخاف على صاحبنا من الإقدام على أمر لا تحمد عقباه.

في الصباح تطرق علي والدتي باب غرفتي فأفتح، تجلس بالكرسي المقابل لسريري وتخبرني أن اتصالا هاتفيا من والدة ناصر قد جاءها اليوم محملا بأطنان من لوم وعتاب و تحقير وسخرية. قالت لها ام ناصر أنني كنت الفتاة الوحيدة في خيمة مشبوهة بين مجموعة من الشباب! ضحكت أمي وسألتها عن شبهة الخيمة؟

الخيمة والليل والشباب والفتاة كلها ظروف وقتية تواجدت ابنتها في وسطها بعد إتخاذ قرار ذاتي بالموافقة على هذه الظروف .. سألتها والدتي إن كنا في الخيمة عراة ؟ إن كنا في الخيمة في وضع مخل بالأدب؟ إن كنا نسبح في دائرة من دخان الحشيش او الماريوانا؟ إن كنا في الخيمة نمارس طقوس عبدة الشيطان؟ فأجابت والدة ناصر أننا كنا في الخيمة مجتمعين حول مسرحية " سك على بناتك" .. نشرب مشروبات غازية!

اقفلت أمي السماعة بعد أن أخبرت والدة ناصر أنها لن تمنعني من الخيمة ولا من أصدقائي لإنها تعرف كيف ربتني، كيف علمتني ان احافظ على نفسي، وكيف أكوّن علاقات انسانية ضاربة بالعمق والحميمية دون أن تشوبها تقاليد بالية بشوائب مرتكزة على الرغبة الحيوانية في الإنقضاض على أجساد بعضنا. أخبرتها والدتي أننا الخمسة أصدقاء اوفياء منذ كنا في العاشرة، وأن هذا الوقت كفيل في جعل مفهوم جديد عليها من صداقة حقيقة يينع في قلوبنا بستان صفاء.

بكيت وقتها بينما أمي تنهي حديثها، بكيت لإنني كنت من هؤلاء البشر الذين ملكوا حرية قرارتهم فلم تفرض عليهم طريقة حياة ولا سبيل للتعامل مع الناس من حولهم، كنت من هؤلاء الإناث اللاتي لم تسلم لهم عند أعتاب البلوغ كتيبات ارشادية اجبارية في كيفية عيش الحياة ضمن إطار المجتمع والعادات والتقاليد. كنت من هؤلاء النساء اللاتي لم تفرض حريتي المكبوتة علي أن أحيا حياتين، أن ارتدي وجهين .. وأبتسم في عين مرايتي ابتسامتين .. واحدة للصباحات النيرة واخرى لعتمة الليل وظلمة المصير.

زارنا ناصر في الخيمة ليلة عيد الفطر مرة واحدة ثم تخّلف بعدها، زارنا ايضا ليلة عيد الأضحى ثم لم نره من جديد!

اختفى ناصر عن الخيمة ولم يعاود القدوم .. علمنا بعد فترة أنه مُنع من محادثتنا أو التخابر معنا نحن البشر الموغلين بالظلمات، الموعودين بنار جهنم وبإس المصير .. وعلمنا ايضا أنه سافر الى الأردن للإلتحاق بجامعة جديدة بعيدا عنّا .. وبعيدا عن الخيمة!
يتبع ...

الثلاثاء، 4 أغسطس، 2009

ثلاث اعتبارات .. وفرضية !




(3)
بعد سنة من وفاة ضاري توقفنا عن الحديث عنه، خفّت حدة نظرات اللوم والعتاب المكتومة التي تعلو وجوهنا في وجه ناصر كلما ذكر أحدنا اسمه في حكاية او ذكرى، ونضبت لوعة الذنب التي كانت تزهر بصدق على جبينه.
كلنا يعلم أنه لم ينهي حياته لمجرد النقاش الذي دار في تلك الليلة، كانت مخلفات الدمار النفسي تأخذ مجراها في دهاليز ضاري بحدة يوما بعد يوم. الشكل النهائي للأسرة التي يعيش داخلها بات يأخذ منحى آخر لم يتقبله ضاري ولا أختيه. الداخل كان أكثر ظلاما مما ما يراه الناس ويتهامسون عنه، ضاري كان يعلم ويرى أشياء أكثر بكثير مما كنّا نعرف ونرى. هو وأختيه في النهاية آثروا العذاب بصمت على أن ينسفوا الوحدة الظاهرية للعائلة "الكريمة".

انتهى موضوع ضاري وأفلت سيرته عندما دفنا له صورة في فناء خلف الخيمة، وقررنا أن لا نتحدث في موضوع عائلته الذي كان يوجعه طوال حياتنا. مع الصورة دفنا سكين السويس آرمي التي لم تفارقه يوما، وفوق قبر الصورة شاهدا على المدفن غرسنا وتدا اضافيا من أوتاد خيمته .. خيمتنا.

بعد السنة ايضا التحقنا كلنا في المرحلة الثانوية، أنا في مدرستي الخاصة ثنائية اللغة بريطانية الصرامة، عبداللطيف في مدرسته الامريكية، ناصر في مدرسته الخاصة ذات النهج الإسلامي المعتدل، ونواف انتقل الى مدرسة حكومية جديده عمّه هو مديرها. كانت بداية العالم الدراسي تعج بالكثير من التطلعات، تطورت أحاديثنا وأصبحت أكثر نضوجا وأحلامنا أكثر واقعية. بدأنا فعلا نفكر في بوادر مستقبلنا وما الذي نريده من السنوات القريبة القادمة! وكلنا صعقنا عندما علمنا من لا شيء ان نواف يحب بنتا!!

الحب .. مفهوم شهير جديد علينا، على الرغم من انحشار طبيعة حياتنا في دائرة التحرر – عدا ناصر – إلا أننا لم نطرق أبواب العواطف الغرامية داخلنا، لازالت موصدة هذه الأبواب ولم يدخل قلوبنا الى الآن حتى بدايات متواضعة لإعجاب ضمني في أي من الأصدقاء والزملاء الموجدين في حياتنا. حتى وجودي بينهم الأربعة، الفتاة الوحيدة الملتصقة بصباهم ونشأة العواطف فيهم، لم يخلق يوما ميلا غراميا ولا حسيّا إتجاهي من قبلهم، أو تفضيلا من جهتي لأي منهم على أسس غير الصداقة المتينة التي جمعتنا!

أن يبدأ نواف بقصة حب بيننا كان امرا غاية في الطرافة وفي الجدية في آن.

أم نواف "هيبي" كويتية! تعشق الطبيعة، لا تأكل اللحوم ولا الحيوانات، تبكي لمرآى الأشجار الجافة المهملة على قارعة طرقات الكويت، وتحبس نفسها لأيام إن دهست قطا في الشارع عن طريق الخطأ. كان دائما لنواف جانبا من جنون أمه ولكنه لم يكن بحدة تطرفها.
نواف هو من يقوم بزراعة الزهور في البراحة أمام الخيمة أيام الربيع، وهو من ينبهنا ان لا ندوس على طابور النمل في طريق عودتنا الى منازلنا. وهو أيضا من يعلمنا بعضا من حركات اليوغا والتأمل التي يتعلمها بدوره من أمه وصديقاتها غريبات الأطوار من كل جنسية عالمية.
نضحك كثيرا وهو يحكي لنا عن طرائفهن عندما يتحلقن حول عشبة نادرة ميكروسكوبية لا ترى بالعين المجردة، يمسكون بأيدي يعضهن ويستمدّون طاقتها، الى أن جاء أخيه الصغير يوما الى وسط الدائرة فداسها وحملها معه دون ان يدري عندما التصقت في قدمه، فلم تعلم النساء السابحات في بحر التأمل أن العشبة اختفت، وأخذوا يستمدون لساعات طاقة من لا شيء. ونضحك أكثر عندما أخبرنا أن امه قررت أنها ولمدة ثلاث أيام ستمتنع عن الأكل لإنها ستأخذ غذائها اليومي من أشعة الشمس!!
انتهى المطاف بوالدته البيضاء في المستشفى من أثر حروق جلدية من الساعات الطويلة التي قضتها في وجه شمس الكويت، وحالة مستعصية من الوهن الجسدي نتيجة المجاعة والجفاف ! كانت فعلا غريبة الأطوار، ولكنها طيبة مبتسمة سعيدة دائما، تتحدث بصوت خافت جدا وتدعو الى الحب والسلام والتآلف والإرتباط الروحي. تعصر لنا أعشابها الخضراء لنشرب رحيق الأرض فتتبارك أجسادنا بتاريخ الأرض وقوتها الأزلية!

يرن جرس هاتف نواف عند منتصف الليل بينما نحن في إندماج مستعصي مع مسرحية "وجهة نظر"، ينقطع سكون ليل الخيمة برنين الجهاز ودقات قلبه، يضطرب ويقفز من موقعه خارج الخيمة، نصمت جميعنا وننظر لبعضنا، ثواني ونخرج إليه.. نتحلق حول نواف الذي جلس على واحد من الكراسي التي وضعناها في البراحة .. يحب ويناجي، ونحن له منصتون!

كانت اللمسة الأولى لبوادر العشق التي اعترت صديقنا "إبن الطبيعة" كما يسميه عبداللطيف رقيقة ولطيفة الى أبعد الحدود. لمستنا نعومة المشاعر الصادقة فيها، رقة الهمسات الذهبية المتلألأة كالنجوم في سماء الروح. كان نوّاف إنسانا يقدر المشاعر الإنسانية ولا يستهزأ بها مهما كانت، لذلك أيقنّا في وقت مبكر جدا أن مشاعره لهذه الفتاة صادقة وأنه فعلا يسبح في بحر لم نخض فيه من قبل.
صداقتنا هي الأخرى وحميميتنا لعبت دورا في فتح الشبابيك المغلقة على اعتبارات جديدة علينا، كنّا قريبين جدا الى درجة انه لم يرفض يوما جلوسنا حوله وهو يحادثها، كلن يسمح لنا في الإستماع الى نبض قلبه، في الإستمتاع في ذلك المشهد الحقيقي من مسرحية واقعية تلامسنا وتربت بحنان على قلوبنا. لم يحادثنا يوما بشأنها، ونحن لم نكن نسأل ..
ولكنه كان أكبرنا، يسبقنا في مضمار الحياة بسنة، فلم نكن نحن لنعارضه على الطريق الجميل الذي انتقاه لقلبه.

تمر الأيام في الخمية قصيرة وسريعة، ليالينا تتكاثر في الشتاء، في هذه المرحلة أصبحت الخيمة بيتنا الثاني ومأوانا الليلي الذي يضمنا في حضنه لنعيش عالما مختلفا عن عوالمنا التي في بيوتنا.

أذكر كانت ليلة أربعاء، البرد كان قاسيا والخيمة الصغيرة أشبه ببيت اسكيمو ثلجي من الداخل. ناصر وأنا نلعب لعبة فيديو عتيدة، وعبداللطيف يجلس يحل واجباته المدرسية التي أرجأها لوقت متأخر من الليل كعادته. دخل نواف وفي يديه علبة مسطحة مليئة بالفطاير الحارة، كانت فطيرة الجبنة الذائبة والزعتر المنثور بالضبط ما أردناه في هكذا ليلة. تحلقنا حول الطعام وبدأنا كعادتنا في حوار رائق مليئ بإعتبارات شجية :
" ماذا لو تزوجت رجلا من غير جنسيتي؟"..
"ماذا لو رسب عبداللطيف هذه السنة؟" ..
"ماذا لو تطرف ناصر فجأة وأصبح إرهابيا" !!

نضحك عادة على تلك الإعتبارات الفرضية، ونحيك فيها ومنها الكثير من القصص الطريفة التي تمتد الى ما لا نهاية! سكتنا قليلا وتكلم نواف: " ماذا لو قلت لكم أنني سأتزوج"؟

توقفت أفواهنا عن المضغ فجأة، وتكدست نضراتنا الثاقبة على نواف بإنتظار المزيد. لم يكن ما قاله نواف اعتبارا فرضيا مشابه لتخاريفنا، كان تصريحه نظرية قائمة قابلة للتطبيق لحقيقة إكتمال جوانبها .. حتى وإن كانت بعيدة عن الواقع!

على الرغم من كل الضحكات النزقة التي تلت التصريح، إلا أن تلك الليلة كانت من آخر الليالي التي يقضي فيها نواف أمسية اعتيادية بالخيمة بروح كاملة.
بعد أربع شهور تزوج نواف من بدور وهو في السادسة عشر من عمره وهي في الخامسة عشرة بمباركة والدته التي ساندت حبه وفتحت له الأبواب الموصدة بأموالها وإسم أسرتها. كانت دائما تدعو للحب والتآلف والترابط الروحي .. فلم تبخل في مبادئها على ابنها على الرغم من صغر سنّه، حققت حلمة المبكر جدا بالزواج من الفتاة التي يحب ..

غاب نواف عن الخيمة الى الأبد .. لإنه بعد أقل من سنة .. أصبح أبا وهو في السابعة عشرة!
يتبع ...

الاثنين، 3 أغسطس، 2009

أربع حوارات .. وطلقة !



(2)
منذ ثلاث سنوات وطئت قدمي أرض الخيمة البرتقالية الصغيرة لأول مرة، كانت واحدة من الهدايا التي يسبغها والد ضاري عليه كلما عاد من سفرية "بيزنس" كما كان يسميها.
كان ضاري يبتسم ويرفع يديه بعلامة "بين قوسين" الساخرة دائما عندنا يتكلم عن سفريات والده "البيزنس".
لم يكن ضاري غبيا ولا أختيه ولا والدته التي رضيت بالأمر الواقع وسمحت لهدايا ثمينة تنزل عليها من سماء الطائرات الفارهة أن تشتري كرامتها وسكوتها. كما كان المرجح أن امه ايضا كانت تستمتع بحياتها كيفما شاءت، تصاحب من تصاحب، وتقضي ليالي طويلة خارج المنزل في حفلات صاخبة وصداقات مشبوهة.
كنّا كلنا نعلم .. ولكننا نؤثر السكوت.
رغم عمرنا الصغير علمنا ان والد ضاري سمسار نخاسة، وشركة العمالة المنزلية التي كانت تغطيه بالأموال والجاه والثراء الفاحش لم تكن فقط شركة مجردة لعمالة منزلية آسيوية. رغم عمرنا الصغير علمنا أن جيوب دشاديش والد ضاري تفوح برائحة نتنة!

الخيمة التي نقطنها ليلا وتسكننا لساعات متأخرة من الليل مصنوعة من الجلد الطبيعي، برتقالي شاحب. في أحد تجلياته قال ضاري أننا إذا عزلنا مالا نستطيع بيع هذه الخيمة الصغيرة بما يقارب الخمسة آلاف دينار. ضحكنا عليه في البداية ولكن مع تقادم الوعي بطبيعة هدايا والد ضاري، علمنا انها ليست خيمة عادية.

حوار جانبي من داخل الخيمة يصل الى مسامعي رغما عني بينما كنت خارجها، يخبر فيه ناصر عبداللطيف ان لا يسمح لأخته مروى بزيارة بيت ضاري، فوالده أحيانا يكون هناك. وعلى الرغم من ان اختي ضاري أكبر من مروة بمراحل، إلا أنهما يحبانها كأخت صغرى، يدللانها ويسبغون عليها بالهدايا واللعب.
كانت مروى الصغيرة تحب الذهاب لأختي ضاري، إلا أن البيت موبوء بوجود والد ضاري الذي قلل بصورة مطردة من أسفارة
" البيزنس" هذه الأيام خوفا من العيون التي بدأت تتفتح عليه! كما يعج البيت ايضا بأصدقاء أم ضاري من الرجال الذين تجالسهم حتى بوجود زوجها. فسّر ناصر أن بيئة بيت ضاري غريبة، فلا خطوط حمراء ولا حدود! كنّا صغارا وقتها .. في أولى سنين المراهقة، ولكننا كنّا نعي بالضبط ما يدور حولنا في عالم الكبار.

اضطربت وأنا أسمع خطوات ضاري يقترب من باب الخيمة، كان ضاري في الحمّام الذي بنيناه بسواعدنا من طابوق منوّع واسمنت طيني، عشرة امتار او أكثر بعيدا عن الخيمة. كنت احب ضاري على الرغم من مساوئه وسواد تاريخ أسرته. سمعة والده ومن اين يأتي بأمواله لم تشكل يوما سببا مقنعا لي لإبعاد ضاري عن دائرة الصداقة الحيمية التي جمعتني معه. في الخيمة لم نكن نعير الخلفيات الأسرية أهمية، كنا نحن الخمسة داخلها مقطوعين من الحبال التي تربطنا في أرض الواقع.

يتقدم ضاري نحوي أكثر، فأصرخ بحماس انادي اسمه ليسمع القابعان في الداخل ويكفان عن الحديث الذي من الممكن ان يجرح صديقنا، أسمع ناصر بحدة يقول : " اذا لم تخبره انت .. سأخبره انا"! أبلع ريقي وأبدأ حوارا خارجيا مع ضاري عن أي شيء!

في الخيمة نجلس نحن الخمسة بعد وجبة ما بعد منتصف الليل، توستتين من الخبز الأبيض الطري، جبن قلاص "كرافت" وبطاطا ليز المملحة منثورة داخلها ومضغوطة بين الشطيرتين الى أن أسلمت روحها. كانت العادة ان نأكل سندويشاتنا المعتادة على إعادة يومية لمسرحية "مدرسة المشاغبين"، ولكن جهاز العرض لم يعمل ذلك اليوم، فأمتعنا نوّاف بنكت غبية يقتنصها من الحفلات الكوميدية المصرية. كان نواف يروي النكتة وناصر يردد بفمه صوت الموسيقى الذي يتبع النكت. كانت النكت سمجة وغبية ولا تمت لمجتمعنا ولا لخلفياتنا البورجوازية بصلة، ولكننا كنّا نسكر ضحكا كلنا ونستلقي على ظهورنا متعلقين بأي نسمة هواء اضافية.

الساعة الواحدة عادة ما تتلاشى خيوط الصحبة ويبدأ فينا النعاس، عادة ما يستلقي نواف في زاوية الخيمة اليمنى ويغفو، وعادة ما أزور بدوري "المختلى" كما كنّا نسميه بعد نوبة ضحك عاتية. لم أستوعب وقتها أن ضاري وعبداللطيف وناصر كانوا منفردين وإلا لما تركت المكان وسمحت لنقاش مسموم أن يأخذ مكانا في الخيمة الجميلة.

أخرج من الحمّام لأجد الثلاثة خارج الخيمة وقد علت نبرة أصواتهم، ضاري وناصر متقابلين كغريمين قديمين وعبداللطيف في بقعة ضائعة في المنتصف لا يعرف الى اي الجهات يميل. أسمع صوت ناصر يستهزء بشيئ من التثاقل بقيم ضاري، برخص كرامة والدته التي لازالت مستقرة في بيت قذر مبني على أموال الحرام والدعارة، لازالت نائمة في فراش رجل تمرغ جلده بالعيب والعار والفضيحة. وصل ناصر الى مرحلة متقدمة من العداء لضروف ضاري القسرية، كان الأخير يقف بإنتصاب يستمع بهدوء. ولكنه اهتز وارتعد عندما تنبأ ناصر أن الدور في الضياع قادم لا محالة الى أخوات ضاري اللاتي يحبهن أكثر من الدنيا وما فيها. أسمع ناصر يتفوه بتصريحات موجعة:

" سيبيع والدك أخواتك لرجال أثرياء مثلما يبيع آسيوياته"

هنا انتفض ضاري، ووقف عبداللطيف ببنيته العريضة حاجزا في الوسط بين اللوم وعدم الحيلة. في عمر الثالثة عشر ماذا عسانا أن نفعل لنغير ديناميكية حياة آباؤنا، او امبراطورية بنوها ذوينا؟ كيف بيدنا ان نزحزح اطباعهم؟ أن نغير نظرتهم للحياة وللخطأ والصواب؟ كيف لضاري وعبداللطيف وناصر ونواف وحتى أنا في أن نحيد عن الطريق المرسوم مسبقا لنا، المدبوغة عليه أسماءنا وتفاصيل مستقبلنا؟

ضاري في ذهول، عبداللطيف في الوسط، ناصر تقفز على محياه بدايات ندم .. وأنا من بعيد أراقب الحوار الرابع من هذا النوع على مدى ثلاث سنوات من التآلف الروحي الذي جمعنا. لماذا تظهر أفعى الخلاف دائما على ما ليس لنا يد فيه؟ نعاير بعضنا من فترة وأخرى!
نضحك على أنفسنا، نتواري خلف قناعات غير مكتملة عندما نقول " هذا انا .. ليس هذا أبي" كم أنشدنا هذه المقولة في نهاية صولات نقاشاتنا .. نتفق عليها ثم ما نلبث ان ننساها ونعود مرّة أخرى الى نفث سموم "ما قبل وجودنا" على نفس الطاولة التي نأكل عليها خبزنا وملحنا! أصرخ من مكاني:

" كفى"

تتقابل عيني وعبداللطيف في منتصف المسافة، المح ألما في عينيه ويلمح داخلي خيبة .. كنت بمثابة أختهم، صديقتهم وأميرتهم المدللة التي كان تواجدها منذ البداية مهم جدا لكبح جماح التوستوسترون الرجولي الذي يملئ أجسادهم رغبة عارمة في القتال. جئت انا وجلبت شيئا من الرقة واللطف والعقل معي. كانوا جميعهم يعلمون أنني بدأت اضيق ذرعا بهكذا امور!

لملمت حاجياتي بسرعة، وسرت بإتجاه البيت دون ان أكلم أحدا، أسمع خطوات ناصر يغادر ايضا، ضاري يوقض نواف ليذهب هو الآخر للبيت. وعبداللطيف دون أن اراه أعلم أنه يسير خلفي .. يتأكد أنني وصلت لغرفتي بسلام ويذهب هو الآخر لبيته.

في الصباح .. نسمع خبر موت ضاري من خالتي أم عبدالطيف، قتل نفسه بطلقة رصاصة واحدة في سيارة والده .. جالسا على الكرسي الذي يقود فيه أبوه مسيرته، مات بعد أن غطّى المرآة العاكسة الامامية بقماش أسود .. ربما لإنه لا يريد أن يرى نفسه بعد اليوم!

المسدس الذي استخدمه كان هو الآخر هدية من واحده من اسفاره "البيزنس"!
يتبع ...

الأحد، 2 أغسطس، 2009

كنا خمسة .. وكانت خيمة


(1)
كل الأشياء الموجودة خلف الباب كنت احفظها عن ظهر غيب، كل الأحاديث التي كان يقولها في جوف الليل سرا أسمعها في وقتها، وكل الحركات الغبية التي كان يقوم بها لوحدة امام مرآته المعلقة اعرفها جيدا.
على الرغم من ان عمره كان 10 سنوات عندما اشترى والداه المنزل الملاصق لمنزلنا إلا أن العلاقة التي تكونت بصمت بيني وبينه كانت جديرة بالإهتمام.

عندما سكنوا المنزل الجديد، وعندما فتحت للمرة الأولى شباك غرفتي ورأيت للمرة الأولى سريره المقابل للنافذة اغتضت، كان عمري وقتها 9 سنوات وكنّا أول القاطنين في المنطقة. وحيدة بلا صديقات ولا جيران تمنيت ان يكون للجيران الجدد بنتا بعمري، ولكنهم بدلا من الفتاة جاءوا لي بولد مولع بالكرة وأبطال النينجا. عرفت ذلك من بطانبة النوم التي استلقت برخاء على فراشه مزركشة برسومات صبيانية بحتة. زفرت وأغلقت الستارة وقررت أنني لن العب معه ولن اكون صديقته.

تعارفنا في منزلهم للمرة الأولى عندما اصحبتني والدتي للترحيب بالجيران الجدد في المنطقة، أمي صفحة مخلوعة من كتاب أجنبي ليس له موقع من الإعراب في مجتمعنا العربي البحت، عاشت هي وأبي ومن ثم انا وأخي في أمريكا التسع سنين الأخيرة، هو يدرس في جامعة فيلاديفيا للتكنولوجيا العسكرية، وهي تتعلم كل ما يحلو لها. بدأت في دروس اللغة الإنجليزية، ثم الأسبانية عندما أتقنتها. سئمت اللغات فإنتقلت كالفراشة الرائقة الى فصول التجميل والأناقة لتتعلم فنون تصفيف الشعر والماكياج. ومنها الى فصول مكثفة في الطبخ والمطبخ العالمي.
أمي ربة منزل متحضرة الى أبعد الحدود. في قعر بقعة حديثة جدا من منطقة قرطبة، خبزت سلة من الكوكيز والمافن وسحبتني بلا موعد ولا سابق تخطيط معها للترحيب بالجيران الجدد الذين هو الآخرين قدموا من مكان ما، حاملين في جعبتهم خواطر واردة لصداقة جديدة.

بإبتسامة عريضة استقبلت صاحبة المنزل الجديد أمي التي كانت تحمل سلتها في يد وتسحبني في اليد الأخرى، قابلتها والدتي بإبتسامة أعرض وسلمت عليها بحرارة. للحظة اعتقدت انهما صديقتان قديمتان قد جمعتهما الأيام بعد طول فراق، ولكن مع احتدام الحوار اكتشفت انهن في طور حقيقي للتعارف المبدئي وفي خضم احتمالية كبيرة لإنشاء صداقة طويلة المدى!

قرصت خالتي الجديدة خدي ومررت أصابعها في شعري وسألتني عن إسمي، لم أرد وآثرت الجلوس بدوامة الملل التي لاكتني في فمها ولم تترك لي فرصة حتى للتذمر خفية في عين والدتي. تقطع خالتي الجديدة حديثها الصاخب مع والدتي لتلتفت علي وتخبرني أن ابنتها " مروة" عند عمتها. أسكرني الخبر وفي محض ثانية أنشأت بيني وبين نفسي ومروة صداقة هي الأخرى تعج بحفلات الشاي، وزيارات الى منزل باربي وكين الكبير الذي اشتريته من لندن، وغيرها من الخطط المستقبلية باهرة الطلة. ولكن خالتي الجديدة أبت إلا أن تخبرني الحقيقة المرة أن مروة لا يتعدّى عمرها الأربع سنوات، وأصرت رغما عني أنها ستغدو صديقتي!

في هذه اللحظة بالذات بينما على وجهي مليون خيبة أتى يقفز السلم الرخامي أعدادا زوجية! ذاته الصبي المولع بالكرة وسلاحف النينجا والسيوف البلاستيكية وألعاب الفيديو، عرفت لحظتها ان اسمه " عبداللطيف" وأنه أكبر منّي بسنة واحدة. شكل "عبداللطيف" عادي جدا ولكنه حتما من ذلك النوع من الأولاد الذي يهتم بشعره أكثر من اللازم ولا يخرج من غرفته إلا وقد أوقفه منتصبا بأطنان جل وواكس وغيرها من الأشياء المصاحبة للمفهوم المبدئي للوسامة !

مد يده ليسلم علي ولكني مرة أخرى امتنع من الشروع بأي ايماءة اجتماعية تدل على تقبلي الضمني للجيران الجدد، فقد أتوا محملين بكل ما لا أريد.

في غرفتي أحنق على الحظ الذي لا يواتي، في بيتنا الكبير أخي وأنا، وفي بيتهم الملاصق هو وأخته التي لا تمت لعمر نشأتي وتطلعاتي بصلة! أخبرت أمي عن اضطرابي وعمق حزني، واجهتها بالحقيقة المرة أنني لا أجد في هذه المنطقة الجديدة ما يسعدني، المدرسة الجديدة مليئة بفتيات غريبات الأطوار الذين لا يشبهونني بأي شكل. أخبرتها أنني أريد الرجوع لمدرستي القديمة، بين صديقاتي اللاتي احفظهن عن ظهر غيب، طيبة ودلال ونور ودانة كلهم يعرفونني، يجعلونني اضحك ملئ قلبي، ويجلبون لي هدايا في عيد ميلادي لإنهم ببساطة يعرفون متى يوم ميلادي.

لم اكن اعلم ان قرب المنزلين متطرف الى هذه الدرجة، مُلحقي منازلنا أنا وهو متلاصقان، وغرفتينا مصادفة وقعتا فوق الملحقين! كان الأمر مزعجا في البداية أن أسمع صوته وهو يتحدث في الهاتف، أو صوت الموسيقى التي تصدح من غرفته. كنت أسمع كل شيء، حتى صوت أمه الحاد وهي تناديه للغداء، وصوت والده المخيف وهو يصحيه للمدرسة في الصباح! اسراره تدريجيا باتت تقفز في حضن غرفتي، تلك الفتاة التي يكلمها بالهاتف عندما يزوره صديقه الأسمر، ضحكاتهم المكتومة خلف السماعة، وكل الأكاذيب التي يقولانها لها المسكينة التي تصدق ودائما تعاود الإتصال.

لا أعلم إن كان هو الآخر يسمع ما أقوم به في خلوة غرفتي، كنت أبكي عادة وحدة البيت الجديد، أنام لساعات طويلة، اشاهد التلفاز وأحادث صديقاتي من الزمن الجميل. لا اعلم ان كان يتابعني ويتسلى في تفاصيل حياتي مثلما احيانا أفعل .. ولكن ستارته كانت دائما مفتوحة .. وستارتي كانت دائما مغلقة!

أنام في ليلة مبكرا جدا، التحف بالغطاء وأفكر بأشياء كنت أحبها وأحلام لابد أحققها في يوم، أغمض عيني وأغفو بسرعة. أصحو على دفئ يد تهزني، ولمحة من شعر يلمع في حلكة الظلمة. كان هو، يقف على تاج سريري ويبتسم، يناديني بإسمي ويسحبني من يدي، أقف ونصف نومة معلقة في عيني وعلامة استفهام حائرة مطبوعة على جبيني. يجري لخزانتي يفتحها ويجلب لي حذاء، يضعه عند قدمي ويدفعني داخله، ارتدي حذائي فيسحبني الى النافذة. تماما مثل بيتربان قفزنا انا وهو من النافذة الى سطح الملحق الملاصق، خفت في البداية وقفز قلبي من قفصه. من سطح الملحق الى السلم الخشبي المعلق، نزولا الى الأرض .. جرى وجريت خلفه. بعيدا عن المكان الذي اعرف .. بعيدا عن المنزل.

مشيا على الأقدام أمشي انا وهو، لازال يمسك بيدي، كان يرتدي بيجامة نوم ومعطف طويل أسود. لم أسأله أين نحن ذاهبان، ولم يتبرع هو لي بالإجابة. في صمت نمشي، وكأنني في فيلم سينمائي او عالم جاء لي في حلم، بين البيوت الغير مكتملة، النصف مبنية النصف مهدمة، بين الشوارع المهجورة والسيارات الرابضة. أعلم أن الوقت لم يكن متأخرا لإن لازالت أنوار البيوت مضاءة. انسحبت في غموض المغامرة وروعة الإحساس بالإثارة. لأول مرة أشعر أنني أثق به على الرغم من أنني لا أعرفه.

في طور البناء هناك بيت، دائري بلا زوايا. خلف البيت براحة رملية متوارية عن الأنظار، محاطة بشجيرات البيوت المجاورة وسيارات اصحابهم. في وسط البراحة خيمة صغيرة برتقالية مصقولة وبجانبها نار مشتعلة. داخل الخيمة كيانات تتحرك. لأول مرة أفتح فمي :
" من هؤلاء ؟"
ولأول مرة منذ خطفني يفلت يدي ويلتفت نحوي ويخبرني :
"أصدقاء".

في الخيمة ضاري ونواف وناصر، كلهم في مثل عمري، دخلنا أنا وعبداللطيف. داخل الخيمة تلفزيون صغير جدا ولعبة أتاري بدائية. قناني مشروبات غازية في صندوق ثلج أحمر. ضوء سراي قديم ينير الخيمة، ومأكولات سريعة شيبس وكيك وخبز وجبن "قلاص" .. داخل الخمية أنا وأربعة أولاد .. ومئة ألف حلم غزلناها على مدى تسع سنوات قادمة من التجمعات السرية اليومية ..
داخل الخيمة مليون ضحكة من القلب اختزلت كل الفروقات فيما بيننا فأصبح لنا خيمة، ومرج .. وتاريخ!
يتبع ...

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت