كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الجمعة، 31 يوليو 2009

تواريخي ..

===
12\ 12 من كل عام .. عيد ميلاد خواتمنا، التي حلمنا بها، اشتريناها والبسناها لبعضنا ..
***
21\11 من هذه السنة سأكون قد كتبت في أوان الحبيبة 100 مقال .. بكل أمانة وكل التزام!
***
21\9 من كل حول ستقفز طفلتي قفزة صغيرة .. وتتبعها امومتي قفزة طويلة ..
***

25\7 من كل دورة يخطو قمري في ثلاثينياته خطوة جديدة .. وأحبه أنا ثلاثمئة مرّة أكثر ..
***
19/ 1 القادم .. سوف انجب لي طفلا جديدا .. ولحبيبي طفلا جميلا .. ولإبنتي صديقا أو صديقة عمر الى الأبد ..

***


3/10 الآتي .. اليوم الذي وضعته في لوحتي .. ليكون بين جناحاي كتاب!

***


1\1 القادم سأحتفل انا ومدونتي معكم ..بأول سنة من ميلاد سبمبوت.

ماذا عن تواريخكم؟؟

الخميس، 30 يوليو 2009

خزانتي البيضاء .. داخلها فراشات قلبي


في رحلة عصرونية الى آيكيا، أمسك يده وأنا على السلم المتحرك وأحاول أن أتأقلم مع ديناميكية الأحذية الفلات التي فرضها علي خصوصا بعد ظهور بوادر الكرة الصغيرة المستقرة على بطني. نسوح انا وهو في دهاليز الموقع، أعصر مخي لأتذكر كل الأشياء التي يوما قررت شرائها .. رتوش المنزل الصغير واللمسات الأخيرة على الزوايا التي نعيشها يوما بيوم ولحظة بلحظة.

في زاوية حمامي فراغ، وددت لو يوما اضع فيها خزانة بيضاء تحمل أغراضي التي استخدمها من فوط صغيرة، أمشاط وقبعات سباحة بالإظافة الى رولات مناديل التويلت البيضاء. في آيكيا لمحت الخزانة .. صغيرة ولطيفة وشامخة بدرفة زجاجية وسطح صغير يؤهلني وضع بوكيه ورد ملون في القمة كما دائما أشاهد في برامج الديكور الحديثة. ليكون حمّامي منتجعي الخاص والمكان الذي أشعر فيه أنني في مملكتي الصغرى، بعيدا عن تطفل صغيرتي وفوضوية زوجي الرجولية.

اشتري الخزانة وأتدلل عندما يدفعها لي في العربة المخصصة لنقل العفش الى السيارات، دائما يحمل أشيائي حتى أكياسي الصغيرة، ولكنني في فترة الحمل أميرة استثنائية، لا أحمل شيئا سوى البيبي في بطني. نكتشف أن سيارتنا بعيدة فأخبره أنني سأجلبها الى محطة التحميل، بهز رأسه ويختصر الوقت ويحمل العلبة الكبيرة بين يديه ويسير بثقل الحمل نحو السيارة ..

في الطريق .. يفلت العلبة الكبيرة دون قصد فتسقط على الأرض ونسمع صوت شيء قد تكسّر، يسحب عينيه من عيني ويخبرني أنه آسف، قد كسر لي خزانتي الجديدة .. ألمح صدق الألم في قلبه، أمشي بضع خطوات نحوه .. وهناك في وسط موقف السيارات أمسك يده اليسرى التي تضررت بدورها من جروح كشط الكارتون للطبقة الأولى من جلده، وأقبلها ..

أبتسم صدقا من كل قلبي: " لا عليك .. هل فعلا تعتقد أن الأشياء أهم عندي من زعلك؟ " يسألني إن كنت أريد خزانة أخرى، وأجيبه "لا" لنذهب للبيت ونرى مدى الأضرار أولا.

في السيارة يجلس بجانبي بصمت، يتنازعه تأنيب ضميرة وحرقة الجرح في يده. يضمر بعض الرجال ردود أفعال غريبة على الحوادث البسيطة. اعلم انه يفكر في الخيبة التي سترتسم على وجهي عندما يفتح العلبة ويجد الزجاج مهشما، يفكر في ماذا عساه أن يقول لي، وكيف يتصرف ! يقطع الصمت صوته: " سنذهب غدا لشراء خزانة جديدة إن كانت الكسور كبيرة".

أضحك من كل قلبي .. وهو يطالعني بإستغراب .. التفت عليه وأقول له بالعربية : " فداك ألف خزانة وكل الزجاج بالدنيا "، يقطب جبينه فأترجم ما قلت للإنجليزية .. فيبتسم.

نصل المنزل فيحكم قبضته على العلبة أكثر وهو يحملها نحو المصعد الكهربائي .. يتندر وهو يخاطب العلبة:
" fell and break once shame on you .. fell and break twice shame on me "
أضحك وأفتح له باب الشقة.

للأربع ساعات القادمة ينثر أخشاب الخزانة ومساميرها وعدّته على مد البصر، يقرأ كتيب التركيب المصاحب ويضع بيديه خزانتي قطعة قطعة فوق بعضها، يطرق المسامير، ويقص الألواح، ويركّب الرفوف والجوارير .. تهشمت الأطراف المتوارية ولم يحصل شيئا للزجاج. ألمح حبات العرق تبرق على جبينه فأحبه أكثر ! ابتسم له وأحضر له كأس ماء.

يسألني أن أمسك الطرف فأمسك، أن أضع المرآة وأثبتها بينما هو يطرق، أن أناوله المفك الصغير فأعطيه .. واحبه أكثر!

بعد فترة انتهت خزانتي .. معقد تركيبها ولكنها بسيطة الطلة ناعمة الوجود، حملها مرة ثالثة على كتفه وأودعها زاوية حمّامي .. وضعت فيها أشيائي وفرحت لإنها بالضبط ما كنت أريده. سألني " Do you like it? "
فأجبته نعم .. سأحبها أكثر عندما أضع على رأسها بوكيه ورد صغير .. ستكون الخزانة أروع وستبعث داخلي شعورا بالبهجة كلما دخلت الحمام لأغسل وجهي في الصباح.

في التاسعة مساءا ذهب ليشتري مشروبا من ستاربكس وعاد وأنا نائمة ..

في الصباح أدخل الحمام .. أغسل وجهي .. وألمح بوكيه ورد صغير .. غاية في النعومة والجمال ..

على رأس خزانتي الجديدة.

الثلاثاء، 28 يوليو 2009

أمريكية فؤاد الهاشم نفذت بجلدها ..!

ربما علمت الأمريكية التي أحبها فؤاد الهاشم في شبابه وأراد الزواج منها واستقدامها للكويت، أن عقلية الرجل العربي وخصوصا الكويتي لن تتغير عبر الأزمان والقرون حتى بعد أكثر من عشرين سنة من الوداع في طيارة حبهم! ربما علمت أنه سيأتي اليوم الذي سترى فيه حبيبها السابق ومن كان سيكون زوجها في المستقببل يكتب مقالا يقول فيه أن المرأة منذ نشأة الخليقة تتبع الرجل أينما ذهب! لهذا هي رفضت الزواج منه وآثرت المكوث في بلدها الذي يكفل لها ولزوجها أيا كان حرية العيش والحياة والبقاء.

الأمريكية والألمانية والسويسرية والفرنسية حتى البنغالية والسيرلنكية اللاتي تكلم عنهن الهاشم، الأميرات منهن وفتيات "من ساير الناس" كلهن يحضين في بلادهن بحرية اتخاذ القرار المدعوم بقوانين دستورية تساند هذا الإختيار. فإن تزوجت الأمريكية الشقراء من كويتي، كفلت لها بلادها حق بقاءه معها وبجانبها إن أراد، بلا كفيل ولا متعهد ولا حتى" بيبي سيتر". بعد ست شهور يحضى بالبطاقة الخضراء وبعد سنة يحصل على الجنسية الأمريكية وفق نظام اجتماعي راسخ لا يتغير ولا يتبدل مع المناصب والواسطات والأمزجة. كما يحصل على وظيفة في بلادها، ويبقى ويسافر ويعود متى شاء وكيفما اراد بصورة قانونية واضحة لا لبس فيها ولا منعطفات! الفرنسية يحصل زوجها بعد اسبوعين من الزواج على الجنسية الفرنسية، يتملك الزوج بيتا ويعمل في فرنسا معززا مكرما أو لا يعمل طالما أنه وهي قادران على قيادة حياة كريمة لها وله ولأولادهم المخيريين في أي الجنسيات يريدون.

المقال الذي كتبه فؤاد الهاشم في جريدة الوطن أمس بعنوان " طيارة حبنا والقلب في الخلاط" مثير لشيئين " للشفقة و للسخرية". مثير للشفقة لإن لازال في هذا البلد رجال ذوو أقلام مسموعة يتبنون فكر عدم المساواة المتواري خلف الأحكام الإجتماعية الطاعنة في القدم، فقد بنى الهاشم منطقية جل المطالبة بأن حواء تبعت آدم أينما حل وذهب! يا ليت حواء لم تتبع آدم ونزل لوحده للأرض لكي لا يطيح الفاس بالراس وينجب الزوجان أولادا يطالبون مواطناتهم ببلع غصة الظلم الواقع على رؤوسهن عن طريق ضب شنطهن والسفر مع أزواجهن لبلاد الله الواسعة لإن الكويت " لا تمنع زواج الكويتية من غير كويتي" ولكنها حتما تجعل من حياتها بعد الزواج جحيما من القلق والرعب وهلع فراق الزوج إن تعذر تواجد الشركة الكفيلة، أو فراق الأبناء إن بلغوا السن القانونية ولم يعملوا في شركة كفيلة! وكأن إنتماء الأم أبا عن جد ونشأتها وخدمتها لهذا البلد ليس سببا كافيا لضمان حق ضم زوجها وأبناءها في حضنها وحضن بلادها!

أما السخرية التي أثارها المقال تكمن في اصرار اصحاب هذا البلد على اخراجه من مولد البركة والثروة بلا فول ولا حمّص، فعلى حد قول الكاتب أن ازواج الكويتيات وأبنائهن سيزاحمون المواطنين الكويتيين الأصليين بطوابير طبيب الأسنان، وطوابير الأرض والقرض، وطوابير الوظائف الحكومية التي يقف فيها المواطن المسكين سنين يفنى فيها عمره .. ويبقى فقط أن يزيد الكاتب طوابير العيش واللحم والخبر والماجلة!

أمريكا وفرنسا والنمسا وسويسرا والسانغال وجيبوتي كلها بلدان افقر من الكويت، ولا تقبع فوق بحر أسود يكسوها "بلينغ بلينغ" من رأسها الى أخمص قدمها، ولكنها لم تتوان عن معاملة مواطنتها المرأة تماما مثل الرجل، ولم تتخلف يوما عن ضم أسرتها وزوجها الى مفهوم المواطنة الشاملة لكافة الحقوق والواجبات، ولم تقل لها يوما: " لبسي عباتج وأخذي صخلتج ولحقي رجلج لإن المرة تلحق الرجال وين ما يروح !!"

للمرأة الكويتية حق في هذه الأرض تماما مثل الرجل، لزوج المرأة الكويتية حق في هذه الأرض تماما مثل زوج المرأة الأمريكية الكويتي حق في أمريكا، ولأولاد الكويتيات من اي رجل في العالم حق في أرض أمهم، وحق في راحة بالها وديمومة سعادتها واستقرارها في الأرض التي تشاء سواء ارضه او ارضها. ومن يؤمن بغير لك فهو مثير لشيئين " للشفقة .. وللسخرية".

السبت، 25 يوليو 2009

Scared of Dark


أخاف من الليل، أرهب العتمة فأضمها عميقا الى صدري ..
أغمض عينياي، أصرهما ببعضهما وأحاول أن أسترخي.
أسمع أصوات في سقف الغرفة، شيئا يهمس لي كلمات غير مفهومة،
أعاود التشنج وأضغط عينياي أكثر حتى وجعتني أجفاني.

يقولون..
ان أصحاب الخيال الواسع هم اكثر الناس المعرضين لعوارض الخوف المرضية ..
فخيالهم أحيانا يلعب ضدهم، فيرسم لهم أشياءا لا يحبونها بالضرورة.

أتساءل بحضرة ارتعابي ..
إذا كنا قد قدمنا من الظلام، وعشنا أولى فترات تكويننا في رحم الظلام..
أليس من الأجدى أن يكون الظلام في تكويننا؟
في حبنا الفطري للأشياء التي جئنا منها، تماما مثل الأرض والأم؟
أضم وسادتي أكثر، ألهث تحتها، أغطي رأسي باللحاف وأقنع نفسي بتذكر الأشياء الجميلة:
" أفكار ايجابية .. Positive thoughts .. أشياء أحبها .. وأمور تجعلني سعيدة".

أرتخيت وأنا أتذكر طواحين الهواء في ريف هولندا..
ارتحت وأنا أقضم طرف بطاطا مقلية لذيذة في شارع امستردام ..
الممر الطويل المحفوف بالشجر الذي كنا نمشي فيه ذهابا وإيابا من والى محطة الترام.
مدّدت يدي من تحت الغطاء.. ربما هو هنا!
علّه يمسكها مثلما فعل في ذلك الشارع .. لكنه لم يكن بجانبي!

قفزة فوق بركة ماء صغيرة..
وصوت ورقات الخريف وهي تتهشم تحت حذائي،
تماما كبسكويتة لذيذة هشة قضمتها وذابت بفمي.

تختفي الصورة الجميلة وتعود صور مخيفة متطفلة!
سحرة "الرفاعة" في العراق الذين يغرسون الخناجر والسكاكين في بطونهم ورؤوسهم..
ثم يجلسون على الأرض مثل الأصنام بينما تقرع الطبول!
أتنهد .. الله يسامح من أراني الشريط المصور!!

ارتعدت ..
هل اذا التفتُ لليسار سأجد أحدهم في زاوية الغرفة صامتا يحدق بي؟
فتحت عيني والتفت على الزاوية ..
وحيدة هي الأخرى وخاوية ..
وقتها فقط قررت أن أضع فيها طاولة عالية وبوكيه ورد!

لفحتني رائحة محل الزهور المفضل لدي، ذلك المربع الصغير في البدع ..
لطيف، دائما معجوق بالناس والزهور ..
مليئ بالبيبي روزز الملونة، أحبها لإنها تذكرني بإبتسامة ابنتي.
كلما دلفت المحل شعرت بنسيم الورود ولمعان الأوعية الزجاجية المصفوفة بإنتظار أن تجلس الزهور بحضنها!
أول بوكيه ورد أحببته من كل قلبي،
جاء محملا بحب من نوع خاص من ذلك المحل ..
كان ذلك البوكية بداية كل شيء!

تحت الغطاء مع انفاسي المخنوقة أفكر بالأبجورة التي تجاور رأسي..
تتحداني أن أقهر خوفي وأضيئها.. فأعاند!
كيف سأغلب خوفي من الظلام إن استعنت بالضوء؟
النور في هذه الحالة هروب .. وأنا سئمت الهرب وقررت المواجهة.

ألقي الغطاء بعيدا عن وجهي، أفتح عينياي فأرى لا شيء ..
سكون أسود وفقاعات ضوء مخزونة في عيني تتراقص في الفضاء القاتم،
أفكر أن اللون لم يكن يوما عدوي،
أنا أحب اللون الأسود حتى وإن صبغ محيطي ..
كل ما يرعبني هي الصور، تلك الخيالات التي تسبح داخل رأسي ..
والمفارقة، انني أنا من يستدعيها كلما حل الظلام ..!

خرفان طائرة فوق رأسي .. واحد .. اثنين .. ثلاثة .. اربعة .. خمسة .. ستة ..
سؤال .. أين يذهب الخرفان عندما تقفز من حافة رأسي الى المجهول؟
فوق السحاب أم تحت السرير؟

أغمض عيني وأضم وسادتي ..
أنا والخرفان البيضاء ذات الصوف النافش ..
تماما كخرفان هايدي فتاة المراعي ..
واحد .. اثنينين .. ثلاثة .. اربعة .. خمس ..
.. بدون مقدمات .. أنام!

الاثنين، 20 يوليو 2009

أنا و "غدن" .. وحديقة "ماري آن"

" بيت ماري آن "
آلاف الأميال بعيدا عن البيوت التي أعرفها، اعرف بيتا آخر ..
مختلف بيت خالتي أم زوجي " ماري آن"، صغير ودافئ وتحيطه الرمال الخضراء من كل صوب. أضع أثقال السفر على الأرض، كان ليلا، العتمة تملئ المكان وتنير قلوبنا فرحتها بنا عندما وصلنا قرب منتصف الليل الى "هيوستن". كانت الرحلة مفاجأة، لم تعلم خالتي أننا في الطريق إليها، لم تعلم أننا طرنا اثني وعشرون ساعة لنجتاح عليها نومها. إتصل بها زوجي وأخبرها أنه أرسل لها طردا مع صديق .. لكي تنطلي عليها الحيلة فتفتح الباب وتكتشفنا.

" افتحي الباب أمي .. اخرجي وسوف تجدين سيارة صاحبي، سيعطيكِ طردا منّي"

في الكرسي المجاور أكاد اسمع رعب صوتها، لا تريد أن تخرج في هذه الساعة المتأخرة من الليل! أمريكا ليست مثل الكويت. هناك جرائم وقتل واغتصاب وخطف وسرقة. هناك جثث ملقاه في وسط العشب يكتشفها المارة احيانا وتغدو واحدة من حكاويهم اليومية! تظهر في الأخبار، يقبضون على الجاني وتنتهي القصة الى أن يجدوا جثة أخرى في أحد النواصي البعيدة عن أعين المارة أو القريبة جدا منهم!

أسمعها تقول له أنها خائفة، وأسمعه يقول لها أنها ستكون بخير. أكتم ضحكة وأكمم فم ابنتي لكي لا تخرج صوتا فتضيع المفاجأة. في بجامتها خالتي تقف بعيدا عن الباب الداخلي للكراج، تضغط على زر يفتح الباب الحديدي أوتوماتيكيا وتقول لإبنها على الهاتف أنها ترى سيارة غريبة وأنها خائفة .. تلمح الناس في السيارة فتعاود اغلاق الباب الحديدي وتقول لإبنها أن يقول لصاحبه أن يأتي لتسليمها الطرد غدا في الصباح!

يفرط عقد ضحك زوجي ويخبرها انها ستكون بخير :
" افتحي الباب أمي .. اقسم أنك ستكونين بخير" تفتح الباب من جديد فيترجل زوجي وأتبعه أنا بحضني ابنتي وحفيدتها التي تتمنى رؤيتها بإستمرار. تصرخ من عند الباب فيشق صوتها المحشور عباب الظلام:

" Oh my god!! What are you doing here ??"

لا نتمالك أنفسنا فنضحك رغم أطنان التعب وقلة النوم والوهن الذي اصابتنا به مقاعد الطائرة المتخشبة، صلبنا أنا وهو ونحن على تلك المقاعد، ذهبنا لمقاصلنا بأرجلنا وبيدينا طفلة انبطحت على كرسيها بكل راحة وأخذت جزءا من كرسيي وكرسيه. كنت اجلس على جابني الأيسر وهو يجلس على جانبه الأيمن، إلى ان فقدنا لإحساس بجانبينا.

ضمت ابنها وجرت نحوي .. ضمتني الى صدرها وأخذت الطفلة الى قلبها، شمتها ولمستها وأبقتها هناك في صدرها الى ما لا نهاية، ضحكت في منتصف ليل "هيوستن" من كل قلبها، واتصلت بأختها المتواطئة معنا لتخبرها عن المفاجأة .. كانت تلك اللحظة بداية مشوار علمني الكثير عن نفسي ..

اصحو على دقات ساعة بيولوجية غير منتظمة، ابنتي لم تبت معي، أخذتها جدتها الى فراشها وأنامتها بجانبها .. كم كنت سعيدة لهذه الإيماءة .. فبالكاد نمت ساعتين طوال الرحلة! في الصباح تتركنا خالتي وتذهب للعمل.

هل تعلمون أن الأمريكان يحضون بإسبوعين عطلة سنوية في السنة؟ اسبوعين فقط لا ثالث ولا رابع لهما؟!

أواجه الحقيقة الجديدة بقلب من حديد، انا حامل في أشهري الأولى، في مدينة بعيدا جدا عن وطن أسرف في تدليلي، خادمتي ليست معي ولا مربية إبنتي .. بإختصار قد اصبحت من تلك اللحظة الأم والزوجة والخادمة والمربية وكل شيء! شهيق وزفير .. لم أعتد على المالتي تاسكنغ!! شربة هواء باردة أدخلها قسرا الى صدري، أسر له بمخاوفي فيخبرني أنني لست وحدي:

" أمي ستكون هنا لتساعدنا .. وانا هنا لأساعدكِ .. لا تقلقي "

أعلم انه أهلا للثقة، فتجاربي السابقة معه كانت كلها ناجحة .. عندما يخبرني أنه سيساعدني، دائما يفي بوعده!

مغامرة جديدة العبها مع نفسي، تحدي عميق بيني وين أمومتي .. ابنتي بدأت تتعلق بي أكثر، تطلب مني كل شيء وتغدو بين ليلة وضحاها رفيقتي في كل شيء! المشكلة لا تكمن بقصوري الفطري عن تلبية احتايجات صغيرتي، ولكنها كلها تنصب في معضلة أنني لن أعتد يوما على أن أكون لها كل شيء .. أو أن اكون بجانبها كل دقيقة من كل يوم! كيف لي أن اعتاد في ليلة؟
أفكر أحيانا في سهولة الرحلة ويسرها إن كنا تركناها عند أمي .. ويضع ضميري الأصفاد في يدي عندما تزورني مثل تلك الخواطر. لماذا لا افتح لها نفسي؟ لماذا لا اتخيلها صديقتي ورفيقة دربي؟ لماذا لا اعتبرها توأمي؟ أنا أمها وهي ابنتي وعلاقتي بها يجب أن لا تكون مقتصرة على اللعب والمرح والتسوق وشراء العاب جديدة لها بين فترة وأخرى ..
فككت زرار قميصي وشمرت عن ساعدني لإنني – وفي امريكا – قررت أن اختبر كيف هي الأمومة الحقيقية؟!

***
في حديقة " ماري آن" شجرة صغيرة تصل الى نصف قامتي، ترعاها خالتي كل يوم وتسقيها ماءا وسماد .. تريد من تلك الشجرة ان تكبر وأن تغدوا مع الأيام جميلة وشابة كإبنتي. قالت لي يوما أن الشجيرة تذكرها بـ "غدن" فهما تقريبا بنفس العمر!

في تلك الشجرة، بين الأغصان اكتشفنا أنا وزوجي عش صغير، في العش أودعت أم عصفورة اربعة من أطيارها الصغار .. بلا جنحان ولا ريش!
كل يوم في الصباح عندما آخذ "غدن" خارجا الى حديقة البيت المسورة أجد الماما بيرد في شقاء. تطير بعيدا وتعود بعد دقائق وفي فمها دودة. تقف الماما بيرد – كما يسميها زوجي – على حافة سور الحديقة ولا تقترب إلا عندما ندخل للبيت، تخاف منا العصفورة الأم، تعتقد أننا لن ندعها تكمل إفطار عصافيرها. كلما رأيت تلك العصفورة الأم ضممت الى صدري ابنتي وحمدت ربي.

أنا لست الأم الوحيدة في هذا الكون، أنا لست المرأة الوحيدة التي تشقى لتعطي أطيارها غذاءا طازجا في الصباح، لست وحدي من يقتطع جزء من قلبي ليحبهم، ويقتص ثكنة من وقتي لأحميهم. كلما رأيت تلك الماما بيرد في الصباح تذكرت أن أقلي بيضة لأطعم أبنتي. كانت العصفورة صديقتي، الأم التي تريني كيف أحب الوقت الذي اقضيه في عين ابنتي، أحادثها وأكلمها وأتفاهم معها في كل الأشياء التي تهمها وتهمني.

من فمي اعطيها قبلة كل دقيقة تبتسم فيها بوجهي .. تماما كما تعطي العصفورة صغارها دودة من فمها ..



***
لم تأخذ أعيننا وقتا طويلا لتتعود على منظر العشب الأخضر في الصباح، رائحة الندى المتدلي من ورقات الشجر، وذلك الشعور الغامر بالدفئ عندما تحتبس حبات المطر وبخار الأرض بين سيقان العشب وتتبخر صباحا عطرا ارضيا استثنائيا. أحببت أنا وغدن أن نمسك يد بعضنا ونخرج للحديقة ما ان نفتح عينينا كل صباح، نتمرغ باللون الأخضر ونستنشق رائحة جديدة للصباح.

لكن مع جمال الخضرة، ورونق اللون الدافئ تأتي آلاف الحشرات الكبيرة والصغيرة التي لا نراها فتسكن فينا دون ان نعلم. الصراصير النباتية، ضفادع خضراء، خنافس حمراء .. أشياء تطير في السماء وأشياء تزحف على الأرض، مخلوقات نلمحها ومخلوقات لا ترى بالعين المجردة! أنا وهي في توخي دائم من المتطفللين. يضحك زوجي ويخبرني أنهم مع الوقت اعتادوا وجود الحشرات في بيوتهم. حشراتهم طازجة ونظيفة تأتي من تراب الأرض وتتغذى على العشب، لا تأتي من بواليع الشوارع مثلنا!

كل حشرة بالنسبة لإبنتي "نملة"، وكل مخلوق يطير في السماء " بيردي" من هنا، قررت أن أكون مثلها، كل الحشرات وديعة وبريئة ومحترمة مثل النمل، وما يطير منها أحولها في خيالي الى عصافير جميلة فلا أخاف منها ولا أصرخ بعيدا عنها لكي لا يضحك عليّ سكّان أمريكا.

في أحد زوايا البيت اكتشفنا عنكبوت كبيرة تتدلى من شبكتها، أخبرت زوجي عنها، وأريتها ابنتي لأعلمها عن اسمها، بعد إلحاح أخذ زوجي رشاش المبيدات الحشرية لكي يقتلها ..

حاول اقناعي أنها لن تؤذينا طالما أننا بعيدين عنها .. ولكني أصريت : " يا آنا .. يا إهي في البيت"

رش زوجي سم الموت على العنكبوت السوداء، اهتزت في مكانها ولفظت انفاسها الأخيرة .. ولكنها قبل أن تموت ألقت على الأرض بأطفالها الذين كانت تحملهم على ظهرها .. عناكب صغيرة جدا تناثرت على الأرض وماتت بلحظتها. أخبرني زوجي أنها ألقتهم املا منها ان ينجو من المبيد، ألقتهم لكي تحميهم من الموت الذي فاجأها .. ولكنهم ماتوا فورا تماما مثل أمهم.

جلست لوحدي بعدها بدقيقة، اضم ابنتي الى صدري وأقنع نفسي ان ما فعلت عين الصواب! أنا أم مثلها .. همّي وغايتي أن أحمي طفلتي وأبعدها عن أي خطر .. كيف لي أن أقتل أم وأطفالها؟ لو علمت انها تحمل أطفالها على كتفها مثلما "غدونة" لما أصريت على قتلها!

لجثتها المدلاة فوق منثور أطفالها بعثت سلاما خالصا من قلبي، طلبت من روحها أن تسامحني، وأصريت أن لا يلقيها زوجي في القمامة بل سندفنها هي وأطفالها في حديقة خالتي .. تكريما لأمومتها الصادقة.





***



في أمريكا بعيدا عن كل ما تعودت عليه أتعلم من نفسي، من زوجي، من خالتي ومن ابنتي وكل من حولي دروسا صغيرة جدا في الحياة .. تسير خلف بعضها كطوابير النمل الخلاق، وكدبابير الأزهار المورقة. أنا وغدن والطبيعة التي لم نعتد عليها، انا وصفعات الأمومة الحقيقية، أبحث عن نفسي وعن الأشياء المفقودة داخلي .. التي ضاعت مني مع إنشغالي بالأشياء الاخرى التي اتخيلها لا تنتظر!

تعلمت ان طفولة ابنتي لا تنتظر، لمرة واحدة في حياتها وفي حياتي سيكون عمرها سنة ونصف، لمرة واحدة في حياتها وفي حياتي ستنطق كلمة "مامي" للمرة الأولى .. ولمرة واحدة في حياتها وفي حياتي سنجد انا معها لأول مرة ضفدعا على طرف الأصيص! لأول مرة سأشاهد ردة فعلها الأولى وهي تشم زهرة، ولمرة واحدة فقط سأرى في عينيها البريق الأول عندما تتعلم معلومة جديدة عن الشجر.

في أمريكا تعلمت كم هو جميل وممتع أن تحكي لي "غدن" دون أن تعلم قصة مخصصة .. فقط للكبار!

السبت، 18 يوليو 2009

كرسي حورية التوت !




"هناك شيء غريب في هذه الفتاة .. كلمّا لمحتها لا اتوقف عن التفكير بالجنس!!"
التفت صاحبه الى وجهة عينيه البعيدتين، وأعاد نظره اليه:
"هذي ؟؟ .. حرام عليك!!"
"شيء خارج عن ارادتي!"

في السيارة عائدا الى المنزل يتذكرها، يستجمعها قطعة قطعة، ووصلة وصلة حتى تلك الأوصال التي لا تهم.
فتاة بأوائل العشرينات. جسد نحيل مشدود وصدر نافر وبارز. شعر اسود ناعم، وشفاه بلون التوت كل يوم وباستمرار بلون التوت. ملامحها نظيفة وأحذيتها دوما جديدة.
ابتسم لنفسه في مرآة السيارة .. يجب ان تكون أحذيتها جديدة لإنها غير قابلة للإستعمال ..

كانت الزميلة التي تعمل بنفس الشركة مقعدة وتتحرك على كرسي مدولب. تضع على حضنها شالا مختلفا كل يوم لتخفي آثار العجز، فأضحى الشال من ضروريات زينتها، واحدا من اكسسواراتها اللطيفة، تماما مثل الأقراط والقلائد والأساور.
تنهد .. اخرج هواءا ساخنا من جوفه، وأخرج شبقه وحيدا في حمّام غرفته قبل ان يجلس على طاولة الغداء مع العائلة.
كان فعلا يتخيلها هي .. لا أحد غيرها ..

على طاولة نائية في مقهى الشلّة المفضل، على صوت بربرة الشيشة ولمحات متقطعة من نشرة أخبار مهملة في الخلفية. يطرح اعترافه الصباحي على طاولة الربع. كثيرا ما تمت نقاشات مجنونة وحميمة على هذه الطاولة:

" هناك شيء مغري في فتاة "طوعا" لا تستطيع فتح رجليها"
اسقط فكرة غريبة في رؤوس الرجال الذين لم يصادفوا يوما فتاة بهذه "الميزة"، قلبّوا الخاطرة الفريدة في رؤوسهم ووجدوا ان صديقهم وصل الى عبقرية فردية في متطلبات خاصة بشطحات خيالاته الجنسية ..
لمَ لا .. وقد اشتملت تجاربهم أثناء الدراسة في أمريكا على شمّة من كل زهرة وزيارة لكل بستان. وأضاف احدهم:
" إلا بستان العجز اللاارادي" !!

في كافتيريا العمل يجلس على الطاولة المعتادة لوحده، يرتشف قهوة مرّة نسى ان يلقي فيها مكعبات سكر .. كان ببساطة ينتظر ان يسكر بها. يفُتح الباب وتدخل جالسة كالمعتاد، كانت أجمل اليوم، والشال الذي تضعه على حضنها كان بلون الشبق. احمر قاني منقوش، تفنن في دلاله على تنورتها المخمل السوداء. اقراط زمرد زاهية وشفاه التوت .. هي ذاتها لا تتغير.

بيديها الرقيقتين تحرك عجلات كرسيها، حدّق بأصابعها فوجدها جرداء بلا اظافر طويلة ولا لون يناسب شالها. فكّر: "ربما لا تستطيع اطالة اظافرها لكي لا يعيقان حركة يديها على الدواليب الكبيرة"، ولكنه قرر أنه سيطلي لها يوما اظافرها.
توجهت لمجموعة البنات على طاولة بعيدة واعطته ظهر كرسيها .. جلدي وبارد .. ولا لون فيه.

انضم اليه صديقه .. وفي جيبه ورقة كتب عليها بخط مهزوز .. كافة المعلومات عنها.
في نقاش متواصل حول الورقة الصغيرة لمحها من بعيد تزيح الشال من على رجليها، تمسك برجلها اليمنى وتحملها لتضعها على الأخرى. بدت على كرسيها برجلين فوق بعضيهما أشهى .. تخيل نفسه وهو يعيد صياغة اوضاعها.
صمت عن الحديث بعينان معلقتان الى ان وضعت الشال مرة أخرى فوق وضعها الجديد. ضحك صاحبه بإستغراب عليه ..
وهو لم يفتح فمه.

نقاش مستمر دام حتى آخر الليل إن كانت سهلة وطيعة مثل ذلك النوع من الفتيات!
قالوا له: ربما تكون اسهلهم إن دخل رجل بمنتهى الصحة والكمال في برواز تطلعاتها لصورة كاملة لنفسها. واظافوا:
"لن تجعلك تطير من يديها".
اتفق مع زميله ان يخلق في الصباح عطلا في جهاز الكمبيوتر الخاص بها، لتتصل هي بإدارة تقنية المعلومات فيرسلونه اليها. يصلح العطل ويتجاذب اطراف حوار عائم معها، يلقي الشباك فتعلق حورية البحر فيها بلا حراك .. تماما كما يريد.

في اليوم التالي اتصلت بنفسها وابلغت عن العطل، وتلقى هو الإتصال بنفسه .. ارخى ربطة عنقه، وشد حزامه وهذّب شعره .. وانطلق.
على مكتبها كمبيوتر ابيض وشاشة بخلفية صفراء مليئة برؤوس زهرات عبّاد الشمس تتطلع للسماء. اربع براويز ضمّت صور مبتسمة لوالديها واخوتها، علبة كلينيكس ومجموعة أقلام. ملفات برتقالية ومذكرة شخصية ورزنامة ومرآة وساعة مكتب. اوراق ملونة لصقت بكل مكان عليها رسائل بخط يديها .. الرسائل منها اليها. والرسائل كلها مختومة بوجه مبتسم. على سطح المكتب ورقة بالأشياء التي عليها اتمامها هذا اليوم من بينها "زيارة بيت عمتي والهرب بأسرع وقت ممكن" .. ابتسم.

قاطعت تطفله عندما بدأت تشرح له ان جهازها توقف فجأة وهي لا تستطيع تحريك الصفحات ولا اغلاقها ..
كانت مقتضبة وغاضبة حتى في الحوار الذي حاول ان يجعله ناعما رقراقا معها. جاوبت على قدر الأسئلة وابتعدت عنه منشغلة ..

سحب كرسيا قريبا وجلس ..
صفحة التشات لازالت مثلما هي، حوار طويل مليئ بأيقونات وورود حمراء، كان الحوار من جهة واحدة بلا ردود منها ..
كان للحورية معجبا آخر!

الأربعاء، 15 يوليو 2009

كلما أشتاقك . .أجد نفسي أكتب عنك شيئا ..!


.. شؤون صغيرة ..
دائما اتركه متعمدة حتى النهاية، كقطعتي المفضلة الأخيرة من شوكولاته نادرة بالبندق جاء بها أبي من احدى أسفاره البعيدة . إن أكلتها لا مجال للرجوع! أضعه على لساني وأقفل فمي ولا أتكلم لأيام .. أذيبها وأبلعها قطرة قطرة .. لا يهم كم تأخذ من الوقت في داخلي.. كل ما يهم أن أبقيها في جسدي لأطول وقت ممكن!


عندما نمشي أحيانا امسك يده لكي لا اسقط، وفي السيارة امسك يده عندما أشعر أنني بحاجة الى معرفة أشياء جديدة عنه .. أحيانا أعيد اكتشاف ملامح وجهه بينما يقود السيارة بجانبي! بثرة جديدة يحاول اخفائها، رمش أطول من الباقين، شعرة ذقن نستها او تناستها شفرات ماكينة حلاقته الجديدة .. سعيد جدا بها لإنها تعقم نفسها بنفسها!


عندما نتحدث أقبض على نفسي متلبسة بجرم التحديق بأسنانه، تلك البيضاء المصفوفة منذ الطفولة بلا تقويم ولا عمليات، تاريخي مع الأسنان المتعاركة مع نفسها لا يؤهلني لإستيعاب أن أسنانه لم تلمسها "جلابتين" دكتور من قبل. سألته مرّة فقال لي أنه وأخواته كانوا يشربون الحليب الطازج يوميا ثلاث مرات مع كل وجبة حتى بعد المراهقة!


عندما نتحاور اكتشف أنني مولعة بحركات يده، عندما يلتقيان سبابته وابهامه ببعضهما ليشرح لي فكرة صغيرة كُبر النلمة، أو عندما يلقي كفه للوراء وهو يحاول التخلي عن فكرة ما، واكتشفت ايضا أن نبرة صوته تتناغم دائما مع حركة اليد، عالية وحادة عندما تحتدم حركة يديه، لطيفة وناعمة عندما يصف لي كيف كانت أمه تطعم عصافيرها كل صباح!


لم أتصور يوما أنني سأعيش مع رجل ببياض الثلج! اعتدت على البشرة السمراء منذ صغري ونتوءات الجسد المكسوة بكلوحة عربية صحراوية لذيذة. دائما تخيلت فارسي مقاربا لمفهوم طفولتي للأبطال .. حتى الكابتن ماجد لم يكن ابيضا! لم أتخيل يوما أنني سأكون الشوكلاته في كوب الحليب، ولا الشاي في مزيج الكرك. يضع احيانا كفه بكفي والمحه يتأمل هو الآخر بإعجاب تباين الألوان فيما بيننا!


لا اعلم لماذا أشتهي الكرسي المخملي عندما يجلس عليه؟ زاوية الأريكة التي ينبطح عليها؟ لا أعلم لماذا أحب أن اغرس نفسي في حيزه .. وأن أجعل أطرافه تنحشر في الأماكن الضيقة لكي يتسنى لي الجلوس بجانبه، مغروسة بخاصرته ومحاطة بذراعيه، متدثرة بروحه؟ لا أعلم لماذا لا استسيغ الأماكن المعتادة إلا عندما يكون عليها!


أحذيته .. عطوره .. ومجموعة العملات التي يحتفظ بها لرحلات السفر القادمة، سلة الخردة التي يملؤها بالنقود المعدنية المتبقية في جيبه .. أشياؤه الصغيرة وجارور الوايرات الذي لا أجد له داع في الحياة .. كلها تذكرني دوما كم نحن مختلفان .. وكم جميل هذا الإختلاف !


عندما تزوجنا كان ملتصقا بي كظلي .. كان طفلي قبل قدوم طفلي .. يبتئس عندما أقرر الذهاب في طلعة بنات مع صديقاتي او بنات خالاتي .. ويبتهج عندما أعود فيضمني ويبقى في حضني الى الأبد .. لم يعد الأمر كذلك فقد كبر الطفل، وجاءت من تأخذ ضوئه وتكسر حدة الطفولة داخله .. ولكنه لازال الى الآن – أحيانا – ينتظرني عند الباب لأخرج من الحمام !


قبل الزواج كان مغرما بالساعات، لديه صندوق خشبي مكسو بالمخمل .. داخل الصندوق بيوت صغيرة مقسمة لساعاته .. يضع ساعاته حسب لون السوار احيانا، واحيانا حسب تفضيله لها من منظور شخصي يتغير مع الوقت والأيام. لم املك ساعة في حياتي، ولم اضع على رسغي سوار يخبرني تفاصيل الوقت .. ربما لإنني واجهت مشاكل في قراءة الوقت منذ طفولتي فكرهت الأداة .. اكتشفت مؤخرا أنه من سنة ونصف لم يفتح صندوق ساعاته .. ولم يرتدي إحداها!


قبل الزواج أهداني أقراطا باهضة الثمن من " تيفاني" .. ثلاث ماسات ساكنة في حضن بعضها، في وقتها عندما عرفت ثمنها غصبت منه .. سألته لماذا؟؟ وأجابني فقط لأقول لك " أنني هنا .. لن أذهب بدونك لأي مكان"! بعد الزواج اهداني شمسية من دار المصمم الذي أحبه .. كان ثمنها مبالغا فيه .. سألته لماذا؟ قال لكي أقول لك " أنني باق حتى وإن واجهتنا العواصف"!


لم أر في حياتي قدمين ناسقتين وأصابع منمقة مثل قدميه واصابع رجليه.. اضع قدمي الصغيرة بجانب يسراه وأتأمل التكوين .. الفوارق في الإنسيابية، والشكل النهائي في الصورة الجمالية! استطيع أن أكتب شعرا في قدميه، جميلتين ومناسبتين لبقية الإطار .. يزيح اللابتوب عن وجهه وينظر لي ثم الى اندماجي بالمقارنة .. يضحك .. وأنا .. اخجل!


لا أدري لماذا بدأت في كتابة كل هذه السطور .. ولكني قبلها قرأت:


شؤون صغيرة
تمر بها انت دون التفات
تساوي لدي حاتي
جميع حياتي
حوادث قد لا تثير اهتمامك
أعمر منها قصور
وأحيا عليها شهور
وأغزل منها حياكا كثيرة
وألف سماء وألف جزيرة
شؤون .. شؤونك تلك الصغيرة!


نزار قباني – شؤون صغيرة


الاثنين، 13 يوليو 2009

عربانة أبو محسن ..


كنت اعلم انه مختلف، على الأقل بالنسبة لي!
ربما كانت الإبتسامة العجوز التي لا تفارق شفتيه، ربما كانت لمعة اسنانه الذهبية الأمامية عندما تنعكس الشمس عليها، او ربما لإن فيه شبه عام كبير من والدي! عندما رأيته لأول مرة على ناصية الطريق المؤدي لبيتي من العمل لوّح لي وابتسم، في اليوم التالي توقفت لأشتري قنينة ماء وآيس كريم الفراولة المحشوة بالفانيلا من عربانة أبو محسن.

عندما توقفت بسيارتي أمامه هب من على كرسيه، وترجل من تحت مظلته المهترأة ..
ذاتها الإبتسامة الذهبية كما أصبحت اسميها فيما بعد. عادة لا أحب ان افتح حوارات مع أصحاب عربانات الآيس كريم لإنهم يقترحون علي المزيد من الشراء بإلحاح ثقيل.
"جربي آيس كريم البيبسي كولا الجديد"، " ما تبين برد قلاصات فراولة؟" ،"شوفي هذا البرد الجديد على ماريو"، " ضقتي "ذهب" الجديد، غيروا البسكويت"!
لا أمانع الإقتراحات ولكني لا أحب كثرتها. رغبتي عادة ما تكون بمنتهى الوضوح، حتى بلا ورقة المنيو التي يسلمني إياها ابو محسن عندما اقف مقابل عربته، ينتظرني الى ان أحدد ما اريد، يضعهم في كيس صغير ويسلمها لي بلا نقاش ولا مزايدات.
في اليوم التالي لوّح لي من جديد ولم اتوقف، أحسست بتأنيب ضمير!
تلك الملامح المطحونة بمسحوق الشمس، الجلد الذي امتصت حرارة الشمس منه كل سوائله، اليد الخشنة الجافة العجفة التي تعطي وتتوقع دائما القليل. وتلك اللحية التي خضبتها الشعرات البيضاء واحدة عن كل يوم رجع به أبو محسن الى بيته وفي يديه طعاما شحيحا لأطفاله الخمسة! يخبرني يوم أن ابنته "صفية" التي لم تكمل السابع عشرة ستتزوج، يقولها بفرح وتتهلل الأضراس الذهبية في فمه وتبرق أكثر. اسأله "أليست صغيرة على الزواج؟" يصفق بكلتا يديه يقول لي " الزواج ستر للبنت .. الأسرع الأحسن!"

في طريق العودة وفي فمي برد صاروخ ذو الثلاث ألوان أفكر "بصفية" .. هل تعلمت؟ هل تسوقت يوما عندما كانت صغيرة في "كليرز"؟ هل اشترت اقراطا وردية وحذاء "كروكس"؟ وعندما شبت وكبرت واينعت، هل مشت يوما مع صديقاتها في مجمع تجاري مكيف واشترت أول حقيبة يد وأول حذاء كعب عالي؟ كم كانت لحظة اول كعب عالي مدهشة بالنسبة لي .. نقلتني داخليا بمحض ثانية من بنت الى عتبة قصر النساء .. ترى كيف انتقلت "صفية " الى مشارف النساء؟

يوم الأربعاء كنت في السوق، اشتريت لنفسي حذاء ليلكيا جديدا وفستان صيفي خفيف، وتذكرت أبو محسن و"صفية" العروس! في داخلي حزن حيالها، ولكني أبيت إلا أن اشاركها ما أتمنى أن يكون فرحها وليس مشروع مقبرتها. إحترت في الهدية، وتضايقت اكثر عندما فكرت في احتمالية أن تكون هديتي شيئا لا تعرفه ولم تره في حياتها من قبل! فكرة أن تحرجها هديتي أو تهينها بطريقة أو بأخرى أرعبتني، هذا بالإظافة الى أنني لا أعرف شيئا عن أبعاد شخصيتها، ذوقها ولا مقاسها! فقررت أن أشتري لها عطر، علبة ماكياج، وشيئا جميلا براقا من شواروفسكي .. ربما أقراط من الكريستال تليق بعروس .. أو ربما قلادة جميلة.

أنهيت المهمة .. في يدي أشيائي وحاجياتها، ثلاث علب مغلفة وجميلة .. على رأسها شرائط ملونة وورود بلاستيكية .. عدوت قفزا لسيارتي وأنا أتلهف لرؤية وجه أبو محسن وأنا أقدم له من قلبي قطعة تتمنى لقطعة من قلبه السعادة ..

أوقفت سيارتي عند عربته، وجاءني مصفقا بإبتسامته المعهودة وروحه الإستثنائية .. سألته أمازحه "عندكم برّد باذنجان وبطاط ؟" ضحك ملئ قلبه ورد بتذاكي " خالص والله .. آيس كريم فلافل يمشي؟" ضحكنا، وسألته عن "صفية". قال انها تستعد وتتجهز، هي وأمها على ماكينات الخياطة ليل ونهار: "إيشي ابيض وإيشي ازرق .. وإيشي دانتيل وإيشي ترتر". على الرغم من أنه قالها بكل سعادة إلا أنني شعرت بغصة في قلبي .. نظرت في عينيه ودعيت له بصوت عالي: يا رب يديم عليكم الرضا والسعادة يا أبو محسن". صفق بكلتا يديه، نظر للسماء ووضع كفه على صدره، استنشق هواءا كثيرا وقال:
" اللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللللله "!
***

شكرني أبو محسن من كل قلبه على الدعوة التي قال أنه لم يسمع بجمالها، وشكرني من كل روحه على الهدايا التي لم يرى مثلها في حياته من قبل!
قال لي: " تعودنا على هدايانا تكون دائما شيئا يؤكل .. الناس تعتقد أن الفقير المعتر لا يريد شيئا من هذه الدنيا غير الطعام"!
أوجعتني الكلمة، لا أدري لماذا أشعر أن أبو محسن أكثر بكثير من بائع آيس كريم يحترق يوميا على ناصية الطريق ليبيع للناس شيئا باردا يثلج صدورهم!

أصر أبو محسن ان احتفظ بالهدايا الى أن أزور بيته وأعطيها بنفسي "لصفية"، وأصر أيضا أن يكون اللقاء غدا في الساعة السابعة مساءا لكي يتسى لأم محسن أن تطبخ لي شيئا من أطباقها اللذيذة .. حاولت التملص من العزيمة قدر استطاعتي، حاولت أن أضع على عربته عشر أسباب تمنعني من تلبية الدعوة، حاولت أن اضع في عينيه تعاطفا مع ظروفي الوهمية التي تمنعني من الخروج بعد الساعة السادسة. حاولت أكثر من مرة، وبأكثر من وسيلة .. لأول مرّة يظهر أمامي إصرار بائعي الآيس كريم الغريب الذي لم أره يوما في أبو محسن. على مضض وافقت على الموعد غدا وفي رأسي مليون تحفظ!

في اليوم التالي اخطو خارج عتبات منزلي بتردد، نام زوجي بعد ان وافق أنه سيأتي معي، اتصلت بأخي وأخبرته بالحكاية فأبى إلا أن يوصلني بنفسه الى باب بيت أبو محسن وينتظرني خارجا الى أن أعود. مضطربة وخائفة أترجل من السيارة الى عمارة مهترأة في احدى المناطق الفقيرة. أطرق الباب ولا أفكر في قرع الجرس، ربما اعتقدت في داخلي أن أجراس الفقراء دوما لا تعمل!

ظهر أبو محسن، فتحت الباب ابتسامته ومصافحة حارة! دخلت وأقفل الباب خلفي، لم أكن خائفة ولكنني مضطربة ..
عند الباب الداخلي وقفت سيدة مكتنزلة تضع منديلا ملونا على رأسها وتبتسم. ضمتني ورحبت بي وقبلتني ومسحت على رأسي وربتت على كتفي وسحبتني للداخل.
تلك الروح الخفيفة التي تسكن في أبو محسن تسكن ايضا في زوجته، رضا في العيون ولسان يلهج بالأمل.

أجلس على أريكة قديمة جدا ولكنها بمنتهى النظافة والألق .. أشرب عصيرا في كأس جميل، وآخذ قطعة شوكولاته متواضعة جدا ولكنها بمنتهى اللذة. يدخل اولاد ابو محسن ويقدمهم لي: " محسن، نصير، رقية .. و هاذي العروس صفية" ..
دخلت "صفية" ففتحت عيني، زممت شفتاي وقطبت حاجباي وفغرت فاهي .. ارتسمت دون أن أعلم على وجهي ألف علامة استفهام .. ومليون علامة تعجب!

صفية طويلة جدا، شعرها طويل جدا وترتدي صفية تنورة قصيرة وبلوزة وقميص حريري من دار أزياء .. شانيل !! أكاد أقسم أنها البدلة الرسمية الكلاسيكية من "كوكو شانيل"!

ضمتني "صفية" الى صدرها، وجلست بجانبي وأنا أقاوم رغبة جامحة في لمس ملابسها، في النظر خلسة الى البطاقة التجارية فيما وراء رقبتها، حذائها غاية في الأناقة، وفي عينيها فخامة داخلية من نوع خاص..
ربما ثقة استثنائية في نفسها، أو دراية عميقة من نوع ما .. في شيء ما.

توالت الأحاديث بيني وبين أمها، ابارك لها تارة وأختلس نظرة مقتطعة الى صفية التي جلست بجانبي. تحدثني والدتها عن "هم البنات"، عن حزن فراقهن، وعن البيت الذي سيخلو بدون "صفية"! أهدي "صفية " الهدايا الثلاثة فتأخذها مني على استحياء، تشكرني كثيرا .. ويخبرها والدها أن تأخذني الى غرفتها لتريني تجهيزات عرسها ..

تقودني "صفية" عبر ممر صغير ذو جدران صفراء الى غرفة صغيرة في نهاية الممر، تشاركها الغرفة أختها رقية ولكنها تقول لي:" أن رقية الآن تنام مع والديها لإن غرفتها مليئة بالأشياء. تفتح الباب فأرى سرير حديدي هرم، خزانة خشبية مشققة وطاولة صغيرة وماكينة خياطة .. تحت الطاولة عمارة شاهقة من مجلات مكدسة ..

التفت خلفي فأجد فستان أبيض، فستان زفاف غاية في الروعة .. تذكرت أنني رأيت الفستان قبلا، وطار صوابي وأنا أقترب لأتذكر الموديل .. كان الفستان المعلق على طرف الستارة من تصميم دار أزياء " مونيك ليليي" المصممة المختلطة الأعراق .. الراقية الباهضة الثمن. تعتبر مونيك و"فيفيان استوود" من أشهر واغلى مصممي فساتين الزفاف في العالم.

الدانتيل الأبيض، الطبقات الست عشرة، الحزام الفضي .. كلها رأيتها في عرض تلفزيوني حديث جدا للمصممة المشهورة.

تحدثت "صفية" : " كنت في غاية الحيرة هل ارتدي "مونيك" ام "فيرا وانغ"، سألت والدي عن إمكانياته المادية للمواد الأولية .. أخبرته أنني احتاج ما لا يقل عن 90 دينار لأصنع الفستان الذي أريد، واعطاني. فقررت أن ارتدي "مونيك" فستانها هذا يشعرني أنني فعلا أميرة! صنعت هذا الفستان لوالدتي " فالنتينو" هو سيد اللون الأحمر، وأمي تعشق الأحمر .. لازالت تعتقد ان سر الغواية في الألوات الصارخة" .. ضحكت صفية !

فتحت "صفية " خزانة ملابسها، وارتني من كل مصمم عالمي .. قطعة!

الأحد، 12 يوليو 2009

المشهوق عليها !




لم ترها منذ زمن .. ولم تراها هي الأخرى منذ أزمان مضت!
شهقت بوجهها في أحد ممرات المجمع الكبير، ورسمت هي بدورها ابتسامة قديمة، نستها في خزانتها بين الكراكيب ولم ترتديها إلا عندما لمحت ابتسامة مطابقة لرائحة الماضي. دائما تعاملت مع ابتساماتها كواحدة من كماليات الموضة! هذه الأيام ترتدي ابتسامة " نيون" تكسر عين القادم من بعديد!
شهقة أخرى .. ضمة الى القلب، ابتعاد .. صمت .. ثم الكلمة التي أقنعت نفسها بضرورة أن تعتاد عليها:



" تغيرتي" ..



الى أي مدى؟ وعند أيد حد؟ من اين بدأ التغيير فيها؟ واين توقف .. إن توقف! تعرّي نفسها أمام المرآة الصغيرة المكبرّة، ربما تلمح الرؤوس السوداء الجديدة في بشرة روحها! تفتح صدرها بمشرط مسنون مثل مشارط "غريس أناتومي" تشق خط صغير في المنتصف، وتبعد الجلد عن بعضه بيديها .. امام المرآة الكبيرة تنظر عميقا الى داخل صدرها، بإصبعها تُقلِب المواجع ..
قفص صدري من ذهب، قلب نابض أحمر، دماء تتدفق دخولا وخروجا منه واليه، معدة صحيحة بلا حلقات ولا مسارات متغيرة، رئتان ورديتان يدخلها الهواء العليل ويخرج ثاني أوكسيد الكربون، نهدان لا يسكنهما زوّار سيلوكونيون .. داخلها تماما كما هو، كل الأعضاء موجودة، لا معدّات اضافية .. والنصاب لازال مكتمل.



" تغيرتي .."



لماذا لا تتغير والدنيا تغيرت؟ الكل يتغير ..
من كانت ضليعة باللغة الإنجليزية بعد العمر والأولاد وعدم المزاولة نستها! من كانت ترتدي حجاب "بوربطة" أصبحت ترتدي شيلة سوداء بأطراف كريستال شواروفسكي أحمر! من كانت لا تريد الزواج ومضربة عنه بالمبدأ .. تزوجت مرتين! ومن كانت تخجل من ضلها، أصبحت الآن مقدمة برامج تلفزيونية! كلهن تغيرن ودارت فيهن الحياة دورتها القمرية والشمسية .. وأصبحن في مكان غير المكان الذي كنّ يجتمعن فيه ويتدارسن صور المستقبل من الحياة القادمة .. ما تحدثن عنه مضى، تطلعات الغد الذي لم يسير بالضرورة مثلما خططن أو اشتهين، الطالع الذي ربما جاء أفضل بكثير من توقعاتهن، والآتي الذي كبس عليهن بمليون خيبة وخنق أحلام وأهداف لم يتحقق منها الى الآن اي شيء!



" تغيرتي .."



كلمة ذات معنيين، تتغذى على مغزيين، صفا ومروى .. رايح جاي! في أي الطرق يراها الآخرون؟ التغيير الذي طرأ، الشهقة التي تسبق المشهوق، النظرة المليئة بشيء من العتاب، كسرة العين عندما تستقر بعد الكثير من التجاهل على خصلات الشعر الحُرة! التساؤل الذي يدور حول ابتسامتها العريضة! السؤال الذي يتحشرج في الجوف، والجواب الذي لا يأتي! هل التغيير الظاهري بالضرورة يعني تغييرا باطنيا شاملا؟ أليس هناك احتمال بسيط جدا أنها لازالت هي .. تماما كما هي؟
كثيرا ماخافت من التغيير، الركوب على ظهر تلك الموجة التي من الممكن ان ترفعها الى السماء او تلقيها على القاع، شاق ومخيف! كم تعلم في قرارة نفسها انها الآن افضل .. أسعد .. واجمل من الداخل.

من الداخل .. تشرق في قلبها شمس نضاحة بنور دافئ بات يحتوي سنين الغربة التي عاشتها بعيدا عن نفسها. بدأت في سحب الخيوط المتناثرة على الشوارع الطويلة التي مشت فيها لوحدها، جمعتهم، وضعتهم بباقة من حرير وصوف فغدت عندها بكرة ربما تنسج منها رداءا يناسبها تماما .. لا يضيق فيخنقها، ولا يسع فلا يقيها برد الأيام وتطفل الرياح!



" تغيرتي .."



اقتنعت الآن ان تبتسم ابتسامتها الحالية بلا رتوش.. وترد:



"شكرا"

السبت، 11 يوليو 2009

موجز أنباء الرابعة فجرا !!



(( المنبه ))
يرن الجرس بينما نحن نائمان، وما ان نسمع صوته حتى نقفز الى حضن بعضنا، امسك ذراعه ويضم رأسي .. ونغفو عشر دقائق اضافية!



(( الحمام ))
لم أجرب يوما سباحة الفجر، هو اعتاد عليها ما إن بدأ يغادر الى "جبيل " قبل طلوع شمس السبت ليكون في مكتبه الساعة السادسة .. لم أجرب ايضا السفر في السيارة فجرا !



(( الوداع ))
عند الباب والناس نيام .. أنا أمارس الوداع الذي لم أطيقه يوما!



(( تحت الوسادة ))
دعاء من القلب بالحفظ والسلامة .. وتلفوني الذي يرن بمسج كلما تعدّى حدود .. أتصل أنا في كل مرة أحاول فيها النوم ولا يأتي .. نتحاكى .. هو في الطريق وأنا في الفراش!



(( الحلم ))
أخبره عن الحلم الذي رأيته بينما نحن نيام، غريب ومخيف ويدعو للتساؤل .. يخبرني وصوت الطريق يشاركنا المكالمة .. أن لا أخاف، فقد كان مجرد كابوس!



(( في بالي ))
شوق شديد لرؤية ابتسامة ابنتي .. ولكنها نائمة .. هل أصحيها؟ وإن صحيتها هل اضمن ابتسامة أم عسارة لها أول مالها آخر؟!



(( على بطني ))
كلما نمت على بطني ينتابني تأنيب ضمير! أمي تقول لي "مو زين حق البيبي" وبنت خالتي تقول لي "انها تنام على بطنها لما الشهر الخامس"
ترى من أصدق؟



(( بين عيني ))
فكرة ما !!



(( اكتشاف ))
للتو اكتشفت أن لوحة أحلام زوجي التي يعلقها على الجدار المقابل للسرير لم تعد في مكانها! اتصلت به فأخبرني أنه أنزلها لإن في قلبه قائمة جديدة من الأحلام الوردية .. في قلبي قلت له " ربنا يزيد ويبارك "!



(( 360 ))
زرناه ظهر امس .. تألق واتقان وابداع .. مشينا كثيرا .. وزارني ذلك الشعور أنني لا أسير لوحدي! مفاصل حنانة، وتعب وارهاق ورغبة شديدة بالإنبطاح الفوري .. يا الله للتو تكفخني المعلومة .. أنا فعلا حامل!




((سؤال))
شنو غدا بيت أبوي اليوم؟ يا رب مجبوس دياي .. يا رب مجبوس دياي !



(( على كتفي ))
مشروع ينتظر الإنجاز، مواعيد تسليم Deadlines تعجيزية، وملك طيب يقول لي " تعوذي من ابليس وقومي صلّي.







الأربعاء، 8 يوليو 2009

(( مطبّق ذكريات ))


يرسل له الوالد رسالة نصية " لا يطوفك الغدا اليوم .. مطبق سمج على كيف كيفك"!

في المحاضرة بين صراخ الدكتور على عدم إلتزام طلبة الدراسات العليا في تسليم الأساينمت، تينع على وجهه ابتسامة! يقلب الأوراق بين يديه ويشعر بسعادة إلتزامة بالمطلوب. "المهمة المستحيلة" كما يسميها أصحابه في الفصل، كتابة تقرير عن الوجهات والأماكن المجردة التي لعبت دورا في حياتنا، شكلت تاريخ مسيرتنا، عجنت معها طفولتنا. كيف هي الأن في عيوننا؟ أين هي الآن في قلوبنا؟ .. وما المشاعر التي نكنها داخلنا إتجاهها بعد كل تلك السنين من الهجران؟ وهل من الممكن أن تشكل زيارة مقتطعة لها، نقطة تستدعي الإبداع داخلنا؟

إختار الحدائق العامة في المناطق السكنية، تلك المربعات الساقطة من جيب حسبة الناس، البقع المنسية على اعتاب الطفولة والصبا الجميل.
كان المطلوب (5000) كلمة، هو كتب أكثر. كيف لا، وقد كانت حديقة جمال عبدالناصر بجلالة قدرها "واحد من الربع" كما أطلقوا عليها شلة المراهقة. في الأمسيات الشتوية الجميلة كان التجمع يتم هناك، بين طيّات الحديقة، في مواقفها الواسعة وعلى كراسيها الخشبية قضى وهو ستة من صحبه أجمل سنين الطفولة والمراهقة.

كتب في تقريره فصلا كاملا عن "جوفندرا" بائع الساندويشات الهندي الذي كانت سندويشة النقائق والبطاط من أشهر الأطباق الموجودة لديه. لا يعلم أين "جوفندرا" الآن بعد أن هجر الأطفال حديقة جمال عبدالناصر، سأل عنه يوما، وصف شكله للعاملين في الحديقة:
" رجال هندي قصير .. في كرشة كبير .. شعر مال هوه كله دهن يلمع .. في خاتم كبير أخضر في مال هوه صبع "

قالوا له الرجال أنهم لا يعرفونه فعاد الى المنزل بقلب مثقل وذنب كبير نحو شخصية لعبت في ذكرياته الجميلة دور البطولة الثانوية، كان قد وعده يوما أنه سيجلب له مطبّق ربيان من طبخ منزله، وطافت السنين ولم يوفي بوعده!

كتب فصلا آخر عن مسارات الحديقة، البلاطات الإسمنتية التي صفت طوابير في حضن بعضها ليمشي عليها المارة متنقلين من أماكن العشب الأخضر الذي كانت تقرش عليه أمه وخالته "مدة" الخوص. الطرق المؤدية الى موقع الألعاب والمراجيح.
تلك البلاطات المرصوفة لها تاريخ في قلبه .. واحدة واحدة لا ينساها.

" لا تدبه قبلي .. انطرني يبا جاي الساعة وحدة ونص .. انطرني، ادري فيك بطيني "

جاوب رسالة والده وتلك الإبتسامة لا تزال تتأرجح على شفتيه. ناداه الدكتور بإسمه ليتكلم قليلا عن الموضوع الذي اختاره بعد تسليم الملف، النبذة التي طرحها على زملائه كانت جميلة وصادقة خارجة من القلب، تلك الأماكن التي احتوت ذكريات العمر هي أقرب ما يكون لحاضرنا من واقعية، الطموحات التي رأيناها بين الشجر، والاحلام المستحيلة في أن أكون يوما دبّابة حربية أو إشارة مرور! أي نوع من الأطفال كنّا لنتمى أن نصبح حين نكبر نوع ما من جمادات صامتة؟ الحديقة لم تكن يوما جمادا بالنسبة لنا، كانت إسما جبارا ومكانا نجد فيه أشياءنا الضائعة.
" لهذا قررت أن يكون بحثي عن الحدائق العامة في المناطق السكنية، لإنها شكلت لنا جميعا محورا دارت عليه يوم من الأيام حياتنا"

خرج من الفصل الى السيارة بإتجاه البيت، ولكنه قبل الوصول الى المنزل، قرر أن يلتقي بالحديقة العتيدة، ذلك السور الوردي على مشارف منطقة الروضة، الأشجار الباهتة الي تطل برأسها في الأفق، والمساحة الكبيرة الخالية التي كانت تمتلئ أحيانا بسيارات الزائرين!
حتى البيوت المقابلة للحديقة، عرفوا أصحابها وأسماء أبناءها ومن باع ومن بقى ..
كانت الحديقة فعلا واحد من الربع ..

من سنين لم يدخل السور ولم يلمح البلاطات التي كان يقفز عليها ليصل، داخل السور جلست عجوز تعبه اضناها الزمن وامتد بها العمر واعياها النسيان، هجرها أبنائها ولم يجلبوا لها أجيالهم الجديدة التي خلفوها إمتدادا لطفولتهم. صرير الباب الحديدي، فراغ الساحة المؤدية للداخل، وفضاء العشب الذي اصفر من الشمس. العواميد الأسمنتية تماما كما هي .. المراجيح اختلفت قليلا فأصبحت ملونة ومزركشة وحديدية. كشك "جوفندرا" لم يعد في مكانه، ابدلوه بعربة ذرة ونفيش وناتشوز!

خطوات أكبر الى الداخل، الساحة الترابية في المنتصف، تتحلق حولها الكراسي الخشبية ..
في يوم كان في الساحة عرض ساحر، جلسوا الأطفال حوله وأخذ يجر من آذانهم مناديل ملونة.
نفخ في وجوههم فقاقيع الصابون، ووضع على رؤوسهم أرانب بيضاء.

في الساحة كانت يوما فرقة موسيقية ومهرج، تذكر انه ضحك كثيرا عندما سقط المهرج في سطل الماء، تذكر أنه ضحك الى أن فقد إتزانه ومال الى الوراء وانبطح على الأرض وهو يمسك حزامه!

في الساحة كانت هناك يوما امرأة سورية عجوز، تمسك كتابا ملونا وتجلس في الوسط، تحلقت حولها الفتيات وأخذت تقص عليهم قصة سندريلا وسنو وايت والجميلة والوحش، كم كان يود الجلوس والإستماع ولكن سنّه المضطرب ما بين الطفولة والصبى أبى أن يسمح له بالإستماع لقصص الأطفال مع البنات!

البنات .. في تلك الفترة كنّ مخلوقات وحشية مقززة يشمئز منها ويبتعد عنها لكي لا يتسخ ببحر أنوثتهن الدبق، تلك الملابس الوردية والتنانير المنفوشة .. الإبتسامة المتواية بين حلقين في الأذن وقلادة على الرقبة .. وووووع .. ما أبشع البنات!

في الحديقة ذاتها، وعلى غصن شجرة عريض اكتشف صاحبه أول حبة شباب ظهرت على وجهه، ومسك هو متباهيا أول شعرة شارب ضئيلة نبتت فوق شفتيه، وفي الحديقة ذاتها تحولت تلك النظرة المتواطئة على البنات الى ميل وإنجذاب وتوّدد. لم يعدن بشعات، ولم تعد ملابسهم الوردية مقرفة، ولم تعد الأقراط والقلادات من توافه الأمور.

في الحديقة ذاتها .. رآها .. وكلمها .. وأخبرها أنه يحبها، ابتسمت في وجهه ابتسامة شمس، واطبقت على يديه بحنان وأخبرته هي الأخرى تحبه .. في الحديقة ذاتها بدأ تاريخ الحب الأول، ونظرات الوله المقتطفة من بساتين الوجوه. من بعيد كان حوارهما، بين الأصحاب ووسط الأهل، كل على بساطه الممدود في موقع محدد من الساحة العشبية. هي هناك وهو هنا .. وبينها حمامة زاجلة ورسائل معلقة هديلا حانيا في أذنيهما!
في الحديقة ذاتها مسك لأول مرة يديها ومشيا على البلاطات المرصوفة ..
في الحديقة اشترى لها من مصروفه أول عصير وساندويش نقانق.
وفي الحديقة أهدته محفضة جلدية هدية عيد ميلاده ..
وفي الحديقة جلسا متقابلين على جذع الشجرة .
وفي الحديقة ذاتها اختفت .. ولم تعد تأتي .

في تلك الأثناء اعتقد أنه سيموت، أنه سيسقط مغشيا عليه ولن يستيقض من هول الحزن. كان فتيا مراهقا ضربته عصى الحب لأول مرة، فتحت الضربة رأسه وملئته بألف حلم . سأل عنها آنذاك الحارس، الأطفال، جوفندرا، اصحابها .. وتجرأ مرة وسأل عنها أمها .. يتذكر جيدا أنها قالت له أنها كبرت .. ولم تعد تحب المجيء للحديقة ..
بعد ذلك اليوم بيوم، أتى لوحده مع والده للحديقة في الليل بعد أن استعار من ابيه "درنفيس" مدبب وجلس فوق الجذع إياه ونحت لها على صدره رسالة:
" وينج .. ولهان عليج .. الحديقة مو حلوة ولا خضرة بدونج .. ارجوج .. لا تكبرين علي ولا على الحديقة - م.ح 1992"

لازال يتذكر الرسالة، ولازال يتذكر حبات العرق التي كانت تتساقط من جبينه على يده وهو يمزق كلماته على الغصن، لازال يتذكر ألم عسقات الخشب الصغيرة وهي تتطاير بعينه وتغرس في اصابعه، ولازال يشم رائحة الخشب المنشقق وهو يحفر قلب الجذع بقلبه .. لازال يتذكر كيف عاد لسيارة والده، وكيف ضمّه أبوه الى قلبه .. فبكى!

ابتسم عندما إلتفت الى مكان الشجرة فرآها لازالت في مكانها، أغراه الفضول ليعرف إن كانت رسالته هي الأخرى في مكانها .. على مسارات البلاطات الإسمنتية قفز نحوها، نادته بحفيف اوراقها وسلمت عليه بسعادة .. دار حولها وتسلق الجذع الكبير ..
بحث عن رسالته .. فرأى منها بقايا كلمات حفرت منذ زمن .. ورأى تحت كلماته:
" عدُت ولم أجدك .. تسلقت الشجرة مع ابني ورأيت كلماتك .. كم غريبة هذه الصدفة .. غ.ن – 2003"

عاد الى سيارته .. مسك المقود .. وأخذ يضحك .. الى أن سقط ومال للوراء .. وانبطح وهو يمسك حزامه!

الاثنين، 6 يوليو 2009

أنا وجدتي .. والأشياء التي لم تعد منطقية!



لم تعد الأمور منطقية!


في البيت الكبير الذي عشت فيه منذ طفولتي، ذو الحوش الواسع والسبع نخلات العاليات .. لم تعد الأمور منطقية!

عندما كنت في السابعة لم أفهم البيت ولا شخصيته، كان المطبخ الخارجي وغرفة الطعام متلاصقان في ملحق خلف البيت، عندما يناديني والدي للغداء كنت اخرج من البوابة في الوسط وآخذ يمينا، دورة كاملة فأجد نفسي عند الملحق! والدي وعمي الصغير دائما هناك قبلي، ولكنهم لم يأتو من نفس الجهة ولم يمشوا في نفس الطريق! كيف وصلوا؟

فكرت مليّا بإحتمالية كونهما ساحران!


بعد فترة عرفت أن هناك طريق آخر، من البوابة هناك احتمالان .. آخذ يمينا او شمالا كلها تؤدي الى روما الملحق وغرفة الطعام والمطبخ الخارجي الذي تطبخ فيه جدتي مجابيسها اللذيذة وتخبز فيه خبزها التنور الذي تعجنه بنفسها. كنت مولعة بمنظر العجين، الكور المصفوفة في صينية الصين الدائرية، كور كبيرة متخمرة قاعدة على الشط! انتظر بفارغ الصبر أن تنتشلها جدتي من مكانها، تضربها بيديها من الصوبين "طراقات" مدروسة ..

تتحول الكرة الى دائرة مسطحة، تضعها على الدائرة القمشاية التي تمسكها، تمدد جدتي العجينة وتجرجرها حتى الأطراف. كأنها أنا عندما تجرجر جدتي تنورتي القصيرة الى ما تحت ركبتي درءا "للفهارة" وقلة الحيا!


" البنت السنعة ما تطلع اركيباتها وافخيذاتها "


لم اكن أفهم لماذا تتبدل الكلمات وتعجن المفاهيم في فم جدتي كلما تكلمت عني أنا بالذات! فالفخذ يتحول الى فخيذ، والركبة الى ركيبة .. حتى رغيف الخبز الذي تخبزه لي خصيصا، صغير وسميك متروس عجين كما أحبه يتحور بقدرة قادر الى " خبيزة سارة"!

لا يهمني، فقد كانت لذيذة، وبمنتهى الطراوة، أطرافها المكتنزة "براطم العبد" كما تسميها جدتي ألذ ما فيها.

في الحوش الكبير الفاره الذي كانت تتربع في احدى زواياه نافورة عطلانه استخدمناه لاحقا – أنا وأخي _ كحمام سباحة وعزمنا أبناء وبنات اعمامنا عليه، كانت جدتي تفرش حصيرة، عند الباب وتمد رجليها. في صدر عصاري شهر نوفمبر او ديسمبر تحلى جلسات تكسير "النقل".

أنا وأمي، أخي وجدتي وكيس جمعية مليئ بالنقل لعينيه الواسعة، كلنا يمسك بطل "سفن أب" خالي، يضع حبة النقل على الأرض .. وطرباااااااااااااااااااخ .. يتصدع رأس المسكينة وتتفلش جمجمتها لتخرج من بين الأطلال بذرة لذيذة. كنت من هؤلاء الأطفال الذين يجمعون مؤونة البيات الشتوي ليأكلونها كلها مرة واحدة في نهاية المشوار! أجمع حبّاتي واحدة تلوى الأخرى بينما هم يأكلون كل واحدة بعد كسرها ..

عندما تغيب الشمس ويمسك مؤذن المسجد أذانه يكونون قد شبعوا، وأكون أنا في بداية وليمتي، أحيانا آكلها واحدة واحدة " مقشرة وجاهزة"، واحيانا أجمع البذور في قبضتي والقيها في فمي كلها مرة واحدة .. فيغدو الطعم مضاعفا والنكهة جبّارة الوجود.

منزل جدتي تغير، تبدل مع تبدل أحوال صاحبته!

بعد أن كان بيتي ومنزلي أصبح شيئا أشبه بالسجن الإنفرادي. مع الأيام، والعمر، واختلاف المسالك وتذبذب العواطف ..

مع دورة الحياة التي تصنع فينا شخصيات من الممكن أن لا يرضاها ولا يتقبلها اللآخرين!

مع الدنيا التي جعلتني انسانة أنضح بهدف الوصول للحرية المطلقة، المساواة الكاملة مع أخي ونظيري الرجل، مع النقاشات التي استشف منها قناعة أزلية في عقلها أن " البنت ما يجي وراها إلا عوار الراس" ..


قناعة تحمل احتمالية مطردة أنني " جلابة فضايح" وأنني قنبلة موقوتة من تمرد على العادات والتقاليد والسنع المصطنع، أنا قابلة للإنفجار بوجه العائلة في أي وقت، فأسقط للحضيض فتسقط العائلة معي لبالوعة الخزي والعار!


بدأت الأمور تبدو غير منطقية بيني وبينها، عندما بدأت في مشوار البحث عن نفسي: مع جماعة متدينة أرتدي العباءة وأذهب للدروس الإيمانية، أقيم الليل في غرفتي واتطوع بوقتي، لا يعجبها لإن " الدينين اهما إللي ينخاف منهم"!


مع صديقات يحلمن بمهنة مرضية للذات، غد باهر، وظيفة ومستقبل مشرق، مع هؤلاء الطموحات بالتغيير، الذين يأخذون الحقوق كاملة لإنهم آمنوا فيها وطالبوا بها، الذين يسعون الى مجاراة تطورات الحياة والوصول الى قمة العطاء .. لا يعجبها لإن
" البنت الهايتة إللي تركض وراء الخرابيط ما يجيلها النصيب ويكثر عليها القيل والقال"!


عندما أدافع عن حقي في استغلال فرصتي الذهبية لبعثتي الدراسية، حقي في إختيار دراسة الإعلام والعلاقات العامة، حقي في العمل بالقطاع الخاص بدلا من الإندثار والإنقراض في القطاع الحكومي، حقي في الحب والتجربة الزواج ممن أريد، حقي في أن تكون لي سيارة، في أن يكون لي تلفون، في أن ارتدي قميص أحمر ان اردت، في ان اضع حجابا ملونا ان شئت !


عندما بدأت في النضال، سقطت من حسبة عاطفتها، وغدوت فتاة " مسجل خطر" في قمة القائمة السوداء التي تضعها في تجوريها الحديدي الأسود القديم مع كل المضاعد والمقمشات التي يوما في طفولتي وضعتها في حضني وأخبرتني أنني سأرتديها في يوم عرسي ...


المفارقة أنها لم تحضر يوم عرسي .. !


لا أعرف كيف بدأ العداء، ولا أعرف متى بدأت الأمور تطل بلا منطقيتها في وجوهنا عندما نلمح في بيت الأقارب بعضنا .. تستقبلني بتكشيرة وجه، وأقابلها بقبلة ثقيلة منافقة على طرف رأسها فقط إرضاءا لشيبة لوالدي !

ربما أيقنت أنها ليست صديقتي في الحياة عندما أيقنت أنها واحدة من هؤلاء النساء الذين ولدوا في مرحلة سوداء، كُسرت القُلّة من وراء انوثتهن .. تدربن على كره وجودهن كإناث، وتعملن منذ الصغر " ان المرة السنعة تكون دوّاسة عند عتبة باب بيت زوجها"..
من المفترض أن لا تخبئ بين جناحيها حلم، ولا أن تسمح لجنين الطموح لأن يكبر في أحشائها ..

ربما ظُلمت جدتي في حياتها كثيرا، ربما أستبيحت بإسم "السنع"، وربما هُضمت حقوقها البدائية كإنسانة وإمرأة في وقت مبكر من وجودها في هذه الحياة ..

وربما .. هي لم تعرف معنى آخر للمعاملة غير الذي تسقيها لحفيداتها البنات، ولم تتعلم مفهوم جميل اسمه " الصفح والغفران"!

إن صدقت "الربمات" .. ربما الآن ستبدو الأمور أكثر منطقية .. !

السبت، 4 يوليو 2009

الخميس الثاني ..


أنا وأنت أصبحنا معلقين بياقة الأيام .. تأتي ليل يوم وتغيب فجر يوم !
والغريب .. أنني راضية وأحيانا سعيدة ..
________________________
الليالي ..

لم تعد الليالي مختلفة! من السبت الى الأربعاء يبدو الليل مطابقا موازيا محاذيا لليوم الذي جاء قبله .. والليلة التي ستولد بعده.
لم تعد لياليّ مأرخة بماذا حصل بينما ونحن نائمان. فلا أذكر أي منها، ولا تتميز واحدة عن اختها ..

لم أعد اتذكر شخصيات الليالي وفقا لما فعلته بي وأنت نائم .. مرّة يوقضني شخيرك فأصحو من نومي واركلك ..
مرّة " تملعقني " ( كلمة مستوحاة من فعل Spooning وهو عندما يحتوي الزوج زوجته من الخلف وهما نائمان، فيغدوان عملعقين في حضن بعضهما ) تملعقني فأشعر بدفئ الدنيا في البداية، ثم يتأجج البركان في داخلي لإلتصاقك بي، فأدفعك عنّي " وتتشره حتى وانت نائم".
ومرّة تخبرني أنني كنت اضحك بصوت عالي أفزعك أثناء الليل، وتطالبني بمشاركتك النكتة!! لا أتذكر .. فتبقى حانقا لبضع دقائق .. ثم تنسى ونعود صديقين كما دائما نحن!

الآن من السبت الى الأربعاء لا أحد يشاركني أحداث الليالي، ولا أركل أحدا، ولا أحد يملعقني!!


الهاتف ..

عندما كنّا حبيبين كنا نعيش داخل الهاتف، أخبرك بكل ما حصل لي اليوم وتخبرني كل ما حصل معك !
نبقى أنا وأنت الى الصباح لا نمل من الحكايات التي سبقت تاريخ تآلفنا. قصص طفولتك كانت القصص المفضلة لدي، عندما كنت تخبرني أنك عشت في مزرعة خضراء .. تربي خنازير وبقر! قصص عروبتي كانت المحببة لديك، عندما أخبرك كيف نشأت بين اعمامي واخوتي، وأين تربيت في بيت جدتي، ومتى عرفت انني اصبحت امرأة تبحث عن نفسها ..
وتعجبك صراحتي عندما كنت أخبرتك .. أنني بعد لم اجدها!

رجعنا أنا معك نعيش داخل الهاتف .. انت في "جبيل" وانا هنا في الكويت، في البيت الذي اخترناه معا، وعلى السرير الذي يفتقد فكرة وجودك. أنت هناك .. في فيلا باردة من كومباوند أجنبي .. في غرفة صغيرة لا تشبه غرفتنا ..

أخبرتني عندما رأيت غرفتك لأول مرّة انك شعرت بالإختناق، فالسرير صغير والأريكة قبيحة، والخزانة تكاد تكون عُشر خزانتنا! سألتني وانا على الطرف الآخر من الهاتف أبكي " كيف تصورتُ أنني سأتقبل المكان الجديد .. ورائحتك صوتك ليست فيه؟"
من بقعتي .. على صدر الهاتف .. صمت .. لإنني لم أجد لك الجواب!


الطفلة ..

لا تأكل طفلتنا مثلما كانت ! تلعب لازالت لإن في تكوين الأطفال فطرة اللعب أكثر من فطرة الغذاء .. وكلما وبختها، أخذت منها شيئا لا يجب أن تمسكه، أو ايقضتها من قيلولتها لتنام افضل في الليل .. بكت واستنجدت بك منّي !!

" داديييييييييي .. Come .. هيلب "
تلقيها بوجهي فتكسوني كآبه من نوع جديد .. تزرع داخلي بذرة حنين جديدة .. فأطير للهاتف وأتصل بك!
فنعيش في الهاتف!

الآفنيوز ..

لا يعنيني ذلك المكان الكبير أصبح بين ليلة وضحاها ممرات وزاوايا ! كان معك كل شيء ..

صباحات الفطور الشهية على طاولة " بي كيو " .. شهوة الوافل اللذيذة من " هاجن داز" .. زيارة مختطفة "لبووتس" تتحول الى قهوة في "ستاربكس" وجلسة في لورينزينو لتناول قطعة شهية من " Summer Marscopoun " !

كيف للحوت الحاني الذي يبلعنا متعة أنا وانت لساعات كل يوم .. ان يتحول الى مخلوق أشبه بالتمساح، ينهشني حنينا اليك كلما رأيت الزوايا التي كنّا فيها .. وقد كنّأ في كل الزوايا!


الخميسات ..

تترك العمل هناك في الخامسة مساءا .. تركب سيارتك العالية الزيتية وتتوجه إلي .. الى قلبي تبعث رسالة قصيرة ما إن تصل الى الخط المؤدي الى الكويت " Headed to Kuwait baby " .. وأنا تشرق داخلي ابتسامة أبدية.

أنت .. تعبُ الصحراء، تتجشأ الرمل ، وتقود مركبتك لثلاث ساعات من كل اسبوع لتراني .. لتشاركني نهاية اسبوعي، لتصنع شخصية جديدة لليلتي ..

أنت .. تعبر الحدود الأولى .. تعبر أرض الحياد .. تصل الحدود الثانية .. تأخذ على جبينك فحص انفلونزا الخنازير .. تجيب على بعض الأسئلة، لتشاركني الوجبتين القادمتين، لتضم طفلتيك " انا وهي " الى صدرك .. ولتقبل ما فوق سرتي ليعرف الطفل داخلي أن اباه قد وصل ..

أنت .. تسافر برا لثلاث ساعات .. لتلقاني !!
وأنا .. لا أملك إلا أن أرفع يدي الى السماء وأدعو المولى لك الحفظ والرحمة والسلامة .. لأراك بجانبي لليومين القادمين!


موقفنا ..

لنا في أسفل البيت موقفين متلاصقين كروحينا ..
اوقف سيارتي شمالا وسيارتك في اليمين، تماما مثل قلبينا متلازمين ومتلاصقين!
في الخميس الفائت أخبرتني أنك جائع وأنك لا تود الخروج، قلت لي انك على بعد نصف ساعة وأنك تريد شيئا من المطعم الفلاني الذي لا يبعد كثيرا عنا ! طرت الى هناك من أجلك ..أحضرت لك ما تحب دون أن أسألك .. وعندما عدت، وجدت سيارتك العالية في اليمين ..
وصلت قبلي ..
ركنت سيارتي مكانها بجانبك وبكيت وحدي .. لم تكن دموع فرحة، لم تكن دموع حنين ولا اشتياق ولا ألم الفراق ..

بكيت لإنني للتو استوعبت معنى جديد لوجود سيارتك في مكانها ..
نبت في داخلي تقدير من فئة مختلفة لفكرة أن اليمين أصبح مشغولا من جديد .. تأجج في قلبي عمق جديد ثلاثي الأبعاد لزفرة هواء تنبع من أحشائي .. وتلهج بكلمة " الحمد لله "!

في بداية كل خميس أعلم .. ان ليلتي القاددمة ستحضى بشخصية نزقة، وان نداء استغاثة طفلتي سُيسمع وينقذها السوبر هيرو من براثن السيدة المزعجة! ..
أعرف أنني لن اعيش على صدر الهاتف، سأنام على صدرك .. وأن الحوت الكبير سيمد لسانه لنا سجادة حمراء ويبلعنا لساعات دون ان نستوعب الوقت من حولنا ..
حتى سيارتي لن تنام وحدها في العراء !


الخميس، 2 يوليو 2009

اختبارات مضنية !

ليش ما تبجين؟

ينظرون اليها ويقرأون عينيها السابحتين في بحر جاف!
يضمونها الى صدورهم الدافئة.
تلمح الدموع في عيونهم ، وآثار احمرار الألم والحرقة قد كست نتوءات وجوههم ..
أنوفهم منتفخة وعيونهم يكسوها الزجاج!

تتنهد وترسم على وجهها ابتسامة استثنائية :
" شفيكم؟ ليش تصيحون؟ لا تبجون ولا تحزنون ..
الحمد الله على كل حال .. الحمد الله على كل حال .. هذا يومه .. ربي سبحانه اختاره"

تتحلق حولها السيدات، تتحمور حولها العيون وتغدوا هي الكوكب الذي تدور حوله الأقمار ..

تنظر اليهم وتقول:
" تونا واصلين الشاليه ..
توني بطلع اهدومه من الجنطة ..
قال لي لا تطلعين شيء ..
لا تعبين نفسج، خلي هدومي بالجنطة لا تعلقينهم ..
ما رضى حتى اطلع هدومة!!
ما ادري كان يدري إنه ما راح يلحق يلبس هدومه؟
يدري أنّا راح نرجع بنفس اليوم !!
سبحان الله الحمد الله على كل حال "

تتهامس النساء وفي عيونهم أطنان من المياه المحشورة:
" ترى ليلى مو مستوعبة .. اهي الحين في مرحلة صدمة .. يا رب تعينها وتصبر قلبها "

ترد عليهم:
" الحمد الله .. رحتله المستشفى وشفته وسلمت عليه .. يا سبحان الله كأنه نايم، مرتاح "

تغطي النسوة وجوههن بأقمشة عشوائية بين ايديهم ويبدأون بمرحلة جديدة من بكاء ..
تقول أحد الحاضرات ان أخت ليلى الكبرى ستحضر غدا من مصر مع أمها ..
سيقطعون عطلتهم ويصلون غدا ..

تسمع ليلى الخبر .. تبتسم وتتساءل:
" ليش يرجعون ؟ حرام عليكم ليش تقولون للناس المسافرين تشاغبونهم!
الحمد الله على كل حال، ما فيني شي "

تقفز سيدة كانت تجلس بجانب ليلى وتسألها :
" ليلى .. أختج وأمج ليش بيرجعون من السفر؟
ليش بيقطعون سفرتهم ويرجعون شفيهم؟"

تبتسم ليلى وترسم على وجهها استغراب كوميدي :
" هاو شفيج تسويلي امتحانات كل شوية ؟"

تدخل فتاة شابة ..
جارة ليلى وعلى وجهها ألم من نوع خاص، تبكي بحرقة ..
تضمها وتحترق في حضنها ..
تربت على كتفها ليلى :
" لا تبجين حبيبتي لا تبجين .. راح بيومه بلحظته .. باليوم إللي الله كاتبه له .. الحمد الله على كل حال "

تبتعد الفتاة وتقول ليلى :
" يا عمري .. صار له يومين يجهز حق الشاليه،
مستانس لإن كل بناته واحفاده بيكونون معاه،
ما بقى ماجلة، ما بقى عصير ما بقى بطاط ما بقى حلاو ..
فرحته أن يلمهم حواليه .. ويشوف الفرحة في ملامحهم "

تبكي النساء ..
وتقوم ليلى للأعلى لتتحمم ..
وهي على السلم .. الكل يبكي ..
وهي تقول:
" الحمد الله على كل حال".
***

اليوم التالي تسأل النساء بعضهن " ليلى بجت ؟"
كان الجواب "لا "

خائفين عليها من الإنفجار .. من الإنهيار على أعتاب الحقيقة التي يعتقدون أن ليلى تنأى بها عن نفسها. تشرح سيدة :
" اهي الحين في حيز محتار، مستوعبة الوضع بس ما تبي تدخل فيه .. جدامها باب تدري أن إللي داخله حزن وظلام، فقررت أنها تقعد في الممر، ما تبي تدخل وتواجه الموضوع .. اهي الحين مرتاحة .. مستوعبه أنه راح .. بس تحسب ان حلم وبتقعد منّه "

محاولات النساء من حولها في جعلها تعترف بكل ما حصل أصبحت مضنية ..
لا يفهمون أنها تعلم،
انها تحس بالدموع من حولها،
انها تستوعب أنه ليس هنا، أنها تدري أنه لن يعود ..
هي حاضرة، موجودة وبمنتهى الإنتباه لكل ما حولها ..
هي فقط تحتاج لوقت، وقت لتتغلغل الفكرة في صدرها ..
لتطفوا على السطح أحزان قلبها، لتمطر في سماءها آية تخبرها أن لا ضير من الدموع ..
أن الحزن من حقها ..

تسألها سيدة : ليلى .. خالد وينه ؟
ترد ليلى فتفحمها :
" خالد راح لحبيبه، خذاه بيومه، قاعد تحت عرشه ان شاء الله .. يشفع لنا لمّا نلحقه "

سكتت النساء .. ولم تعد هناك أسئلة ولا اختبارات!
يا رب صبّر قلبها .. الهمها من لدنك الأمان ..
يا رب ارحم حالها .. وخفف مصابها .. واجعلها من الصابرين
يا رب ثبتها على الأرض واعطها من لدنك السلوان ..
يا رب اعلمها أنك معها في كل خطورة ..
بجانبها حتى في المصاب ..
يا رب العالمين.

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت