كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

السبت، 31 يناير، 2009

ملامح من رواية لازالت في طور الرواية !



( لغتها العربية و قطع أحجار من كل شاطئ زارته وحجاب على الرأس، ثلاثة أشياء فقط جاءت بها من هناك. هي تركت هذه الأرض لأصحابها و ذهبت الى حيث لا يذهبون، كانت لا تريدهم و لا تريد ان ترى صبغة الشمس التي تترك لونا فريدا على الوجوه. تركت الجميع و تحدّت اللاآت التي سمعت و التهديدات التي تلقت و الصراخ الذي طال أعمق نقطة في رأسها. ذلك الصراخ الذي عاشت معه منذ كانت صغيرة، الصراخ الذي يصم آذانها ويرعبها حتى لو لم تكن هي المخطئة. العينان السوداويين التي يمتزج بهم الزئير فيغدوان بلون الدم. كانت تخاف منهم و لا تنساهم.)

كتبت هذه الفقرة منذ اكثر ن ثلاث سنين ..
استودعتها صفحة فارغة بيضاء على صدر شاشة الكمبيوتر
ونست الموضوع ..
كثيرا ما تنجب سطورا وتتركها للوقت يربيها ويعلمها كيف تنضج.
متى تتحول الفقرات الى شيئ أشبه بالقصة متذبذبة الملامح؟
لا تدري ..
بعد أن دارت فيها الحياة دورتها الكبرى ..
وانتقلت من عالم الفتيات الوردي الى عالم النساء الأحمر ..
بعد التجارب الكثيرة ..
والمسؤولية .. والنظرة الاجتماعية .. والحب .. والشجار .. ثم الحب من جديد
بعد ان امتلئت .. زارت الصفحة البيضاء من جديد
قرأت .. وأعادت القراءة لتشعر بالدفق يتسرب اليها من جديد
باتت الفقرة تعتصرها والمخاض اضحى اقوى ..
لتنجب طفلا آخر .. او فقرة أخرى ..
بعد أكثر من سنة .. رأت الفتاة التي غادرت المكان
ورجعت بلغتها العربية والأحجار والحجاب ..
كتبتها .. كتبت الفتاة صديقة اقتطعتها ظروفها الى خمسون شتات
صرخت من الفرحة لإن الفتاة جميلة وملامح قصتها أجمل ..
كتبت ..
( عندما تتزوج الفتاة سريعا، فهل هذا يعني انها الأجمل؟ الأحسن خلقا؟ الأعرق أصلا ؟ او ان والدتها أتقنت تربيتها وان والدها حفظها وصانها وجعل منها أميرة غالية فاز من اقتناها؟ ألهذا تموت وتحيى الأمهات عندما يتأخر النصيب؟ لأنهن يعتقدن ان هناك خطأ ما في بناتهن وبالتالي خطأ ما بهن؟؟ من آمن بنفسه وحدها علم ان الحياة لا تسيرها الأخطاء ولا النسب، وان الجميل هنا، قبيح هناك، والصحيح هنا من الممكن ان يكون منتهى الخطأ هناك! تتأمل الأمهات فرصة الزواج لبناتهن بعض الأحيان بلا تطلعات، الشرط الوحيد ان يكون رجلا و حسب، باعتقادهن ان تسمى الفتاة " متزوجة" أفضل مئات المرات من ان تنعت بـ " عانس". )
بعدما عرفت الفتاة وجدت اسما للملامح
غريب وغير واقعي .. تركته مثلما هو لعلها تغيره فيما بعد
مع الوقت .. ومع العشرة باتت تقتنع اكثر بالإسم
فعندما نسمي طفلا لا نعرفه أهون بكثير من تسمية شخصية عرفناها قبل ان نعرف اسمها
كتبت عن البنت كثيرا .. وتركت بين اصابعها كثيرا من نفسها
تشبهها الى حد التطابق .. وتختلف مسافات طويلة ..
تخرجت الملامح .. عملت الملامح .. عُصرت الملامح ووضعت بين مطرقة الأعراف
وسندان المجتمع الذي خلق هذه الأعراف ..
تركت عملها الأول .. ثم تركت عملها الثاني ووجدت الثالث واستقرت ..
هناك لوية خاصة في الرواية
شخصية أخرى عُصرت ايضا ..
ولا تعرف كيف تنزف عصيرها
(بعد ان تعدّت العشرين، اكتشفت انها لا تريد شيئا من هذه الدنيا سوى الحرية. كرهت اللحظات التي ترى فيها أخيها الذي يصغرها بسنتين يصفع الباب من خلفه و يذهب مع الريح الى حيث يريد. بدون أسئلة تنتظر الأجوبة وبلا رفض او قبول. لازال المجتمع يضع على كاهل الفتاة مسؤولية أنوثتها، لازالوا يحملونها عبء بكارتها و ثقل قدرتها على الإنجاب. لازالت الحياة في هذا المجتمع أصعب على المرأة من على الرجل، و كأن الأحمال التي تقع على عاتقها منذ ولادتها ليست مؤهلة بما فيه الكفاية لتصنع كيانا يدور في دائرته .. ولا يجد نفسه. )
بعد اكثر من 60 صفحة ..
أحست بالجفاف، ريق شاحب وحشرجة متعبة منعتها من السرد
ماذا حصل بعد هذا المشوار المضني ؟
اين هم الفتيات ؟ اين ذهبوا؟
لا أحد يعلم بما فيهم هي ..
أحست أنها خالق فاشل
تخلق الشخصيات، تضعهم في دائرة النور .. يعاندونها فتتركهم!
لأكثر من شهر لم تكتب لهم رسائل حب
ولأكثر من أرق لم تنهض من فراشها لتضعهم تحت اللحاف ..
ارسلت الى صديقها، كاتب مصري معروف
" لازلت أنا وروايتي نتشاجر بالوسادات الخالية، فلا أنا اسقط .. ولا هي تنسكب!"
رد عليها :
" اصبري على روح الرواية، طالما ان الشغف حي، والعشق مشتعل، ستعطيك نفسها ..
شيئا فشيئا"
ليلة البارحة .. اسيقضت من النوم فجأة ..
فتحت صفحة النور وكتبت حوارا دار بين أم وابنة ..
الملامح وأمها بدتا منسجمتين ورائعتين ..
اقفلت اللابتوب، قبلت حبيبها ونامت
اليوم في الصباح .. قرأت الحوار وأحست كم هو مشتت وناعس
شطبت كل شيء ..
واقفلت الصفحة.

الاثنين، 26 يناير، 2009

إنسحابات ليل ..

F.R.I.E.N.D.S
الفراش بارد والليل حالك والتلفون صامت
اتذكر جيدا تلك الليالي التي نمتها وانا ارثي الإتصال ..
ربما كلمتنّي من غير وقت .. وربماّ آثرت الوقت المتبقي على "تصبحبن على خير"
كانت ترسلني الى أحلى موتة صغرى .. لكنك أحيانا بخيل جدا
لا تقول "تصبحين على خير"
أحيانا لا أنام من جزع الألم .. وأحيانا أنام ساعة وأصحو على انذار كاذب لرنين الهاتف.
صامت .. اعصره بيدي، وادسّه في أنف الوسادة
علبة وأقراص مدمجة بجانب رأسي ..
كمبيوتر محمول بجانب قلبي ..
وست أصدقاء
مع الوقت .. والوحدة .. والليل اصبحوا الستة اصدقائي
اشاهدهم واضحك معهم .. ولا أمل
ينسيني "روس" أن الرجال كلهم بقرون خفية وأذيال مختبئة تحت الشجر
صدقه .. وشفافيته .. وطيبته .. بياضه
يعطيني أمل ما أنك يوما ستتغير
نقاء "ريتشل " طباع "مونيكا"
غباء "جوي " وغرابة " فيبي" ..
و "تشاندلر" ..
كان "تشادنلر" صديقي المفضل .. لإنه ليس انت
ولا شيء منك
هو لا يمت لك بصله .. لإن قلبه معلق بدنيا لا يعرفها
يحبها .. ولا يعرفها
عذرته على الضياع احيانا وعلى الإنصياع احيانا اخرى
لإنني كنت متأكدة .. أنه عندما يجد الحبيبة
سيوعدها بالإتصال .. وسيتصل!
Sex & The City
أنا وكاري في صراع دائم عليك ..
هي تقول انك مثل "بيج " وانا اضع يدي على شفاهها
الجم الفكرة من المسير قدما إليّ
مثل دجاجة عفنة .. اضعها في قفص .. ولا ازورها
غبية كاري .. تحسب أننا كلنا فاشلين مثلها ..
اختيارها عقيم .. واختياري بمنتهى الفحولة ..
أصاب الهدف وأنجب لي مليون وجع في الرأس وفي البنكرياس..
قال لها سيذهب لباريس للعمل
لبست البوريه وتعلمت الفرنسية
فاجأته بالمبادرة .. ابتسم وخنق الطير قبل ان يحلق
" اذا اردتي القدوم الى باريس تعالي .. ولكن تعالي لأجلك .. لا لأجلي "
فعلا اختنقت .. والقت شطيرتها عليه .. لم تصبه
ذابت بألمها عندما ايقنت أنه لا يفهم ..
بعد فترة من تيه وصراع قالت له:
" اذهب الى باريس .. أنا لن آتي "
قلت لي أنك تخطط لوليمة ..
حفل يضم الأصدقاء ..
أخذت على عاتقي اقتفاء قائمة طلباتك
ديكور .. مقبلات .. ألعاب .. وهدايا
كل طلبات الضيوف ..
ونسيت فستاني !
قلت لي " أي فستان"؟ .. لا داعي لفستان
عرفت أنني لست من بين الضيوف ..
درت في مكاني دورتين شمسيتين ..
وسقطت عندما رأيت الدنيا لا تدور
ذهبت للمنزل وارسلت لك رسالة قصيرة
" اذهب الى باريس .. أنا لن آتي"
في الصباح .. أو في الوقت الضائع ما بعد السهرة
ارسلت لي رسالة اقصر ..
كتبت: "هه ؟؟"
Six Feet Under
كنت في غاية مرحلة ما من حياتي .. عندما ايقنت ما للعمق من جمال
أصبحت عضوا من الأسرة غريبة الأطوار ..
لازالوا يرون والدهم المتوفي .. يحادثونه ويتشاجرون معه
وأنا لا زلت أحبك ..
نيت لا يعرف من يحب
ديفيد لا يعرف ماذا يحب
وكلير لا تعرف متى تحب ..
عائلة القبور تلك كانت تدفن الموتى ..
وتنسى ان تخرج رأسها من تحت التراب ..
ادهشتني المفارقات ولعبت في دهاليز قلبي معك
كل المتوفين تحت ست أقدام من تراب
وانا وأنت كنا تحت سبعة ..
لازلت أدس رأسي صعودا يائسا للأعلى
ليستنشق حبّي ولو شهقة هواء ..
أنا آخذ الأوكسجين وأخبئه لمستقبل مشترك ..
وانت تزفر كل ما جمعت للبيات العاطفي ..
أنا اشهق .. وانت تزفر هواءا حارقا في قبر علاقتنا
أنا أحاول الحياة .. وأنت تستعجل الموت
كم كنت غبيّة .. لم أفهم الإشارات من البداية
كنت اصارع الهواء والسماء والنسمات والرحيق
كنت اصارع كل ما يحبه الآخرين .. لأجلك
كنت لا تحب الآخرين
ماتت زوجة نيت .. وترك ديفد كيث .. وعرفت كلير الى اين ستذهب ..
وقتها فقط .. تركت يديك ..
أفلتُ الشهقة الكبرى الى المساء
فسحبتني اليها ..
وتحررت منك.

الأحد، 25 يناير، 2009

صداقة الألم والغفران ..

(( قصة حقيقية ))
شهرين من الفراق:
قضيت في بيت والدتي ما يقارب الستين يوما فترة نفاس متعبة وشاقة. كنت محاطة بأهلي وأطفالي الأولاد الثلاثة الى ان جاء اليوم الذي قررت فيه الرجوع لمنزلي، ذهبت مع اختي للسوق لشراء ملابس أنيقة أرتديها لزوجي كعروس جديدة. كم انتظرت هذا اليوم لأعود الى بيتي بعد طول غياب، فنستأنف – أنا وزوجي - ما توّقفنا عنده، و نكمل ما بدأناه معا.
كان زوجي *جاسم بمنتهى السعادة، فقد أخذ على عاتقه تنظيف المنزل وتجهيزه احتفالا بعودتي. أتذكر انه اخبرني " أنه قد سأم المنزل من دوني، وانني من يجعل هذه الشقة الصغيرة جنّته في الدنيا". احمّر وجهي خجلا وأنا اسمع كلماته العذبة و مشاعره الصادقة.
وصلت منزلي بعد اكثر شهرين من الفراق، رائحة البيت الذي انشأناه معا لازالت ذاتها الرائحة المعجونة بالحب والسعادة. كان جاسم بإستقبالي ساعتها، أخذني من يدي وأجلسني على الأريكة، أخذ طفلنا الجديد ودار به في ارجاء المنزل يعرفه بطريقة كوميدية على المكان!

اللون:
في الصباح قبلني جاسم وابتسم قائلا: "أحبك"، لبس ملابسه الأنيقة ورحل للعمل. استيقضت بعد حين لأصلح كل ما قد اهمله جاسم عندما لم أكن هنا. ذهبت لغرفة أولادي الثلاثة الكبار لأجدهم في أسرّتهم نائمين، ابتسمت وتوّجهت لغرفة الغسيل لأقوم بفرز أكوام الملابس التي تركها زوجي تلّة كبيرة على الأرض. كتمتُ نفسا حارا فرّ من أنفي، فتحت عيناي اكثر على بقعة اللون الترابية التي تحدق فيني بلا توقف، قربت قميصه من أنفي علّه يعطيني تفسيرا منطقيا آخر! شممت القميص لتتأكد جوارحي ان البقعة ما هي إلا "كريم أساس"، والرائحة ما هي إلا عطر نسائي معروف.


الطعم:
سقطتُ على الأرض و انا أمسك نبض قلبي بيدي، لازال القميص بيدي و العطر يزكم أنفي. زحفت لكومة ملابسه مرّة اخرى و تفحصتها قطعة قطعة، اجتاحتني الدموع فلم اعد استطيع رؤية تفاصيل البقع على ملابسه و لكنّي استمريت في النبش و التنقيب الى ان وجدت قميصا آخر يحمل بصمة اكبر! قميص ازرق فاتح قد تلطّخ ببقعة باهتة بلون الدم، مسحتها بأصبعي، شممتها لأعرف يقينا انها أحمر شفاه!
طعم غريب وجدته يعتريني، مزيج متناقض من المرارة و القهر و الذل و الحسرة. استلقيت على الأرض الباردة و بكيت طويلا الى ان سمعت صوت صدى بكائي يأتي من غرفة نومي البعيدة. كان طفلي الصغير يبكي طلبا لرضعته. سحبت نفسي لأقف وامشي نحوه كالخيال التائه. اذكر أنني في طريقي اليه كنت أتساءل: هل سيكون طعم حليبي مُرّا علقما كطعم الألم الذي اجتاحني؟

الصوت:
بعدما ارضعت طفلي قررت ان الملم شتات نفسي واحفظ توازني من أجل أطفالي. استلقيتُ على فراشي تلعب بي الأفكار كورقة خريف يلقيها الهواء على ناصية الطريق. جاء ابني البكر *أحمد – 10 سنوات- قبلني وضمني بقوّة، وددت لو ابكي على كتفه، لو اخبره بهمّي فينصحني. ولكني آثرت الصمت حفاظا على روحه البريئة.
بعدما تركني فكرّت به وبإخوته الصغار و طفلي الجديد، أربع أولاد بعمر الطفولة الجميل و الأحلام التي لا يوقفها الواقع عند حد. من أكون انا لأهدمها لهم بمطرقة "الخيانة" التي يفوق وقعها طفولتهم عمرا وعُمقا؟
مرّ الوقت يزحف بكدر حتى تعب تفكيري من الدوران حول احجية الحل الضائع، فتركت المسألة بلا حلول.
دخل جاسم قبيل المساء، قبلني وحمل طفله يداعبه، و أنا انظر اليه .. ولا ابتسم!

في الليل عندما نام زوجي أخذت هاتفه النقّال واختبئت في حمّام غرفة الأطفال، فتحت صندوق الرسائل وإذا بعشرات الرسائل من رقم هاتف لا يصاحبه اسم! رسائل حب وهيام، رسائل شوق ووله، رسائل ملؤها الأمل وانتظار الغد الموعود! رسائل تقطر احلاما بلم الشمل تحت سقف واحد. رسائل تنتظر لحظة اللقاء في بيت الزوجية وتنتظر أطفالا بأسماء متفق عليها مسبقا! قرأت الرسائل كلها وبكيت حظّي العاثر وحظهّا! بكيت على نفسي وعليها! لأول مرّة أجد نفسي في موضع مليئ بالمتناقضات، كان يجب ان اكرهها، ان احقد عليها واتمنى موتها، ولكني كلمّا قرأت رسالة يتأكد ظنّي أنها مثلي تماما .. ضحية!

من رسائها عرفت أنها في الجامعة، فتاة صغيرة مليئة بالحياة كالزهور الربيعية. كلماتها مليئة بالعفوية والطيبة والرقي. رسائلها تنم عن شفافية واضحة وأخلاق عالية. أدعية جميلة له بالتوفيق والحفظ من كل مكروه والسلامة من كل شر! رسائلها تشير الى روحها المسالمة وحلمها الفطري بالحب والزواج من شاب كان من الواضح عندها انه غير متزوّج و غير مرتبط بأي ارتباطات مسبقة. جلستُ في الحمّام و بكيتُها، وخرجت .. وأنا على استعداد لمحاربة زوجي لأجلي ولأجلها!

الرائحة:
يقولون أن للكذب رائحة .. وأنا قد شممت عفنها حتى قبل ان يفتح فمه!
في الصباح الباكر استيقض كعادته وذهب للعمل، أخذت ابنائي الثلاثة الكبار في الظهيرة الى بيت والدتي ورجعت لمنزلي قبل موعد وصوله بدقائق. جلستُ انتظره الى دخل يرتدي ابتسامته الواثقة المعتادة. أخذت القميصين بكلتا يداي وأريته بقع الألوان، فحدّق بعيناه و صمت!
خطفتُ هاتفه من يده و أريته الرسائل واحدة تلوى الأخرى ففغر فاهه و صمت! سقط على قدماي بدون مقدمات، يقبلها و يرجو منّي ما تبقّى في جعبتي من سماح و غفران. أخبرني انها كانت نزوة، وأنني ما ان رجعت المنزل من بعد فترة نفاسي تركها. هو لم يتصل بها منذ ذلك اليوم ولا ينوي الإتصال! قال انه كان يشعر بالوحدة من دوني، قال انني كنت مشغولة عنه بالزيارات وبالأطفال وبجروحي وآلام ما بعد الولادة! قال انه يحتاجني ويحبني ولا يحب أحد غيري!
قال أنه انهى الموضوع معها فأخبرها كذبا ان أهله قد عارضوا زواجه منها لصغر سنها، و أنهم قد علموا بأمرها فاشتعلت نار الخلاف في العائلة. قال للمسكينة أن آمالها يجب ان تُدفن، وأحلامها بالستر والزواج والأولاد والأسرة يجب ان توأد حتى قبل ان تولد!
أكّد مرارا انه لا يحبها، فهي كانت تملئ فراغا شاغرا خلّفه غيابي، وقد انسته عودتي كل الذي كان. طلب منّي الصفح و الغفران، ووعدني أنها المرّة الأولى والأخيرة!
ليلتها نمت في غرفة أولادي .. و أنا اعتزم ان ارى الفتاة غدا ما ان يخرج هو للعمل.

انهم ابناء جاسم .. و أنا زوجته!
خرج للعمل بعد ان طبع قبلة ندم على جبيني، لم افتح عيناي لأرى وجهه هذه المرّة، ولم ابتسم له مودعة. انتظرت حتى الساعة التاسعة لأتصل على رقم هاتفها الذي أخذته خلسة من هاتفه. رد الصوت ناعما ونقي. لا اعلم كيف .. ولكني اخبرتها أنني ابنة عم جاسم و أنني احمل رسالة منه لها. تهللت أساريرها ولمحت في صوتها اضطراب وفرح. اتفقنا ان نرى بعضنا في الواحدة ظهرا في المقهى القريب من بيتي .. فوافقت!

جاءت الساعة الواحدة لأجد نفسي أجلس في الكرسي المقابل لبوابة المقهى، لم اكن أعلم من انتظر ولكني كنت متأكدة انني سأعرفها. في الواحدة و ثلاث دقائق دخلت فتاة نحيلة، ناعمة الملامح وأنيقة الملبس. كان التعب يتكدس لونا غامقا تحت عينيها وكأنها لم تنم منذ أيام. نظرت نحوي فابتسمتُ وابتسمت، صافحتني بيد مرتعشة وجلست بالكرسي المقابل. مرّة أخرى وددت لو اكرهها فلم استطع. كان في ملامحها طيبة من نوع فريد، وفي عينيها صفاء واضح. ما ان جلست حتى سألتني عنه. أخبرتها أنني لا أحمل لها رسالة منه ولكني جئت لها ببادرة شخصية منّي.

اعتذرتُ مقدما عمّا سأقوله لها، وأخبرتها أنني فعلا أشعر بألمها و معاناتها. أخبرتها أن ليس هناك في عائلة جاسم خلاف او نزاع بسببها! والداه أصلا لا يعلمان شيئا عنها! نظرت في عيناي بتعجب .. وتطلعت للمزيد.
أخرجتُ من حقيبتي ثلاث بطاقات مدنيّة ووضعتها أمامها، نزلت دمعة من عينني وأخبرتها أنني آسفة. نظرت الى البطاقات أمامها، حملت واحدة وقرأتها. أسم ابني الرباعي، اسمه ثم اسم والده و جده وكنية عائلته. حملت البطاقة الثانية لتقرأ اسم ابني الثاني، فالثالث! رفعت رأسها اليّ و سألت: من هؤلاء؟
أخبرتها انهم ابناء جاسم .. و أنني زوجته!

ضحكت .. ثم بكت .. ثم ضحكت و بكت في نفس الوقت، لم أتمالك نفسي فبكيت وضحكت معها. أخبرتها الحقيقة الكاملة بلا زيادة او نقصان. أخبرتها عن الماكياج الذي وجدته على ملابسه فبكت بحرقة وأخبرتني انه لم يلمسها يوما، علمنا معا ان هناك ضحيّة ثالثة وقعت في شباك نزواته.
أخبرتني كيف اصطادها عند بوّابة جامعتها عندما رأته يقف مع مجموعة من الشباب. عن الليالي التي كان يقضيها يحدثها بالهاتف عن أحلامه في الزواج منها، عن المسرحية الدرامية السمجة التي مثلها عليها عندما علم ان رجل ما قد تقدّم لخطبتها! عن أسماء أطفاله معها، موقع منزل الزوجية الذي سيعيشان فيه! عن يوم عيد ميلاده المزيّف الذي اهدته فيه هديّة ثمينة استرجعها و أخذ ثمنها!

في تلك الجلسة الطويلة عرفت ُعن زوجي جانبه الحقير المظلم، وهي عرفت عن الرجل الذي ارادت ان تتزوجه اشياءا وفرّت عليها وجعا مثل وجعي.

اعترف انني احببتها، فتحتُ لها قلبي المليئ بالمرارة فوضعت عليه بلسم أخلاقها العالية وغفرانها. و فتحت لي قلبها المكسور لأجبره لها بجبيرة الحقيقة و القلب الذي عرف وعفى.
أنا لازلت أعيش مع زوجي في بيت واحد، لدّي منه الآن خمسة اولاد، يعيشون في حضن والدين قد احترفا الإبتسامات المزيفة. أما هي .. فقد تزوجت من رجل يحبها و يحترمها.

ولازلنا – أنا وهي - نتواصل من حين الى حين.

الخميس، 22 يناير، 2009

رواء

((المصعد ))
نظرة مقتضبة قابلتها إلتفاتة صغيرة في مكان عام لا يسمح للمبادرات الكبيرة، الإثنان كانوا بمنتهى الفضول .. ومنتهى الخجل!
هو، كان يريد ان يعرف اسمها.
وهي، كانت تريد ان تعرف أي نوع من القهوة يرتشف.
هو، دوّخه استرسال الكحل قصيدا غامقا داخل عينيها.
وهي اسكرتها رائحة دخان الكوب ينبعث برخاء الى الأفق.
المكّان ضيّق، عادة ما يشعر الناس بحرج عندما يحشرون صدفة داخل مصعد! ربمّا لإن التقارب الذي يفرض نفسه يسمح للعين ان تسوح داخل حدود الآخر.
هو لم يستطع ان يكبح عيناه، وهي لم تقوى على كبح شقاوة أنفها.

((التعارف))
وعد نفسه انه سيجدها، أخذ رقم سيارتها واستخرج كل معلوماتها، تنفس صعداء الأمل عندما علم انها لم تكن متزوجة. قاد سيارته الى المنزل وأخبر والدته عنها.
سألت، وعلمت أنها بالكاد تخرجت من كلية البنات، فتاة خلوقة ومأدبة من عائلة محترمة. أمها دكتورة في الجامعة، ووالدها وكيل وزارة. استبشر. ودبّت ألف نملة نزقة في صدره عندما حددوا موعد للتعارف، كان يعلم انه سيراها .. وسيعرف اسمها.

((النخلة))
بيت منسّق على زاوية احدى الضواحي، حديقة جميلة سوّرت ارض المنزل تتغنّى فيها ازهار فاح رحيقها. جاءت النملات الشقيات مرّة أخرى الى صدره عندما لمح سيارتها تحت المظلة. وسط الحديقة نخلة اطول من قامته بقليل، بانت النخلة فتيّة وطازجة. لا يعرف لماذا، ولكنه تفاءل خيرا عندما رآها راسخة. بدت وكأنها ترحب به ضيفا كريما لمستقبل جميل.

((النظرة))
جلس مع والدته وخالته بعيدا عن كل شيء، كان يمنتهى الخجل والألف نملة لا يتركنه لوحده. دغدغته خطواتها وهي تعزف نزولا على الدرج. علم انها هي، ذاتها الخطوات التي ابتعدت مسرعة من المصعد الى السيارة، أخذتها وطارت بها بلا وداع.
رأته فعرفته: (لتوّنا كنّا في المصعد، كيف وصل الى هنا؟ )
ابتسمت وجلست لصيقة بوالدتها. تحس بلهيب النظرات تشتعل لهفة اليها، ابتسامة متوارية غلبها تجاهل مصطنع.
كانت تراه ولكنها لم تلتفت اليه ابدا.


((الكلمة))
أخذت والدتها ضيفتاها لجولة ذات مغزى في ارجاء المنزل الكبير، تركاها معه.
مرحبا .. آنا طارق ..
لم ترد ولكنها ابتسمت و اطرقت. لم تشعر يوما بجيوش الخجل تجتاحها اكثر من اليوم.
والنملات، كنّ يقفزن فوق رأسه من الفرح.
صمت ..
رفعت رأسها من على الأرض: رواء !

((الحب))
لم يعرف يوما هذا النوع من التوهان. ضياع لذيذ في عالمها، لا يريد ان يجد نفسه ..
تتصل به كل يوم لتخبره ماذا اشترت، ومن صادفت، وكيف اخبرتهم انها ستتزوج وكيف باركو لها من وراء قلوبهم، عالمه كلّه اصبح مختصرا في روايات رواء. هو البطل وهي الحبيبة.

((العشرة))
قالت له أنها لا تطيقه، رائحته تؤذيها، أخذت نفسها وما في بطنها وغادرت الى بيت والدها. تحكي له كل يوم عن تموجات أمومتها. تخبره بالتفاصيل الدقيقة كيف كان يومها، وكيف انقضى. هي تحبه ولكنها في هذه المرحلة تريد ان يكون الحب بعيدا بلا لون ولا رائحة .. الصوت يفي بالغرض.

((العشرة مرّة أخرى))
سلحفاة هي الحياة، طفل وعمل وبيت وخادمة .. كل شيء مثلما هو ولا أحداث تقطع اليوم الرتيب. هو بمنتهى السعادة .. وهي بمنتهى الملل!

((ما بعد الحب))
لا تريد ان تبقى .. أخذت الطفل وتركت المنزل. قالت انه جاف وهي لم تعد ترتوي. تمنعه عادة حالة والدته الصحية من السفر، حاول ان يأخذها بعيدا لتغيّر ألوانها، ولكنه اكتشف أن الألوان لم تكن المشكلة. احتواها بإسم العشرة .. وابتعدت لإنها لازالت عطشة.

((عطش))
في البيت فراغ .. وفي القلب فراغ .. ولا احد يروي هذا الفراغ


((الحب من جديد))
في المصعد .. اكبر بقليل من ذاك، وقف يرتشف قهوته "to go" وسط سحابة من بشر، كبير ولكنه مزدحم. لا يعلم لماذا أحس أنه يطير رغما من هبوط المكان. خرج الناس وهمّ بالرحيل. استوقفته ابتسامة مكحلة، في العين عميق وغامق، وغرّة كثيفة تغطّي الجبين ..
لو سمحت .. شنو نوع قهوتك؟

....... عشرين ألف نملة ............

الثلاثاء، 20 يناير، 2009

غادة وغادة ورحاب



كلما سافرت الى مصر المعمورة ..أم الدنيا الأمورة .. يجب ان ازور شيئين:

مدينة نصر .. لإنها دنيا داخل دنيا
.. ومكتبة ..
من يقرأ باستمرار يعلم أن مصر لن تدعه يرحل خالي اليدين
لن تتركه يسافر إلا عندما يشتري آخر الكتب والروايات اللذيذة ..
في مجمع سيتي ستارز، كان لي موعد مع الشروق
مكتبة جميلة تختلف قليلا عن مكتبات نص البلد القديمة المهترأة
صحيح ان في نص البلد يشعر "صائد الكتب" أنه يشم رائحة جاكيت نجيب محفوظ و طاقية العقاد
ولكن في مكتبة الشروق .. اشعر اني اصافح كل ما هو جميل .. وكل ماهو جديد!
أخذت اصدقائي الملونين، دفعت ثمنهم وهممت بالخروج
استوقفني شاب وسيم يعمل بالمكتبة:
انتي مش من مصر .. صح!
اجبته لا .. وابتسمت ..
هناك شيء في وجوه المصريين يجعلك تلقائيا تبتسم ..
أخذ كتاب اخضر ووضعه ضمن طابور الكتب الذي وقف في كيسي
لازم تأري الكتاب ده .. ده من اجمل الكتب حيخليكي تضحكي موت
............. (( عايزة اتجوز !!)) ....................
بس أنا متجوزة !؟
ضحك: أنت بس اأريه .. وحتدعيلي ..
أخذت الكتاب ولم افتحه إلا وانا في الطائرة ..
غادة عبدالعال مدونة مصرية لذيذة وخفيفة دم وطعمة ولمضة .. وكل حاجة ..
اقتنصتها دار الشروق للنشر " الغنية عن التعريف" هي واثنتان من زميلاتها المدونات لتحيل مدوناتهم المتميزة الى كتب مطبوعة:
* غادة عبد العال : كتاب ( عايزة اتجوز )
* رحاب بسام : كتاب ( رز باللبن لشخصين )
* غادة محمد محمود : كتاب ( أما هذه فرقصتي )
قرأت لغادة الأولى فإذا أنا أجلس مقابل فتاة احترفت الضحك على نفسها وعلى عقلية المجتمع المتخلفة بالنسبة للزواج
تأخر العرسان - العرسان انفسهم - زواج الصالونات " بالكويتي خطبة الأهل" - معاير الصديقات والجارات - نظرات الشفقة - ودعوات تفريج الكرب والهم والشدة الغير موجودة اصلا في رؤوسهم!!
ناقشت غادة الموضوع الحساس جدا بفكاهة راقية جدا، ونكته خفيفة تخللتها الكثير من المشاعر الصادقة ونداءات العقل والمنطق.
في الطائرة ، وعلى الأريكة وعلى المخدة .. اقرأ ..فيسمع الجيران ضحكاتي وقهقهاتي !!
لم اضحك يوما على مادة مقروءة .. مثلما ضحكت مع غادة عبد العال ..
الكتاب الثاني المستمد من مدونة ضمن سلسلة اعمال " مدونة الشروق " كان للشفافة رحاب بسّام
ارسلت وراء "رز باللبن لشخصين " ليأتيني على طبق وردي من مصر بعدما انتهيت من كتاب غادة ..
قصص قصيرة تتمتع بأسلوب يدعوا رعشات قشعريرة التواصل الروحي مع النفس ومع الكاتبة
لغة رائعة، أحداث مترابطة، احاسيس بمنتهى الرقة والدفئ والحنان، ابداع فكري منقطع النظير ، وشفافية جميلة ..
قرأت لرحاب فأحسست أنني اعرفها من زماااااااااااان .. صديقتان نحن أنا من الكويت وهي من مصر
نمشي معا في شارع رمسيس ونخترق الكوبري معا !!
نتحادث ونتسامر ولا يوقفنا إلا افتراق الطرق
ففي النهاية هي يجب ان ترجع لتتحمم برحيق النيل ..
وأنا يجب ان اعود واغوص بأغوار الخليج !!
مياهنا مختلفة .. لكن اعماقنا حتما واحدة
من يحب الإبداع العميق، اللعب بالنار مع الكلمة، وتمديد الفكرة على بساط الخاطر
يجب ان يأكل رز باللبن مع رحاب
الكتاب الثالث كان " أما هذه فرقصتي " لغادة محمد محمود
بنت كده كيوووووووووت مكلبضة ونعنوشة
شاهدتها في مقابلة تلفزيونية على اليوتوب مع المبدعتين غادة ورحاب ..
في الحقيقة لم اقرأ كتابها .. ولم أجد عنوانا لمودونتها ..
ولكني حتما ارسلت وراء الكتاب .. من المفروض ان يأتيني طائرا عاشقا من مصر بعد اسبوع ..
سألتهمه بنهم كعادتي .. واعود لأكتب عن رقصتها ..

جميل ان تكون مدوناتنا عنوان لا يتوّه عن ثقافتنا وموهبنتنا .. والأجمل ان يجد المعني طريقنا .. وعلينا ينهال الشروق !

الاثنين، 19 يناير، 2009

وأنا في ايام الصحو ما حدا نطرني ..

في السيارة وسط الزحام تزفر بقلق خشية أن تتأخر مرّة اخرى عن العمل. تدغدغ اذنيها اغنية جميلة وصوت عظيم:
" أنا لحبيبي وحبيبي إلي .. يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي" ..
تنسى الزحام و السيارة والعمل لتمد يدا متعبة الى فيروز تصافحها من بعيد. نعم سأكون لحبيبي طوال عمري حتى بعد الرحيل، تذكرت أن عقد عمل زوجها الأجنبي سينتهي بعد شهرين، سألت في مصالح الدولة ووزارتها عن امكانية ابقاءه معها في وطنها الحبيب، فأقفلت الأبواب بوجهها هي ابنة الكويت المدللة.
ناقشت الموضوع مع مسؤول ملول: " شنو يعني "ما يصير" أنا اشتغل في وظيفة محترمة في بنك مرموق، معاشي اكثر من الف واربعمائة دينار وبإستطاعتي اعالة اسرتي لمّا يلقى زوجي وظيفة ثانية هني".
واضافت: "وزوجي اساسا مدخر مبلغ محترم يضمن له عيشة كريمة في هالبلد" وصرخت: " ليش ما يبقى في الكويت على كفالتي .. زوجته وام عياله"!!
لم يرد أحد على صرخاتها، ولم تتزحزح علامات الإستفهام من على رأسها الموجوع.
قررت الرحيل، الهجرة مع الحبيب لإن فيروز صدقت، هي لحبيبها وحبيبها لها، حتى العصفورة البيضا، "الطائرة" التي ستقلها بعيدا عن الوطن الذي لا يدعم قراراتها الحرة ولا يساوي حقوقها بحقوق مواطنها الرجل في اتخاذ الشخص المناسب زوجا ايما كان! هي لا تريد تلك العصفورة أن تدس منقارها في مالا يعنيها، ولا تريدها ان تسألها، ولا تريدها ان تعرف الى اين هي ذاهبة! فبعد جريمة الترحيل .. لم تعد الوجهة تهم.
بكرا برجع بوقف معكم .. اذا مش بكرا البعدو أكيد ..
انتو احكوني وانا بسمعكم .. حتى لو الصوت بعيد ..
في سيارتها، على الإشارة التي استوقفتها مثلما استوقف دستور ناقص حلمها في الإستقرار في الوطن مثلها مثل بنات الكويت الأخريات. في لحظة ما بين الأحمر والأخضر بكت. قالت فيروز بكرا برجع بوقف معكم: أي بكرا ومتى يأتي؟ بعض الأيام توعد ولا تفي، تخلف بوعدها فيطول الإنتظار. بكت اكثر عندما تذكرت وجه امها عندما ابلغتها بالخبر. نحن راحلون، أنا وحبيبي وابنتي الأجنبية راحلون لعلّ الوطن يفتقدنا ويرسل بطلبنا بصك الإنتماء. كيف لدولة أن تتخلى عن بناتها بهذه السهولة؟ وكيف لمُشرِع أن يقف وسط الحبيبين، إما الحبيب او الوطن! كيف لقانون اسبغ للرجل ونسى ان يضع تاء التأنيث بالحسبة! قالت لها والدتها وهي تبكي بجلسة فرقعة الخبر " اذا ضاق خلقج يا ابنيتي ناديني .. ناجيني .. وأنا راح اسمعج حتى لو كنتي بعيدة". يا لهذه الفيروز .. تغني وتطرب العالم .. وتضرب على الجرح.
اعطني الناي وغنّي .. فالغنى سر الخلود – فأنين الناي يفنى .. بعد ان يفنى الوجود ..
انفرجت الإشارة وانطلقت نحو المبنى الكبير القابع في المنتصف، بعد الدموع جاءت ابتسامة عندما سمعت صوت الناي يناديها من بعيد، يداعب اذناها ويخبرها ان لا تخاف، فالوجود كبير والدنيا واسعة. فإن ضاقت عين الوطن عليها ستحتويها مقلة الغاب منزلا دون القصور، هي تعلم انها ستسعد مثل فيروز التي جلست العصر بين جفنات العنب زاهدة فيما سيأتي .. ناسية ما قد مضى!

البصقة الكبرى


أؤمن ايمان مطلق بقناعات الآخرين التي تؤدي الى سعادتهم
أحيانا أجد المنطقية بها وأحيانا كثيرة أفشل في اقتناص الفكرة
الأفكار بحر سرّي أكبر من المحيطات، نسبح فيه ولا نخاف من الغرق
ومن غرق يوما بأفكاره فقد عاش ولم يمت ..
ارى والدتي تعامل أبي كالملك، لازالت حتى بعد زوال السلطان
راضية بدور الجارية،
كثيرا ما تنتقدها اخواتها، وتتمسكن عليها صديقاتها ..
ولكنها ربما تكون اسعدهم كلهم.
قالت لي يوما: الكل له الظاهر ولا احد يعلم ما الذي يدور خلف الأبواب المغلقة
صدقت .. ربما كانت هي خلف تلك الأبواب مليكته و سلطانته
والباقيات .. خدم وسبايا من الداخل يضعون اقنعة السيدات.
قريبتي عاشت اكثر من عشرين سنة زواج مع رجل يضربها
يسكر ليلا في اوكارة النتنة ويسري الى مخدعها
كثيرا ما اضاع عنوان الفراش وذهب الى غرفة الخادمة
كانت تأتي لمنزلنا باليل مشققة مدممة ..
توقضني من نومي فأفزع، استوعب انها هي ..
فأذهب اوقض والدي من رقاده ليحل لها المشكلة
طلبت الطلاق في المرة الأولى .. ثم سحبت طلبها
عندما ارسل لها ورقة مكتوب عليها بيت شعر سرقه من اغنية محمد عبده
عادت .. ليفتك بها اكثر بعد فترة
جرجرها الى بقعة بعيدة صحراوية في ليلة
كسر ركبتها، شق وجهها وحمل صخرة فوق رأيها ليفتت جمجمتها وتموت
كان سكرانا، ضربته بتوفيق من الحظ .. وهربت
جاءت مرة أخرى الى بيتي تحمل جروحها في كيس قمامة
ادخلت المستشفى ولم ترفع قضية على ابو لعيال ولكنها طلبت الطلاق .. وتطلقت
بعد فترة .. وبعد اغنية أخرى من اغان محمد عبده
تزوجا ..
عادت مرة اخرى للرجل الذي عاشت فيلم رعب معه ..
كل الزوجات يشاهدون فلم رعب مع ازواجهم .. إلا هي .. عاشت واحدا معه
بناتها في حيرة، أخواتها في حيرة .. وهي في حيرة
لماذا ترجع كلما ارسل لها شطرا مسروقا من اغنية متقنة
المرة الاخيرة .. سكر وغضب ورمى عليها راديو حديدي صغير
تجنبته وهربت ..
طلبت الطلاق هذه المرة وقالت لأخواتها ان عدت له تفلو على وجهي
الكل كان يجمع كومات اللعاب في حلقه تأهبا للبصقة الكبرى
الى الآن .. هي لم تعد اليه !!
أؤمن ايمان مطلق بقناعة الآخر التي تؤدي الى سعادته ..
ولكن ماذا اذا لم يكن الآخر .. يعرف ما هي السعادة!

الأحد، 11 يناير، 2009

اتغدو فيهم قبل لا يتعشون فيكم

قصة اشبة بالخيال مع وكالة السيارات و شركة التأمين
حقيقية جدا .. واقعية جدا .. حصلت لي شخصيا .. اليوم !!

أوكي .. فلنسمي وكالة سيارتي " مكسيس " وفلنسمي شركة تأميني "البويت للتأمين"
السنة الماضية اشتريت بوليصة تأمين شامل من شركة "البويت للتأمين" على سيارتي "المكسيس" موديل 2006
فرحانة أنا بسيرتي الجميلة .. وفرحانة اكثر ببوليصة التأمين التي ستقيني قرصة الأيام السوداء عندما يضمحل الحظ وتنضرب السيارة
وابقى أنا بخيار واحد وهو دفع المبلغ الطائل كاملا .. لإن سيارتي تعتبر من السيارات ذات قطع الغيار الغالية نسبيا.

في يوم كنت اكتب رسالة لزوجي (( فعلا يا جماعة الـ SMS أثناء القيادة جدا خطر)) ضربت الرصيف وانشق التاير شقتين
بالإظافة الى بعد الضربات المؤلمة التي حصلت اسفل السيارة بجانب التاير الأمامي اليميني إللي راح فيها!
كالعادة .. طرت الى شركة التأمين لأستغل البوليصة، ولأحظى بالخدمة الرائعة الموصوفة في العقد.
"انسدح" الأخ المعاين لشركة التأمين تحت السيارة وشاف وقال " لا ان شاء الله بسيطة .. مو متعورة وايد" ..
عطاني ورقتي .. ورحت طيران للوكالة " مكسيس" .. إللي كانوا سريعين جدا في معاينة السيارة مبدئيا وطمئنتي أن الأعطال "ان شاء الله بسيطة، ومش حتكلف كتير".
طبعا باتت سيارتي عند وكالتها .. واتصلت الوكالة بشركة "البويت " للتأمين لتعطيها المقايسة الأخيرة والسعر النهائي للتصليح والذي من المفروض ان تتكفل الشركة بنصفة والعميل " أنا " بالنصف الآخر، لإن الحادث كان ضد مجهول، والسيارة مضروبة من الأسفل!

اتفقوا الجماعة فيما بينهم .. واتصلت بي شركة التأمين لتزف لي الخبر الجميل وتعطيني البشاير !!
- يا فندم تصليح سيارتك حيتكلف 803 دينار ..
كنت اسمع صوت تكسر الزجاج من حولي وانهيار الجبال !!
- شلون 803 دنانير يعني !! الوكالة قالتلي ان الضربة بسيطة ، و موظف المعاينة عندكم قال "ان شاء الله " بسيطة !! شلون ضربة بسيطة تتكلف 803 دينار !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
اجتاحتني كل علامات الإستفهام .. وعلامات التعجب في آن واحد وأخذت تتطاير فوق رأسي كالذباب المسعور.
- والله يا فندم تقدري تتصلي بالمهندس " عسامة" وتسأليه .. هو يديكي كل التفاصيل.
واتصلت على المهندس الوسيم الرايق "عسامة" وسألته عن تفاصيل الأضرار إللي يستلزم تصليحها 803 دنانير!
طبعا قرق على راسي .. وقال لي اشياء ومصطلحات وأسامي قطغ غيار .. وحدة مثلي كلّة منقعة بالآفنيوز او جدام الكمبيوتر ما تفهمها!
سألته ان كان باستطاعته ارسال فاتورة او مقايسة تفصيلة لكافة الأضرار إللي قالها لي بالفاكس .. اعتذر لأسباب واهية وقال:
(( ممكن تيجي حضرتك عندي بالوكالة هنا وانا اشرحلك كل حاجة من جديد ..))
حسيت نفسي غبية وصعقت التلفون ..
الخطة (باء) تشغيل واسطات الخصم والمراعاة:
استنجدت بزميلي في العمل ، والذي ينتمي لنفس العائلة المالكة للوكالة " مكسيس" ليخابرهم بالنيابة عنّي ويسقطون شيئا من المبلغ المحترم.
جاءني بالنبأ المفاجأة:
- المهندس "عسامة" يقول أن لازم نكلم شركة التأمين، لإن وضحلي بيني وبينه أن تصليح السيارة يكلف ما يقارب الـ 400 دينار فقط، ولكن تعقد عادة وكالات السيارات اتفاق مع شركات التأمين حيث تقدم الوكالة للشركة السعر الذي يمكن شركة التأمين من جعل العميل يدفع السعر كاملا معتقدا انه يدفع النصف فقط!! واضاف زميلي ( هكذا تربح شركات التأمين .. يحاولون قدر المستطاع، ان يقللوا المبلغ المدفوع من قبلهم عن طريق القص والنهب من العميل الذي يعتقد ان شركة التأمين تدفع التزامها النسبي والمذكور بالعقد مع العميل كاملا ، بينما في الحقيقة هم لا يدفعون شيء والعميل يدفع اغلب المبلغ)!!
شبت النار في رأسي .. وقررت بكل عزم (( صار يا "مكسيس" ويا "البويت للتأمين" .. يا آنا .. يا انتو ))
اتصلت بالموظفة المحترمة إللي ياتني الدوام بكل حبابة واقنعتني بشراء البوليصة من شركتها وقلت التالي:
- سمعي يا .........، أنا اتصلت على واحد من عائلة ........... اصحاب وكالة " مكسيس" وقلت له يكلمهم عشان يعطوني خصم، وطبعا لإن هو واحد منهم وفيهم قالو له الخطة الملعوبة بينكم وبين الوكالة .. سيارتي تصليحها 400 دينار والمطالبة 800 دينار. راح توهموني انكم تدفعون النصف وانتو في الحقيقة تدفعون 0 وانا ادفع كل المبلغ. الحين تكلمين الإدارة وتوافيني حالا وعاجلا بالمبلغ النهائي لتصليح سيارتي.
بعد ساعة اتصلت على ........... قائلة:
- هذا الكلام مو صحيح ، والوكالة لا يحق لها ان تقول هذا الكلام عنّا ! والمسؤول يقول اذا كانت الحكاية هكذا فنحن نسحب مطالبتنا من الوكالة، وروحي انتي صلحي لحالك، وبعد ما تدفعين المبلغ كامل، جيبيلنا الفاتورة واحنا نعطيك نص يللي دفعتيه!
رديت وكأني لبوة غاضبة:
- لا يا ............. أنا كان تعاملي معاكم من البداية .. عقدي معاكم من الأساس، المطالبة من "البويت للتأمين " ما تنسحب من "وكالة مكسيس"، وسيارتي تتصلح والإجراءات تمشي. واذا ما كنتو راح تعطوني السعر المضبوط. نتلاقى أنا وانت في الوكالة يوم الأحد (( إللي هو اليوم )) الساعة 11 في. وأنا راح اجيب معاي ميكيناكي محترف (( لا تفوتكم هاذي )) كان يشتغل في وكالة "مكسيس" في البحرين. يعني يعرف كل قطع الغيار المطلوبة لسيارتي ويعرف اسعارها. واذا طلع في الفاتورة هرطقات و كذب ولف ودوران .. بيني وبينكم المحاكم وراح تكون فضيحتكم بجلاجل.

تعتقدون شنو صار ؟؟

اليوم يدقون علي " مكسيس" ويكلمني المهندس الحليوة " عسامة " ويقول لي ان سيارتي جاهزة وان فاتورتي النهائية 474 دينار!
أنا راح ادفع نصها .. وشركة التأمين راح تدفع النص الثاني ... يعني بدال لا ادفع 400 راح ادفع 239 دينار

طبعا أنا لا رحت الوكالة .. ولا لاقتني الفاضلة ........، ولا عندي ميكانيكي محترف كان يشتغل في نفس الوكالة بالبحرين ...
بس فاينالي .. حصلت على السعر الحقيقي لتصليح سيارتي !!

يمكن يكون الموضوع مضحك .. وممكن يكون مؤذي للمشاعر عندما نكتشف أننا مستغفلون .. لكن الى متى ؟؟!!

فأنا اليوم رفعت شعار جديد في التعامل مع الشركات الناهبة جميعها من شركات الإتصالات والسيارات والتأمين وحتى سلطان سنتر :

(( تغدوا فيهم قبل لا يتعشون فيكم ))

الجمعة، 9 يناير، 2009

نمت بعدما حررت السجينة ..


لم أنم البارحة .. أمي الله يهداها قررت أن تأخذني في جولة استقبالات


جيران وأصدقاء وأحباب وأهل ..

ثلاث بيوت مختلفة من الساعة الثامنة والنصف وحتى وقت قصير قبل

الحادية عشرة ..


مع أنني لست معتادة على التوجيب بكثرة ( ادري بتقولون ما تستحي)
إلا أنني شعرت بإحساس جميل وانا ارى أمي مستبشرة متهللة ببدايات البنت
التي اصبحت تتزاور وتوجب معاها ..
احببت الإبتسامة والفخر على وجهها البشوش ..



عودة للمنزل .. زوجي في الصالة حاضنا اللابتوب .. يلعب
أخذت اللابتوب عنوة وبعد حنّة لتفقد سريع للإيميلات
لا شيء مهم!


توجهت للفراش بعدما تركني حانقا .. قال انه سينام
لحقته .. وتدثرت من البرد ..
بدأت سنفونية التشخير بعد أقل من عشر دقائق ..
الرفسة الأولى نفعت وتوقف الإرتجاج الدماغي واستقر رأسي ..


اقلب يمين .. شمال .. اضع رأسي فوق المخدّة .. تحت المخدة
لا جدوى ..
اعلم جيدا أنني لن انام إذا اجتاحت رأسي الأفكار والإبداعات الليلية
لمقالة يجب ان اكتبها، موضوع يجب ان اتحدث عنه .. أو قصة قصيرة
عادة ما ترهقني الأفكار عندما لا تصاحبها رغبة بالتنفيذ
طردت فراشات الأفكار عندما قررت ان افتح كتاب ..


((السجينة ))
ادري مو خوش عنوان حق الليل ولكن القصة رائعة ..
السجينة هي رواية عن قصة واقعية
تحكي فيها المناضلة المغربية مليكة أوفقير ابنة الجنرال محمد اوفقير
عن عشرين سنة عاشتها في العذاب والحرمان هي اسرتها
كانو المسجونين هم:
الأم فاطمة
مليكة التي كانت بالثامنة عشرة
اخوها رؤوف 15 سنة
سكينة 12 سنوات
مريم 9 سنوات
ماريا او ميمي 8 سنوات
عبداللطيف سنتان ونصف !!
نعم .. سنتان ونصف
والد مليكة هو الجنرال محمد اوفقير اليد اليمنى والرجل المهم المهاب في حكومة الملك
الحسن السادس ..
كان ايضا الجنرال اوفقير وزير الداخلية ووزير الدفاع آنذاك
ولكنه ايضا كان المنفذ والمخطط لإنقلاب على الملك تم في سنة1972
من هنا بدأت المأساة ..
بعد ان قتل الجنرال بخمس رصاصات في صدره، واحدة في ظهره وأخرى في رقبته
الاولاد الستة مع الام احتجزوا أولا في بيتهم رهن الإحتجاز القهري
الذي قرره الملك عليهم
ثم سجنوا في معتقلات عدّة ذاقوا خلالها الويلات والاهوال
حتى انهم حبسوا في سجون انفرادية لأكثر من 6 سنوات
يسمعون بعضهم ويتحدثون سويا ولكن لا يرى اي منهم الآخر ..
حتى بعد ما تلاقوا بعد 6 سنوات .. لم يعرف كل منهم الآخر
الحكاية مأساة حقيقية
مثلت حياة 9 أشخاص .. حيث قررت خادمتاهم عدم تركهم فحبستا معهم
9 أشخاص فقدوا عشرين سنة من عمرهم ..
حتى الصغير عبداللطيف الذي دخل السجن وعمره سنتان
خرج منه وهو بعمر الثامنة عشرة ..

الكتاب رائع والقصة أخاذة وملهمة ..
ترجم الكتاب عن الفرنسية واصدرته دار الجديد
اسلوب الكتابة مميز واللغة جميلة منظمة ومنسقة
لا تدع مجالا للملل من اسلوب الترجمات التقليدي
القصة لواقعيتها تعرف القارئ عن قدراته العقلية والجسدية والنفسية التي
من الممكن ان تقهر كل شيئ ..
الكتاب موجود في الكويت .. اشتريته من مكتبة الكتب الصغيرة في الآفنيوز قرب الفود كورت
Ci Ga Books
اذا كنت ممن يقرءون .. لا تفوت هذه القصة!

الثلاثاء، 6 يناير، 2009

يا من وفق راسين بالحلال

في غرفتها في الطابق السفلي بجانب الحمام والمطبخ وكل شيئ، تجلس جدتي كعادتها على كرسي وثير خصصته للصلاة! كلمّا ازورها أجدها تصلّي، فنتندر دائما أنا وبنات خالاتي أن كل صلاتها تراويح.
منذ صغري وجدت في غرف الجدّات سحر ما! تلك الغرفة المليئة بأسرار الزمن الجميل، بأشياء قديمة وكنوز عفا عليها الدهر الى ان اصبحت بلا معنى. الجدّات وحدهم يرون لها معنى، لهذا هي لازالت ملفوفة بقرطاس عتيق، والقرطاس في صندوق، والصندوق داخل خزانة، والخزانة مقفولة بالمفتاح ومغطاة بسجادة قديمة.
اسمع صوتها وأنا احوس في الغرف المجاورة: منو هنيييي؟
اقفز بفرح: آنا يمّا .. واجري اليها اسبق الخطى لألحق عليها قبل ان تبدأ بصلاة جديدة.
- يمّا .. هذي اي صلاة؟
- هاو العصر!! تجيب باستغراب وهي تعلم أنني اشحذ اسنان سخريتي التي تحبها!!
- يمّا ؟ شعندج توك تصلين العصر؟؟ مواعدة من ورانا؟ وينه .. وينة؟؟ أكيد خاشته بالكبت؟
تضحك بثقل جميل وحياء اجمل: سوّيرة الله يخس بليسج! ويني آنا وين هالأشياء.
اقبل رأسها وأجلس على الأرض عند قدميها: ما يندرى .. ياما تحت السواهي دواهي!
تضرب كتفي ونضحك. وأبدأ في جولة دورية بنظري في غرفتها. السرير الوثير المكسو برائحة السماء، عطورها ودخونها ورائحة مفرق شعرها المحنّى بالبرتقالي الصارخ، تختبئ الشعرات البيضاء الضعيفة خلف لون النار، جدتّي تعتقد أنها ستموت سعيدة عندما تقابل ربها حين يحين أجلها وشعرها مخضب بالحنّاء.
- هذي عشبة الجنّة.
- بس يمّا ريحتها مو حلوة!
- جبي جبج الله .. ريحتها عطرة مثل الورد، والله ورسوله يحبّون الحنّة؟
كان حوارانا التقليدي عندما كنت صغيرة وكانت تلقمط رأسي بمزيج الحنّة البارد، بعد فترة، انسى الرائحة عندما يعتادها أنفي وأستمتع بدفئ يديها مقابل برودة العجينة الخضراء.
خزانات كبيرة كانت ام صغيرة تغزو غرفة جدتي، بيضاء وخشبية فاتحة وغامقة ولون ضائع في المنتصف، تختبئ تلك الخماجير العتيقة كل في مكانه داخل الخزائن، ولا ترى الشمس إلا عندما تقرر ان تورثه لنا على عينها. تلفزيون كبير ناردا ما يفتح. مقعدين كبيرين أحدهما كرسي الصلاة، وبينهما تقبع ثلاجة صغيرة تضع فيها ادويتها.
- دريتي عن احمدو؟
- لا شفيه!!
- وعليا خنت حيلي .. متعلق قلبه ورياضو مو راضي يريّح افواده؟؟

لا ادري لماذا؟ ولكن لغتي ولكنتي تنقلب عندما اجلس تحت رجلي جدتي، نتحدّث في موضوعها المفضل "الخدم":
- هاو هاو هاو شفيه اقليبه؟ متعلق بشنو؟
- نوفيووو حيّة القلب، الحست عقله ويايني يتبجبج إلا يبي ياخذها!
- ويييييييييه يحليلهم، عندج "بين الأطلال" فبيتج واحنا ما ندري!
- بس عاد جب لا تصيرين ام بزيع .. تمشي وتذيع.
- لا يمّا ما اقول
- إيي عفية ابنيتي .. خل الله يسهل عليهم ويتزوجون، بعيدن انذيع الخبر
لا انفك من رؤية النور ينبع من قعر جدتي، كيف لقلب بهذا القدم ان يحمل حبا جميلا لا يشيخ؟ خافت جدتي من عيون الناس على صبيها الهندي المسلم أحمد، الذي وقع في حب خادمتها الفلبينية المسيحية نوفي! وبالطبع يجب ان تتجسد الدراما في الأفلام الهندية على مسرح الواقع فيظهر رياض السائق خال أحمد. والذي حن على راس جدتي ان تجلب ابن اخته ليساعده في امور البيت! الى الآن نحن لا نعلم ما هو عمل رياض غير توصيل جدتي من والى أماكنها المحدودة. ولكن لمعزته الكبيرة في قلبها انصاعت وجلبت أحمد لكي لا يغضب دريولها عاش عاش.
ظهر رياض بعينيه الحمراوتين ليقف امام الحبّيبة كالعظمة في البلعوم، ويصرخ على احمد الصغير الضئيل، ويهدده بالحرمان من الميراث والطرد من العائلة اذا اصرّ على الزواج من نوفي!
- قعدت آنا ورياضو ذاك اليوم في المطبخ ساعتين قعدة كبار، أحاول اقنع فيه .. ما كو فايدة!! امعيّي، يقول لازم احمد يسوي زوج بنية هندي .. بنية مسلم.
- ويه عشتاو!
- إييي والله .. قلت له، اشفيها نوفيوووه؟ بنية شاطرة وحرجة ودمها خفيف. شعرها ناعم وبيضا. سليمة تصكه إلا يبي احمدو ياخذ وحده جلحة ملحة مصعوية من هناك!!
- والله احمد بعد طلع شاطر .. قال اصيد عصفورين بحجر، شعر ناعم وطويل عشان ما يعايرونه الهنديات، بس غلبهم بالبياض.
- إييييييييييي.. ترى حي قلب، لا يغرج شكله كلّه مدوده ومسبه، بس يعرف شنو يبي..
لم تهنأ ام عبدالرحمن في نوم، ولم يهدأ لها تدبير. صحيح ان كل المحاولات لم تفلح في رياضو ابو عيون حمره من مباركة زواج ابن اخته. بل ارسل لوالدة احمد واخبرها بالفضيحة التي سيقترفها ابنها. ولا ادري ما فحوى الرسالة التي بعثتها والدته ردّا على ما جاء، ولكنها وصلت ذات يوم فلم يأكل أحمد ليومين ولم ينم.

ادخل بعد ثلاث أيام، لأسمع صوتها يلعلع من المطبخ الخارجي الى البوابة الرئيسية، اتسحب نحو الصوت لأجدها تصول وتجول وهي على عكازها في وسط مطبخ المعركة:
- اذا انت يبي نوفي ونوفي يبي انت .. خلاص .. أنا يزوج انتو اثنين. اهني في كويت رجّال يصير يتزوج مرة مو مسلم.
قفزت نوفي من وراء ماما طيبة وهي تمسح دموعها من على وجهها:
- ماما خلاص أنا يسوّي اسلام!
ماما طيبة تشتط:
- خلاص .. مشكل مال رياض خلاص، نوفي يبي يسوي مسلم، ماما مال انتا يصير فرحان. ماما مال انت قال اهو ما يبي جنّة مسيحي، خلاص نوفي مو مسيحي .. نوفي مسلم.
لم اتمالك نفسي من كتم ضحكة قفزت من صدري، ماما طيبة ما بذنها ماي، يا شاهدة على الزواج .. يا شهيدة "يا من وفّق راسين بالحلال". ولا حل وسط!
من على الباب، ومن خلف ظهر جدتي لمحت النظرة التي لن انساها ما حييت، نظرة حبيبان لم يهمهما كلام الناس، ولا سخرية الأقارب ولا عناد الأيام. ابتسمت نوفي لأحمد، وانزاحت الغمامة من على عينية وابتسم.

زوّجت جدتي عشيقان وجدا الحب في بيتها، فقررا الحلال على كل شيء. جدتي تأثرت كثيرا بأخلاق أحمد الذي تُقسم أنه لم يرد فعل شيء مع نوفي قبل الزواج لإلتزامه وتدينه، وتضيف: وإلا هذيج فهرة.. مالها أمان! (تقصد نوفي)

بعد اكثر من سنة على الزواج الميمون، أدخل غرفة جدتي كالعادة لأراها تصلّي، انتظرها بين الغرف الى ان اسمعها تنادي: منو هنييييي؟
ادخل واجلس تحت قدميها لتفتح واحدة من جواريرها الفائضة وتخرج صورا ارسلت لها من الهند.
- شفتي طيبة الصغيرة؟؟
- لاااااااااااا ما شفتها .. إي صج مبروك ما ياكم.
- الله يبارك فيج حبيبتي .. الفال لج ان شاء الله
- ان شاء الله.
تريني ماما طيبة صورة لإبنة نوفي وأحمد "طيبة" سميّة الغالية، التي اخذوها بعد الولادة للهند لتتربى في بيت جدتها، قرر والداها ان تعيش هناك لتكون لصيقة بالموروث الهندي والتربية الإسلامية. تناولني جدتي صورة وهي تسمّي وتهلل:
- شفني رياضو اشلون مرتز يم البنية؟ ما جنّه اهو إللي لوّع قلب أبَيها خنت حيلي قبل الزواج!
- بعد يمّا الوقت ينسّي .. والدم عمره ما يصير ماي.
- إي والله صاجّة بنيتي
اخرج من عندها .. وأذان المغرب يصدح في الأفق، وانا اعلم انها ارجعت الصور للجارور وعادت تصلّي.

الأحد، 4 يناير، 2009

من أنت؟

قال لها: من أنت؟
قالت: صندوق
قال: أي نوع من الصناديق؟
قالت: صندوق مبيّت
قال: ماذا بداخله؟
قالت: دمية صغيرة ترتدي دراعة وبخنق طويل
قال: ماذا تفعل الدمية؟
قالت: ترقص
قال: لماذا ترقص؟
قالت: لأنها تحب الرقص
قال: لماذا تحبه؟
قالت: لإنها امرأة
قال: ولماذا ترقص في صندوق؟
قالت: لإنها لا تستطيع الرقص .. إلا في صندوق!
قال: من أنت؟
قالت: أنا صندوق مبيت مثل صناديق اوروبا الخشبية التي ما ان تفتحها حتى تجد دمية صغيرة لراقصة بالي تدور على موسيقى هادئة .. أنا النسخة الكويتية من ذلك الصندوق.
ضحك و قال: على اي نغمة ترقص دمية البخنق؟
همهمت اللحن و ارهف اذنيه يستمع ..
قال: ما هذا؟
غنّت: قلت اوقفيلي وارفعي البوشية .. خليني أروي ظامري العطشاني ..
قال: لا افهم ..But it sounds so sexy !!

السبت، 3 يناير، 2009

بطاطا واحدة مقلية


مع الأيام اعتادت ان تنام بجانب زوجها، اعتقدت عندما كانت "بنت" أنها لن تستطيع تحمل جسد ثان يشاركها فراشها. نومها الخفيف المرهف يجعلها دوما في حالة عناد مع كل شيء، إما أنا او صوت المنبه! إما أنا او صوت الريح تلعب مع شبّاكها لعبة الكراسي! إما أنا او صوت صرير السرير الحديدي الذي يإن ما ان تقرر أن تغيّر رقصة نومها!
عندما تزوجت، خافت أن لا تنام. خافت ان يلتهم الجسد الجديد داخل نطاق حيزها بواقي النوم الذي يزورها ما ان تتأكد انها والغرفة والمنبة والريح والسرير في سمفونية متناغمة مع الصمت. وجاء اليوم، وجاء معه جسد رجل دافئ جعلها بغرابة كيميائية بحته تنام اسرع واعمق من ذي قبل. هو يشخر بعض الأحيان ويوقضها من سباتها، ولكنها كانت تدفعه بيدها بعض المرات أو ترفسه برجله تارة أخرى فيغيّر وضع جسده وينام بلا شخير.
ارتعبت عندما قدمت شخصية ثاثة لتشاركها حدود نومها، عندما ولدت طفلتها الصغيرة عرفت من جمع النساء حولها في المستشفى أنها لن تنام بعد الآن.
"لماذا يكررون عليّ هذا؟ الا يعرفون انني اجزع عندما لا أنام؟" ولكنها بعد فترة من توطد علاقة النوم بينها وبين ابنتها توصلت الى حل في ان تنام الصغيرة في الغرفة المجاورة مع المربية! ففي النهاية هي ام عاملة وتحتاج قسطها الليلي من الراحة، ولم يقبل الزوج إلا عندما وضع كاميرات مراقبة خفية في غرفة الطفلة وتأكد بنفسه ان المربية لا بأس بها.
بعد سنة ونصف سافرت المربية في زيارتها الدورية الى بلدها البعيد، وعاد السرير ليضم ثلاث اجساد متفاوتة الحجم ومختلفة تماما في عادات الرقاد. تواطئ العناد القديم مع ابنتها فأضحت بالكاد تنام لإن الجسد الصغير يتحرك باستمرار، يدور حول نفسه، يزحف الى الأمام والى الخلف ولا ينفك من رفس كل الحدود التي تطوّق الحيز الدافئ من حوله.
اليوم الأول .. الساعة العاشرة مساءا
استقيضت ابنتها معلنة نوبة قصيرة من البكاء، لا تريد حليب، لا تريد غناء ولا تريد هدهدة، فقط تريد ان تكمل نوبة غريبة من البكاء الخفيف والمتقطع، سكتت عندما وضعف في فمها مصاصة الأطفال ونامت.
الساعة الثانية عشرة والنصف
استيقضت ابنتها، شربت حليب دافئ ونامت.
في الساعة الثانية وخمس دقائق
استيقضت تبكي، ربتت على كتفها .. هدءت .. ونامت.
في الساعة الرابعة تماما
استيقضت الطفلة اثر نوبة سعال حادّة، اخذتها الى صدرها، ربتت على ظهرها، شربتها ماء صافيا، ضمتها الى صدرها، فهدأت ونامت.
في الساعة السادسة وخمس واربعون دقيقة
استيقضت الطفلة تبكي، اعطتها حليب جديد، شربت قليلا ثم قررت ان صباحها بدأ فلم ترد النوم من جديد. فاستيقضت معها في يوم طويل لم يسبقه ليل ولا نوم.
لم تكن الأيام اللاحقة افضل من اليوم الأول، فاضرابات نوم الطفلة التي قال لها الجميع بمن فيهم الدكتور انها طبيعية قلبت مفهوم الوقت عندها رأسا على عقب. صغيرتها تنام وتستيقض مرات ومرات اثناء الليل، زوجها نائم بجانب الاثنتين ولا يهزّه البكاء، وهي لا تنام.
اليوم السابع، اليوم الثامن، اليوم التاسع، اضحت الأيام بالنسبة لها ارقاما بلا ليالي.
تناقش مع الزوج موضوع نومه الثقيل بصوت ملؤه الغضب. كانت تحسده على نعمة النوم الذي لا يلكزه بكاء الأطفال بأعواد خشب. فيتندر أنهما فعلا يكملان بعضهما، فلو كانا ينامان بنفس درجة العمق لما سمع أحد نداءات الطفلة في منتصف الليل!
تمنّت لو يستيقض مرّة ويأخذ عنها الحمل لتنام، ولكنهما توصلا لحل تقاضت في النهاية عن عدم تكافؤه: هي تباشر الطفلة طوال الليل بينما يأخذ هو الطفلة في الصباح ما ان يستيقض لتعوض هي ما فاتها من سبات الليل، لمَ لا، وكليهما اخذ اجازة من العمل ليتعاونا على الإعتناء بالصغيرة الى ان ترجع المربية.
وفعلا حدث، كانت تنام زخّات متقطعة من الليل تعتصرها حسرة العتمة، ثم يستيقض هو ليأخذ الطفلة بعيدا عندما يطل النهار فتنام لأربع او خمس ساعات بلا توقف.
في ذلك الصباح عندما أخذ زوجها الطفلة، كانت بمنهى الغضب. تزفر هواءا حارا على الوسادة لإن في الليلة الفائتة لم تر حتى وجه الغفوات المتقطعة. قررت ابنتها انها تريد ان تلعب، وعندما قررت الاستسلام للنوم اعترتها نوبات من الم الغازات التي غزت بطنها الصغير، فأضحت تأن باستمرار وتتحرك بلا هوادة. كانت ترقد بجانبها وتتساءل " متى تفهم أن ماما لا تنام عندما تتحرك"؟
استيقضت الطفلة، وأخذها ابيها بعيدا الى غرفة المعيشة يقضون معا جزءا كبيرا من النهار بينما هي تنام. افاقت قبل موعدها وخرجت لهم، كانا الإثنين مستلقيان على الأريكة الطويلة نائمان، هو على ظهره وهي بجانبه، أميرته الصغيرة، يضمها الى صدره وينامان بانسجام دافئ.
نظرت اليهما، وتمنّت لو تنام صغيرتها يوما هكذا في حضنها، كان شكليهما بمنتهى الروعة والجمال. ما السر الذي في حضنه لتبقى هناك بلا حراك؟ ماذا ينقصها هي فلا تقدر أن تنيم طفلتها على صدرها! لماذا لياليهما متعبة شاقة عندما تكونان هما الاثنتين معا ولا ثالث؟ اين انقطع حبل النوم في اوقات السواد؟
تركتهما نائمان وذهبت تستقبل يومها، اغتسلت وغيّرت ملابسها، تجملت واعدّت وجبة خفيفة لأسرتها الصغيرة. سمعت صوته يداعب الطفلة من بعيد وتضحك، ابتسمت لإنها تعشق صوت ضحكاتها الطريفة.
شمّا الرائحة وقدما اليها في المطبخ، ضمتها ابنتها ومسحت بيدها الصغيرة على شعرها، طفلتها في غاية الحنان عندما لا يجمعهما الظلام. جلسا على الطاولة فأخذت الطفلة تأكل، تغمس يدها في صحنها وتأخذ جزرة مسلوقة، قطعة خبز تغمسها في الجبنة الذائبة، تشرب من كوب العصير بعد ان تغمس الجزرة داخلة. عادة ما تترك لطفلتها حرية ترتيب مراحل وجباتها، فلتخلط ما تريد، ففي النهاية الأكل متعة.
أخذت الصغيرة قطعة بطاطس مقلية، وضعتها بفهما ولحست الملح من عليها، علكت الجزء الأعلى وتركته مدلّى، غمستها بعصيرها ثم مدّت يدها لوالدها بالبطاطس ليأكلها من يدها، ابتسم، قطّب جبينه ورفض، اعاد يدها قرب فمها وقال لها ان تأكلها هي. بدى على وجه الصغيرة خيبة صغيرة!
نظرت لوالدتها، مدّت يدها بنفس قطعة البطاطس المعفرّة، وضعتها قرب فم امها، ابتسمت الأم وبلا تردد اكلت كل ما بيدها: " همممم لذيذ .. شكرا حبيبتي".
ابتسمت الطفلة .. وقامت من مكانها لتجلس في حضن امها ..

صلاة جمعة أم صلاة فوضى!

بجانب أحد المساجد الجديدة في منطقة الشهداء والذي يقع على دوّار منسق في جنوب السرّة مررت بسيارتي لأكتشف أنني ارتكبت خطأ لا يغتفر.
كان الوقت وقت خطبة صلاة الجمعة، اعتقد ان الخطيب كان الشيخ أحمد القطان الذي دوّى صوته عبر مكبرات الصوت المعلقة عاليا
على رقبة المنارات. كان يخطب عن غزّة وفلسطين، والشهداء والأطفال. وكان الناس والرجال والأطفال وندرة من النساء يتسارعون ويتدافعون للوصول الى قعر القاعة والصلاة والإستماع.
يثلج القلب منظر العباد وقد تكاثروا في دور العبادة، ويريح النفس أن ترى الدين في قلوب المسارعين الى سماع الخطبة و تأدية الصلاة!
لكن ما لا يثلج القلب ولا يريح النفس هو الإزدحام الخانق الذي علقت به السيارات المارّة في الدوّار المذكور والذي يقع تماما قبالة المسجد المنشود!
لكي يصف ويتراص المصلين داخل المسجد لتأدية الصلاة صفت وتراصت سياراتهم دوائر مضاعفة على ارصفة الدوّار! تكدست السيارات بعدما وجد المصلّي المقبل على الله في يوم مبارك كيوم الجمعة أن من حقه ان يسد الطريق على السيارات الأخرى المارة والتي بدورها ذاهبة الى وجهتها سواء كانت دينية او اجتماعية، ثانوية ام مصيرية.
باص مواصلات ضاقت عليه الدنيا عندما وجد نفسه محشورا في احد جوانب الدوّار، فوقف، واوقف الشارع بمن فيه لإن السيارات المرصوصة بلا أدرنى مسئولية او احترام للآخرين قد ضيّقت الممر الواسع وجعلت من المستحيل المرور. وقفت السيارات الأخرى خلف الباص تضرب بوقها بلا هوادة، فامتزج صوت الخطيب منذرا عواقب ضرب غزّة بصوت ابواق سيارات البشر الغاضبة التي لا تستطيع التوجه الى وجهتها!
والمفارقة ان الخطيب كان يحض الحاظرين على النظام، قائلا: أن أمة الإسلام لن تسد ولن تنتصر إلا إذا نظمنا صفوفنا، واحترمنا بعضنا، وعرفنا واجباتنا اتجاه انفسنا و اهلنا ومجتمعنا! كما كان يحث المجاهدين على الجهاد قائلا اننا لن ننتصر إلا اذا صفينا نفوسنا وامتنعنا عن مزاولة الأخطاء مهما كانت بساطتها غير عابهين بتأثيرها على الآخرين!
خطب الخطيب خطبة اضحكتني رغم انحشاري داخل اخطبوط ضيّق من سيارات المجاهدين.
بعد زوال غمّة المصلين من على الشارع المقابل لمسجدهم، اكتشفت ان المسجد يقع بجوار مبنى الهيئة العامة للصناعة، التي كانت في عطلة يوم الجمعة والتي تركت مساحات مواقفها الخاصة الامامية والخلفية خاوية خالية لسيارات المصلين!! البعض أحسن الإختيار وآثر العشرين خطوة من والى المسجد، والبعض وقف أمام باب المسجد مباشرة ليفوز بموقع بأول الصفوف .. والأجر الكبير!

ثلاث فناجين قهوة في مقهى الشباب العربي

مقال اليوم - السبت 3-1-2009

على هامش مؤتمر فكر 7 الذي اقامته مؤسسة الفكر العربي في شهر نوفمبر في القاهرة، نُفذ مفهوم جديد للتحاور المثمر والنقاش البناء بين عقول الجالية العربية الواحدة مختلفة الأقطار. سمّي الحدث "بمقهى الشباب" لإن الشباب المدعوين للتحاور في موضوع "الهوية العربية" جلسوا بمجموعات على طاولات مستديرة يناقشون محور واحد من المحاور المطروحة لهم، ثم ينتهي الوقت فتتغير الوجوه على الطاولات وتتبدل المجاميع عشوائيا لينهل كل المشاركين من الإختلاط ببعضهم و تقاذف اكبر قدر ممكن من المعلومات والآراء التي تثري بدورها الحوارات والنتائج.

في "مقهى الشباب" شربت ثلاث فناجين قهوة حلوة جاءت الى طاولتي مخلوطة بهيل السعودية، وزعفران الإمارات و سكر عمان!

سلوى اليافعي الشابة العمانية التي لم تكمل الاثني وثلاثين سنة الى الآن اخبرتني انها تعمل مديرة مدرسة تعليم اساسي ( ما يعادل المرحلة الإبتدائية عندنا )، والتي تضم مدرستها ما يقارب 625 طالب وطالبة. فغرت فاهي وانا استمع لرحلة التعليم التي أهلتها وهي بهذه السن المبكرة من الصعود في سلّم التربية والتعليم العماني لتتبؤ منصب لا تشمّه عندنا اكفئ المدرسات الشابات واكثرهم تحصيلا علميا. استثمرت عمان في شخص سلوى سنوات من الدراسة التربوية في جامعات مرموقة في مصر وانجلترا لتحصل بنت البلد على شهادة الماجستير في الإدارة التعليمية من جامعة الدول العربية في مصر فتعود لبلادها وتتسلم امانة الأجيال بعد فحص واختبارات دقيقة لقدراتها و امكانياتها!

أما الفجان الثاني فقد شربته ذهولا عندما جلست في طاولة النقاش بجانب الشاب الإماراتي من الشارقة عيسى الزرعوني الذي اخبرني بقصة حب بلد لإبنه الطموح. قال عيسى انه تخرج من الجامعة متخصصا في الصحافة الإذاعية والتلفزيونية بعد ان منحته امارة دبي بعثة متكاملة الى اي جامعة في اي بلد يقع عليه اختياره، حصل عيسى على درجة البكالوريوس لينشأ شركته الخاصة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي. يقول الزرعزني: لم اتوفق في المرحلة الاولى من العمل الإعلامي، فأغلقت الشركة وافتتحت مؤسسة أخرى تحمل طابع مختلف من العمل ذاته، لم يحالفني الحظ ايضا في هذه المرة لاحتدام المنافسة ما بين شركتي المتواضعة والشركات الإعلامية العالمية في دبي فأغلقت المؤسسة مرّة اخرى وانعكفت على عمل دراسات مستمرة للسوق الاعلامي المحلي وكيفية النجاح فيه.
يقول: هنا جائني الإتصال من مكتب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم طلبا في مقابلتي، فتوجهت الى هناك ليبلغني المسؤول ان المكتب كان يتابع بإهتمام مشواري الإعلامي، وانهم فخورون بمحاولاتي المهنية. اخبرني المسؤول ان المكتب سيقوم بالتكفل بكافة مصاريف شركتي الإعلامية الجديدة لأعيد المحاولة مرّة ثالثة بدعم من حكومة دبي. وأضاف المسؤول، ولكن بشرطين: الأول ان تحرص على توظيف وتدريب كوادر وطاقات شابة اماراتية في شركتك، والثاني ان تظهر بمقابلات شخصية في التلفزيون والإذاعة تحكي فيها عن قصة مشوارك المهني وبوادر نجاحاتك لتكون بذلك مثالا للشباب يحتذون به، ويلهمون منه.
انتهى الزرعوني من سرد القصة، فأحسست بقشعريرة في جسدي، ودمعة في عيني!

فنجاني الثالث كان شيقا رقيقا مع الأديبة السعودية ذات الأربع وعشرين عام نسرين غندورة، التي جاءت مشاركتها في مقهى الشباب وفقا لرغبتها الخاصة في الحضور. لم تكن نسرين من المدعوين للمؤتمر، ولم تُرشح للمشاركة مثلما كان حال اغلب الشباب، ولكنها آثرت السفر لحظور المؤتمر على رحلة تسوّق او سياحة احترفتها فئة كبيرة من شابات هذا الزمن. جاءت نسرين صغيرة جميلة وشفافة من السعودية مع والدها الذي ساندها في اعطاء مبادرتها الثقافية المجال في التعرف على الشباب العربي المشارك واكتساب شيئا من خبراتهم وثقافاتهم المتنوعة. ألفت نسرين رواية بعنوان النهر الثالث، اهدتني نسخة منها قبل يوم واحد من رحيلي.

شربت فناجيني الثلاثة مع شباب بمثل عمري، جاؤوا من نفس قطري يحملون ذات الدم وذات الحلم وذات الطموح. نحن تجمعنا في ظروف أهلتنا لنرتشف شيئا من خبرات بعضنا، فعرفت كم هم في نهوض .. وكم نحن في سبات!

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت