كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 30 يونيو، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 3

لوحة Jane Burt
في احد المطاعم الرائجة على شارع الخليج العربي في الكويت جلست سلمانة وهديل ينتظرن جنان، يقضون عادة وقت الإنتظار في مناقشات نسائية ثورية بحته:

-        أنا متأكدة ان اللي اخترع كلمة عانس هو ريّال، لاحظي حروف الكلمة .. لاحظي طريقة نطقها، لاحظي صوتها و موسيقاها. كلمة جدا قبيحة " عنس .. عانسا .. عنوسة " و الله كأنها مسبّة. عشان جذيه أمي تفضل تسمع " بنتك ماتت " و لا " بنتك عانس".

-        لا .. مو لي هالدرجة!

-        و الله يا هديل لي هالدرجة و نص.

-        المشكلة ان الفجوة بينا وبينهم قاعد تكبر جيل بعد جيل،  كانت أمنياتهم زمان "ريل \ بيت \ عيال"، الزواج بحد ذاته كان الإنجاز الأكبر إللي تنتظره المرأة عشان تكتمل إنسانيتها، وتحقق ذاتها. الحين تغيّر الوقت وتغير الوضع. نبي نبني نفسنا، نحقق مستقبلنا، نلقى ذاتنا. واذا عرفنا منو احنا بالضبط راح نلقى الشريك الصح اللي نعيش معاه الزواج الصح. وما نرجع بيوت أهلنا مطلقات.

قفزت سلمانة بحنق:

-        "مطلقة" شفتي حتى هالكلمة حروفها قبيحة .. " طلق .. طالق .. مطلقة" .. ما ادري منو يخترع هالكلمات!!

تقترب جنان من بعيد .. تبدوا أجمل من المعتاد، عيناها تلمعان وترتسمان على شفتيها ابتسامة من نوع آخر، ترتدي ملابس جديدة.  تقترب لتجلس على الكرسي الثالث من الطاولة الرباعية. تنظر اليهن و تبتسم.

-        عندي خبر ..

     أنا انخطبت .. أمي و أبوي بيسألون عنّه هالكم يوم .. و بعدين بنملج بعد شهر !

تنتظر جنان ردود افعال احتفالية، تلتقي عيني سلمانة و هديل و تبدآن في ضحك بلا سيطرة.


***

 لم تنتظر سلمانة كثيرا لتتلقى الإتصال، خريجي الجامعة السذّج يلتهمون الصحف اليومية كل يوم علهم يجدون أسمائهم معلقة على صدر صفحة التوظيف في وزارات الدولة، سمعت أمها تنادي من قعر صالة المنزل،  أخبرتها ان اسمها مكتوب في الجريدة. أخذت سلمانة الجريدة بحماس وقرأت طابور الأسماء من جديد على الرغم من ان أمها قد طوقت اسمها بدائرة حمراء. العديد من خريجي دفعتها قد وزعوا على وظائف " شاغرة " في وزارات الدولة كل حسب حظه وطبقا لتحركات والده. لازالت الكويت الصغيرة صعبة المراس، تلك الدولة التي بدأت من لاشيء وانتهت لكل شيء. كيف تحوّلت بساطة الوقت ورقة الإنسان فيها الى غابة من مئات العقبات. كيف تحولت بين ليلة وضحاها بيوت الطين الى قصور وقلاع؟ كيف أصبح الماضي المليء بالتواضع والإنسانية والصراع من أجل البقاء، حاضرا موغل في الكبر والعنجهية. كانوا أهل الكويت يعتاشون من البحر، يصنعون سفنهم الخشبية بأيديهم، يمرغون وجوههم في الشمس، يفقئون طبلة آذانهم في قيعان الخليج طلبا للدر، ويبحرون بعيدا عن الوطن، للهند والشام والعراق، يبيعون عرقهم لؤلؤا هناك ويشترون لزوجاتهم الصابرات قماشا ملونا وجوهر، ثم يعودون من جديد. كانوا يحبّون الحياة كما هي، ويحترمون الجميع. كانوا أهل الكويت يبيعون الماء بأيديهم، يجمعون الرماد بأيديهم، يكنسون الدور بأيديهم ويحبون بعضهم بأيديهم. كان أهل الكويت مجتمعا دافئا صبغته طيبة الحياة وكنوز القناعة.
و تبدّل الحال ..  فبعد سنة الطاعون والسور والهدّامة جاءت الوجوه البيضاء لتخرج رائحة زنخة من قعر الأرض القاحلة وتزرع كل شبر فيها بقصور وقلاع. نفض السمر اللؤلؤ من على أكتافهم وبدؤوا يتزينون بأطنان من الذهب الأسود. تيجان وخواتم وقلائد لزجة أثقلت رؤوسهم بنهم المال والبنون. ضرب الكويتيون أرجلهم بالأرض فخرجت كنوزهم المدفونة. امتلأت بطونهم وانتفخ بطن الأرض حتى ارتفعوا إلى مكان لا احد يعرفه. أصبحوا كويتيون وكل من بالأسفل لا يهم. تنكروا لماضيهم صبيانا على ظهور السفن، وتجّارا في ربوع الهند. ركلوا الطين الذي كان يوما بيتهم و ملجأهم.   

ذهبت في اليوم التالي لوزارة تجارة وصناعة الكويت، طلبوها ليقدموا لها على ورق من ذهب عقد العمل الذي انتظرته لستة شهور بعد التخرج. في الكويت .. تكفل الدولة وظيفة لكل مواطن في وزاراتها ومؤسساتها. فبعد التخرج ينتظر الطلاب أسمائهم لتفرز عشوائيا او لا عشوائيا على الجهات الحكومية المختلفة، تقتاد الدولة مواردها البشرية الى مستقبلهم الوظيفي وتهبهم راتبا شهريا ان عملوا وان كانوا لايزالون في انتظار العمل.

دخلت مجمع الوزارات الكبير، بوابات ضخمة بأفواه مفتوحة في كل صوب، موظفين، مراجعين وشرطة يحرسون المكان ويغرسون مخالبهم في كل حقيبة يد. سئلت عن موقع وزارتها فدلّوها الى هناك. طرقت بابا عتيقا في المنتصف ودخلت مكتبا أعيدت صياغته مرات ومرات. استقبلتها موظفة الشئون الإدارية بابتسامة ملؤها السأم. أعطتها ورقة وأشارت الى مكان التوقيع. وقعّت سلمانة ووقفت في المنتصف تنتظر. قامت الموظفة الضئيلة الى جارور حديدي فتحته وألقت بورقتها في فوضى الجارور وأغلقته حتى دوّى. جلست على كرسيها من جديد وأخذت تعيد قراءة مجلتها، انتظرت سلمانة على عتبة الباب توجيها من أي نوع، أحست الموظفة بوجودها فرفعت رأسها:
-        خلاص روحي
-        وين أروح
-        روحي إدارتك .. وين مكتوب انك توظفتي ؟
-        ما ادري
-        وين ورقتك؟
-        أي ورقة؟
زفرت الموظفة وأخرجت هواءا من انفها اعتراه الغبار، توجهت الى الخزانة الحديدية، فتحت الجارور من جديد وأخذت أوراق سلمانة، فصلت الورقة الأولى عن الثانية، ألقت بالأخيرة في غياهب الجارور ودوّى مرة أخرى .. توجهت نحو سلمانة وابتسمت:
-        وي آنا آسفة .. نسيت لا اعطيك نسختك من العقد.
قرأت:
-        انت في إدارة المنظمات العالمية – مسماك الوظيفي إداري
-        اداري شنو؟
-        و الله ما ادري
-        يعني شنو شغلي؟؟ شنو راح اسوي؟
-        اعتقد ان شغلكم يتعلق بالعلاقات والمراسلات مع منظمة التجارة العالمية اذا ما كنت غلطانة .. توها وحدة اسمها ميساء توظفت بنفس مكانك، توها اطلعت من عندي .. لحقي عليها عشان تروحون مع بعض.
شكرتها سلمانه وخرجت مسرعة من الباب، سعدت عندما علمت ان هناك شخصا آخر مثلها تماما، معصورا بمطر الضياع. توجهت الى ادارة المنظمات العالمية ورأت طيفا ضائعا تاهت خطواته بين الممرات والأروقة. اقتربت من الفتاة:
-        ميساء؟
التفتت الفتاة بفرح:
-        هلا !
-        أنا سلمانة .. انا اليوم داومت وحدّي ضايعة
ابتسمت ميساء بفرح .. و ضحكت:
-        وي يا بعد عمري .. الحال من بعضه  .. تعالي تعالي
اقتربت سلمانة من ميساء اكثر، شبكتا ذراعيهما.
بعد المرور على المكاتب وبعد السؤال والتقصّي  والإستفسار .. وجدتا المكان المنشود. توظفتا تماما في نفس الإدارة، في ذات القسم وفي عين المكتب. استقبلهما مدير الإدارة وتحّدث عن مهام ومسؤوليات الإدارة، كان قبيحا الى ابعد الحدود، تدوّي ضحكة رخيصة من فمه بين حين وآخر على نكات سمجة هو يلقيها. قطع رنين الهاتف حديث المدير فرفع السماعة وأخبر المتحدث من الجهة الأخرى انه سيعاود الاتصال. اقفل السماعة ونظر للفتاتين بعينين تلمعان:
-        هذي صاحبتي .. احلى من ام العيال بألف مرّة ، طبعا تستغربون إني اقول هالشيء بصراحة. بس ترى أنا معروف Very open minded . أنا اقعد بحالي لا لي ولا علّي. بس لما تييني وحدة حلوة وامورة وتقول لي احبك.
يفتح ذراعية واسعتين:
-        أقولها يا هلا و يا مرحبا ..
نظرت ميساء الى عين جارتها فوجدتهما لا تتحدثان، ملئ الضباب عينا سلمانة واعترى وجهها جمود غريب. تحدّث مدير الإدارة أكثر، ثم أمر إحدى سكرتيرتيه ان تأخذهما الى مكتبهما. سارتا بتخبط، لا تجيبان ولا تستجيبان، فتحت باب اول مكتب في ممر الإدارة ودخلتا، غرفة صغيرة ومكتبان متواجهان. تجلس موظفتين صغيرتين وجميلتين على مكتب واحد بكرسيين مختلفين. والمكتب المواجه فارغ إلاّ من كرسيين متلاصقين. أشارت السكرتيرة الى المكتب فعرفتا انهم سيتقاسمان الطاولة وجهاز الكمبيوتر والهاتف. رحبت بهما وذهبت.
مرّ الوقت ثقيلا وبطيء. أحبت سلمانة ميساء ولكنها لم تستطع فتح فمها، كانا ينظران لبعضهما ثم تسحب كل واحدة عينها الى الوراء. حاولت نجود و سحر- جارتاهما في المكتب- ان يتعارفو اكثر، لكن شيئا ما اثقل اللسان و حبس غضبا من نوع جديد. تجاذبوا أطراف حديث بارد ولا شيء أكثر.
سألت سلمانة زميلاتها ان كان هناك عمل تقوم به، ضحكتا وأخبرتها سحر انها موظفة في هذه الإدارة منذ 8 شهور، والى الآن لم تجر الى 3 اتصالات ولم تطبع إلا رسالة واحدة. تلاقت نظرات ميساء وسلمانة  بصمت.
انتهى وقت العمل، كانت اتعس ست ساعات قضتها في حياتها. توجهت سلمانة الى سيارتها، أمسكت المقود ولم تتحرك السيارة، تركته وأمسكت بهاتفها النقال. ضغطت أرقاما وجاء صوت رجل من بعيد.
-        احمد !!
-        هلا
و غرقت في نوع آخر من نحيب وبكاء. 



يتبع ...

الاثنين، 27 يونيو، 2011

( سلمـــــــــــــــانة ) 2






نقاش دار في وسط المعيشة، بين رأسين مختلفين تماما يعيشان في ذات المنزل ولكن بقلوب متباعدة ..

-        يمّا .. باجر حفلة تخرجي .. مابي أي شي يشغلني عنها.

-        يعني شدعوه الناس إللي بيون بيشغلونج عن الحفلة؟ الحفلة الساعة 7، وأنا قلت حق أمة ايون الساعة 5، ما راح يقعدون اكثر من ساعتين!

-        اشدراج ؟؟ يعني اذا صارت الساعة 6:30 بتقوليلهم يالله طلعوا بنتي عندها حفلة تخرج؟؟ وتظمنين يعني انهم بيون 5 بالضبط و ما راح يتأخرون؟

-        إي اقول لهم يطلعون اذا صارت الساعة 7، و أدق عليهم الحين واقول لهن ما يتأخرون.

-        يعني ماكو إلا هاليوم ؟؟ خليني اركز على فرحة تخرجي.

-        و انتي خليني أركز على فرحة زواجك، بنت خالتك خالدة تزوجت، وأسيل بنت عمتك إللي اصغر منك تزوجت من سنة وعندها ياهل، وكاهي رانيا انخطبت .. و انت خليج قاعدة في البيت.

-        ردينا على هالإسطوانة !!

-        أنا قلت .. ما راح إينيا من دراسة الإعلام إلا عوار الراس، قوليلي هذا أي ريّال يرضى ياخذ وحدة خريجة اعلام. باجر توقف له وتقول له باشتغل مذيعة وإلا مخرجة توقف كتف بكتف مع الرياييل!! أنا قلت حق ابوج .. لا تخليها تدرس هالدراسة الزفت .. بس ما سمع كلامي! شفيهم المدرسّات ؟؟ ياحلوهم .. أول البنات إللي يتزوجون المدرسات !

تقفز سلمانة من الكرسي الكبير وتهم في الذهاب نحو غرفتها، تكمل والدتها الحديث:

-        الحين شقول للناس ؟ ايون والا ما ايون ؟

تلتفت سلمانة و تصرخ:

-        لا ايون .. لا هلا ولا مرحبا

-        لا هلا ولا مرحبا فيج .. الشرهة علي أنا إللي احاتيج واحاتي مستقلج ..

تقاطعها سلمانة:

-        لا تحاتين مستقبلي .. الحمد الله أول خطوة في مستقبلي وضمنتها،  والريل قسمة و نصيب لما الله يكتب بيطق الباب و بقول اهلا وسهلا.

-        ما ادري شلون بتفيدج هالشهادة بدون ريل ؟؟ اهي إللي بتعزج و ترزج وتحطلك بيت وعيال بعد عينّا انا وابوج؟؟

-        اذا الشهادة ما راح تعزني و ترزني عيل منو إللي بيعزني؟؟

-        ترى الكلام معاج ما منه فايدة

-        ادري

-        عيل روحي حفلتج .. خليها تنفعج .. أنا مالي خلق اروح

-        ما راح تيين حفلة تخرجي؟

-        لا

انسحب رأس سلمانة إلى الأرض، وذهبت ببطء شديد لغرفتها، كانت خطواتها ثقيلة، تتباطأ أكثر وهي تمشي علها تسمع صوت والدتها من بعيد تخبرها انها ستكون هناك.

 ما الذي يدفع ذلك الجنون للانفجار في رؤوس أمهاتنا؟ وكأن العالم سينتهي عندما تنعم فتاة من العائلة الممتدة بالزواج قبل الأخريات؟ هي غيرة من بعضهن! تنافس غريب؟ أم انها تقاليدنا وأعرافنا المدججة بالرسائل الضمنية؟

عندما تتزوج الفتاة سريعا، فهل هذا يعني انها الأجمل؟ الأحسن خلقا؟ الأعرق أصلا ؟ او ان والدتها أتقنت تربيتها وان والدها حفظها وصانها وجعل منها أميرة غالية فاز من اقتناها؟ ألهذا تموت وتحيى الأمهات عندما يتأخر النصيب؟ لأنهن يعتقدن ان هناك خطأ ما في بناتهن وبالتالي خطأ ما بهن؟؟ من آمن بنفسه وحدها علم ان الحياة لا تسيرها الأخطاء ولا النسب، وان الجميل هنا، قبيح هناك، والصحيح هنا من الممكن ان يكون منتهى الخطأ هناك! تتأمل الأمهات فرصة الزواج لبناتهن بعض الأحيان بلا تطلعات، الشرط الوحيد ان يكون رجلا و حسب،  باعتقادهن ان تسمى الفتاة " متزوجة" أفضل مئات المرات من ان تنعت بـ " عانس". 



***



على الكرسي البلاستيكي البارد سمعت صوت الزغاريد...
 قطعت تلك الصرخات الشعبية غفلتها فالتفتت الى الممر الكبير الذي يقود القادمين الى أحضان الوطن او سواعد المُغترب. شاب جميل جاء من بلد بعيد، رسم ابتسامة موغلة في الاتساع على وجهه، يلمع شعره ويدعو هندامه الى آخر ما توصلت اليه صيحات الغربة. "جينز" ازرق من True Religion Jeans، بلوزة تي شيرت حمراء تسطع من بعيد برسومها الغريبة. من كان هناك سيعلم ان Ed Hardy قد علق وسامه على صدور رجالنا. حذاء رياضي معتق، حقيبة كمبيوتر محمول منBally  وحقيبة سفر جلدية متوسطة الحجم تلمع عليها نجمة  Mont Blanc السوداء. شاب بمنتهى الحياة ، منتهى الجمال. آت من غربة ما بمنتهى التأنق وبأغلى الأثمان. تبعته عيناها ملتصقة بنظرة كاسحة اعترت محياه. رأى أحدا ينتظره من بعيد فاتسعت الابتسامة أكثر. سمع صوت الزغاريد من جديد فأطلق ضحكة ملؤها الفرح والخجل. أخذت عيناها منه وألقتها على الطرف الآخر من ممر اللقاء. الى أين هو متجه؟ على أي كتف سيلقي رأسه وفي أي حضن سيغوص؟

فتحت المرأة في نهاية الملتقى يداها كبيرة كالدنيا، اتسعت عيناها وشهقت حواسها وهي تحتويه، احتوته ففاضت لهفتها به، قبلته وقبلها، قبل رأسها ويداها و لم يحسها. لم يشعر بدفء شفتاها على خده، كان هناك حاجز من قماش أسود يغطي كل بقعة من جسد أمه الطاهر. لم تستطع الانتظار فرفعت البرقع الأسود من على فمها وطبعت قبلة حقيقية بكل عطورها وبخورها على رأسه، ضمها بعنف وراحا يذوبان.

غريب ذلك الولد الجميل، كل ما فيه مكتوب تحت عناوين المدينة وأي مدينة؟ عرفت من الملصق المعلق على حقيبة محمولة انه من "نيويورك ، من " مانهاتن" جزيرة المليون لون، والمليون لغة والمليون شكل والمليون رائحة. تعددت الوجوه في ذلك المكان الخانق حتى مل الناس فيها من مرأى الوجوه الطبيعية. فبدءوا يبتدعون أشكالا جديدة لوجوههم وألوانا جديدة لجلودهم، لا شيء غريب في نيويورك ولا في مانهاتن لإن المدينة والجزيرة اصبحتا عنوانا للغرابة وملجأ لكل ما هو غير مألوف، لذلك تسمعهم دائما يقولون "! Its very hard to impress a Newyorker "
كيف استطاع ذلك الولد الخارج من سواد النساء ان يستنشق آلاف النساء بألوانهن الزاهية؟ كيف هضم الراب والجاز والكرمب من على شوارع نيويورك وحاناتها بعد فن النبط ورقصات العصي والسيوف؟ كيف عاش في ناطحات سحاب مانهاتن بعد الغرفة الصغيرة في البيت البسيط؟ كيف فسّر نهود الرجال؟ و ماذا فعل عندما رأى للمرة الأولى رجل مخنوق تحت فستان مزركش يمشي في اروقة "سوهو"؟
كيف كانت تلك الفترة الانتقالية من جهراء الكويت الى الآبر إيست سايد؟ ومن ساحة الرمل والطين الى التايم سكوير؟
لهجة أمه البدوية وزغاريدها المتقنة دلّت على عراقة من نوع آخر؟ تلك الإنسانية البدائية المعجونة برائحة بيوت الشعر وجلود الحيوانات، تلك الأنوثة المغسولة بعطر الزهور البرية وكحل الصحراء الفاحم، تلك الحياة البسيطة المليئة بتعقيدات العيب والتقاليد التي اختلط حابلها بنابل الدين فلم نعد نفرق متى ينتهي ذيل الأعراف ومتى يطل الرأس الحقيقي للعقيدة؟
ليتها تعرف ان ولدها دفع مبلغا وقدره لبوذا عندما ابتاع  بنطالا يروّج للديانة الحقيقية بكرش بوذا ورأسه الأصلع!  ليتها تعرف ان الرسومات على صدره مأخوذة من عرّاب الوشم والوشامين في أمريكا كلها، امتدّت رسومات " دون إد. هاردي" من هاواي حتى استقرت على صدور الرجال ونهود البنات، فاتخذوا خناجره وقلوبه وكلابه وجماجمه أوسمة تناقض كل ما فيهم من عروبة وتنافي كل ما تبقى لديهم من دين.  
ابتسمت عندما مر الاثنان بجانبها، فسمعت صاحب الحقيبة الفارهة التي لو علمت أمه بكم اشتراها لربطته في اقرب شجرة نخيل قرب منزلها. سمعته وهو يحدثها بلهجة طفولته، لكنة بدوية محببة بدت ثقيلة لوت لسانه حتى كاد فكه ان يسقط بين قدميه. سمعتها وهي تعاتبه على الفراق وعلى عدم الاتصال، سمعتها تناديه: " ريحة اهلي" ويرد عليها " تاج راسي"، مصطلحات لم تسمعها منذ سنين. كلمات كساها الغبار وشيء من السخافة بعد ان عفّر العطب رائحة أهلها، وتمرّغ رأسها بتاج الغربة.
 عينا والدته تكادان تقفزان بين سؤال وسؤال. تتطاير نظراتها من بين حفرتي برقعها فيغرق الولد ببئرين من حنان بعد غربة طالت.
ذهب النيويوركي إلى البيت، دافئا تحت عباءة والدته تلفه من كل صوب، وهي جلست على الكرسي تتساءل .. ترى ماذا في الانتظار؟

يتبع ....

الأحد، 26 يونيو، 2011

( سلمـــــــــــــــــــــانة ) 1




لغتها العربية و قطع أحجار من كل شاطئ زارته وحجاب على الرأس، ثلاثة أشياء فقط جاءت بها من هناك. هي تركت هذه الأرض لأصحابها و ذهبت الى حيث لا يذهبون، كانت لا تريدهم و لا تريد ان ترى صبغة الشمس التي تترك لونا فريدا على الوجوه. تركت الجميع وتحدّت اللاآت التي سمعت والتهديدات التي ألقيت كالقمامة على رأسها، الصراخ الذي طال أعمق نقطة في قلبها. ذلك الصراخ الذي عاشت معه منذ كانت صغيرة، الصراخ الذي يصم آذانها ويرعبها حتى لو لم تكن هي المخطئة. العينان السوداويين التي يمتزج بهم الزئير فيغدوان بلون الدم. كانت تخاف منهم و لا تنساهم.

غريب أن يغادر الإنسان وطنه و لا تلعب أغنية ما – حزينة كانت أم سعيدة – فيما وراء عقله. هي رحلت بلا أغنية وتبدلت الحان الفراق بغضب صاخب، ولا أيادٍ تلوح عطفا للوداع. لغتها العربية والصبغة السمراء والعينين العسليتين وحجاب ملون على رأسها جاءت بهم من الغربة البعيدة .. و الباقي لا يهم.

في المطار، ذلك الحضن الكبير جلست على المقاعد البلاستيكية المتلاصقة. هي تحب المطارات، فهي بداية كل أمل وخاتمة كل غربة او ربما لا تكون!  تحب المطارات لأنها تضم اكبر لحظات التلاقي، فبعد الفراق عادة ما تنسى الفوارق والخلافات لينتظر كل من الطرفين مرأى الطرف الآخر بقلب نابض فتلتقي العيون وتتلاصق القلوب بلا حواجز وينسى الماضي للحظة.

 صوت المنادي يعج المكان، واللغة المحببة تدغدغ أذنيها فتطرب لوقع الكلمات، ترهف إذنيها و تسمع .

***


(والله تعبنا .. و استحملنا و درسنا، كانت الأيام صعبة والدراسة أصعب بس الفرح كان دايما في قلوبنا، وسعادتنا بإنجاز شي احنا حبيناه خلانا ننسى كل المصاعب و دفعنا  نتطلع للمستقل.)
عجّت القاعة بالتصفيق والدموع ، بدا التأثر على الكثير من الوجوه. كانت كلمة هديل تقليدية،  لكنها عندما وصلت لهذا المقطع، تجاهلت الأساتذة والمدراء والإدارة والتفتت الى زميلاتها وزملائها الطلبة الخريجين. ابتسمت لهم ووجهت لهم الحديث. كانت هديل وسلمانة صديقتان مقربتان، والدراسة كانت واحدة. درستا في تخصص واحد وأحبتاه لما فيه من حيوية و إبداع. هديل واحدة من الطلبة المتميزين في قسم الإعلام، كانت نتائجها الأفضل على مر السنين. عندما طلب الدكتور سامح من هديل ان تلقي كلمة الخريجين في الحفل الخاص لتخريج طلبة القسم دفعة 2001 – 2002 ترددت ولكنها قبلت في النهاية لانها دائما كان لديها ما تقول.
منذ أيام الدراسة كانت سلمانة تعلم ان رأسها يعج بالمعارك، مثل العديد من المبتدئين بالحياة كانت لا تزال تبحث عن شي ما، تبحث بعيدا عنها، قريبا منها، وتبحث في جوفها. كانت تبحث عن شيء يوقف هوس التساؤل ووسواس الضياع داخلها.
 هل نحن ضائعون؟ ام أن ضياعنا وجود؟ هل نحن دوما حائرون على مفترق طرق الحياة؟ أم أن طرقنا موصوفة ولكننا نحن من لا يعلم كيف نجد الطريق؟  لم تكن تعلم من فعلا يستحق الرضا، هي ام هم ؟ ومن حقا يستحق السعادة!  كانت صغيرة وطريّة على مشارف الخوض في تجربة الحياة.
أحبّت سلمانة الحياة مذ كانت صغيرة وظلّت تحبها الى ان تاهت في حبها فضاعت عن الأبواب ووجدت آلاف النوافذ.
 
-        اعجبتج الكلمة ؟
-        هديل !! شرايج يعني ؟ ما شفتيني أمسح دموعي ؟
-        امبلى .. بس عادي انت معروفة .. ممكن كنت قاعد تبكين على شيء ثاني ماله أي علاقة بالتخرج ولا بالكلمة.
تضحك سلمانة عاليا:  لا والله كانت الكلمة، والناس والتخرج والفراق، ماني قادرة اصدق ن ايام دراستنا انتهت!
تقاطعها هديل : زعلانة من أمك ؟؟
-        أمي اختارت ..
-        و انت اخترتِ انك ما تحاولين تغيرين اختيارها!
-        ليش أحاول ؟؟ هي تدري ان هذا اليوم من أهم الأيام في حياتي، زعلانة منّي !! لازم تتغاضى شوية وتحضر حفل التخرج، لا تكلمني .. لا تهنيني .. بس عالأقل تحضر حفل التخرج تشوفني وأنا استلم شهادتي!! بعض المرّات أحس أمهاتنا ما يحسون فينا.
-        صدقيني يحسوّن ، بس عزتهم بنفسهم تخليهم يكابرون.
تقطع جنان الحوار القائم وتنادي المصور الى حيث تقف هديل وسلمانة، تقف في وسط الاثنتين، تنظر الفتيات للمصور بعفوية ويبتسمن ابتسامة بحجم السماء. تومض الصورة، وتضم جنان صديقاتيها الى صدرها.  يجلسن على طاولة مستديرة بالقرب من حمام السباحة الكبير في نادي الأساتذة في حرم الشويخ الجامعي.
كانت الدفعة كلها هناك، دفعة غمرتهم أجمل أيام الدراسة، تعرفوا على بعضهم بلمح البصر وخاضوا معا على مدى الثلاث شهور الأخيرة أكثر الأعمال متعة وإبداع على الإطلاق. عندما يختار طالب كلية الآداب تخصص الإعلام ويُقبل، يعلم أنه في مكان جديد نسبيا. دراسة تمكنت أخيرا من فرض احترامها على باقي التخصصات في الكلية، وطلبتها يعلمون ان فيهم شيء من التميَز. فهم الوحيدون الذين يدرسون في جو مفعم بالأخوة بين الطالب والطالبة، يعملون مع بعضهم و يلتصقون بطريقة غريبة. كلهم يعلمون ان الدراسة لن تكون بغاية السهولة ولكنها جد ممتعة. سلمانة نفسها كانت صحفية في جريدة آفاق الجامعية على مدى 3 شهور مدة التدريب الميداني، وكانت مذيعة لبرنامج أطفال من إخراج صديقتها وضحة، كما عملت كموظفة تسويق لواحد من مشاريع الأطفال الترفيهية. هذا بالإضافة الى مئات الإعلانات المطبوعة التي درسوها والإعلانات التلفزيونية التي حللوها والعشرات من الحملات الإعلامية والتنموية التي دخلوا في معالمها وانتقدوها.
كانت دراسة الإعلام حلم طويل اقتنعت به سلمانة منذ صغرها. وهي صغيرة كانت تحفظ أغاني الإعلانات المختلفة عن ظهر غيب. كانت تلتزم بمواعيد أكثر الفترات عرضا للإعلانات أمام التلفاز وتستمتع فيها كما يتمتع الصغار الآخرون بالرسوم المتحركة وبرامج الأطفال المنوَعة. منذ صغرها كانت تعتقد أنها عندما تكبر تريد ان تعمل مثل تلك الطفلة التي تأكل حبوب القمح في الإعلان وتغني مع النمر الحنون، او تريد ان تكون هي "زينة" التي تذهب مع والدها للبنك وتدّخر في دعاية بنك الكويت الوطني. وهي طفلة كانت تريد ان تعمل كواحد من الإعلانات في التلفاز، كانت تريد ان تكسر التلفاز وتدخل لتغني مع الأطفال " وين وين .. في المدينة الترفيهية ".
عندما كبرت عرفت أنها لا تريد ان تكون إعلانا، لا تريد ان تغني، بل كانت ترغب في ان تصنع الإعلان وتراه يغنى في التلفاز وينشده الأطفال في البيوت في كل مرة يعرض فيها. 

*** 

في مطارات الدول البعيدة يلتقي الناس فيركضون لبعضهم و يتعانقون، تضرب أرجلهم على الأرض بقوة فيخرج صوت الخطوات أعلى من صوت كل الدقائق التي مرّت في ممرات الفراق. يضمان بعضهما بقوة ويقفزان فرحا عارما مع  لحظات الالتصاق. يتمايلان و يذوب الشخص بالشخص لينفضا عن جسديهما كل الوقت الذي مر من بعيد. في المطارات البعيدة، تظهر أصوات الفرح للنور من قعر الصدور لتسمع العالم والمطار البارد ان الصديق او الحبيب او الابن - انه بعد الغياب - قد رجع.
على الكرسي البلاستيكي كانت تنتظر ان يظهر الناس من خلف أنفسهم، كانت تنتظر الخطوات السريعة الصاخبة فلا تسمعها، السلام الحارق الذي يمتد لهبه للناس في المحيط فيعطيهم عدوى الابتسامة والفرحة، فلا تشعر بها. كانت تنتظر الحضن الكبير والبكاء وتأوهات الفرح الممزوجة بضحكات الحزن فلا تجدها في هذا المطار. لماذا لا يشعر الناس بدفء اللقاء وحلاوة العودة هنا؟ لماذا لا يعبرون جسور الزمن لتلمس أياديهم الدافئة الصعيق الذي تتركه الغربة في قلوب العائدين؟ لماذا يترك الحديث كله للمصافحة وبضع هزات طفيفة تتقنها الكفوف التي تخبئ في عروقها دماءا فارت من اللهفة؟
التفتت حولها لتجد الناس جميعهم يلهون عن اللقاء بأشياء اقل أهمية. هل يحتاج المُلتقى لكل هذه المحلات والمطاعم والمتاجر أكثر من احتياجه للشعور الرهيب الذي يخلفه الانتظار للقادم من بعيد؟ شملت البرودة  أطراف المكان و أطراف الناس التي تمد عبر المسافة القصيرة للقادم من بعيد.
عبر الفراغ لمحت عينيها أنثى تنتظر، كانت جميلة ومتأنقة، كانت هنالك شرارة ما في عينيها خمدت لفترة واتقدت اليوم من جديد تطلعًا لمرأى الذي سافر. في يدها هاتف يرن ولا تجيب ومن حولها 3 أطفال غاية في الجمال. غسلت الصغار بصابون وعطر، ألبستهم أحلى ما عندها وعندهم ومشطت شعرهم كثيرا حتى صار خال من العيوب. كان الصغار ينتظرون والدهم بلهفة، يتراكضون هنا وهناك ويلعبون بكل ما يلعب به، يعودون للأم المتألقة ليسألوا عن موعد القدوم. تجلس على ركبتيها لتنظر في عيونهم وتخبرهم انه على وصول. فُتحت البوابة، وفتحت عينيها الجميلتين نورا على الناس الدالفين، كانت تنظر وتنتظر وابتسامة ما كانت لا تفارقها. ارتعشت شفتاها ما ان رأت القادم من بعيد، كان زوجها متألقا ومتأنقا مثلها، هو أيضا استحم بصابون وعطر ومشط شعره حتى تعب. ركض نحوهم ليضم الصغار ويعصرهم بين ذراعيه، تطايروا الثلاثة من حوله، يغنون ويتقافزون، يلمسون كل جزء فيه و يسألونه كل الأسئلة التي قالت لهم أمهم أن يسألوه ما إن يعود. وهي اكتفت بقبلة سريعة على خديها ولمسة خاطفة ليديها الرقيقتين. قبّل خديها وهو ينظر للناس ان كانوا رأوا المشاعر التي فارت بغفلة منه! لم تتعلق المرأة المتلهفة بأحضان زوجها بعد غياب دام شهور، لم تنزف كل ألم الفراق على صدره ما ان رأته، و لم تقبل الوجه الذي نامت طويلا على سرير خال تحلم به. لم تخضبه بدموعها، و لم تلمس الجسد الذي كانت تشتهيه كل ليلة.
 لازال التعبير عن المشاعر الإنسانية الصادقة حكرا على الغرب الذي لا تحكمه قبضة العيب، ولازلت العفوية محسوبة ضد التقاليد التي تقيّد كل ما يمثله جوهر الإنسان من تلقائية.
تذكرت و هي تجلس هناك، كم كان يؤلمها و يسعدها هذا المكان، فارقت العديد من الأصدقاء حتى وإن كان فراق مؤقت، فالفراق رحيل، والرحيل حاجز جغرافي كبير يبعد الوجه عن العين والحب عن القلب. لم تصدق يوما ان البعيد عن العين بعيد عن القلب. و لكنها عندما قررت الرحيل ابتلعت غصة المقولة وأقنعت نفسها أنها ستنساهم.
و هي هناك .. كانت تنتظر اللحظة التي ستنساهم فيها، لحظة فقدان الذاكرة كما كانت تسميها، كم كانت تود لو ينقلب فيها القطار، ان تسقط فيها الطائرة  فلا يتضرر إلا ذاكرتها. كانت تتمنى لو يُسقط الله زخّة كبيرة من المطر فتقع على رأسها و تنسى أناس سكنوا ماضيها. كانت تحب حياتها، متمسكة بخيوطها ولكنها أماتت جزءا منها لتحياها كيفما شاءت!

أتى الصوت المنادي من جديد، ارتعشت في مكانها ورفعت رأسها لسقف المطار، وابتسمت من جديد على نغمات الكلمات.

يتبع ....


إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت