كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 31 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (16)



يعتنق عبدالوهاب ديانة الحب، رومانسي تعمه فوضى اليأس، تزعزعه نبرة دلع وتكبسه كلمة "أحبك".

وسمية مسبقا تعرف كل هذا فسبقته دائما بخطوة. بدا الثنائي الجديد الذي كنت أعرف أطرافه مسبقا غاية في الألق! على الرغم من سنّي، عرفت بفطرة السعادة أن وسمية وعبدوالوهاب متوافقان الى ما لا نهاية. عندما يتحدثان يكمل أحدهم حديث الآخر، وعندما يصمتان لا تتوقف عينيهما عن الحوار. كانا مليئين ببعضهما يرتشفان شهد العلاقة الجديدة التي فاتت، دارت من جديد وعادت لتتوج مسيرتيهما العاطفية المتلاطمة الأمواج بنقطة نهاية سعيدة ومرسى ينعم بالهدوء. ذهبت وسمية الى شقة عرسها، استأجرها عبدالوهاب على شارع الخليج العربي الشهير، في حضن الشعب البحري تطل الشقة على البحر بامتداده الأزرق وأفقه الجميل.


قالت لي وسمية يوما أنها لن تنسى تلك الشقة الفارهة ما عاشت، حيث كانت اللحظات بيضاء والذكريات رائقة وشفافة. وعلى الرغم من أن وسمية مرة أخرى لم تعد جارة طفولتي، إلا أنني لم أشعر يوما طوال فترة زواجها من عبدالوهاب أنها بعيدة عنّي! كانت دائما على بعد خط الهاتف عندما ارفعه عليها لأقول أنني اشتقتها، كان في نفس اليوم يأخذني عبدالوهاب لها.


في شقتها المنمنمة كل شيء صغير، حتى الثلاجة التي ركنت في زاوية المطبخ كانت صغيرة، الحمامات نظيفة ولامعة وغرفة النوم بلون اللافندر. بدت وسمية مرتاحة في بيتها، بمعية الرجل الذي يبدو أنه نجح في مساعدتها على دمل الجرح ونسيان الماضي.
بعد السنة الرابعة من زواج استوطنه الحب وغرست فيه رايات التفاهم اكتشفت وسمية أنها لن تنجب لحبيبها طفلا. عرفت في تلك الفترة بعد أن كبرت قليلا لأفهم شرح والدتي أن وسمية تعرضت لحادث بدا بسيطا وقتها عندما كانت صغيرة على صهوة دراجتها الحديدية. قيل لي أنها ارتطمت بالجدار بقوة وسقت على الأرض تبكي، اعتقد أنها كانت في الرابعة او الخامسة. أخذها والدها الى المشفى فنظفوا الجروح ولفوها ولم يطلع الطبيب المعالج على موقع الألم الذي كانت تشير إليه، كانت وسمية تتألم من منطقة ما أسفل بطنها. دارت إشاعة في تلك الأثناء ولا أعلم ما مدى صحتها لإن وسمية بطبيعة الحال لا تتذكر، تقول الإشاعة أنها عندما عادت من المشفى كانت تنزف قليلا من فرجها، اعتقدت جدتي أنه جرح من عرض الجروح. الى اليوم لا تتذكر جدتي إن كانت الإشاعة واقعية، فعند الإستعلام منها تقول ان جروحها كانت كثيرة والدماء كانت متناثرة على أجزاء متفرقة من فستانها.
- انتِ ما تبين بيبي؟
- أبي نورة .. أبي بيبي حلوة مثلج ..
- عشان تعلب معاي؟
- وتلعبين معاها ..
- بس أمي قالت لي أن عيالج كلهم في الجنة، ينطرونج هناك عشان تصيرين أمهم.


أتذكر جيدا ردة فعل وسمية عندما قلت لها الجملة الأخيرة، اغرورقت عيناها باللؤلؤ أغمضتهم فذابت الدموع سيلا ضئيلا على خديها، ابتمست شبه ابتسامة، حزينة كانت وخصوصا بعد عودتها من رحلة علاج في بريطانيا مع عبدالوهاب. ضمتي يومها، أذكر انها قالت لي ..
- أنا عندي بيبي .. انتي بنتي ..
لم أتحدث في الموضوع بعد ذلك اليوم، بمعرفتي الحميمة فيها، بقربي منها ومن فيض الحب الذي كنت ولازلت أحمله لها قررت بيني وبين نفسي أن أكون فعلا بنتها.


عبدالوهاب لم يعر الموضوع اهتماما واضحا على الرغم من حبه الجامح للأطفال، عبدالوهاب واحد من هؤلاء الرجال الذين يجب ان يشاكلوا الأطفال الغرباء في كل مكان. لابد أن يخرج لسانه ليناكفهم، لابد ان يبتسم لهم ولابد أن يلوح لطفل فضولي في سيارة واقفة بجانب سيارته وداعا صادقا. أحبت وسمية زوجها أكثر، كانت تتمتع بتلك الرجولة الطاغية التي لا تهزها زلازل الظروف ولا تحرقها براكين الحرمان. لم يفتح خالي فمه يوما للحديث عن الموضوع مع والدتي، لم يدافع عن نفسه وعن فحولته في بداية بوادر تأخر الحمل عن وسمية، ولم يجد ضرورة أبدا لإعادة تدوير الأمل. كان واحد من هؤلاء الرجال الصادقين مع أنفسهم، القانعين بقدرهم، المكتفين بنعمة دون اخرى. كان دائما يقول " الزواج قسمة ونصيب والأطفال قسمة ونصيب" محظوظ جدا من يوفق في الإثنين، ومحظوظ ايضا من يوفق في احدهم".
يرددها ويصدق كل كلمة فيها ..



0000



يرن هاتفي بلا توقف، أعلم أنه "عمر" ولا أرد. لا احمل نفسي عناء النظر في الشاشة الوامضة صهيلا ضوئيا يشق ظلمة الليل. عندما يعود داوود من غيابه المستمر تنام عمتي في غرفتي، وعندما يغيب او "يغور" كما كانت تقول تنام بغرفتها لتمنحني وقتا لنفسي، شيئا من الخصوصية. أي خصوصية تلك التي احتاجها وأنا دوما وحيدة إلا من دوار؟


منذ ذلك اليوم الذي قابلت فيه صراخ آسيا وصمت عمر وهو يرسل لي رسائل بلا هوادة، يخبرني أنه يحبني، أنه يريد مساعدتي، سوف يقف بجانبي. كتب لي في أحد الرسائل المهملة في سلة الوارد عندي:


" إذا تبين تنزلين الطفل راح أسافر معاك وأدفع كل التكاليف..

وإذا تبين نتزوج أنا مستعد نسافر ونتزوج بلا أهلك وبلا أهلي".


أقرأ الرسالة وأشعر بتبلد غريب في أوصالي. لا أشعر بدفء الكلمات ولا حرارة المشاعر. أشعر بالكسل! أتكاسل تحليل الرسائل مثلما كنت أفعل، تفكيكها الى قطعها المبدئية وكلماتها المصدر. لا تحتاج مني هذه الرسالة اي تحليل. عمر يقف في مكانه ويترك لي الكرة بملعبي. يعطيني كما دوما يفعل خيارات أغرق بها ولا ينتشلني من هم الحيرة الذي أنا فيه.


من أنا لكي أقرر بعد كل الذي فعلت؟ كانت قراراتي السابقة بمنتهى الغباء، غبائي هو ما أوصلني لهذا النفق المظلم بلا ضوء الخلاص، أزم عيني وأقطب جبيني وأحاول ان أرى النور في نهاية المشوار، لا أرى الا سواد العار وعذابات الجريمة. من هذا المفترق لا خيارات لدي، أنا موعودة بالموت أيا كان شكله وكيفما كانت رائحته. أقف على قدماي وأتقدم بتردد نحو المرآة الكبيرة التي تعتلي صدر طاولة خشبية رصت عليها قوارير مزركشة، انظر الى وجهي فلا أرى إلا الهالات السوداء وعينين حمراوين، لم أكن أعلم انني كنت أبكي! أنا بكيت حتى فقدت إحساسي في بفعل البكاء، إن كانت عيني تعتصران دمعا أم لا، ما من فارق.


على أطراف المرآة رصت صور صغيرة، كتلك التي في بطاقاتنا المدنية وجوازات سفرنا. تدخل وسمية زاوية الصورة في طرف مرآتها فتعلقها في الإطار. واحدة لوسمية وهي صغيرة، لداوود بالأبيض والأسود فتيا في زي الكشافة، لابن أخت داوود طفلا نابضا بالحياة، لطفلة صديقة وسمية التي توفاها الله إثر مرض ما. تتدلى من المرآة صور العديد من الأطفال التي حرمت منهم وسمية . وهناك أيضا في الزاوية الأخرى صورتي وأنا رضيعة، كانت تلك الصورة الوحيدة التي كتبت خلفها وسمية بخط يد دلّ على صغر سن صاحبته، معوج خطها لم تتقنه بعد: " نوره أحلى بنية العالم".


أقرأ السطر اليتيم وامتقع، أسقط في بئر عميق سقوطا أبديا. كلما هويت أكثر، كلما زاد شعوري بحزن يكاد يخنقني. هكذا وأنا أرى انعكاس خيالي على المرآة .. أرى فجأة وجه طفلتي. تلك التي تشاركني الآن جسدي، هي ذاتها التي يريدون مني قتلها. هكذا وأنا هناك في بقعة عميقة من حزن يقطه أوصالي، عرفت يقينا أن ما في داخلي بنتا.


من موقفي القاسي أبكي، من مذبح روحي أنتحب ..

هذه المرة كان بكاء مختلفا لدرجة أنني أحسست بحرقته. هذه المرة أنا لا أبكي نفسي، مصيري او مستقبلي .. هذه المرة أنا أبكي طفلتي.


أسقط على الأرض وأجلس في دائرة غامضة، درجة جديدة من الجزع، ربما كان تلك النقطة الفاصلة بين العقل والجنون، بين البقاء والرغبة الصادقة بالرحيل. فكرت وأنا في دائرتي أنني لكي احمي طفلتي يجب أن أقتل نفسي، هذه الوسيلة الوحيدة التي لن اضطر فيها لقتل جنيني بيدي، أموت أنا ولا أقتل روحا بريئة، حتى ولو ماتت بموتي!


تنتقل غشاوة عيناي من اللاشيء الى رسغي، أتحسس النبض النافر وأتخيل مقدار الألم الذي سأشعر به إن غرست موسا وشطفت خطا قاتلا في يدي. ارفع رأسي للسقف، أبحث عن شيء أعلق فيه حبلا يقتلع روحي، يخيفني المنظر، أجزع! أغمض عيني وابتسم، أتذكر خزانة الأدوية التي تحتفظ بها وسمية في حمام غرفتها، استرجع كمية قوارير المرصوصة ببطن الخزانة، أعلم أنني سأجد منها واحدة تنهي تواتر الحزن الذي بات يلوّن عمري. إن مت لن اضطر لقتل طفلتي، سنموت معا، لن يحزن أحدنا على الآخر ولن يلومني كل الوقت الذي سأعيشه بعدها، لن يناديني ضميري بالقاتلة ولن اضطر لدفن سر بهذه العفونة في بؤرة ما في دهاليز مستقبلي. أتنفس، لأول مرة أسحب من السقف هواءا كثيرا يملئ صدري وعلى الرغم من كل ألم الفكرة وشذوذها إلا أنني شعرت بأنني أخيرا وصلت لمحطتي، سأترجل من القطار وأرحل الى الأبد.


أرفع نفسي من الأرض، أهم بسحب خطواتي فحيحا هادئا الى غرفة وسمية ومن ثم حمامها، أفكر بيني وبين نفسي أنني يجب ان لا أنتظر الصباح، ربما لإني أحب الشمس، وأحب عينا وسمية وربما لإنني لن اقوى على تنفيذ جريمتي في حضرتهما. أتحسس طريقي في الظلام غشاوة الدموع على عيني لا تساعدني كثيرا على الوصول الى باب غرفتي. أخطو ببطئ، أرفع رأسي وأقف فجأة عندما تلمح عيني كيانا واقفا عند بابي، تلمع عينا وسمية في الظلام. التفت لساعة المنبه الإلكترونية على الطاولة التي بجانب برأسي، يشير الوقت الى الساعة الثالثة فجرا، أعود برأسي الى المكان الذي تقف فيه عمتي وقبل أن أفتح فمي لأسألها ..
- لبسي شي دافي وتعالي معاي ..
بدون سؤال ولا انتظار لأي تبريرات، اضع على جسدي جاكيت طويل من الصوف وأتبعها الى سيارتها.



يتبع ...

الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (15)


ترتشف استكانة شاي بالنعناع الأخضر وتسألني إن كنت أرغب يوما بالزواج ..
- لا يمّا آنا ما أحب الرياييل ..
- هاو .. ليش؟
- ما ادري ..
أفكر قليلا ..
- لحيتهم تقزز

تضع استكانتها على الصينية الستيل وتضحك ملء قوامها المكتنز وشفتيها الغليظتين. يدخل والدي فتعيد عليه ما قلت ليلتقطني من الأرض ويبدأ بحك لحيته بخدّي! لا اعلم من أخبر والدي انها لعبتي المفضلة؟ كلما وجدني بمتطاول ذقنه بدأ معي نوبة الخدش حتى يحمر وجهي.

اشتكي لوسمية التي اعلنت مؤخرا خطبتها على عبدالوهاب، مشكلتي مع لحية والدي ..
- انحاشي .. ركضي حيل بسرعة عشان ما يصيدج
- بس اهو كبير وسريع ما اقدر انحاش منّه ..

تضحك وتخبرني عن ذكرياتها مع والدها، كان "بابا عود" رجلا معتدلا بكل شيء حتى بمعاملته لبناته الثلاث اللاتي كن يجدن دوما طرق جديدة للحصول منه على ما يردن. الى اليوم تتندر عماتي على الطريقة التي كان يغضب بها منهن، كان يخرج طرف لسانه ويعض عليه، ويبقى متوجعا متورما لأيام. وسمية الصغرى بين الفتيات كانت المفضلة لديه، يحبها ويدللها قدر استطاعته، وعلى قدر احتمال جدتي لدلاله لها إلا أنها كانت تتصرف حيال قربها من والدها بصورة غريبة. تؤمن عمتي أن جدتي التي لم تذق يوما هنيئا مع زوجها كانت تغار منها وتحاول قدر استطاعتها ان تبعد وسمية عن والدها. ربما لهذا قضت وسمية أكثر سنين طفولتها الأولى في بيت خالتها أم هناء ونبيله.

- أبوج وايد زين نورة .. بس يتأثر بسرعة
- يعني شنو يتأثر ؟
- يعني يسمع الكلام إللي يقولونه الناس ويصدقهم .. يتأثر فيهم
- يعني شلون؟
- يعني لمّا أحّد يقول له ان نورة بنية مو زينة وهي شيطانة ومو مأدبة يمكن يصدقهم ..
- وآنا .. ما راح يسألني ؟؟
- لا .. ما يبي يسألج .. عنده كلام الناس كافي

من الحوارات التي دارت بيني وبين وسمية ولا أزال أتذكرها، ربما لإنني الى يومنا هذا لا اعلم ما الذي كان يدور برأسها عندما قررت ان تحدثني عن والدي بكل تلك الحرقة. عرفت فيما بعد، بعد زمن وبعد ألم نبذة مقتضبة من تاريخ تطور رجولة والدي. كان في ريعان الشباب وفورة المراهقة عندما علم أن عمتي الكبرى رقية تحادث أحد الشبّان، كان يحبها ويتربص بها تحت ضل شجرة متوارية تبعد خطوات عن مدرستها. آثر أبي في ذلك الوقت ان يثبت للجميع أنه أصبح رجلا فداس على رأسها ووضع سكينا على رقبتها، كانت جدتي تبكي ووالده يصرخ ورقية سقطت بعدها في بؤرة سوداء من صمت، لم تتحدث لشهور بقت متوارية عن الدنيا الى ان جاء خاطبها " الولد ذاته" وأخذها بعبائتها السوداء وأخرجها من ظلامها. الى اليوم علاقة رقية بوالدي ضبابية، حتى بعد سنين طويلة لا تحادثه مباشرة وهو لا ينظر في عينها. أتساءل بعد معرفتي بالقصة .. ترى من فيهم الحاقد ومن النادم؟

كنت أعلم أن لأبي سوابق تصرفات غير مشرفة، كنت أعلم ان الحُلم الذي يسكنه قبع في أعماقه انعكاسا لتجارب مؤلمة، أخبرني يوما أنه تعلم دروسه جيدا لإنها جاءت من عمق الوجع، آلم أشخاص يحبهم فهجر قلوبهم الى الأبد ..
- الفاس يقلع شجر والأعصاب تقلع بشر
أخبرني يوما، هكذا بدون مقدمات. ضحك وقتها وقال لي انه مؤلف الحكمة!



0000



أرتجف، لا يكف جسمي عن الدوران في دوامة الغربة. اغترب لإن لا أحد يحبني ولا أحد يصدقني ولا أحد يرغب بسماع ما لدّي. وسمية الوحيدة التي فتحت لي حضنها لأرتجف وأدفئ وأهدئ بعد نوبة نشيج. أحكي لها ما حصل في بيت عمر فيحمر وجهها وتضرب بكفها فخذيها، صوت الضربات حاد ومؤلم. لأول مرة أرى عمتي تتعامل مع الأمور ببدائية نسائية لا تليق بها، تشق جيبها وتضرب نحرها وتولول كالمعجونات بالقهر على مدى الأزمان الغابرة. أعتب على نفسي لإنني نقلت لها ما قالته آسيا، لم تكن عمتي لتسمح لأي امرأة كانت ان تشكك بطهري، حتى وأنا حامل بدون زواج!
- آنا أواريج فيها ..

أخافها وأخاف عليها، اعلم ان تلك الجمرة التي وضعتها على قلبها لن تنطفئ إلا عندما تنفذ عمتي خطة انتقامها. أرجوها بيأس ان لا تنحاز لشياطينها، أن لا تميل لتلك البقعة الدبقة التي تخزن فيها شرورها، أن لا تدخل الى ذلك الكهف المنتن الذي تخبئ فيه عفاريتها..
- تبين تسوّين المصيبة مصيبتين؟
- لازم ينقطع لسانها او يحترق قلبها مثل ما حرقت قلبج
- قلبي محروق وسمية، بس مو منها !


لم تنم عمتي تلك الليلة، كانت منكفئة طوال الليل على فكرة ما، تدغدغ الفكرة رجلها فتجفل. قامت الساعة الثانية الى صالة المعيشة واعتقد أنني ما بين صحوتي ونومي سمعتها تحادث نفسها.. عادت وأندست بجانبي! تركت الفراش الساعة الخامسة، ذهبت الى الحمّام ثم جلست على طاولة الأكل تحدق ببقعة صمت أمام عينيها. من مرقدي خفت من طوق الأفكار الذي يدور برأسها. ارعبتني فكرة ان تفقد عمتي إنسانيتها على أعتاب حكايتي، أن تتجرد من جمالها الذي تربيت على ألقه، حبها الذي ترعرعت بكنفه، ان تقترف ذنبا حتى أنا لا أغفره.
رفعت رأسي من على الوسادة، نظرت الى ظلها الجالس في البعيد، وقلت ..
- وسمية .. خلاص .. أنا أبي أسافر !

يتبع ...

القلادة إياها فيييييين ؟؟


حاليا في مكتبة دار العروبة لمن فاته المعرض..

مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع

النقره - مجمع العثمان شارع قتيبه

ص. ب. 26223 الصفاه 13123

2664636 - 2610842


وايضا .. مي من مدونة مكتبتي تكتب رأيها في " القلادة إياها "

الرابط

شكرا مي ..
قرأتها مرتين، وظللت مبتسمة حتى بعد حين :)

الأحد، 24 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (14)


عندما أخبرت والدتي عبدالوهاب على سفرة الغداء أن وسمية طُلقت شهق بلقمة الماء الذي عبها للتو وكح بعدها الى حين! سأل واستفسر ثم قام واستنفر لوحده غاضبا من الرجل الذي أخذها ليهينها ويعذبها.
- والله ما تستاهل .. خوش بنية..


على الرغم من علاقة والدتي بوسمية التي لم تكن لها ملامح واضحة، إلا أن أمي كانت دائما في صفها. تدافع عنها عند أبي عندما تشتكي منها العجوز ومن سوء أفعالها. كانت أمي المتعاطفة الأولى مع وسمية والمتعاقدة معها بالخفاء لتخرجها من بيت أمها الى بيت رجل يستحقها.
- شرايك وهّاب .. ما تبي تاخذها؟


احمر وجه عبدالوهاب وتوقف قليلا عن الكلام. كان عبدالوهاب واحدا من هؤلاء الشباب النادرين الذين لا يهمهم قول القائلين ولا توجهات المجتمع الرائجة من كل زمن. كل ما يهم الشباب من الارتباط بامرأة بلا سوابق، امرأة من عائلة معينة ومن أصول معينة، امرأة لا تعمل او تعمل فقط في مجال نسائي. لم تزن ثقلا في تفكير عبدالوهاب كل تلك العوامل، كان فكره مُنصب كليا على شخصية المرأة وما يحسه هو نحوها. كان مؤمنا حتى في ذاك الوقت بكل تلك الأفكار التقدمية مثل حق المساواة بين المرأة والرجل، عمل المرأة بكافة المجالات، وحقها ان تخطئ وتصيب وتبحث بنفسها عن طريقها بدلا من السير على طرق مسبقا مرصوفة ومحددة لها. كان عبدالوهاب يحب فكرة مصاحبة وسمية، التقرب منها، التعرف عليها من قرب، أن تجمعهما سيارة واحدة في رحلة سفر طويلة او ان تجمعهما جلسة رائقة في كافيه يتحادثان فيه عن كل ما يخطر ببالهما. وسمية بالنسبة له لفحة من عبق الماضي، صديقة طفولة منسية وشقاوة بريئة ودّ بينه وبين نفسه أن يأخذ ما يتذكره عنها الى مستوى أعلى وأعمق وربما أكثر نضوجا وشقاوة.


تتعثر كلمات وسمية عندما تخبرها والدتي بالإقتراح، تحاول ان تجمع كلمات لإنتاج جملة مفيدة فلا تستطيع. ضحكت المرأتان عندما آثرت وسمية الصمت وهزت رأسها بالإيجاب. قالت وسمية لوالدتي أنها ترغب بالجلوس الى عبدالوهاب أولا – بإشراف الأهل طبعا – لتتعرف عليه عن قرب وتقرر في نهاية المطاف.
فرحت جدتي ام والدي للفكرة، وابتسمت ام والدتي عندنا أخبرها عبدالوهاب أنه يفكر بوسمية ..
- وعليّه خنت حيلي، البنية مثل قطعة القمر .. ما تهنت بزواجها.


تم الإتصال والإتفاق على يوم الخميس من الأسبوع القادم ليزور عبدالوهاب بيتنا ويجالس وسمية عربون صداقة ومفتاح ود. لم تكن الجلسة خطبة، كانت كما تسميها وسمية " تعارف بعد عشرين سنة".


أخطف نفسي من تحت مشط والدتي وأجري الى غرفة وسمية التي تتزين أمام مرآتها، بدت اكثر جمالا وتألقا مع طريقتها الجديدة لوضع كحل عينيها. شعرها ثائرا وناعما في نفس الوقت مع تموجات رقيقة. ربما كان أجمل ما في وسمية هي تلك الإبتسامة التي ارتسمت بخفر على شفتيها. كانت وسمية تعلم جيدا من منطلق فطرة إمرأة أنها موعودة مبدئيا بالسعادة.
تتأفف العجوز وتتمطى وهي تحاول الإعلان ضمنيا أن جلسة "البنت" مع "الولد" قد طالت، كعاشقين قديمين جدا مقتطعان من أفلام عبد الحليم وشادية جلسا في زاوية بعيدة من صالون بيت جديي يتناجيان بفرحة. نسمع من مكاننا صوت ضحكات تفر منهم رغما عنهم فتزيد جدتي غليانا!
- قومي قعدي عند عمتج ..


لأول مرّة تحرضني جدتي على شيء فعلا أريده! كنت أتحرق للذهاب لعمتي وخالي، صديقاي اللذان سيتوحدان ليكون حبي لهما مضاعفا. ترسلني جدتي لأكون إنذارا منها "بطريقتها الخاصة" ربما تفهم وسمية أن أمها لا تستسيغ جلوسها الطويل بلا ثقل وتمنع مع عريس محتمل. اقفز من مكاني وأجري نحو مشروع الزيجة الذي يتحقق أمام عيني. أقف بينهما وابتسم، يناكفني خالي ..
- نعم .. شتبين؟


أرد عليه ..
- انت شتبي ؟؟ هذا بيتنا
- أنا .. ابيها. يشير على وسمية فتبتسم بخجل ..
- جم تدفع؟

يضحكان .. ينفرط عقدا منثورا بالأمل كانا يخيطانه فيما بينهما منذ تعارفا لأول مرّه، لا أعلم لماذا شعرت حينهما أنهما مسبقا متزوجان. تضمني عمتي وتسر لي بأذني شيئا ..
أجري الى أمي وأسر لها ..
- تقول عمتي وسمية .. لي ياج الغزال مسكيه

تضحك والدتي وتجلسني بجانبها وتسمح لي بأخذ كعكة غاتوه بيضاء مطلية بالشيكولاته.


0000


تفتح لي الخادمة الباب الخشبي الثقيل، تنظر لي وفي عينيها ترحيبا صادقا. حتى قبل أن أفتح فمي تقول لي أن عمر في الطابق العلوي، بعد لم يذهب للجامعة. أسألها عن آسيا فتخبرني أنها نائمة. أطلق ساقاي وأقفز الدرجات الطويلة الى الطابق العلوي، قلبي ينبض وأشعر بوخز في خاصرتي وكأن أحدا يطارني. افتح باب غرفة عمر دون أن أطرقه، أدخل ليطل رأسه من خلف باب خزانته المفتوح .. ويأخذ شهيقا طويلا.
- آنا أحلم؟
- لا .. آنا إللي في كابوس


يتقدم نحوي وأحس بأصابعي تأكلني، رغبة عارمة تتملكني لأصفعه، لألطمه، لأدفعه للأرض وأركله ولكني على الرغم من كل تلك الرغبات .. آثرت أن استقبل ذراعيه وأدفن نفسي في حضنه.
- أمك وابوك ما قالو لك شي !؟
- عن شنو؟
- عني .. وعنك
- أمي وأبوي شدخلهم بالموضوع؟

تلمع عيناي بالدموع، نجلس على حافة الفراش، على شفى حفرة من السمو او السقوط. جئت بفستاني وشرائطي لأحاول أن أقنع حبيبي أنني طاهرة على الرغم من كل ما يحدث داخلي.
- عمر آنا حامل ..

يدنو للخلف شبرا وينظر لي، كأنه يراني لأول مرة في حياته، يحاول فك طلاسمي وتحليل اللغز الذي نطقته للتو بلساني.
- شلون؟
- من ذاك اليوم في البيت الصغير ..
- بس احنا ما ..
- بس صار ..

تفتح آسيا الباب، تعلم مسبقا أنني هنا، ترحب بي بحماس مصطنع وتخبرنا أنها تريد محادثتنا في الصالة، تتركنا وتبتعد:

- أمي تدري؟ يسألني
أومئ له بالإيجاب ..

لم يكن بين غرفة عمر وغرفة المعيشة الأنيقة في الطابق العلوي إلا بضع خطوات، ولكني شعرت ثقل غريب في قدماي وأنا أسوق نفسي الى مواجهة هلاك. هذه المرة لم تكن امرأة غريبة خدعتها بحجة الفن الذي تهواه! هذه المرة جئت أنا، بنفسي وصوتي وجسدي وروحي التي يهواها عمر، جئت له لأضع بين يديه خيارين، ان يكون رجلا او أن يبقى طفل الى الأبد ..
تضع رجلا على رجل ولا تنظر لي، تتحدث:
- سمعي حبيبتي، قصة "الفيرجينتي" هذي ما تدخل العقل، وآنا ادري ان عمر ما سوّى الأشياء إللي تخلي المره تحمل من الريّال، هذا إللي انت قلتيه وإللي اهو يأكد عليه .. فإنتِ شوفي منو كنت معاه، وشسويتي وياه وصار إللي صار. لإن يا ماما ما يصير كل واحد رش شوية "سبيرمز" على وحده .. حملت!

تلتفت لعمر ..
- صح ماما؟

ينظر نحوي..
أتوارى .. اتقوقع داخل نفسي وانكمش الى أن اصبح عقلة اصبع، تكبر آسيا لتصبح عملاقة مخيفة ويبقى عمر صامتا ينظر في الفراغ الذي بيني وبين امه. بدى لي منطق آسيا مقنع جدا، لوهلة من الزمن شككت بنفسي وأخذت تعتصرني قبضة ندم صارمة، لماذا أتيت؟ وما الذي دعاني للحديث مع عمر في بيته؟ كان من المفروض ان آخذه في روضي، ان اجالسه لوحدي وأخبره .. اقسم له أنه الوحيد الذي لمسني ..
- نورة .. آنا حتى لو صدقت أمي ما راح اتخلى عنج، إللي تبينه آنا راح اسويه

تقاطعه ..
- شنو بتسوي ماما؟ بتتزوجها وتضيع مستقبلك ؟
- يمّا .. اهي مستقبلي
- لا .. مستقبلك دراستك وشهادتك ورياضتك وشركة ابوك، تكون غبي إذا خليت بنية الله واعلم من وين يايبه مصيبتها تكون مستقبلك ..

يصرخ ..
- يمّا !!

تخاطبني ..
- شوفي ماما، أنا قلتها لعمتج والحين اقولها لج .. زواج لأ وإللي تبون تسوونه سووه. بس أهلج كلهم راح يدرون وأبوج أولهم.

أخرج من البيت كالشاه المساقة الى مسلخ ذبحها، عمر يناديني ويجري خلفي وأنا لا اسمع إلا بحة والدي وهو يسمع خبر فضيحتي. عيناه وتلك الدمعة اليتيمة التي سيذرفها قهرا علي عندما يجد نفسه وحيدا على الفراش. أترك عمر كمَه بيد أمه يتشاجران في عالمهما المليء بالرخام واللوحات الزيتية والاحتمالات الرائعة. اترك عمر للمستقبل الذي تعده له آسيا، ربما للفتاة التي ستختارها من بين صف المعروض في أحد الأعراس الفاخرة، اترك عمر ولا ألومه لبرهة على الشكوك التي زاولت رأسه في أن من بداخلي .. ربما ليس من فعله!



0000


يتبع ...

السبت، 23 أكتوبر 2010

سأكون في المعرض ..


لإنه اليوم الأخير ..
سأكون في المعرض من الساعة 6:00
أشتري حصتي من الكتب وأهدي "القلادة إياها"
لكل من فاته الإهداء

الخميس، 21 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (13)




- شفيها بنت أخوج؟
اسمع داوود في غرفة وسمية يفح بأسئلة لا تعنيه! بات الشك يساوره بعد أن دار حولي سبع مرّات يشم رائحة سر دفين. سألني يوما بينما آكل فطوري وأتعرّق من الغثيان الذي بات يزورني بكثرة، إن كنت مريضة؟ نظرت اليه وأخبرته أنني أعاني من نزلة معوية. نظر لي بتردد وانزلقت نظراته الوقحة الى بطني، وقف أمامي ووضع كفه على بطنه وربت على كرشه الصغيرة ..
- سلامتج ما تشوفين شر !
كيف لا أرى الشر وهو أمامي كل يوم، يطوقني بنظرات محمومة ويحاول ان يفتح معي مواضيع باردة! لم أحب داوود منذ ان تزوجته وسمية قبل أربع سنوات. بعد موت عبدالوهاب بثمانية سنوات قررت وسمية أن يكون لها زوجا لتحظى بتلك المكانة الاجتماعية التي تحتاجها كل امرأة بعد أن تفقد رجل.
تهب فيه وسمية :
- ما فيها شي .. وإياني وإياك تأذيها بكلمة، البنت مريضة وبحاجة للراحة.
- ما شفتكم ولا مرّة تروحون الطبيب! هذا اي مرض إللي يتعالج بالبيت؟
- نفسي .. ما سمعت عن الضغوط النفسية والكآبة؟
- كآبة؟ وهذي ما كملت خمسة وعشرين وكآبة ؟؟ عيّل لا امتنت وعيّزت مثلج شبيصير فيها؟؟
تصمت عمتي، اعلم حتى وأنا استرق السمع أنها تفكر ..
- شرايك تسافر جم شهر؟ أنا ادفع لك ثمن تذكرك، روج لبنان صيّف هناك اقعد بشقة أمك ودردع بهالمشروب لين تموت.
- ما عوزج .. تبين الفكّة ! ماني متحرك من هني إلا لمّا اعرف شفيها نورو ..
أحس بانقباض في معدتي. يخيفني شبح الرجل الدنيء الذي يختبئ في هيكل داوود، أعلم أن للرجل سوابق في القفز ليلا على الخادمات اللاتي كانت وسمية تجلبهن لخدمتها. لم تسلم حتى " تراجي" الخادمة الأثيوبية ذات الستة وخمسين عام من شره عندما قرر ليلا أن يزور فراشها بدلا من فراش زوجته، صرخت بأعلى صوتها وألقمته ضربات متكررة بأبجورتها على رأسه حتى شجّت جبينه، خافت عندما شاهدت الدم فهربت في نفس الليلة. استيقظت وسمية لتراه ممدا عند فراش "تراجي" ينزف من رأسه. أخذته للطبيب ليخيط جرحه وحذرته إن فتح فمه أو فكّر في تبليغ الشرطة عن "تراجي" ستشهد معها ضده وتخبرهم أنها ليست المرّة الأولى التي يطغي فيها على مخدع خادمه.
تخدم وسمية الآن "أنزوما" خادمة نيبالية عريضة البنية، عمرها 35 ثلاثين وذات صحة ممتازة، بضربة واحدة منها من الممكن ان تكسر داوود نصفين. تضحكني وسمية عندما تهدده بها فيخاف ويرتعد.




0000



يزورني سعد في بيت عمتي، يجلب لي ملابسي واللابتوب الخاص بي وبعض الأشياء التي اوصيته أن يجلبها من البيت. يجلس على طرف فراشي في الغرفة التي خصصتها عمتي لنومي، كانت ملاصقة لغرفتها، فيها نافذة كبيرة تطل على الشارع الخلفي الذي يختبئ خلف بيت داوود الذي كتبه بإسم وسمية لتقبل الزواج منه. تملك وسمية الآن البيت بكامله ولا تتوانى عادة من تهديد داوود بطرده كليّا من البيت فيعض على اصابعه ويتحسر على اليوم الذي وثق فيها وكتب لها البيت بإسمها بيع وشراء.
يداعبني سعد ويخبرني أن البيت أجمل بدوني، حتى أخي الصغير الذي لازال يشق طريقة نحو مبادئ المراهقة يفتقدني. يسألني عن سبب البعد عن البيت:
- هذي اول مرّة تنامين اسبوع كامل في بين عميمة وسمية ؟ نورة أحّد مضايقج في البيت؟
لا أعلم ماذا اقول له، أحب سعد لإنه كان الهدية التي حصلت عليها بعد عشر سنوات من كوني بنت شاطرة وفتاة مطيعة! كان والدي يخبرني انني سأحصل على أخ او أخت عندما اسمع كلام والدتي ولا اضايقها. بعد سنين من العمل الدءوب على تميزي واعتدالي جاء سعد ليخرجني من دائرة الوحدة ويعطيني الله به هدية لطالما انتظرتها. أحب سعد ايضا لإن بعده تغيرت والدتي، خفت هلعها واختفت علامات الجزع التي كانت ترتسم على وجهها عندما كانت تسألها العجوز عن حملها المنتظر:
- بعد هذا حق! إذا ما حملتي بزوج خالد مرّة تترس لنا البيت عيال. هذا ولدي الكبير ما راح أخلي ذريته بنت وحدة!
ترتبك والدتي ويحمر وجهها، تكتم لوعتها بقلبها وتتوجه لتتسول حلولا من أطباء وحواجين. لم يبق عشبة قميئة إلا ونقعتها وشربتها على الريق، لم يبق ابرة إلا وغرستها في افخاذها كل مساء، ولم يبق دعاءا إلا وتضرعت به الى الله لوحدها في ليلها عندما كانت تستيقظ قبل الفجر لتصلي ركعتين قيام وتبكي رجائها خالصا من روحها ترسله دموعها الى سابع سماء. بعد مرور تسع سنوات من ولادتي يئست أمي وتوجهت لوالدي تعطيه صرّة رضاها على موضوع الزوجة الثانية. دنى منها والدي وأخبرها انه لا ينسى العشرة، وأنني – أنا – نعمة من الله الذي أنعم عليه بإبنة بينما حرم منها الكثيرين. قال لها ان لا تستمع لتلميحات أمه، هي امرأة عجوز نشأت على مفهوم واحد للأنوثة، لا تعتبر المرأة كاملة في منظور جدتي إلا عندما تنجب قدر المستطاع، بنينا تفخر بهم وبنات يخدمونها ويرعونها عندما تكبر.
عاش والدي في كنف والديه أكثر من أخوته، هو الأول الذي كبر ونضج مبكرا ليشهد حوادث كثيرة تؤلمه ذكرياتها الى اليوم. حتى مع سلاطة لسان العجوز وتدخلها في شئونه الخاصة لا زال يشفق عليها ويرحمها. يقول أنها تجرعت من أبيه ذلا وهوانا لم يسمع به أحد.
- مو مضايقني أحد سعّود .. بس الإمتحانات صعبة وآنا ماني قادرة أركز في البيت.
- إي أدري، دانة ودلال وايد مزعجين ..
ابتسم وأسأله ..
- تحبهم ؟
- إي بس شياطين كلّه ألاقيهم بداري، ياكلون حلاوي ويخربون أغراضي ..
- ما يخالف .. يهال
نتسامر أنا وسعد، نقابل بعضنا ونقتسم بيتزا بيباروني دافئة. نسترجع حكايانا القديمة وذكريات أخوتنا..
حملت والدتي مرة أخرى بعد ولادة سعد بتسع سنين، الى الآن لا أحد يعلم لمَ يحتاج جسد والدتي لمدة طويلة ليستضيف جنينا آخر. تموت وتحيى أمي طوال فترة المحاولة والانتظار، تسمع ما لا يسرها كل يوم تقريبا وتصمت لتتدثر آخر الليل بثوب صلاتها وتنام على سجادتها بعد أن أنهكتها صلاة الحاجة. حملت بالتوأم دانة ودلال وفرحت ملئ مهجتها عندما علمت ان في أحشائها دليلا مزدوجا على خصوبتها، صمتت العجوز لفترة الحمل كاملة وعندما علمت أنهما بنتين بدأت تعلك من جديد سيرة كنتها المعطوبة التي بالكاد تحمل بالبنين. بعد دانة ودلال أخذنا والدي لبيت جديد، فرفعت والدتي راية سلام على رأسها، في بيتها الذي لا يعايرها فيه أحد.
- متى بترجعين؟ يسألني سعد ..
وأقول له أنني لن ارجع إلا عندما انهي امتحاناتي وأسافر مع عمتي لقضاء الصيف خارج البلاد ..
- بروح معاكم
اربت على رأسه وأحزن عندما قلت له ..
- لا حبيبي .. ما راح تستانس!




0000



ارتدي فستانا..
لا أذكر متى آخر مرة ارتديت فيها فستان أنثوي مثل هذا. أمشط شعري ناعما منسدلا الى نصف ظهري واضع على رأسي طوق اسود بشريطة ستان. بدوت كفتيات المدارس الأجنبية، بريئات ومرتبات. انتظرت وسمية تخرج لعملها فأخذت مفاتيح سيارتي وتوجهت هكذا بلا إنذار مسبق صباحا باكرا الى منزل عمر.



يتبع ...

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (12)


الى اليوم لا اعلم لماذا كانت عمتي تحادثني أكثر من الكبار التي كانت تنتمي اليهم، أكاد أجزم حتى وانا في تلك المرحلة الخضراء من طفولة أنها كانت تقول لي جزءا كبيرا من أسرارها، تشرح لي أحاسيسها الدفينة، كانت تعري روحها أمامي وتبكي بحضني بينما نحن جالستان على الطرف الأيسر من سريرها. عمتي كانت تشكي ما يحزنها لطفلة لم تتعدّى السابعة ربما لإنني كنت لا أفهم أغلب الحديث، فلا أردده لأي مخلوق حولي.


عندما عادت وسمية من بيت حسين الى الأبد شدد عليها اخوتها الثلاثة خناقا حادا، تعاليم والدتها كانت واضحة وبينة. المطلقة قنبلة موقوتة لابد وان يأتي اليوم الذي تشهر فيه أنوثتها سمّا يدمر اسم العائلة. كانت جدتي تخاف على وسمية من الرجال وتخاف منها! وسمية صغيرة وجميلة ومكتنزة .. ومطلقة!

امرأة بلا أختام ولا شمع احمر يدل الراغب القادم على طهرها، وسمية الآن وبعد طلاقها شابة سهلة المنال، ناقصة عقل ودين لا يردعها صك عذريتها ولا تطهر سمعتها صابونة مسك. بقي لوسمية سنة أخيرة لتنتهي من دراستها الجامعية، تقرر العجوز ان يأخذها عامر للجامعة قبل عمله ويرجعها عثمان بعد الظهر ما إن يستيقظ من النوم. بقي عثمان مدة طويلة بلا عمل خصوصا بعدما أقفلت الوزارات أبوابها بوجهه. لم تكن وسمية تخرج مع صديقاتها ولم تعطى لها مفاتيح سيارتها إلا عندما ترغب والدتها في ان توصلها عمتي لوجهتها. كان أبي متفقا مع كل ما يحدث لوسمية، مقتنعا أنها الطريقة المثلى للمحافظة على فتاة أصبحت بين ليلة وضحاها مطمع سائغ للرجال. يشمت عثمان بها ما أن تواتيه فرصة سانحة ليزيد عليها مصابها :
- عشان تعرفين مرّة ثانية إن اختيارج مثل ويهج.


يقذف الجملة المحفزة قهرا في وجهها كلما فتحت فمها بمطلب او سؤال. لكي تخرج بعيدا عن البيت، كانت تسترجي والدتي أحيانا للخروج معنا أنا وهي. أو ان تأخذ والدتي معها لجلسة صاحبات في مقهى بعيد. كانت والدتي دائما ترفض لإنها لا تفعل شيئا من دون علم والدي. أحاول بسنيني السبعة مساعدتها، فتح الأبواب المغلقة في وجهها حتى لو مسافة متطرفة لتستنشق وسمية هواءا مسروقا من جيب ظروفها. أحاول ان استعمل تأثيري المجدي في أغلب الأحيان، بالغ التأثير على أبي لكي يسمح لوسمية ان تأخذني لمكان ما، كان يرفض غالبا ويأخذني بنفسه أحيانا أخرى فأجر وسمية معي لنخرج معا لنشرب عصيرا من دكانها المفضل او نشتري كعكتها المسطحة ذات السكر الوردي.


وعلى الرغم من ذكائها المتقد وعنادها الأبدي إلا أن وسمية بدت بمنتهى الخضوع، وكأن شيئا داخلها قد كسر. في تلك الفترة أهملت دراستها وأخذت بالتغيب عن فصولها. تركت أشغالها الفنية التي كانت تحبها، لم تعد تصنع ربطات الشعر وتيجان الرأس المزينة بالترتر وتراب المنثور اللامع. لم تعد لتزيين غرفتها بفراشات جديدة. بدت ساهمة وبعيدة وكأن حسين قد أخذ منها ذلك الدافع للدفاع عن حقوقها المكتسبة بالحياة.


في تلك الفترة أيضا صامت وسمية عن سيرة الرجال، حتى جلساتها الماجنة مع هناك ونبيلة ابنتا خالتها لم تعد مسلية ولم أعد أراهن يضحكن حتى تدمع أعينهن لنكتة قذرة او قصة جنسية عجيبة. لم تعد وسمية ترغب بسماع المزيد عن سيرة الحب والزواج، تنصحانها هناء ونبيلة أن تنسى ما حصل وتركز على المستقبل.


أي مستقبل ذلك الذي سينتشل وسمية من قعر النبذ الذي مارسه حسين على أنوثتها؟ أول زواج إن صحّ وتكافئ من شأنه أن يُكمل المرأة لتصبح بمقاييس الروح كاملة، فينزح كمالها، يأز للخارج لتنتج وتبدع وتنجح في مختلف اهتماماتها. حسين أطبق عليها بشذوذه فأصبحت بنظر نفسها نصف امرأة، لا تستطيع ملئ رجل. كان يجب ان تشاطرها امرأة أخرى سريرها مع زوجها لتحظى بتلك الأجزاء من الثانية التي يعيرها فيها حسين شيئا من شبقه.


حتى بعد زواجها لم تتأكد وسمية أنها جميلة، مغرية وكاملة الأنوثة، فعادت لبيتها كسيرة وشاردة.
- تبين تتزوجين خالي عبدالوهاب؟


أسألها وأنا عند خاصرتها، تنظر للأسفل وتحدق بعيني اللامعتين بمقتطفات أخبار مهمّة سمعتها من حديث والدتي مع جدتي على الهاتف. عبدالوهاب خالي الأصغر الذي يكبر وسمية بأربع سنوات، أعتقد انهما كانا يلعبان في حوش بيت جدتي لأمي عندما كانت عمتي الكبرى – صديقة والدتي في المدرسة – تزور أمي قبل زواجها من والدي.

أخبرني عبدالوهاب يوما قصة أنه كان يلاحق وسمية عندما كانوا صغارا ويشد شعرها. أذكر ايضا أنه سألني وقتها ..
- لمّا الحين شعرها ناعم وطويل؟


عندما أخبرت وسمية بسؤاله في ذلك الوقت لمعت عيناها وضحكت، القت على مسامعي كلمات اعجاب وتحبب لصالح عبدالوهاب وأضنها كانت تتمنى بقرارة نفسها أن أنقلها إليه .. ففعلت :
- قالت وسمية ياحليله عبدالوهاب كان شيطان، بس ألحين رَّيال قول وفعل.


يبتسم عبدالوهاب، وأشعر من موقعي الذي كان يصل لصدره بينما يضمني وهو جالس على كرسي مكتبه ان هناك فراشات شقية بدأن ترفرف داخله.



0000



أختار ان اتصل بنهى، لم اعد استلطف الإنقطاع الكلي عن أخبار الشلة. اشعر بحاجة ماسّة لأعرف شيئا عن عمر، خبر واحد، ملاحظة عابرة واتمنى من كل قلبي ان تكون نشرة أخبار مطولة. تعلم نهى مسبقا أنني في ورطة، أخبرتها أنني اعاني من مشكلة عائلية شائكة، لم أبح بالكثير من التفاصيل فتركت لها حرية الإستنتاج. نهى تعرف كيف تحيك قصصا من أحداث متناثرة.
- بس آنا ماني فاهمة ليش ما تقدمين امتحانات الميد تيرم! شنو علاقة طلاق أمج وابوج بموضوع دراستج؟


ابتسم في داخلي، كنت على صواب. قررت نهى أن مشكلتي تكمن بوالداي. أخبرها أنني لا أطيق النظر في الكتب، نفسيتي المنهكة لا تسمح لي حتى بقراءة سطرين. لم أكن أحبذ الكذب على نهى، في النهاية هي صديقتي الوحيدة التي من الممكن أن أبوح لها بهمومي ولكن هذا الهم أكبر منّي ومن نهى. أسألها عن عمر فتصمت ..
- بعيد نورة .. وايد بعيد !


لم يعد يجالس الشلة، لم يعد يقضي وقتا اضافيا في الكلية ولم يعد يمارس الرياضة التي يلعبها مع فريق الجامعة. سأل عني للخمس أيام الماضية وقال انه ذهب لبيتي ولم يجد سيارتي. اخبرته نهى أنها لا تعرف شيئا عنّي وأنني اتصلت بها مرة واحدة وأخبرتها أن لدي الكثير من المشاكل في البيت. استنتجت بيني وبين نفسي من كل ملاحظات نهى أن عمر لم يعلم عن حملي، والداه لم يبلغاه بالموضوع وآثرا ان تنتهي حكايتي بإختفائي كليا من حياته.
- لازم تتصلين فيه نورة، إذا ما تبينه عطيه أسبابج عشان يرتاح .. حرام عليج!


حرام؟ مزعجة كلمة الحرام عندما تلتصق بي وتنتزع بنهائية مطلقة عن الأشخاص الذين يقترفون الحرام! لماذا لا يكون الحرام على عمر، الشريك النصفي الذي تساوى ذنبه بذنبي. عمر الذي تسبب بفجيعتي عندما قرر أنه لا يستطيع السيطرة على سوائله؟ متساويان نحن بالذنب ومتناقضات بالعقاب. أنا أتسول حياة جديدة على مشارف جريمة قتل وهو فقط، لم يعد يلعب الرياضة التي كان يمارسها!


لماذا لا يكون الحرام على آسيا التي تحكم على أطفال خطيئة أبنائها بالموت لان ذكورها صغار ولا تريد هدم مستقبلهم! ماذا عن مستقبلي أنا؟ لماذا لا يكون الحرام على سعدون والد عمر الذي لم يكلف نفسه النظر في وجه عمتي التي لبست روب محاماة لا يليق بها، التي لملمت كرامتها المدلاة من سقف الفضيحة وذهبت لتقبض ثمن مهمتها الأخيرة في وأد طفلي من على صينية يحملها فرّاش المكتب! حرام علي أنا التائهة في كابوس الحرام الحقيقي الذي يريدونني اعتناقه عندما يقدمون لي خيار واحد في طبق من فضة، أن أميت ما بأحشائي او أن ندفن أنا وهو في قبر واحد!


احقد على عمر، لأول مرّة أحس نبرة كره في صوتي عندما أتحدث مع نفسي عنه. ربما كانت غيرة!

أحقد على عمر لإنه يفتقد فتاة كان يحبها اختفت من عالمه الى حين، هذا كل ما يواجه عمر من حزن. أنا المعجونة في فراش الفجيعة، الموصومة بالعار، الموعودة بالموت أيا كان شكله. انا المجبولة على الذنب الأبدي وتأنيب الضمير عندما أقرر أخيرا ان أتخلص من الكائن البريء الذي تتكون ملامحه داخلي.

أنا المغتربة التي تنام في بيت غير بيتها، وفراش غير فراشها وتتلوى بجسد غير جسدها. لماذا لم يعرف عمر الى الآن؟ حتى وإن لم أقل له بنفسي، لماذا لم يفتح والده فمه بمحاضرة شرف وأخلاق يلقيها على مسامعه ليتعلم أن لا يجتاح مرّة أخرى جسد امرأة؟ لماذا لم يعاقبه على فعلته؟ لماذا لم يسحب بساط الأمان من تحت أقدامه؟ لماذا ينام عمر هانئا وأنا أحترق بفرن لوعتي؟ أتساءل بيني وبين نفسي كيف ستكون ردة فعل عمر!

هل سيمسك يدي ويأخذاني لوالديه ليزوجاننا فأسترجع حياتي وأكتب لطفلي ميلادا جديدا؟


أقرر بيني وبين نفسي، أن عمر لابد أن يعرف.



يتبع ...

الاثنين، 18 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (11)

تحذير..
يحتوي هذا الجزء على كلمات وتفاصيل صالحة فقط للكبار ..
لا أنصح القراءة لذوي الإحساس المرهف او الحساسية المفرطة اتجاه الجرأة في الطرح.


لم أحادثه منذ اربع أيام، تمسك يدي هاتفي مئة مرة. تقفز أصابعي على أرقامه بنزق، أعقف أصابعي وأصفع الحنين الذي يخنقني ويختنق فيني. طلبت مني وسمية أن أختفي، أن أهمل امتحاناتي النهائية، أن لا أذهب للجامعة وأن لا أريه وجهي. كانت تريد ان تعرف أولا رأي عائلته. تخاف وسمية من الرجال بقدر قوتها عليهم، تؤمن أن السر إذا خرج عن اثنين شاع وانتشر، كل ما كان يهمها الآن أن يبقى السر في قلبي ورأسها الى أن تستبصر شأن آسيا وتعرف موقفها.
في بيتها الرخامي البارد، في صالة معيشة لعب فيها عمر وكبر. تنتظر وسمية قدوم آسيا، أخبرتني عندما عادت أنها لم تتخيل آسيا صغيرة وجميلة الى هذه الدرجة. بيضاء صافية بشعر فاتح وملامح ناعمة. شعرت وسمية بالأمان عندما رأتها لأول مرّة، بدا لها الأمر منتهيا ميسرا. الإنطباع الأول الذي يرتسم عنوان لمظروف تختبئ فيه آسيا أنها رائقة وحضارية الى أبعد الحدود!بهدوء نزلت آسيا سلم بيتها وسلمت على عمتي بود. جلستا، وأخذت المرأتان بحديث شيق حول أمور العمل والحياة. كلتا الأنثيين تمسكان صرّة شغف، عمتي صرتها تلف مصيبتي وآسيا صرتها تشع برونقها، فنها وحياتها المرفهة.
- آسيا آنا أسفة .. بس آنا لا صحفية ولا طلبت مقابلتج عشان نتكلم عن اللوحات والفن.
صمت..
تكمل عمتي:
- آنا عمة نورة
تسأل آسيا :- نورة رفيجة عمر ؟
تحتبس أنفاس وسمية ..
- نورة وعمر في مشكلة .. وآنا زرتج عشان نشوف شلون نحل مشكلتهم ..
تغمض آسيا عينيها ..
- لا تكملين
يقف نبض وسمية ..
- آنا مستعدة إني أدفع كل تكاليف العملية، حتى لو كانت برّة الكويت..
تحبس وسمية أنفاسها :
- كنت تدرين؟
- لا .. بس كنت متوقعة ! المعادلة ما تحتاج ذكاء .. واحد زائد واحد يساوي اثنين.
- العملية إحنا مو بحاجة مصاريفها لو كانت الحل الوحيد ..لكن المبدأ مرفوض.
- وسمية لا تفهميني غلط، آنا أحب نورة، بنت حلوة ولطيفة ومؤدبة. المشكلة انك ما تعرفين عمر، هو بعد لطيف ومؤدب، بس اهما أطفال تمادوا في لعبة فطرة والزواج عمره ما يحل المشكلة.
تقف عمتي وترتعش..
- ولا الإجهاض راح يحل المشكلة، شلون بتعيش نورة وهي شايله ذنب روح؟ شلون بيكمل عمر شبابه وهو ساعد في هالجريمة؟
- الوقت ينسّي كل شي ..
- اسمحيلي آسيا .. أنا ألومج، انتِ كنت جزء من السبب!
- ليش؟ لإني فتحت بيتي لولدي؟ لإني سمحت أنه يستضيف حبيبته في بيتي وتحت عيني؟ لإني ما كنت اتدخل في خلوتهم؟ في بيتي، وعلى شراشفي النظيفة أحسن من شراشف الشقق المفروشة والفنادق المشبوهة. كنت أحذر نورة بطرق غير مباشرة، انا ماني أمها أنصحها وأدبها وأفتح معاها مواضيع الجنس والجسد! أمها وين؟
- بس انتِ ام عمر !!
- انصحه وأوجهه وأرشده، وأقول له عن طرق تجنبه هالمواقف. وإذا غلط من واجبي إني أصلح خطأه الى ان يصير رجل مسؤول ومؤهل عمريا أن يصلح أخطاءه بنفسه. لكن إني افرض على ولدي زواج وهو ما كمل الواحد والعشرين! هذا هدم لمستقبله وتدخل بمراحل نضوجه.
أخبرتها عمتي إنني لم أفقد بكارتي وأن الحمل حدث من فوق ملابسي، أخبرتها أنني وعمر اقترفنا ربع خطأ، خطأ صادق! وأنني إن لم أتزوج سأدفع حياتي كلها ثمنا لهذا الخطأ. أخبرتها عمتي إنني لن أستطيع العيش متوافقة مع نفسي إن قتلت الكائن في أحشائي، وانها لن تستطيع النظر الى أولاد عمر في المستقبل دون أن تتذكر طفله الأول الذي حكمت عليه بعدم أهليته للحياة! شرحت لها عن طهر روحي، وبراءة نواياي وصدق دخيلتي، أنني لن انجو من سياط الذنب وآلام الضمير إن أزهقت مبادئ الروح التي تسبح بنهرها داخلي.
كانت آسيا تسمع بملامح منصهرة بشيء من الملل، وكأنها تستمع لأغنية قديمة او اسطوانة معادة! عرفت عمتي أن آسيا لن توافق على ما جاءت لها به ..
- إذا هذا آخر الكلام فأنا مضطرة لمقابلة بو منصور.
- صدقيني .. ما راح تكون ردة فعله أحسن من ردة فعلي .. أنا اقترح أنج تاخذين البنت برّة وتسترين عليها، غير هالكلام ما عندي.
وقفت آسيا ..
- والحين .. تحبين تشوفين لوحاتي؟
على مقعدها، في سيارتها بكت وسمية. تسربت دموع القهر من عينيها رغما عنها. بكت وهي التي قالت لي أن لا أبكي، وحرصت على أن لا أقهر. حارت وسمية بشوارع حيها قبل أن تدخل منزلها الخالي إلا من أسيرة انتظار. ربما لم تعرف ماذا تقول لي، كيف تزف لي خبر أن أموت او أن أميت طفلي؟ كيف ستحشرني بين عذابين، خيار السقوط من على وجه الأرض او السقوط من على وجه الإنسانية! كيف سنجتمع أنا وهي ومشرط مسنون بيدينا، نمزق النطفة إربا ونشرب على روحها نخب خلاصنا! كيف سنغادر المكان وفي نفوسنا نية واحدة .. هي إفراغي من بشريتي تماما كالبالون المنفوخ.
0000
وقعت الصدمة على رأسي وضفيرتاي فالتوت فكرتي وتعقدت آمالي، بعد خمس أيام عادت وسمية الى غرفتها الفارغة وهي تحمل معها حقيبة ملابس صغيرة مليئة بالدموع! أسأل والدتي لمَ وسمية حزينة وهي العروس التي تزوجت من تريد. تجيبني والدتي بخوفها الأزلي على دنياي الوردية أنها مريضة وجاءت بيتنا للراحة. أدير عيني واقطب حاجباي وأترك والدتي على سريرها تمسك بيدها قصاصة من صحيفة قديمة احتفظت بها لتتعلم " كيف تفغرين فاه زوجك؟"
كانت ولازالت أمي متأخرة بكل شيء، طريقة ملابسها، تبرجها، تصفيفة شعرها، مفهوم الجمال عندها، مفهوم الإغراء وكل المفاهيم التي تجددت وتطورت مليون موضة بينما لازالت أمي ترتدي قميص "الململ" الخفيف تحسبا لليلة حمراء.
لم تعجبني الإجابة ولم يقنعني التبرير، على الرغم من عمري إلا أنني احفظ وسمية عن ظهر غيب. وسمية لا تبكي ولا تعجن ملامحها بآه عندما تكون مريضة. وسمية تنتمي الى ذلك النوع من الإناث الذين يجدون متسعا شاسعا للتفاؤل حتى في قعر المرض. كانت تطلي أظافري وأطلي له أظافرها أثناء نزلة برد. تملئ بانيو حمامها بماء بارد عندما تنخفض حرارتها، أسمعها على الرغم من الإعياء لازالت تغني وهي في حوضها، وأشم من خلف الباب رائحة زهور عطرية وزيوت شهية.
حتى عندما دخلت المستشفى إثر اعتداء عثمان، داعبتني وسمية وضحكت معي! وسمية اليوم متجهمة، ذابلة وحزينة. وسمية خائرة القوى، مفرغة الروح، فاقدة لدافع الحب والحياة! ماذا حصل بنصف اسبوع أخذها فيهم حسين الى بيته؟ ماذا رأت هناك؟ اي لون من الأشباح؟ واي نوع من جنيات الليل؟
أدفع أذني ألصقها في الباب الذي فصلني عن جلسة عمتي وأمها وأخوتها، أسترق السمع وأتقاذف مع الباب هدنة تجسس. أسمع وسمية تبكي فيتكون غضب في صدري. أتوعد برأسي عثمان إن ضربها شرا، هذه المرة أنا سأنتقم.
- ما أقدر خالد .. ما أقدر أرجع له، ما أقدر استحمل.
- بس الرجال قال أنج على علم بموضوع زوجته الأولى، وانج وافقني ومنعتيه حتى أنه يقول لنا ..
- قال لي انهم منفصلين وانها تعيش في بين أهلها !! جذاب .. قاعدة معاه في نفس البيت.
يزفر عامر ..
- هذا قراراج وتدبيرج وانتي تتحملين إلي يصير لج، حتى لمّا خالد قال خلينا نروح نسأل عنّه فزيتي من مكانج وكليتينا بقشورنا ..
يتكلم عثمان ..
- عشان تعرفين إنا كنا ندور مصلحتج تنكسر وسمية ..
تخبئ بين ضلوعها رجاء ..
- شرطو عليه يا إما يحط لي بيت بروحي وإلا يطلقني ..
تشهق العجوز بدورها، وتصفع نفسها وتضرب صدرها ..
- انتي ينيتي !؟ ما صار لكم شهر متزوجين تقولين طلاق ؟ ترجعين بيت ريلج ومشلوعة عينج.
تصمت وسمية، وفي مساء اليوم التالي تحمل ذاتها الحقيبة الصغيرة المليئة بالدموع وترجع من حيث أتت! لم يدم زواجها من حسين أكثر من ثلاث شهور. كان يرغمها على مشاركة الفراش معه وزوجته الأولى! كان السيد المحترم مولع بالجنس الثلاثي، عندما رفضت هددها بأن ينقل لأخوتها وأمها زورا أنها تخونه. تحدته لو يفعل ستفضح أمر شذوذه لوالدته المتدينة التي تحسبه مخلص الأمة من شقائها .
بعد أيام غض طرفه عنها وحاول استمالتها للفراش، عندما غفت شعرت به يداعبها، تجاهلته ولكنها انتفضت عندما سمعت الأخرى تتأوه وتتلوى تحته .. كان يجامع زوجته الأولى، ام ولده في فراشها .. وهي نائمة عليه!
0000
اعترض على إلحاح والدتي للعودة للمنزل، بدت أكثر تطرفا في اتصالاتها عندما علمت أن داوود زوج عمتي وسمية قد عاد من السفر. أمي لا تحب داوود لإنه يعاقر الخمر. ألوم وسمية على فضح أمر زوجها أمام العائلة، العزاء الوحيد في داوود أن الخمر وبنات السوء قد استولين على ما تبقى من رجولته. لا صوت ولا فعل ولا شخصية، اسم رجل يحاول أن يكسو صورة جسده المتهالك بملابس واسعة وفضفاضة ليعوض قصر قامته ونحوله المخيف.
اعتقد ان وسمية لازالت على ذمته لإن وجودة وعدمه واحد، لا يلحقها منه نفع ولا ضر. لا تشعر به إن كان موجودا مركونا في زاوية متهاوي على نفسه، ولا تفتقد وجوده بالأيام والليالي عندما يخبرها انه مسافر في رحلة عمل، وهي تعلم مسبقا أن لا عمل لديه سوى السهر مع شلل البواليع في المزارع البعيدة. كل ما تفعله وسمية لداوود أنها تتمنى له رحلة آمنة في الذهاب، وتتحمد له بالسلامة في الإياب.
يتصل بي والدي هذه المرة ويخبرني بضرورة عودتي للمنزل ..
- أمج تحاتيج ..
- قول لها لا تحاتيني .. أنا بخير ومرتاحة عند وسمية
- بس أمج مو مرتاحة!
- يبا انت متى آخر مرة شفت داوود؟ انفخ عليه يطيح ..
تخطف وسمية التلفون من يدي وتقول لوالدي ما يريد سماعه ..
- بو محمد خلها عندي، تونسني بروحي بالليل ..
يحادثها والدي ..وترد عليه :
- لا خلاص، باسمع شورك واتطلق، ما عدت اقدر على هالعيشة. طردته من البيت وقلت له إن وطوط حشيت ريوله! خله يروح للزبالة إللي عايش فيها. استغفر الله مالي خلق قذارة وأمراض.
صمت ..
- لا صارلي عشر ايام ما شفته، خلاص أقول لك راح بشرّه خلّه يدمر روحه بروحه. عاد طلبتك انت وام محمد خلوها عندي خلاص، البيت كبير تونسني بهالعطلة .. خلاص الصيف قرّب. وإذا بسافر باخذها معاي عقب ما تخلص من الإمتحانات..ابتسامة ..
- مشكور ما تقصر .. طول عمرك ذخر..
تقفل وسمية الخط، وتلمع بعينيها فكرة السفر، ولأنني اعرف عمتي عن ظهر غيب فإنني اعلم ان في رحلة الصيف تلك ستقنع نفسها وتقنعني بالتخلص من الطفل. ركبت عمتي سحابة خفة، أضحت رشيقة ومتفائلة وهي تخطط مشوار الخطوات التالية. كانت مصممة على زواجي من عمر، وأنا مصممة على عدم زجنّا في معمعة الزواج. كان حبّي لعمر صادق وعميق، آخر ما أردته هو هدم الحلم الذي كنت أعيشه معه بإنذار زواج وإلا!
تضحك علي وسمية وعلى سذاجتي، تسميه "استهبال" الحب الأول الذي سيتلاشى ما إن يضع أبي سكينة المطبخ على رقبتي. عندما أخبرتني أنها ستتحدث مع والد عمر بكيت! لا أريد طرف ثالث أن يعلم. دعي مصيبتي فيني أتجرعها مُرا لوحدي، أتقيئها بسريري وأنام على قيئي، أحلم بها كل مساء كابوسا مليئا بالأفاعي، تقرصني لوحدي تعصرني الى أن أتوارى وأموت. ليتني أموت وينتهي كابوسي.
أتوسل لوسمية أن تخلع درعها وتعيد سيفها في غمده، تلك المعركة التي قررت أن تخوضها من أجلي باتت باردة وسمجة وحقيرة. أخجل منها لأنها تجردني من كرامتي التي تتسول لها وسمية عطفا عند باب مكتب والد عمر. في شركته ذات الثمانية والثلاثين طابق، ومكتبه الذي يطل على أفق الكويت. خلف أدراج سكرتيراته الثلاث وبعد الممر الطويل الذي تمشيه وسمية بانكسار.
قالت لي أنها كلما مشت خطوة أحست بضآلتها وتفاهة مطلبها! كيف ستطلب سيدة مثل وسمية إعادة كيان وإحقاق حق لإنسان لم يخلق بعد جاء نتيجة خطئ غير مقصود من ابنه !تماما عند باب مكتب والد عمر يقف موظف آسيوي بهندامه النظيف وقميصه المنشى، يحمل في يده صينية عليها فنجان قهوة وكأس ماء، يوقفها الرجل عن التقدم ويناولها بدلا من الضيافة ظرف ابيض. تفتحه وسمية لتجد داخله شيك بإسمي خط على صفحته مبلغ مبالغفيه .. وتذكرتي سفر الى تايلند!
يتبع يوم غد ..

الأحد، 17 أكتوبر 2010

الحلم الثامن ..



بدأ الأمر بلوحة ..

بيضاء اشتريها من المكتبة التي في جمعية منطقتنا، تأثرت جدا بكتاب ( The Secret) الذي قرأته لروندا بيرن. وقررت بيني وبين نفسي أن أضع على صدر الحائط الذي يقابل جانبي من السرير لوحة أحلام. أشاهدها وأطالعها كلما أفقت برهة. وانظر اليها قبل النوم لعلّي أجذب كل الأحلام التي اود أن أحققها يوما ما.

بقلم شيني عريض كتبت ثمانية أحلام، كانت من بينها أن ينشر لي كتاب ..

وضعت تحت حلم الكتاب تاريخ، يوم ميلادي لسنة 2010 كان هدفي ليكون لي كتاب يحمل شيئا من نفسي. ربما قصصي القصيرة التي أحبها وابتهج كلما عاودني الشوق وقرأتها لنفسي. ربما كتاب يحمل كل البوستات التي كتبتها يوما عن حياتي، قصتي مع زوجي وتجربتي الفريدة في الزواج من شخص غريب عن مجتمعي، ونوبات جنوني مع ابنتاي. او ربما حمل الكتاب رواية أكتبها بشغف ثم انشرها على ورق تلفه بحنان ذراعي غلاف.

تمر الأيام .. وتتحقق بعض الأحلام المكتوبة على اللوحة لإني التزم رؤيتها كل صباح وكل مساء. استدعيها، اسحبها من الكون الى كوني، اقتنصها من مجرة الأحلام السوّاحة في سماء البشرية واترجمها جهد وكد ووقت وتعب لتكون يوما انجاز جاء على مقدار الأمل.
يتحقق الحلم الأول لإنني ببساطة جمعت ثمنه، يتحقق الحلم الثاني لإنني وجدت دكتور يساعدني عليه، يتحقق الحلم الثالث لإني نجحت بتسويق موهبتي، يتحقق الحلم الرابع لإني اجتهدت، ويتحقق الحلم الخامس لإني إلتزمت ..
أجلّت حلما واحدا الى أن أجد الفرصة المواتية، وحذفت حلما آخر لإنه لا يتماشى مع مبادئي ..

الحلم الأخير كان الكتاب ..

جاء حملي وثم ولادتي ليأخرا الإطار الزمني للكتاب الذي حلمت به. الى أن قرأت ملاكي الأدبي قصصا لي وأخبرتني بقلبها وبشغف لذة القراءة أن لي صوتا يجب ان يسمع في عالم الأدب. قالت لي أن كتاباتي مجنونة وأنني يجب ان أنشر هذا النوع النادر من الجنون ..

وضعتني على بداية الطريق، دفعتني على العتبة الأولى .. وتركتني أكتب وأنقح وأرسل وأتفاوض وأتفاهم وأعود بوعد بالقراءة ومن ثم الحكم الفني على اقصوصاتي القصيرة.

أيام .. وترسل لي الدار رسالة الكترونية صغيرة جدا مفادها أنهم سيطبعون كتابي ..

العقد والتوقيع والمكالمات الدولية والتصحيح والتنقيح ورقم الإيداع والتسمية والعناوين والصفحات والتقديم والإهداء والغلاف ..
وآه من الغلاف!!

كلمة مبروك أحس بصوتها ولا أشعر بها بأعماقي، كتلك المبروك التي يقولونها لي عند الخبر المبدئي للحمل بطفل. سعيدة بالخبر، مفجوعة بالإنتظار ومتلهفة للنظرة الأولى .. متحمسة للمسة الأولى ..

ذات يوم، في مكتبي أتمطى بطئ صباحاتي جاء الظرف وفتحته ..

كتابي ثلاث نسخ طارت من مصر لتأخذ الفسح الإعلامي من الكويت، أخذتها بيدي، شممتها وفتحت صفحاتها لأقرأ العناوين التي كنت أكتبها على فراشي، بوحدتي، لنفسي!

يا الله كم من الوقت مضى وأنا أحلم أن أمسك بين يدي هذا الكتاب، طفلي الصغير الثالث في الحياة والأول في عالم الأدب! مسؤوليتي الجديدة وخطوتي المبدئية في عالم مليئ بالإبداع والكتابة! بعد "غدن" جاءت هديتي من الله "هنا"، لم أختر شكلها ولا محتواها ولا شقاوتها ولا لون ابتسامتها، كل ما اخترته هو عنوانها ..

هذا الذي اخترت كل قطعة فيه .. طفلي الجديد وحلمي الثامن.
شكرا لكل من أتى وعرفني بنفسه
شكرا لكل من اشترى نسخة قبل موعد التوقيع
شكرا كل من فرح لي من قلبه
شكرا لكل من دعى لي بالتوفيق
شكرا لكل من نوى المجيء ومنعته الظروف
وشكرا لكل من يرسل لي رسالة يشكرني فيها عن سطر في قصة

الثلاثاء، 12 أكتوبر 2010

حفل توقيعي .. يوم الجمعة





سيقام حفل توقيع مجموعتي القصصية ( القلادة إياها ) يوم الجمعة القادم الموفق 15/10


في ارض المعارض بمشرف قاعة رقم (5)


سيكون حفل التوقيع بمشاركة الروائية الرائعة ميس خالد العثمان عن كتابها الجديد ( صلوات الأصابع )


وذلك من الساعة 6:00 الى 8:00 مساءا في ركن دار العين للنشر



بانتظاركم ..

الاثنين، 11 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (11)

تحذير
يحتوي هذا الجزء على كلمات وتفاصيل صالحة فقط للكبار ..
لا أنصح القراءة لذوي الإحساس المرهف او الحساسية المفرطة اتجاه الجرأة في الطرح.


لم أحادثه منذ اربع أيام، تمسك يدي هاتفي مئة مرة. تقفز أصابعي على أرقامه بنزق، أعقف أصابعي وأصفع الحنين الذي يخنقني ويختنق فيني. طلبت مني وسمية أن أختفي، أن أهمل امتحاناتي النهائية، أن لا أذهب للجامعة وأن لا أريه وجهي. كانت تريد ان تعرف أولا رأي عائلته. تخاف وسمية من الرجال بقدر قوتها عليهم، تؤمن أن السر إذا خرج عن اثنين شاع وانتشر، كل ما كان يهمها الآن أن يبقى السر في قلبي ورأسها الى أن تستبصر شأن آسيا وتعرف موقفها.

في بيتها الرخامي البارد، في صالة معيشة لعب فيها عمر وكبر. تنتظر وسمية قدوم آسيا، أخبرتني عندما عادت أنها لم تتخيل آسيا صغيرة وجميلة الى هذه الدرجة. بيضاء صافية بشعر فاتح وملامح ناعمة. شعرت وسمية بالأمان عندما رأتها لأول مرّة، بدا لها الأمر منتهيا ميسرا. الإنطباع الأول الذي يرتسم عنوان لمظروف تختبئ فيه آسيا أنها رائقة وحضارية الى أبعد الحدود!

بهدوء نزلت آسيا سلم بيتها وسلمت على عمتي بود. جلستا، وأخذت المرأتان بحديث شيق حول أمور العمل والحياة. كلتا الأنثيين تمسكان صرّة شغف، عمتي صرتها تلف مصيبتي وآسيا صرتها تشع برونقها، فنها وحياتها المرفهة.
- آسيا آنا أسفة .. بس آنا لا صحفية ولا طلبت مقابلتج عشان نتكلم عن اللوحات والفن.

صمت، تكمل عمتي:
- آنا عمة نورة

تسأل آسيا :
- نورة رفيجة عمر ؟

تحتبس أنفاس وسمية ..
- نورة وعمر في مشكلة .. وآنا زرتج عشان نشوف شلون نحل مشكلتهم ..

تغمض آسيا عينيها ..
- لا تكملين

يقف نبض وسمية ..
- آنا مستعدة إني أدفع كل تكاليف العملية، حتى لو كانت برّة الكويت..

تحبس وسمية أنفاسها :
- كنت تدرين؟
- لا .. بس كنت متوقعة ! المعادلة ما تحتاج ذكاء .. واحد زائد واحد يساوي اثنين.
- العملية إحنا مو بحاجة مصاريفها لو كانت الحل الوحيد ..لكن المبدأ مرفوض.
- وسمية لا تفهميني غلط، آنا أحب نورة، بنت حلوة ولطيفة ومؤدبة. المشكلة انك ما تعرفين عمر، هو بعد لطيف ومؤدب، بس اهما أطفال تمادوا في لعبة فطرة والزواج عمره ما يحل المشكلة.

تقف عمتي وترتعش
- ولا الإجهاض راح يحل المشكلة، شلون بتعيش نورة وهي شايله ذنب روح؟ شلون بيكمل عمر شبابه وهو ساعد في هالجريمة؟
- الوقت ينسّي كل شي ..
- اسمحيلي آسيا .. أنا ألومج، انتِ كنت جزء من السبب!

- ليش؟ لإني فتحت بيتي لولدي؟ لإني سمحت أنه يستضيف حبيبته في بيتي وتحت عيني؟ لإني ما كنت اتدخل في خلوتهم؟ في بيتي، وعلى شراشفي النظيفة أحسن من شراشف الشقق المفروشة والفنادق المشبوهة. كنت أحذر نورة بطرق غير مباشرة، انا ماني أمها أنصحها وأدبها وأفتح معاها مواضيع الجنس والجسد! أمها وين؟
- بس انتِ ام عمر !!

- انصحه وأوجهه وأرشده، وأقول له عن طرق تجنبه هالمواقف. وإذا غلط من واجبي إني أصلح خطأه الى ان يصير رجل مسؤول ومؤهل عمريا أن يصلح أخطاءه بنفسه. لكن إني افرض على ولدي زواج وهو ما كمل الواحد والعشرين! هذا هدم لمستقبله وتدخل بمراحل نضوجه.

أخبرتها عمتي إنني لم أفقد بكارتي وأن الحمل حدث من فوق ملابسي، أخبرتها أنني وعمر اقترفنا ربع خطأ، خطأ صادق! وأنني إن لم أتزوج سأدفع حياتي كلها ثمنا لهذا الخطأ. أخبرتها عمتي إنني لن أستطيع العيش متوافقة مع نفسي إن قتلت الكائن في أحشائي، وانها لن تستطيع النظر الى أولاد عمر في المستقبل دون أن تتذكر طفله الأول الذي حكمت عليه بعدم أهليته للحياة! شرحت لها عن طهر روحي، وبراءة نواياي وصدق دخيلتي، أنني لن انجو من سياط الذنب وآلام الضمير إن أزهقت مبادئ الروح التي تسبح بنهرها داخلي. كانت آسيا تسمع بملامح منصهرة بشيء من الملل، وكأنها تستمع لأغنية قديمة او اسطوانة معادة! عرفت عمتي أن آسيا لن توافق على ما جاءت لها به ..
- إذا هذا آخر الكلام فأنا مضطرة لمقابلة بو منصور.

- صدقيني .. ما راح تكون ردة فعله أحسن من ردة فعلي .. أنا اقترح أنج تاخذين البنت برّة وتسترين عليها، غير هالكلام ما عندي.

وقفت آسيا ..
- والحين .. تحبين تشوفين لوحاتي؟

على مقعدها، في سيارتها بكت وسمية. تسربت دموع القهر من عينيها رغما عنها. بكت وهي التي قالت لي أن لا أبكي، وحرصت على أن لا أقهر. حارت وسمية بشوارع حيها قبل أن تدخل منزلها الخالي إلا من أسيرة انتظار. ربما لم تعرف ماذا تقول لي، كيف تزف لي خبر أن أموت او أن أميت طفلي؟ كيف ستحشرني بين عذابين، خيار السقوط من على وجه الأرض او السقوط من على وجه الإنسانية! كيف سنجتمع أنا وهي ومشرط مسنون بيدينا، نمزق النطفة إربا ونشرب على روحها نخب خلاصنا! كيف سنغادر المكان وفي نفوسنا نية واحدة .. هي إفراغي من بشريتي تماما كالبالون المنفوخ.


0000


وقعت الصدمة على رأسي وضفيرتاي فالتوت فكرتي وتعقدت آمالي، بعد خمس أيام عادت وسمية الى غرفتها الفارغة وهي تحمل معها حقيبة ملابس صغيرة مليئة بالدموع! أسأل والدتي لمَ وسمية حزينة وهي العروس التي تزوجت من تريد. تجيبني والدتي بخوفها الأزلي على دنياي الوردية أنها مريضة وجاءت بيتنا للراحة.

أدير عيني واقطب حاجباي وأترك والدتي على سريرها تمسك بيدها قصاصة من صحيفة قديمة احتفظت بها لتتعلم " كيف تفغرين فاه زوجك؟" كانت ولازالت أمي متأخرة بكل شيء، طريقة ملابسها، تبرجها، تصفيفة شعرها، مفهوم الجمال عندها، مفهوم الإغراء وكل المفاهيم التي تجددت وتطورت مليون موضة بينما لازالت أمي ترتدي قميص "الململ" الخفيف تحسبا لليلة حمراء.

لم تعجبني الإجابة ولم يقنعني التبرير، على الرغم من عمري إلا أنني احفظ وسمية عن ظهر غيب. وسمية لا تبكي ولا تعجن ملامحها بآه عندما تكون مريضة. وسمية تنتمي الى ذلك النوع من الإناث الذين يجدون متسعا شاسعا للتفاؤل حتى في قعر المرض. كانت تطلي أظافري وأطلي له أظافرها أثناء نزلة برد. تملئ بانيو حمامها بماء بارد عندما تنخفض حرارتها، أسمعها على الرغم من الإعياء لازالت تغني وهي في حوضها، وأشم من خلف الباب رائحة زهور عطرية وزيوت شهية. حتى عندما دخلت المستشفى إثر اعتداء عثمان، داعبتني وسمية وضحكت معي! وسمية اليوم متجهمة، ذابلة وحزينة. وسمية خائرة القوى، مفرغة الروح، فاقدة لدافع الحب والحياة! ماذا حصل بنصف اسبوع أخذها فيهم حسين الى بيته؟ ماذا رأت هناك؟ اي لون من الأشباح؟ واي نوع من جنيات الليل؟

أدفع أذني ألصقها في الباب الذي فصلني عن جلسة عمتي وأمها وأخوتها، أسترق السمع وأتقاذف مع الباب هدنة تجسس. أسمع وسمية تبكي فيتكون غضب في صدري. أتوعد برأسي عثمان إن ضربها شرا، هذه المرة أنا سأنتقم.
- ما أقدر خالد .. ما أقدر أرجع له، ما أقدر استحمل.
- بس الرجال قال أنج على علم بموضوع زوجته الأولى، وانج وافقني ومنعتيه حتى أنه يقول لنا ..
- قال لي انهم منفصلين وانها تعيش في بين أهلها !! جذاب .. قاعدة معاه في نفس البيت.

يزفر عامر ..
- هذا قراراج وتدبيرج وانتي تتحملين إلي يصير لج، حتى لمّا خالد قال خلينا نروح نسأل عنّه فزيتي من مكانج وكليتينا بقشورنا ..

يتكلم عثمان ..
- عشان تعرفين إنا كنا ندور مصلحتج

تنكسر وسمية .. تخبئ بين ضلوعها رجاء ..
- شرطوا عليه يا إما يحط لي بيت بروحي وإلا يطلقني ..

تشهق العجوز بدورها، وتصفع نفسها وتضرب صدرها ..
- انتي ينيتي !؟ ما صار لكم شهر متزوجين تقولين طلاق ؟ ترجعين بيت ريلج ومشلوعة عينج

تصمت وسمية، وفي مساء اليوم التالي تحمل ذاتها الحقيبة الصغيرة المليئة بالدموع وترجع من حيث أتت!
لم يدم زواجها من حسين أكثر من ثلاث شهور. كان يرغمها على مشاركة الفراش معه وزوجته الأولى! كان السيد المحترم مولع بالجنس الثلاثي، عندما رفضت هددها بأن ينقل لأخوتها وأمها زورا أنها تخونه. تحدته لو يفعل ستفضح أمر شذوذه لوالدته المتدينة التي تحسبه مخلص الأمة من شقائها وربما المهدي المنتظر. بعد أيام غض طرفه عنها وحاول استمالتها للفراش، عندما غفت شعرت به يداعبها، تجاهلته ولكنها انتفضت عندما سمعت الأخرى تتأوه وتتلوى تحته .. كان يجامع زوجته الأولى، ام ولده في فراشها .. وهي نائمة عليه!



0000

اعترض على إلحاح والدتي للعودة للمنزل، بدت أكثر تطرفا في اتصالاتها عندما علمت أن داوود زوج عمتي وسمية قد عاد من السفر. أمي لا تحب داوود لإنه يعاقر الخمر. ألوم وسمية على فضح أمر زوجها أمام العائلة، العزاء الوحيد في داوود أن الخمر وبنات السوء قد استولين على ما تبقى من رجولته. لا صوت ولا فعل ولا شخصية، اسم رجل يحاول أن يكسو صورة جسده المتهالك بملابس واسعة وفضفاضة ليعوض قصر قامته ونحوله المخيف. اعتقد ان وسمية لازالت على ذمته لإن وجودة وعدمه واحد، لا يلحقها منه نفع ولا ضر. لا تشعر به إن كان موجودا مركونا في زاوية متهاوي على نفسه، ولا تفتقد وجوده بالأيام والليالي عندما يخبرها انه مسافر في رحلة عمل، وهي تعلم مسبقا أن لا عمل لديه سوى السهر مع شلل البواليع في المزارع البعيدة. كل ما تفعله وسمية لداوود أنها تتمنى له رحلة آمنة في الذهاب، وتتحمد له بالسلامة في الإياب.


يتصل بي والدي هذه المرة ويخبرني بضرورة عودتي للمنزل ..
- أمج تحاتيج ..
- قول لها لا تحاتيني .. أنا بخير ومرتاحة عند وسمية
- بس أمج مو مرتاحة
- يبا انت متى آخر مرة شفت داوود؟ انفخ عليه يطيح


تخطف وسمية التلفون من يدي وتقول لوالدي ما يريد سماعه ..
- بو محمد خلها عندي، تونسني بروحي بالليل ..


يحادثها والدي ..وترد عليه :
- لا خلاص، باسمع شورك واتطلق، ما عدت اقدر على هالعيشة. طردته من البيت وقلت له إن وطوط حشيت ريوله! خله يروح للزبالة إللي عايش فيها. استغفر الله مالي خلق قذارة وأمراض.


صمت ..


- لا صارلي عشر ايام ما شفته، خلاص أقول لك راح بشرّه خلّه يدمر روحه بروحه. عاد طلبتك انت وام محمد خلوها عندي خلاص، البيت كبير تونسني بهالعطلة .. خلاص الصيف قرّب. وإذا بسافر باخذها معاي عقب ما تخلص من الإمتحانات..


ابتسامة ..
- مشكور ما تقصر .. طول عمرك ذخر


تقفل وسمية الخط، وتلمع بعينيها فكرة السفر، ولأنني اعرف عمتي عن ظهر غيب فإنني اعلم ان في رحلة الصيف تلك ستقنع نفسها وتقنعني بالتخلص من الطفل. ركبت عمتي سحابة خفة، أضحت رشيقة ومتفائلة وهي تخطط مشوار الخطوات التالية. كانت مصممة على زواجي من عمر، وأنا مصممة على عدم زجنّا في معمعة الزواج. كان حبّي لعمر صادق وعميق، آخر ما أردته هو هدم الحلم الذي كنت أعيشه معه بإنذار زواج وإلا!


تضحك علي وسمية وعلى سذاجتي، تسميه "استهبال" الحب الأول الذي سيتلاشى ما إن يضع أبي سكينة المطبخ على رقبتي. عندما أخبرتني أنها ستتحدث مع والد عمر بكيت! لا أريد طرف ثالث أن يعلم. دعي مصيبتي فيني أتجرعها مُرا لوحدي، أتقيئها بسريري وأنام على قيئي، أحلم بها كل مساء كابوسا مليئا بالأفاعي، تقرصني لوحدي تعصرني الى أن أتوارى وأموت. ليتني أموت وينتهي كابوسي.


أتوسل لوسمية أن تخلع درعها وتعيد سيفها في غمده، تلك المعركة التي قررت أن تخوضها من أجلي باتت باردة وسمجة وحقيرة. أخجل منها لأنها تجردني من كرامتي التي تتسول لها وسمية عطفا عند باب مكتب والد عمر. في شركته ذات الثمانية والثلاثين طابق، ومكتبه الذي يطل على أفق الكويت. خلف أدراج سكرتيراته الثلاث وبعد الممر الطويل الذي تمشيه وسمية بانكسار. قالت لي أنها كلما مشت خطوة أحست بضآلتها وتفاهة مطلبها! كيف ستطلب سيدة مثل وسمية إعادة كيان وإحقاق حق لإنسان لم يخلق بعد جاء نتيجة خطئ غير مقصود من ابنه !


تماما عند باب مكتب والد عمر يقف موظف آسيوي بهندامه النظيف وقميصه المنشى، يحمل في يده صينية عليها فنجان قهوة وكأس ماء، يوقفها الرجل عن التقدم ويناولها بدلا من الضيافة ظرف ابيض. تفتحه وسمية لتجد داخله شيك بإسمي خط على صفحته مبلغ مبالغفيه .. وتذكرتي سفر الى تايلند!






يتبع يوم غد ..



معرض الكتاب ..

جدول حفل تواقيع أعضاء رابطة الأدباء
معرض الكتاب من 13-23 /10/2010




أسرار مدفونة - عبد العزيز الحشاش الأربعاء 13/10
رواية أما بعد - وليد الرجيب الخميس 14/10
حكايات الدفاتر المنسية + من قلب غيمة - ليلى العثمان الجمعة 15/10
نافذة الأمل أمل الرندي السبت 16 /10
موقف ابن الشجري من شعر المتنبي - ليلى السبعان الأحد 17/ 10
عتق - سعداء الدعاس الأحد 17/10
موسوعة اللهجة الكويتية - خالد الرشيد الاثنين 18/10
أسرار الزوجات + البيت السعيد - خولة القزويني الثلاثاء 19/10
همسات نافذة - نورا بو غيث الأربعاء 20/ 10
تحت برج الحمام - بسام المسلم الأربعاء 20/10
حديث الديوانية - حمد الحمد الخميس 21/10
على أبواب الحب - فاطمة محمد شعبان الجمعة 22/ 10
قلائد التاريخ - أمل عبدالله الجمعة 22/10
رواية شهامة - علياء الكاظمي السبت 23/10
لم يتأكد بعد موعد حفل توقيع مجموعتي القصصية ( القلادة إياها )
ولكنه على الأغلب سيكون في يوم الجمعة الموافق 15/10
مع الصديقة الأديبة ميس خالد العثمان لكتابها ( صلوات الاصابع )
في ركن دار العين للطباعة والنشر
سأوافيكم بالمستجدات حول هذا الموضوع والوقت بالضبط
ولكن مبدئا احجزوا لي انفسكم يوم الجمعة عصرا ..
ليكون لنا لقاء ..

الأحد، 10 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (10)

تحذير
يحتوي هذا الجزء على كلمات وتفاصيل صالحة فقط للكبار ..
لا أنصح القراءة لذوي الإحساس المرهف او الحساسية المفرطة اتجاه الجرأة في الطرح.




يتقد وجهه بحمرة ويتأسف منّي، أعود الى وعيي واستوعب أنني أرى للمرة الأولى في حياتي رجلا عاريا! لأول مرّة في حياتي أشم رائحة السائل الأبيض تزكم أنفي، كلورين ممزوج برائحة سائل التبييض الذي تستخدمه والدتي في غسل الملابس البيضاء! نفاذة الرائحة وقوية تخلف في الرأس ذكرى الاستنشاق الأول، لا تبرحني الرائحة حتى وأنا أخرج من المكان، كنت لا أزال اشعر أنها تلاحقني. استوعب القرب الذي نفى مسافة الأمان بيننا، واستوعب انني رطبة وملطخة! كيف حصل وأن فقدت الإحساس بالوقت والزمن والحركة؟ كيف حدث ونسيت أنني يجب ان لا افتح رجلاي وأن لا اسمح بتنورتي ان تنزلق شبرا عن جسدي؟ كيف سمحت له أن يتعرّى أمامي؟ متى سمحت له ان يتعرّى أمامي؟ لا أذكر ذلك الجزء من الثانية التي رأيت فيها جسده! لا أذكر خوفي، لا أستطيع اقتفاء أثر صدمتي، لا اقوى على انتشال نفسي من تلك الدوامة التي شعرت فيها للمرة الأولى أنني لا أملك نفسي.

أحمل نفسي الى الحمّام واغتسل، امسح البقايا عن فخذي، أجلس على الأرض وأسرق وقتا مستقطعا لنفسي. اخلع سروالي الداخلي واطلب منه ان يجري لسيارتي ويفتح حقيبة النادي الرياضي ويجلب لي بنطلوني القطني. يتحرك بلا نقاش ويأتيني بمطلبي بعد دقائق. ساد صمت بيننا، أحسست بالصمت يقطع شيء من حبل التواصل العاطفي الذي جمعنا. أحسست بمنشار في رأسي يقطع أفكاري ويبدد سحب الحب التي كانت تضلل على قلبي. في تلك اللحظة التي تلت المطر أحسست أنه أخذ شيئا منّي، ربما نظافتي، طهر روحي، براءة جسدي الأخضر الذي لازالت تنمو زهوره بلا ماء ولا مطر. خفت ان يعرف جسمي رائحة المطر فلا يرتوي إلا بها.

انكسرت الزجاجة التي كنت اضع فيها علاقتي العفيفة مع عمر، انكسرت ودوّى صوت ارتطامها في حنايا أنوثتي. تلك الغضبة التي غضبتها أصبحت تهددني بالذوبان في لذة الحب الذي ارتشفت جزءا من رحيقه. كيف تجرأت على الخط الأحمر، ذلك الذي يفصل بيني الآن وبيني في المستقبل. أحسست باللوعة وقتها لإنني استبقت الوقت وأكلت من التفاحة التي ستكون منفاي بعيدا عن عالمي، التفاحة التي أكلتها سندريلا فنامت في تابوتها الزجاجي الى الأبد. إن لم أجد معجزة مثل أمير سندريلا، فلن أفيق أبدا.

هل سيكون عمر أميري؟ أسأل نفسي بخلوتي..
تركت مسافة بيني وبينه، اتباعد عنه انتشل أشلائي أحمل غضبي من نفسي ومنه وابتعد. أتسلق شجرة عالية من هجر، وانظر له من عل. يبحث عني في كل مكان، في الفصول، في الجامعة. يبحث عني في أعين صديقاتي. يعصر هاتفه رغبة في التواصل معي، من شجرتي انظر له وابتسم في داخلي لإنه حتى بعدما رشنّي .. يريدني!


- هذي آنا ..
ينتفض من جلسة أصدقاء بعدما انقطع صوتي عنه احدى عشر يوما ..
- انتِ وين؟

أنا بقربك وبعيدة عن نفسي، أمامك ومتوارية عن مرآتي! لا ارى وجهي في انعكاسها بل أرى فتاة أخرى نضجت قليلا وأصبح نضوجها يخيف الفتاة الصغيرة ذات الضفيرتين التي تعيش داخلها. أنا على عتبات بيتك، أدور بسيارتي حول منزلك استنشق هواءك وأتذكر بيتنا الصغير "بيت الحمام السباحة" الذي كنّا نعيش داخله صديقين وحبيبين. عندما سألني وقتها أجبته أنني لا أعلم لم انقطعت عنه، ولكني في داخلي الدفين كنت أعلم أنني أخاف منه، أخاف منّي عليه وأخاف على الشيء الذي كان بيننا .. دافقا بالدفء نابضا بالألق أسميناه فيما بيننا علاقة حب.

اقتربنا بعد الابتعاد، وعدني أن لا يتكرر ما حدث إلا عندما نكبر قليلا وتنضج الخفقات في قلوبنا، وعدني أن لا يطالني بلمسة إلا إذا أرتدها، ولا يرغبني بقبلة إلا أن رغبتها. وعدني خوفا منه علي، انه لن يتعرّى مرة أخرى أمامي، ولن يقترب منّي حد الإلتحام، ولن يخضبني بالمطر. أحسست بالأمان وقتها، عمر يقول ويفعل، لا يتزحزح عن رقعة الذنب الذي وضعته عليها، زاوية العقاب الذي حصرته فيها. بدا لي طفلا صغيرا يتأدب بحبي، يطيعني ويسمع كلامي. كانت الأيام تعدو صافية الى ان بدأت أشعر بوخز في رأسي، غثيان في معدتي، قيء في حلقي، دوار، ونوم، سحابة كآبة وقرصة حيرة. أسابق صفحات الإنترنت وأكتب ما يحدث لي في كل صفحة طبية، كلها تعطيني النتائج ذاتها وتنصحني بشراء عصى بلاستيكية أتبول عليها وانتظر الخطوط.

ذات غد اشتريتها، ورششتها في حمّام الصيدلية بفيض روحي، الى أن ظهرت النتائج فسقطت على الأرض المتسخة لا يفصلني عنها إلا حرارة الجسد وبرودة البلاط. خرجت من الحمام وشبح الفجيعة يرقص فوق رأسي، ليفهم بائع الصيدلية مصيبتي وليدعو لي ذات الرجل بالستر !


0000



لم يقرب عثمان وسمية بعد العلقة المحترمة التي أكلها، كان منشغلا بجراحه يلعقها مثل قط جريح. كانت وسمية تخرج بسيارتها بعد موعد الجامعة وتتأخر على غير عادتها، لم يحاسبها أحد. عامر عادة مشغول بأعماله وعثمان لازال في دوامة الصدمة التي تركته عائم في عالمه الى حين. امتقع وجهي وتجمدت نظرة غبية على وجه عمتي عندما فجأة وفي أحد أمسيات صفائنا وجدناه على عتبة باب غرفتها.
- أنا رايح اشتري شي آكله، تبون أيب لكم معاي؟

نظرت وسمية لكيان ذلك الوحش الذي يضربها جاء ليتودد عند بابها، يجذبها بمبادرة العيش والملح ويرسم على جبينها ألف علامة استفهام.
- أنا أبي همبونغر ..
يلتفت لوسمية ويسألها : وانتِ
- لا مشكور مابي شي!

أذكر كيف كانت عيني وسمية تلحق طيف عثمان وهو يبتعد، لم تكن مرتاحة للمبادرة، لم تطلب شيئا لإنها لا تريد إطالة الموضوع معه. خافت وسمية منّي، أن افشي في لحظة طفولة سرّها. أن اقتنع بوجه العطف الذي بدأ عثمان يرتديه هذه الأيام فأجلستني على حجرها وأعطتني الوصايا التسع إلا واحدة ! لم أكن أفهم خوف وسمية لإنني وقتها لم أستوعب ما الذي كانت وسمية تفعله بغرفة عثمان. لم أستوعب أنها أخذت الأشرطة المدسوسة تحت الفراش ولم أعلم أنها زرعتهم شظايا دمار عند تلك البيوت. وقتها، كانت وصايا وسمية غامضة ومريبة عندما كانت تخبرني أن لا أحادث عثمان عن لعبنا في غرفته ليلا عندما يخرج، وأن لا أفتح سيرة الشرائط الصوتية التي كنّا نسمعها.


بعد فترة من إهمال عثمان لشئونها راقت عمتي، أخبرتني أنها ستشتري لي فستانا ورديا بطبقات وكشاكش كفستان الأميرات، وانها ستأخذني للصالون وستقنع والدتي ان اضع على شفتي أحمر شفاه. كان كل هذا مقدمات تلقمني إياها وسمية لتخبرني بصورة غير مباشرة أنها ستتزوج.


الرجل، تعرفت عليه عند باب الجامعة عندما اعترضت سيارتها سيارة أخرى! سدّت عليها الطريق ولم تستطع وسمية الحراك. غضبت وزفرت ونفخت واستندت بتنورتها الصيفية على مؤخرة سيارتها تنتظر الطالب اللامبالي. منذ شهور ووسمية تخفي سر حسين عن الجميع، عرفت بعدها أنها ألقت عليه شباكها لإن سيارته كانت جديدة، فخمة وفارهة وهو كان مفتونا بها.


بسرعة تمت الخطبة، وعندما صرّح والدي أنه سيسأل عن الرجل ثارت غضبتها وأخبرته أنها ستتزوجه لإنه سيخلصها من براثن عثمان وعامر. كانت وسمية في العشرين من عمرها. تريد ان تخرج من ضيق الحشر بين أخوين متسلطين وأم تساندهم بل وتدفعهم لتأديبها لإن الرجال قوامون على النساء! حسين وعدها بالحرية، فتح لها نافذة على الحياة وأخبرها أن الزوجة صديقة، وأنه يمتلك عقارات وشركة فقط .. هو ليس من الرجال الذين يمتلكون نساء!


صدَقت وسمية، وتزوجت حسين "الغني" بعدما دفع المهر كاملا وشبكة وسيارة، بقت وسمية في بيتنا شهر. كان حسين يزورها ولا يأخذها لأي مكان. كل ما أذكره انها كانت تحمل صينية مستديرة تضع في بطنها ما لذ وطاب، تدخلها غرفتها، تضعها أمام حسينها ومن ثم يقفل الباب على عمتي ولا أرى منها إلا طيفا ذائبا وهي تودع حسين عند باب طابقنا. كانت وسمية في شهر العسل، متأججة متوردة وراضية عن كل ما حولها ومن حولها.


بعد ثلاث أسابيع غادرت وسمية منزلنا. تركت لي كل ما اريده من جواريرها السحرية. أحمر شفاه وأحمر خدود وكحلة سوداء ورباطات الشعر الكبيرة المذهبة التي كانت تعجبني. تركت لي وسمية غرفتها خاوية إلا من فراشاتها المتدلية من الزوايا وذهبت لبيت زوجها لأفتقد أنا عمتي.



0000


انظر لها بإنعكاس مرآتها، منذ صغري وانا انظر لها تتجمل بإنعكاس مرآتها. منذ الأزل تعجبني تقاطيعها التي ورثت الكثير منها. شعرها الغزير لازال يحتفظ بكثافته شال حرير أسود يلف رأسها. خدودها لازالت مرتفعة ونافرة، شفاهها الصغيرة ومبسمها الرقيق ينمان عن أسنان حفرتهما يد الزمن وكستهما صفرة التدخين.
لا أعلم متى بدأت وسمية ترتشف سجائرها ولكنهم سرها الدفين الذي لازال محفوظا داخل دائرة ضيقة من صديقاتها وقريباتها وأنا. كان يوم الثلاثاء وكانت الساعة السادسة، تتجمل وسمية لمشوار مصيري الذي خط على دفتر مواعيد آسيا كمقابلة لمجلة فنية تمكنها من عرض ثرائها وبهرجة جمالها! لا اعرف ماذا تريد وسمية من آسيا، ولكني أخبرتها أنني ارفض فكرة ان يتزوجني عمر بدافع شفقة الستر. في حوارنا أخبرتها أن زواجنا الذي سيبنى على دافع ستر الفضيحة سيقتل الحب بيننا، سنتطلق بعد حين لإننا لم نملك وقتنا، لم ينضج حبنا ولم نصبر على أقدارنا!
- إن ما تزوجتيه قدرج راح يكون الإجهاض نورة .. تبين تذبحين ولدج؟

تخنقني الكلمة..
متى كان لي ولدا لأقتله؟ متى كان لي بطنا لأجهضه. ومتى كبرت لأتزوج؟
- أنا ما راح اجهض الجنين .. حتى لو عمر ما تزوجني!

صرخت وسمية في وجهي، اتهمتني بالجنون وبالطفولة وبالسذاجة وبالغباء والحقارة وكل الكلمات التي كانت روحها المحبة تسمح لها بإطلاقها ألغاما تفتت روحي. كانت تعلم ان الخبر إن سُمِع سيصم الآذان ويدوي في الأفق. سيشحذ رجال العائلة سكاكينهم وإن لم أنحر او أطعن، فإنني لا محالة سأموت بألف طريقة أخرى.
- انتي تعتقدين ان وأد البنات انتهى؟ فيه ألف طريقة يقدرون يدفنونج فيها تحت التراب. قالت وسمية.
سيسلب مستقبلي، وسألقى بقمامة المجتمع الى أن يأتيني فرج موت او فرج زوج! تشك وسمية في الاحتمال الأخير. حتى مع تطور المجتمع وتفتح عقول البشر، لازالت الفضيحة الأزلية تتعلق بتلك اللحظة التي فقدت فيها الفتاة وعيها وسلمت نفسها فريسة للشهوة! لا التفاصيل ولا الظروف تهم.
تصفع وسمية الباب بوجهي، تركب سيارتها .. وتنطلق.



0000



يتبع يوم غد ..

الخميس، 7 أكتوبر 2010

نتلاشى للأمام .. (9)

تحذير
يحتوي هذا الجزء على كلمات صالحة فقط للكبار ..
لا انصح القراءة لذوي الإحساس المرهف او الحساسية المفرطة اتجاه الجرأة في الطرح.




ترفع رأسها وسمية من على الأرض وتحدق بي وفي الدكتورة غادة، عينيها جاحضتين وفمها مكور وفي رأسها شيبة وقفت:
- غادة؟ شلون؟
- شو يعني شلون ؟ البنت عم تحكي مضبوط .. ما تم الدخول ولا انفضت بكارتها.


شرحت غادة لعمتي ولي أن هناك حالات نادرة جدا تسبح خلالها الحيوانات المنوية المسكوبة خارج الأعضاء التناسلية الى الداخل وخصوصا ان وجدت تلك المخلوقات النشطة جدا بيئة دافئة ورطبة تمكنها من التحرك للأمام. تلقح البويضة ويتم الحمل حتى وإن لم يكن الغشاء مخترقا. تخبرنا غادة أنا وعمتي ان هناك الكثير من النساء لا يتخلصن من غشاء البكارة بالكامل إلا بعد الولادة، رأس الطفل أثناء الخروج هو من يتمم المهمة ويتلاشى الغشاء بعدها الى الأبد.
كانت المعلومة أشبه بمشاهدة فيلم وثائقي على قناة ديسكوفري ساينس، كيف أكون عذراء حامل؟



امتقع وجه وسمية، احتقن باحمرار وانمحت نظرة الود التي كانت تدفئني بها طوال الفترة التي كنت أشعر فيها أن صقيع الغربة يلفني. تبلدت عواطفي وأحسست بشعور موجع بالخدر. أصبحت مشروع فتاة فاشل، فضيحة طور الإنشاء. انسانة على مشارف امرأة ستخطو أول خطوة في عالم النساء برحم مستباح ويدين مخضبتين بدماء أول طفل استضافته أنوثتها. جبل من جليد حط على وجه وسمية ..


حزنت عمتي عليَ، حزنت على بكارتي المهددة بالدمار، تلك التي صمدت حتى بعد ان قذفت داخلي بذرة. حزنت على أصالتي، على جودتي الإنسانية التي ستتشكل مبادئها على سقطة أخلاقية وجريمة قتل. حزنت على جذور الأنوثة الغضة التي ستجتثها أيادي الطهر المصطنع لتضع مكانها بكارة من البلاستك. حزنت على المساحة البيضاء في ذاكرتي، كيف لن تمتلئ مثل باقي الفتيات بفستان ابيض وفرحة عرس، بل ستعتريها أشباح الحب الذي خلّف من فوق ملابسي كابوسا أزليا سيلاحقني طوال عمري. حزنت وسمية عندما تخيلتني عروس تحمل بين يديها باقة أسرار بدلا من مسكة الورد، ليتني استطيع إلقاء باقتي في السماء، فلا تلتقفها فتاة أخرى ولا تمر بمراحل شيخوختي المبكرة شابة مثلي.


حزنت وسمية علي، ولكنها حزنت أكثر على طفلي الذي ستقتله بيدها، ذلك الطفل المفارقة الذي تمتنه طوال حياتها، حلمت به كل لياليها، مع أزواجها الثلاثة الذين كرهتهم عندما عيروها بعدم أهلية جسدها، بنقصان أنوثتها وعدم مقدرتها على الإنجاب.. انخرط بعالمي، واسمع وسمية تسأل د.غادة ..
- متى أفضل موعد للإجهاض ؟


اسمع الكلمة الأخيرة، أغمض عيني، أضم نفسي، واصرخ بكل قوتي صرخة دوّت داخلي ولم يسمعها أحد.



0000



لم نسمع صدى خطة الانتقام، كل ما أتذكره أن وسمية كانت تجلس طويلا في غرفتها لوحدها، تقفل بابها خوفا من مناورة أخرى من عثمان عندما يشك او يستعلم عن فعلتها. وعندما تفتح لي الباب لأجلس معها كانت تقرض مثل الفأرة الشريدة حول أطراف أظافرها. لم يكن سنّي ولا دهائي الطفولي يسمح لي وقتها من استنباط ما ينتظر عمّي عثمان، ولو كنت أعلم بنتائج ما فعلته وسمية وما سوف يواجهه عثمان بسببها لردعتها بكل ما أوتيت من قوة فقط للأيام الجميلة التي كان يأخذني فيها للجمعية ويشتري لي كل ما أريد!


يومين ووسمية مثل الأميرة الحائرة التي كانت تحكي لي عنها عندما تسرق قصتها من سلسلة قصص الأطفال. تطوف عينيها المترقبتين إطار النافذة، كانت الأميرة تنتظر الفرج عند مرأى الحبيب، وسمية كانت أميرة يملئ رأسها شر مقيم، كانت تنتظر الفرج بمصيبة ما تحط على رأس أخيها. تتسلل الى الطابق السفلي وتحاول استنطاق العجوز عن أحوال البيت وأخويها، لعل العجوز تفتح فمها وتخبرها ان عثمان مهموم مثلا او قد وقع في ورطة. لم تكن جدتي تعلم شيئا ربما لأن الأوضاع كانت مستتبة والأمان كان يخيم على المكان.


يوم الأربعاء ظهرا، بعد ثلاثة أيام من ترك أشرطة الكاسيت على عتبات المنازل الثلاثة سمعنا أنا ووسمية جلبه في حوش المنزل. خرجنا من غرفتها فرأينا والدي يهرول هابطا درجات البيت، على ثوبه بقع دم، وفي يديه مسجلة صغيرة! جريت خلفه، مسكتني وسمية عندما صرخ فيها والدي:
- وديها لأمها .. قعدو كلكم في غرفة وحدة.


ربما تشابه الجزع الذي ارتسم في عيني وسمية، جزعة خبري الأولى. ولكنها في تلك الفترة كانت فتية، شابة، متلهفة ونزقة. ارتسم عليها فضول قاتل، خوف عميق بعث رعشة غريبة في يديها، ورشة طفيفة من إثارة. جرينا الى غرفة والدتي التي كانت تطل عرضيا على حوش المنزل، كانت أمي عند نافذتها تحشر عينها بين الستائر، تسبح وتكبر، تتلو أدعية وآيات قرآنية، كانت والدتي في طور متقدم جدا من هلع.


شهدت أعيننا من علو موقعنا رجلين، عرفنا بعدها انهم أخوة زينب الفتاة "السنعة" كما كانت تسميها جدتي، والتي تسكن البيت الملاصق لبيتنا. راشد وحمود جاءا للتفاهم بهدوء على خطة لستر البنت وحفظ ماء الوجه، ولكنهما استشاطا غضبا عندما أنكر عثمان كل الإتهامات التي اقترحت أنه استباح حرمة أختيهما. رفعا بوجهه الشريط وأخبرا عامر وأبي أن لديهم دليلا دامغا على ذنب عثمان، لهذا جرى والدي الى البيت وجلب المسجلة. سمعوا مقاطع من الشريط الذي كان يقطر بوساخة صوتان أتعبتهما لذة محرمة. تعالت الأصوات وطالت الأيادي.

أكل عثمان ضربا محترما من أخوة الفتاة على مرأى من عامر وأبي وأمام عينيهما. قال لهم والدي إن كان ضربه وتأديبه سيشفي غليلهما فعليهم بالبدء حالا.
- يستاهل كل إللي يجيله، قال والدي.
بدآ ولم يوقفهما أحد..


كانت وسمية تتشفى من موقعها الإستراتيجي للمشاهدة الحية، تشفى جراحها واحدا بعد الآخر كلما سمعت صرخة ضائعة لعثمان وهو يتلوى تحت أيدي الرجال. كان عثمان يضرب ويركل ويصفع تماما مثلما كان يفعل بها. ترتوي عروقها التي نزفت على يد عثمان بدماءه وهو ينزف على الأرض الحارة، وترتفع كرامتها درجة كلما سمعت صوته يسترحم المهاجمين ويطلب العون من أخويه.


لا شيء أذل من أن يضرب رجل في بيته، بين أخويه اللذان قبلا هوانه، على مرأى ومسمع من أمه التي لا ترضى عذابه. لا شيء يوجع أكثر من أن يأخذ رجل حق عاطفة أخته بيده. كانت زينب بالرابعة عشر من عمرها، وعثمان بالثالثة والعشرين. ربما كان هو من علمها كل تلك الكلمات البذيئة التي سمعا أختهما الصغيرة تتلوى تحتها وهو يلقمها تصوراته القذرة شبقا مستباحا من حرمة الصوت عبر أثير الهاتف. سكت عثمان ملقى على الأرض طريح فعلته، هدأ الرجلان وعادا الى بيتهما يتوليان أمر الجزء الثاني من القصة المأساوية. رفع والدي وعامر عثمان وأخذاه الى الداخل بعدما سألاه إن كان يرغب في الذهاب الى المستشفى ونفى.


لم تكن وسمية تشعر بأدنى شفقة اتجاه شقيقها، حتى وهو يصارع آلامه بعينيه المتورمتين وأنفه الدامي، عندما أدخلوه وانتهى العرض أخذت والدتي تدعو له بالصلاح والهداية، فردت عليها وسمية بكل عبارات الشماتة التي تعرفها. لم تقتح وسمية فمها بكلمة تدل على فعلتها ولكنها في قرارة نفسها كانت تتمنى لعثمان أكثر.


بعد فترة عرفنا ان سلوى التي كانت تخون زوجها معه طُلقت وعادت بهدوء الى بيت ذويها، وبعدها بيومين فقد عثمان وظيفته في سلك الشرطة إثر "واسطة" قوية بركات أحد معارف السيد جاسم "الزوج المخدوع". الشريط الثالث الذي دس تحت باب بيت العم فهد لم يسمع له دويا الى يومنا هذا. ولكن سيارة عثمان حرقت، وكُسر قاربه أربا بعثرت على امتداد الشارع، ولم يجد وظيفة حكومية تستقبله ولا فتاة ترضى بالزواج منه طيلة أربع سنين بعد الحادثة.



0000



- السيدة آسيا مساء الخير ..


صمت..


- معاج وسمية الديم، أنا صحفية في مجلة "كانفاس" وحبينا نسوي معاج مقابلة نتكلم فيها عن الفن، عندنا معلومات مؤكدة انك رسامة رائعة ومتذوقة جيدة للرسم التشكيلي والرسومات التجريدية الحديثة وايضا معلوماتنا تقول ان عندج مجموعة رائعة من اللوحات لفنانين عالمين نحب نصورها ونتكلم عنها في عددنا القادم.


استماع ..


- لا أبدا آنا عارفه، ولكن الصفحة إللي راح ننشر فيها مقابلتنا معاج مخصصة بالمبتدئين بالفن، يعني الرسامين الواعدين إللي شافت في اعمالهم عيون الخبراء مستقبل جيد. إحنا نبي نكتب عنكم ونخلي العالم يلتفت للرسامين المغمورين.


ضحكة..


- فعلا وهذا شرف لنا سيدة آسيا، أنا اقدر اقابلج في أي مكان يعجبج بس في يتك او مرسمك يكون أفضل عشان نقدر نشوف اللوحات ونتكلم عنها في سياق المقابلة.


تلمع عيناها ..


- ممتاز .. يوم الثلاثاء الساعة سبعة راح اكون عندك ..


خفقة ..


- شكرا سيدة آسيا .. وأنا سعيدة بلقاءك مقدما .. مع السلامة


يقفل الهاتف على زفير طويل وابتسامة يطل منها بصيص أمل .. بيني وبين نفسي أحتقن، وأشعر بغثيان في فمي.


0000





يتبع يوم الأحد ..

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت