كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 31 يوليو 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 9






عندما رأته سلمانة لأول مرّة كانت لا تعلم انه سيصبح جزءا كبيرا من تاريخ انتفاضتها، لم تؤمن يوما بجدوى التعارف الأسري وسط منظومة "القعدة" ثم " الخطبة " فـ "الملكة" و الزواج. كانت دائما تسأل صديقاتها ممن سبقوها بالتجربة .. كيف ينشأ الحب؟ و متى تبدأ الألفة بين قلبين لم يقضوا وقتا كافيا ليعرفوا ولو ابسط الأشياء عن شريك الحياة ! كانت دائما تسأل – وفقا للأعراف و الزواج التقليدي - متى يبدأ النصف الأول في حب النصف الثاني؟

قال لها: من أنت؟

قالت: صندوق

قال: أي نوع من الصناديق؟

قالت: صندوق مبيّت

قال: ماذا بداخله؟

قالت: دمية صغيرة ترتدي دراعة وبخنق طويل

قال: ماذا تفعل الدمية؟

قالت: ترقص

قال: لماذا ترقص؟

قالت: لأنها تحب الرقص

قال: لماذا تحبه؟

قالت: لإنها امرأة

قال: ولماذا ترقص في صندوق؟

قالت: لإنها لا تستطيع الرقص .. إلا في صندوق!

قال: غريبة !

قالت: أنا صندوق مبيت مثل صناديق اوروبا الخشبية التي ما ان تفتحها حتى تجد دمية صغيرة لراقصة بالي تدور على موسيقى هادئة .. أنا النسخة الخليجية من ذلك الصندوق.

ضحك و قال: على اي نغمة ترقص دمية البخنق؟

همهمت اللحن وارهف اذنيه يستمع

قال: ما هذا؟

غنّت: قلت اوقفيلي وارفعي البوشية .. خليني أروي ظامري العطشاني ..

قال: لا افهم .. But it sounds so sexy !!


***

إتصال هاتفي في ساعة متأخرة من الليل، نظرت سلمانة الى هاتفها النقال على طاولة السرير وإذا بالساعة تقارب الواحدة بعد منتصف الليل. المتصلة كانت "هديل" والأمر لابد ان يكون بمنتهى الأهمية لإن هديل عادة لا تتصل بهذه الساعة! فتحت الخط وإذا بهديل تنتحب!
سألتها سلمانة مرارا ماذا حدث؟ وهديل تبكي بلا سيطرة. لا تكاد تقوى على الكلام وكأن الحروف قد غرقت في شلال جزع. تمالكت هديل نفسها بعد دقائق.
كان الإتصال عبارة عن طلب نجدة، فزعة الصديقات اللاتي تناقشن بالموضوع من قبل ولم يخرجن بنتيجة تدفعهن للتدخل في شأن خاص وشائك من منهج انوثة امرأة. ألحت تلك الحاجة الماسة للحب والدفئ الى خلق فتاة تحمل على جبينها وصمة عار لا يراها إلا من يعرفها. خفن الفتيات من المفاتحة! خفن مما سيسمعن منها أكثر مما كانت هي ستسمع منهن، والأهم من كل هذا أنهن خفن من ان يراهم الناس مع الفتاة الموصومة بعلاقة مشبوهة فتدنسهم الشبهة وتطالهم الوصمة.
فهمت سلمانة ان مريم بالمستشفى، لقد تلقت ضربا مبرحا وتشويه واضح لوجهها وأجزاء كبيرة من جسدها من قبل اثنين من اشقائها الذين علموا بوجودها في شقّة مع "محمد" صديقها. يقولون ان احد الأخوه طعنها بأداة حادّة قد اخترقت واحدة من رأتيها وهي الآن بحالة حرجة. علمت سلمانة ايضا ان لا أحد من عائلتها معها في المستشفى، رفضت والدتها البقاء معها وتركتها شبة جثة لفتاة استبقت المشروع والمقبول بإسم الحب الذي ينتظر النهاية المتوقعة لمستقبل رائع و نهاية مشروعة.
بكت الفتاتين كلٌ على جانب بعيد من سماعة الهاتف، ولامت كل واحدة نفسها لإنها تركت مركب العلاقة يبحر في مستنقع من عادات مذمومة لا تُمارس ولا تُقبل في مجتمعاتنا.
في الصباح عرجت جنان بسيارتها على هديل، ثم على آمنة، فسلمانة التي دخلت السيارة وهي ترتدي وجها لا يتماشى مع المناسبة! كانت الوجوه واجمة داخل الصندوق الحديدي، ارتدت الفتيات لباسا غامقا يشير الى حزن حقيقي قد استقر في النفوس التي باتت ليلتها مع عذاب الضمير. على خلافهن، دخلت سلمانة السيارة بابتسامة وقميص برتقالي. كانت تحمل في يدها باقة من الزهور الصفراء ومجموعة من الكتب الصغيرة التي ستهديها لمريم. تلاقت العيون بالوجوه وسألت سلمانة عن ليلى!
أخبرتها جنان ان ليلى لم ترغب بزيارة مريم لإنها لن تقو على رؤيتها بهذه الحال! وجمت نظرة بمغزى على الوجوه .. كلهم يعلمون أن ليلى لن تزور المفضوحة خوفا من أن تتعفر ذمتها بغبار الفضيحة، ولن تزور الموصومة تجنبا لرائحة دخان العار!  
ما إن دخلت الفتيات لغرفة الجريحة حتى عم الهلع ارجاء المكان، الكيان المتدلي على السرير لم يشبه ملامح المرأة التي كانت يوما تسكنه. كانت مريم ملفوفة بالقطن والشاش، عيناها مغمضتين قسرا وكأن الأطباء رغبوا في ان لا تفتح عينيها على غرفة خاوية من اي اهتمام. انزلقت عشرات الدموع على مشهد الحب الذي تجسد عقابا متعدد الأنواع. قالت منال اخت مريم التي جاءت خلسة بغير علم أشقائها أن جروح مريم عميقة وقوية وكأن المعتدين قد درسوا مواقع الثأر. جروح الوجه جاءت لتطمس ملامح الجمال في وجه اختها. كمّا تم تركيز اللكمات على ظهرها تمنيا ان لا تمشي بعد اليوم، والطعنة التي جاءت ببطنها كان المقصود بها اتلاف الرحم!
 ترجمت منال أسى علاقة اشقائها بها وبمريم، فمنذ عرفت الفتيات معنى الدنيا وهن يقبعن تحت سلطة واضحة لأخوتهن الأولاد الثلاثة، فلا يتحركن ولا يتخذن اي طريق او قرار في حياتهن إلا بعد أخذ موافقة الذكور بالإجماع! بكت منال وهي تمسك يد اختها الغائبة وقبلتها، نظرت الى سلمانة التي كانت الأقرب الى مريم وأخبرتهم انها يجب ان تغادر خوفا من ان تعلم اسرتها بمجيئها. شكرتهم على المجيئ واستحلفتهم ان يعاودو الزيارة.
غادرت منال، الجزء الآخر من مأساة اختين تقاسمتا سوء الحظ من بداية التكوين، ربما كانت الجزء الذي لازال يملك وجها جميلا ورحم قادر على الإنجاب، ولكنها حتما كانت ولازالت الجزء الذي وقف شاهدا حزينا على انهيار نصف كرامته ونصف مستقبله الجميل.
في طريق العودة تناقشت آمنة وهديل ما ان كانت قصة مريم يجب ان تروى عبرة لمن لا يعتبر، فأنهت سلمانة الحوار عندما قالت: منذ متى تركت امرأة رجلا أحبته قد وعدها بالزواج خوفا من احتمالية وقوعها بخطر الفضيحة!
منذ أجيال وأجيال ونحن نسمع عن فتيات بعمرنا وأصغر منّا يحرمن من الدراسة، يحبسن بالمنازل، ويزوجن رغما عنهن بحجّة الحب الذي خرج عن النسق المألوف. تلك العاطفة التي تكسر قيود الأعراف والعادات والتقاليد وتخرج من صومعة حب العيون الصامت والقلوب التي تنبض بهدوء ما ان يمر الحبيبان بجانب بعضهما. حب الفرجان القديمة ذاك التي كانت تمارس فيه "بدرية" و"نورية" و"حصة" و"سبيكة" حقها المكتسب بمرأى الحبيب من شباك عال، قد تشققت اطرافه واصبح ذكرى جميلة تقصها جداتنا علينا علنّا نسلك نفس الطريق ونكتفي بالحلم الذي لا يلمس ولا يشم واقعه!
من هي أول فتات خلعت عباءة الحياء الثقيلة وخرجت من صمتها لتعترف للرجل الذي تحبه أنها تريده؟ من كانت أول عروس أذابت جدار بيت الطين الذي كانت تسكنه لتفقأ فتحة مستديرة تطل فيها على الحبيب وتناجيه؟ من أول امرأة ارتأت انها قادرة على قيادة علاقة شجية دون ان تقع بالمحظور؟ ربما لا نصدق بوجودهن، ولكن ما آل الحال إليه لم يولد اليوم ولا البارحة ..
في المقابل، من هو أول أب اعطى لإبنته الأمان وفتح باب الحوار وآمن ان ابنته لها حق الإختيار بعد معرفة كاملة وعشرة - ولو كانت من بعيد – مع الرجل الذي تحب؟
نحن نكمم الحب، ونلقيه بالأزقة الخلفية ونلقي أنفسنا معه لإن الطرق الرئيسية لم تكن يوما مفتوحة على الصراحة والإعتراف. نحن نسوّغ لأحلامنا ان تنام وتسهر بالظلام لإن الأمل بعلاقة النورلازال معفّر بالذنب حتى وان كان الإقتراب ضمن النطاق الذي لا يوّلد شرارات ولا يفتح نيران.
لازالت الفتيات في مجتمعاتنا مشروع عار الى ان تتزوج، والفتيان مشروع شرف يجب ان يخوض في طرقات الدنيا والسماء الى ان يقترن بفتاة احترفت الظلام ومثلّت عليه جيدا دور بنت النور.
" لو سمحت انا مو صاحبة هالسوالف .. عندك بيت ابوي تعال طق الباب واطلبني منّة" عبارات الشرف المعهودة تلك وغيرها عادة ما ترهف آذان الرجل الغشيم الذي يستمع ثم يصدق ثم ينتشي ويتزوّج الى ان يستر الرحمن الى الأبد، او يظهر المخبوء من جحور الماضي فيعيشان معا احيانا واحيانا يفترقان.
ذلك الرجل الذي يعرف للشرف عنوان واحد وزقاق يتيم، سيفهم متأخرا في الحياة ان للعفة مئة ألف بيت قد فاتها كلها واستقر في بؤرة من خداع وغباء.
 في النهاية .. الأعراف لا تحمي المغفلين.



يتبع ...

الخميس، 28 يوليو 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 8


لم تكن تعلم سلمانة انها ستنهمك بكل مجريات عملها الجديد بهذه السرعة، أخذت تتعرف أكثر على زملائها وزميلاتها بالشركة، وأخذت تشعر يوما بعد يوم انها نزلت عن كينونتها الكويتية الخاصة واستساغت المعرفة الجديدة مع الجنسيات الجديدة. الكويتيون دائما يشعرون انهم مختلفين عن الجنسيات العربية الأخرى. ربما هي صدفتهم العجيبة بالحياة التي جعلت لهم وطنا مستقرا يرقد على بحور من البترول، فكلما يعلوا سعر البرميل تعلوا في عقولهم فكرة انهم الأفضل.

سلمانة وجدت بعض الصعوبة في البداية من التأقلم مع الطاقم الغير كويتي! فهي الوحيدة هناك التي لا تعلك الكلمات ولا تمط الحروف ضمن حوار لا نهاية له. ولكن مع مرور الوقت عرفت مميزات جديدة للجنسيات العربية خارج نطاق الخليج غير اللسان الطلق والمجاملات المحبوكة.

من الممكن ان يكونوا حقا أصدقاء، الرجل فيهم لا يملك تلك النظرة الغريبة للمرأة بجانبه، ولا يعتقد انها تريد شيئا خفيا منه عندما تمد له يدا مصافحة. تعوّدوا على الصداقات والعلاقات الإنسانية غير المشوبة بأي تلميحات من أي نوع. المرأة صديقتهم اذا قررت ان تكون وعادة ما تنتهي الجملة.

أحبّت المجتمع الجديد الذي يمثل طابعا مختلفا من التعامل، فهي لا تخشى أن تقرأ عفويتها بطريقة خاطئة ولا ان تُفسر ابتسامتها بمأرب خفي. لم تعد تخشى من ان يتناقل اسمها على لسان الشباب في الديوانيات الليلية، و لا ان يقال عنها ما يقال في محافل قد خلقها الرجال لاجترار سيرة من يشتهون ومن يكرهون من النساء.

في مكتبها كانوا يجتمعون صباحا يتجاذبون أطراف حديث مختلف، بدايات حكاية ستأتي او نهايات قصة لم يكملوها يوم أمس، عن أرض غير أرضها وذكريات لأناس لم تعشهم و لم تراهم من قبل، عن طفولة في ربوع غريبة عنها وتقاليد لم تنشأ معها.  أحبت الزمالة اللطيفة ما ان انقشع ضباب الطبقات ووهم الجنسيات وبدت متفتحة أكثر للإعجاب بحياة الشعوب الأخرى. كانت تسأل كثيرا لتفهم أكثر، لم تحض يوما بفرصة مثل هذه للالتصاق الإنساني بأمم عاشت وفق تاريخ آخر وخلفيات معيشية بعيدة.

 دُهشت عندما لمست حمما من براكين الطموح تقذف من عيونهم، هم يرغبون في ان يكونوا مختلفين من سابقيهم، ان يفخر فيهم آباءهم و أمهاتهم الذين ارتضوا العيش في المدينة المشردّة و لم يفكروا يوما ما الذي يقبع خارج الصندوق. لا يهم ان كانت وطنيّة ام خوف من المجهول، ما يهم ان نحقق شيئا واحدا مما خلقنا وعشنا لأجله.

في بلاد التين والأرز والزيتون يكبر النشئ على أحلام كبيرة مثل الأمن والسلام والعروبة والقومية والاستقرار، وما ان يتعدى الطفل منهم مرحلة بابا نويل و جنية الأسنان، حتى يأتي غول الحقيقة يلاحقه في المنام ويعضّ مؤخرته، فيشب وهو يحتلم ألم واقعه الدامي و ينزف قيحا رماديا على وطن يحتضر، لا مَنيّ ابيض على خيال شغوف لامرأة شهية.

وجدتهم مفعمين بالنور والحب والأمل رغم تاريخهم الدامي ومستقبلهم الركيك، ووجدت نفسها ومن مثلها مثقلين بهموم من نوع آخر وجمود ابدي لا يحركهم ولا يتحرك معهم. هم يناضلون من اجل التغيير، من اجل حياة أفضل ومستقبل أفضل، يخوضون في غمار الحياة ويتوجهون الى أين تشرق الشمس ليجدوا الحلم الذي ضاع والمستقبل الذي انصهر مع هويتهم المسلوبة. تساءلت و هي تستمع لقصص الرحيل والبعد والغربة، أين نحن منهم؟ أين نحن من الأوطان التي تسكن أبناءها؟ ومن الأحزان التي تنشأ بلدا حلما داخل صدورهم؟ أين نحن من بلادنا؟ ولماذا اعتراها السوس حتى نخرت أساساتها وأصبح الكل يعلك ذكريات زماناتها ويتحسر على وقت ما كانت فيه دُرّة الخليج ودانة الشرق الأوسط!

تساءلت .. أين نحن من الرحيل و أين الرحيل منّا!


***


كم كانت تحب السفر عندما كانت صغيرة، كان السفر في قاموسها الإبتدائي الذي يضم عامودين من الكلمات – كلمات السعادة وكلمات الحزن – من أوائل كلمات السعادة. كانت لا تنام عندما تعلم انها ستسافر يوم غد. وتجهز احلى فستان لديها والطف حذاء في خزانتها لترتديهم وهي تعبر بوابات المطار. كانت الطائرة قصرا واسعا من ألعاب وتطلعات منتظرة الى ما سوف يأتي. تعد عينيها انها ستشاهد الكثير وستسمع لهجات ولغات لم تسمعها من قبل. لم يكن السفر في ذلك الوقت كلمة سوداء، و لم تكن الغربة سيلا اسودا من محيطات الفراق.
هي والطائرة والحاجيات اصبحوا لا يفترقون، تسحبهم ويسحبونها الى رحلات لا تنتهي وجولات لا تتوقف، لا تعلم ان كانت لا تزال تحب السفر .. و لكنه حتما اصبح جزءا كبيرا من مسيرة حياتها و صفة ملتصقة بشخصيتها.
في بضع السنين الماضية زارت مطارات لا حصر لها، ورأت سحنات البشر من البلاد البعيدة فالتقطت ملامحها خليّة من كل صوب. مع مرور الزمن بدأت تحس ان وجهها اصبح خليطا من كل بلد زارته ولونها مزيجا من الوان الإنسان اينما كان. ربما كان ولازال هذا السبب الذي يدفع الناس للإبتسام دوما في وجهها، ربما شيئا ما يضحكهم او قصة قرأوها على جبينها دفعتهم لإرسال بسمة اعتراف بوجودها.
نظرت حولها واذا بإمرأة تقتنص عيناها، نظرت داخلهم وابتسمت هي الأخرى لشيء مجهول، لدعوة عامة كتبت على جبينها تدفع الناس ربما للتساؤل او حتى للتحية، اقتربت المرأة اكثر وابتسمت أوسع و قالت:
-        السلام عليكم
انصتت الى صوت المرأة طويلا، انصتت للتحية التي لم تسمعها منذ دهور. عندما كانت هنا لم تستوعب يوما كم جميل ان يحيينا الآخرون بأمنية .. وأي امنية؟ أمنية السلام!
كم تحتاج خلجاتها للكثير من السلام. كم تفتقد نفسها احساسا بالسلام وكم أرادت طويلا لو ينزل عليها وابلا من سلام فتعيش .. و ترتاح.
ظلت صامتة تغرس عينيها بعيني المرأة الغريبة التي جاءت لها بالسلام .. لم تجب .. فقط أرادت ان تعيد الغريبة تمنياتها لها بالسلام. قطبّت المرأة جبينها واعادت التحية بصوت اعلى:
-        السلام عليكم ..
-        و عليكم السلام
بعد تردد:
-        و رحمة الله و بركاته ..
-        بس كنت ابي اسئلج حبيبتي .. ممكن استخدم تلفونج؟ جهازي مافيه شحن، أبـي أدّق على ولدي المفروض يلاقيني هني بس ما ادري وينه ؟؟ ما اشوفه !! (( تلتفت عن يمينها و شمالها )).
-        اهو ياي من السفر ؟
-        لا وييييييييه الشر بره وبعيد، بيلاقيني هني .. عندنا جلسة بحث وتحرّي (( تضحك )).
تناولها هاتفها ..
-        هاو! شنو هذا .. هذا من وين؟؟ ما اعتقد تلفونج يشتغل عندنا! (( تقلب الهاتف في يدها )) انتي من وين؟
تبتسم:
-        من كل مكان ومن أي مكان !
تضحك المرأة عاليا:
-        بنت بطوطة؟
-        تقدرين تقولين جذي
-        الوجه مالنا والكلام مثلنا .. بس تلفونج عمرنا ما شفناه هني!! مو شاريته من هني ؟؟ شلون ما شفناه واحنا عندنا كل تليفونات العالم ؟؟
ابتعدت المرأة قليلا تحادث ابنها .. وهي لحقتها بعينيها، أي هوية تلك التي تحدد ببلد مصنع مقتنياتنا! واذا اعتبرناه معيارا جديدا لكينونتنا .. كم من الأشياء التي نملك قد كتب عليها " صنع في الكويت" ! تقدمت المرأة نحوها من جديد وهي تضغط كل الأزرار على وجه هاتفها .. يأست و ناولتها الهاتف:
-        ويه .. والله ما ادري شلون اصكه ؟؟ وايد معقد!
تبتسم .. و لا ترد
-        ولدي اخترع لمّا شاف رقم التلفون إللي اتصلت عليه منّه .. قال لي يمّا انتي وينج .. باليابان!
تضحك ولا ترد..
تجلس المرأة على المقعد بجانبها:
-        والله هالولد كلّه متأخر .. الحين البنات بيوصلون واهو لمّا الحين ما وصل عشان يشوفهم !
تنظر اليها ولا ترد
-        كبر ولدي و مشى فيه العمر .. نبي نخطبله بنية حلوة وبنت ناس .. ولدي جراح درس بكندا، و صار لنا اكثر من تسع سنين واحنا ندورله على وحدة حلوة تدخل مزاجه .. بس ماكو فايدة. والله شاف بنات الكويت كلهم، وتدرين ماشاء الله بناتنا كل وحدة تقول الزين عندي. بس ولا وحدة اعجبته .. لا والله يعجبونه بس يقول لمّا الحين ما لقى إللي يبيها. على قولته الجمال إللي ما ينمل منّه. عيزت وانا اقول له ان حتى لو تزوّج اجمل وحدة بالعالم بيصحى يوم و يشوفها عادية .. لإن خلاص تعوّد عليها !! بس لا حياة لمن تنادي.
تنظر الى الأرض و لا ترد
-        يبي وحدة يتفاخر فيها جدّام ربعه .. يبي وحدة ما يختلف على جمالها اثنين.
فرّت ضحكة من فمها و لم ترد
-        إي و الله شي يضحك .. بس شسوي .. ولدي ناجح ومتعلم ووظيفته ممتازة ومعاشه قوي .. يبي وحدة تملا البروفايل على قولته. بنت ناس معروفين ومن عايله زينة، يبيها جامعية ولبيسّة وكشّيخة وستايل ومو متزوجة من قبل. ما عندج – يمّا – وحدة من صديقاتج بهالمواصفات؟؟
-        اهو كم عمره؟
-        خمسة و اربعين
لم تتمالك نفسها .. ضحكت والتفتت بعيدا على الصوت المنادي، واذا به الجرّاح يعدوا ليصل. لم تصدق انه ترك ما كان بيديه وأتى لينتظر طائرة ستوصل عائلة ما لأختين قد وصفوا جمالهن لأمه. لم تصدق انه اتى ليقتنص لمحات من فتيات لا يعرف عنهن سوى انهن غاية في الجمال. واذا كان الوصف غير صحيح .. من سيعزي المرضى!
 وصل فنهضت الأم وأوقفته بجانبها، سلمت عليه ووقفت شامخة بجانبه .. التفتت اليها من جديد وقالت:
-        هذا حمد .. إللي كلمتج عنه.
ابتسم بتحفظ و بصوت متواطئ مع الكثير من الكبرياء قال:
-        اهلا وسهلا
أومأت برأسها و لم ترد
-        مشكورة على التلفون ..
ردّت بلطف ممزوجا بشيء من السخرية:
-        العفو يا دكتور .. زوجك واجب قومي لكل من استطاع المساعدة.
   ضحك:
-        أمي ما بقى أحد إلا وافضحتني عنده .. كل البنات اعرفوني والسبّة أمي .. تمشي و تتكلم.
-        صدقني كل البنات يعرفونك لإنهم كلهم قاعد يدورولك على عروس المستقبل .. كلهم فقدوا الأمل بانهم يكونون سعيدة الحظ مرت الجرّاح.
يبتسم بتحفظ مع قليل من الإحراج:
-        والله انفضحنا.
تجره والدته الى أسوار المكان المخصص لانتظار الواصلين، تدفعه أمامها وتخبره ان القادمين بدؤوا بالخروج من مقر الجمارك .. يبتعدان و هي تسمع الأم توصيه.
-        افتح عيونك زين و لا تقولي انك ما شفتهم عدل! قالت لي خالتك فريدة ان وحدة راح تكون لابسة بنفسجي والثانية اصفر فاتح. عاد يالله يا وليدي .. الله يخليك و يهديك و يمسح برحمته على قليبك .. انت بس قول إي و من باجر ندق نخطب. أم البنفسجي خريجة علوم إدارية و أم الأصفر ....
اختفيا بالزحام واختفى صوت الأم، و لكنها تعلم ان "امرأة السلام" لازالت في دوّامة من الدعاية والتسويق لسلعٍ معروضة على رفوف "نص الدين" و"سُنّة الحياة" .. لزبائن في غاية الصعوبة وغاية في التعقيد، لا ترضيهم إلا العلب المتكلفة السحرية و المزركشة.

يتبع ...

الثلاثاء، 26 يوليو 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 7



لا تدري لم هي الآن تحب هذا المكان، ربما لأنها أخيرا باتت ترى الوجوه التي تحمل ملامح الوطن! اللون الذي تركته يأفل من ذاكرتها. الابتسامة ذات الإشراقة العربية التي لم تر نورها منذ سنين. اللغة التي تحاكيها دون أن تتكلم، تذكرها بتاريخها، بمجريات حياتها .. بكل الحوارات التي أحبتها. كيف كبرت، ماذا قالت وماذا  قيل لها.

 أحسّت بالجوع يتسرّب الى معدتها، أخذت ما يهمُهّا وتوجهّت الى احد المطاعم الممتدة على احد ضفتي المطار الأنيق، قررت ماذا ستأكل وجلست تنتظر. تذكرت عندما كانت تجلس في أحد المطاعم المتوارية تنتظره، وتذكرت عندما قال لها ذات يوم بعيد:

-        عندما أتأخر لا تنتظري .. ابدئي في الأكل .. أنا لا أمانع!

توقفت عن كل شيء و نظرت طويلا إليه وهو يأكل طبق السلطة الذي وضع أمامه!

لماذا لا يفهم الرجال ابسط قوانين النساء؟ لماذا يجدون تلك الصعوبة البالغة في ان يعطوا امرأة تهمهم الأشياء التي تريد والمشاعر التي تتمنى؟ غريب أن يولد الرجال من كل انحاء العالم بمفهوم معوّق لمعنى الرجولة، يعتقدون انه كلما كان الرجل خشنا جافا مع امرأته .. كلما أحسّت بأنوثتها أكثر وكلمّا تأكد هو من انه رجل لا يقهر! لن تذلّه امرأة طالما كان مسيطرا على مشاعره اتجاهها! كثيرا ما تساءلت .. من اخترع هذا المفهوم؟؟ و من أوّل رجل صدقّه؟ ردّت:

-        لا يهمني الأكل .. تهمني الصحبة.

-        حقا؟

نظرت بعينيه:

-        أجل

يبتسم:

-        قلت لي مرّه انك تكرهين من يتأخر عن الموعد، وأنك لا تنتظرين قريباتك عندما تخرجن معا للغداء. من يتأخر يأكل وحيدا في النهاية بينما انتم تستمتعون بأطباق التحلية!

تخجل:

-        تذكر؟

-        طبعا .. اذكر كل ما تقولين!

-        لماذا؟

-        لماذا ماذا ؟

-        لماذا تذكر كل ما أقول وأحيانا لا تتذكر ماذا فعلت بأمسك؟

-        لا يهمني القول .. يهمني القائل!

    خجلت و ابتسمت:

-        بالضبط.

كانا هكذا يفهمان بعضهما، كانا يتحدثان معا قليلا ويصمتان كثيرا، جل ما بينهما لا يحتاج الى الكثير من الشرح والتفسير. كانا يجلسان على شاطئ البحر بلا حديث وعندما يتوادعان يحسّ كل واحد منهما انه فرغ من الكلام. مجرد المعيّة كانت منتهى الطموح. كانت بالفطرة تحبه. لم تقل له يوما " احبك " ولكنه كان يعلم وهي بالمقابل كانت تعرف انه .. يحبها. مشغول هو بمعترك الحياة وحروب إثبات الذات في موطن الـ "ينتمي" او لا "ينتمي"، و مشغولة هي بحروب من نوع آخر. لكنهما دائما ما يجدون وقتا عميقا لبعضهما .. يكونان معا .. و الباقي لا يهم!


قطع حنينها حديث شابين يجلسان في الطاولة المجاورة، كويتي عرفته من لونه، ولبناني عرفته من لسانه.

قفز الكويتي من كرسيه عندما دخل فوج القادمين من السفر، قفز واقفا ينتظر الى ان بانت فتاة هناك، تخطوا بخطوات متناسقة على أنغام حذاء زاهي عالي، حقيبة فارهة وملابس باهظة الثمن. كانت الفتاة تتأبط ذراع والدها بدلال، تتقافز نظراتها بحرص الى أركان القاعة وزوايا المطار الى ان التقته. التقت نظراتهما، تعانقت عينيهما فأطلقت ابتسامة تكاد لا ترى، وهو واقف هناك بحيرة بدت على محياه، يبتسم او لا يبتسم .. يلوّح من بعيد ام يغمس يده بجيبه لكي لا تفضحه لهفته عليها. سلّم والدها الحقائب للسائق الهندي الذي وقف بالانتظار ومشى مسرعا الى خارج المطار وهي تبطئ خطواتها لعلها تقتنص عينيه من جديد. التفت والدها وراءه .. انتظرها لتصل إليه .. مسك يدها بحنان و خرج من بوابة المطار.

-        اللبناني: وبعدين ؟؟

-        الكويتي: ولا قبلين!

-        اللبناني: لمَ لم تسلم عليها؟

-        الكويتي: لا استطيع.

-        اللبناني: لماذا؟

-        الكويتي: هذي الكويت صل على النبي ..

-        اللبناني: ما فهمت!

-        الكويتي: ما اقدر اسلم عليها وابوها معاها!!

-        هي مش تأربلك ؟

-        إي .. بس من بعيد

-        ايه ؟

-        انا ما اقدر اروح اسلم عليها جدام ابوها ..

-        لكان تأدر من ورا ابوها يعني؟؟

-        يعني

-        دخلك .. فسرللي شو صار هون! هي بتحبك و انت بتحبا .. و تأربلك و انت بتأربلا .. بس ما بتأدر تسلم عليها منشان ابوها معها .. بس تأدر تجيبا معك للغدا لبيت ماريان؟!

-        انا احبها و ابيها و احنا متفقين ان نتزوج انشاء الله في يوم من الايام .. العلاقات قبل الزواج في مجتمعنا  شوية عليها تحفظ حتى لو كانت بمنتهى البراءة. اذا ابوها عرف اني احبها وابيها وقاعد اكلمها بالتلفون ونطلع مع بعض عمره ما راح يرضى يزوجنا. عشان جذيه كل طلعاتنا بالسر. آخذها و نروح السينما، آخذها غدا في بيت مريان لإنها تدري انها مديرتي بالعمل ومسوية عزيمة حق كل الموظفين. اشوفها بالشهر مرّة .. مرتين .. لين الله يفرجها ونتزوج.

-        بس ليش كل هيدا؟ ليش ما بيكون كل شي بالنور؟

-        هذي عاداتنا وتقاليدنا

-        و انت راضي ؟؟

-        انا عندي الوضع ما فيه شيء .. بالعكس .. جذيه احنا قاعد نحافظ على بناتنا، والبنت الزينة تعرفها من تصرفاتها واذا كانت فعلا تسمع كلام اهلها وإلا لا! اذا كانت البنت فلتانة وين ما تبي تروح و ترد لا حسيب ولا رقيب .. لا أم تسأل و لا ابو يدري .. هذي إللي لا يحوشك. ما تدري اذا كلمت واحد من قبلك اكيد بتكلم واحد واهي معاك .. هذي إللي لا تقرّب منها.

-        بس نورة مش عم تسمع كلام اهلا .. هي عم تشوفك من ورا ظهر بيّا! عم تخدعه يعني!

-        ايه .. بس نورة عمرها ما كلمت ولا حبت قبلي .. انا الأول في حياتها وهي تبيني وتحبني عشان جذيه تطلع معاي. بعدين تدري إني اصير لها و احترم عايلتها عشان جذيه اهي واثقة ان عمري ما راح اضرها ولا اضر سمعتها.

-        يعني لمّا تعمل هيك معك ملاك! و لمّا تعمل نفس الشي مع غيرك .. شيطان!!

-        نورة عمرها ما راح تكون مع واحد غيري

-        و شو بيضمن لك انها ما كانت مع واحد قبلك؟

-        اقول لك تصيرلي .. اعرفها من صغرها!

-        اذا عم بتكدب على اهلا وتظهر معك .. ممكن انها عم تكدب عليك و تظهر مع واحد غيرك !

-        انت ليش قاعد تتكلم عنها جذيه؟ انت سامع شي من وراي؟

يضحك:

-        لا و الله يا خيّي ما سمعت .. انا ما شفت نورة إلا مرتين .. في بيت ماريان وهون .. كيف بدّي اسمع عنها شي؟

-        أنا الغلطان إللي يبتك معاي .. قلت لبناني ما عنده سوالف الشباب البايخة .. منو هذي؟ و وين تعرفعا؟ و كم صارلكم؟ و كأني شايفها مع واحد من الربع!! طلعت اسوء منهم!

-        يا خيّي انت شو insecure  !!

-        شنو يعني؟

-        انت شو بدّك من هالبنت؟ حب وزواج وحياة ما هيك؟؟ يضرب ماضيها لو شو ما كان! يضربوا كل إللي عم بيتكلموا عليها لو شو ما قالوا !! يضرب هالمجتمع إللي بيقيس مستوى البنت بكم واحد عرفت ومع مين كانت !! لو بحب بنت وأنا واثق انها بتحبني ما بيهمني شو عملت قبلي.

-        شلون يعني ؟ ما يهمك ان كانت عذراء وإلا لا؟

يضحك اللبناني عاليا:

-        شو هو انتَ عذراء ؟؟

-        لا .. بس انا ريّال !!

-        ريّال؟؟ و دخلك شو الفرق يا ريّال ؟؟ انو ما عندك دليل يثبت انك مش عذراء وهي عندا؟ دخلك وهدول إللي بيعملوا ترقيع كل 6 شهور؟؟

-        تبيّن البنت المجربه .. الريال الخبرة راح يعرف من تصرفاتها.

-        و اذا كانت احسن ممثلة بالدنيا ؟؟

-        الخبير راح يلاحظ ويعرف !!

-       وليش انت مسموح لك تكون خبير وهي مش مسموح لها تكون خبيرة !! خبير هبل هيدا اللي تارك اجمل متعة بالحياة وعم يركز على كيف عم تتصرف وهي عذرا او مش عذرا! ياما بنات عمرون ما جربوا ولا حدا لمسهون وبتكون عذريتهم مختفية من راسون من زمان .. العذرية يا عزيز هون ( مشيرا الى رأسه ) مش هون ( مشيرا الى بين فخذيه).

-        غسّان انتو مجتمعكم غير واحنا مجتمعنا غير .. عمرك ما راح تفهمني

-        و انت عمرك ما راح تفهم الحب.

ينهضان .. ترفع رأسها وتنظر اليهم الى حيث يذهبون، ينتبه الكويتي الى وجودها فيلتفت وينظر اليها بطرف عينيه. لازالت تتابعهم، يتقدم اللبناني ليمر من بين الكراسي، يصطدم بحقيبتها الملقاة على الأرض بجانبها. ينظر اليها مبتسما:

-        آسف

تبتسم له:

-        شكرا

-        على شو؟

-        على كل شيء !

-        يقطّب جبينه .. و يبتسم .. و يضمحل   



يتبع ...

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت