كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 25 أبريل، 2011

حديقة في السماء ..

ح



تقرصني العقربة السوداء وأتمرغ في التراب، أدفع رأسي في الرمل واستنشق ملايين الحبيبات الصغيرة، تدخل في انفي تحرق عيني وتضاعف ألم اللدغة. يبدأ السم في الانتقال متسربا دنيئا الى شراييني، أكاد اشعر بالدفق الحارق يصل الى قلبي، نبض قلبي يتسارع ورئتاي تكادان تلفظان أنفاسهما الأخيرة. يختفي الألم تدريجيا، وأشعر فجأة في حزن بطيء ومجنون يجتاحني. أفتح عيني فأجد رأسي مدفونة في صدر الوسادة، فراشي بارد، شعري يقطر عرقا وعيناي تملؤهما الدموع. أتمرغ أكثر في فراشي لساعات، لا يدفئ الحيز ولا تنام عيناي.



على الوسادة الكبيرة التي دائما نلقيها في أحد زوايا معيشتنا أراه يستند، يضع رأسه على صدرها الحاني يشاهد برنامجا تلفزيوني لا يحبه، هو أيضا عاداه النوم، او ربما هو الآخر قرصته في منامه عقربة سوداء! يشعر بي، يلتفت نحوي ويبتسم شبه ابتسامة:


- آسف .. هل أيقظك صوت التلفزيون؟


- لا عزيزي أيقظتني العقربة ..


- كابوس؟ من جديد؟


ازفر شبه زفرة، وأحاول أن ارسم تفاؤلا مزيفا على شفتاي ولكنهما لا تتحركان. اذهب الى الغرفة الأخرى ذات السرير الصغير، اقفل الباب ولا ابكي. اخرج كتابا قد خبأته تحت الوسادة الصغيرة، علّه يسرق رائحتها! اجلس على الأرض، استند على السرير واقرأ.






الساعة الخامسة صباحا اسمع خطوات " ليليانا" هي الأخرى هذه الأيام يجافيها النوم، أحيانا اسمعها في جوف الليل تصلي، تتلو اهازيجا لا افهمها، ولكن صوت الصلاة – أيا كانت – يريحني. عادة ما نلتقي بعد الفجر بقليل عندما اخرج من غرفتي فأجدها هي الأخرى تهم في الخروج من غرفتها، تلتقي أعيننا ولا نفصح لبعضنا شيئا. نحاول رسم ابتسامة .. عادة لا يحدث!






تفتح باب الغرفة، تجدني لا أزال مستندة على الفراش الصغير، كتابي في يدي لا زال على نفس الصفحة التي فتحتها منذ ثلاث ساعات مضت. تقول لي صباح الخير، انجح هذه المرة في رسم ابتسامة وأرد عليها تحية صباح باكر كالعادة. أخرج من الغرفة، فأجده قد غفت عيناه أخيرا على الوسادة الوثيرة، التلفاز لازال في حوار أحادي الجانب معه، هو لا يرى ولا يسمع.






أغتسل، أتوضئ وانفخ الشمعة التي تضيئها "ليليانا" كل صباح في حمامي، هي تعلم أنني أحب الشموع ذات الرائحة الزهرية. هذه الأيام لا أشتهي الروائح السعيدة. أغمر نفسي تحت رشاش الماء، أتمنى أن يغسل الماء حزني، أن يعيد لي شيئا ضاع داخل نفسي. التفت الى زاوية حوض الاستحمام، أشيح بوجهي كأني رأيت شبحا. ابكي وأنا أمسك بطتها الصفراء البلاستيكية التي كانت تطفو على ألق حمامها الصباحي الدافئ.

 أتوفق عادة في حبس الفيضان في كل مكان في المنزل حتى غرفتها، ولكني ارسب في كل مرّة أدخل بها الحمّام. كنت أحممها هنا، أضمها الى صدري مبللة وخائفة، وما إن تتلامس جلودنا تختفي الدمعة وتحل مكانها ابتسامة. شعرها المبلول يناكف عيناني، يدخل في فمي، لم يكن يهمني، كل تعب الدنيا يختفي عندما تلقي برأسها على صدري بعد حمام دافئ .. وتنام.






أصلّي .. أتضرع الى الله أن يلهمني صبرا ما، لا صبر أيوب ولا محمد، أي نوع من الصبر سأرضى به، علّه يساعدني على تخطّي اليوم الى الذي بعده. لم أعد أرى في الأفق البعيد بصيصا من نور المستقبل. علاقة زوجية جميلة أود الاستمتاع بكل لحظاتها، شقة رائقة على البحر أريد تغيير أثاثها، شهادة رسالة الماجستير التي احضرها، كامراتي الباهظة الثمن والصور التي التقطها وأشارك بها في مسابقات دولية. كل هذا اختفى، وبقى عندي اليوم، اليوم فقط عندما يبدأ، أتضرع الى الله أن يجعله ينتهي.






أخرج من الحمام بعينين حمراوين، ينظر إلي ويمسح على شعري، يغرس أصابعه في رأسي، حركة أصابعه ناعمة:


- اعتقد أننا يجب أن نسافر


- الى أين؟


- أي مكان تريدين .. أمستردام، باريس، أمريكا


- لا اعتقد أنني أقوى على الرحلات الطويلة


- إذن نذهب الى ايطاليا، لم نرها من قبل .. قلت لي دائما أنك تودين الذهاب ..


- هل تعلم ما أود؟


- ماذا؟


- أن أراها في الحلم .. فقط لمرة واحدة ..


هو الآخر لا يدري ماذا يقول في اغلب الأحيان، يعلم أنني مللت من عبارات الناس الرتيبة " هذا اختبار من رب العالمين"، " الله يمتحن قوة إيمانك"،" سيعوضك الله عنها خيرا"،" الله يعينك على ما ابتلاك".

 ذكي زوجي، عادة ما يصمت عندما لا يعرف ماذا يقول...






في غرفة ملابسي اسمع صوت "ليليانا" ترتب الغرفة الصغيرة، اعلم أنها تطلق لبكائها العنان فقط عندما تشغل المكنسة الكهربائية، تحاول أن تدفن حزنها في الأصوات العالية علنّي لا أعي. مسكينة "ليليانا" هي لا تعلم أنني أشم الحزن على بعد أميال، لا حاجة لأن أراه.






أطيل السجود، ادعوا فقط أن أراها في الحلم، ترتدي فستانا ورديا وتقفز في السماء كما كانت تحب أن تفعل، تناديني ماما وتضحك تلك الضحكة العالية المعدية التي تتسلسل كغيمة غزل البنات من يدها الى يدي. كم كنت أحب أن اسرق خيوطا من غيمتها اللذيذة وكم كانت تحب أن تشاركني حلواها.






يحجز زوجي التذاكر، ويخطط للرحلة. هذه المرة لا يخبرني الى أين سنذهب، وماذا سنأكل او نشتري. اكتفى بغرفة الفندق ورحلة في القطار من روما الى فينيسا. ادعو "ليليانا" الى غرفتي وأخبرها أننا مسافران لمدة أسبوعين. أخبرها أنني حجزت لها هي الأخرى رحلة الى الوطن.  تشهق، تسألني إن كنت لا أريدها! قد تخليت عنها! تطالعني عيناها بأسى..

 أخبرها أنني أريدها أن تعود، ولكنني أعرف أنها تشتاق لأبنتها الصغيرة. آمرها أن تذهب لرؤيتها، أن تدفن رأسها في حضنها، أن تشم شعرها وتحفظ ابتسامتها عن ظهر غيب. أخبرها أن تسلم عليها لأجلي وتخبرها أن تدعو لابنتي دعاءا خالصا، تدعو لها أن تجد من يلاعبها في الجنة. كنت دائما مؤمنة أن دعاء الأطفال مستجاب.






تبكي خادمتي وتخبرني أنها ستعود بعد أسبوعين لتعتني بمولودي الجديد ما إن أقرر يوما أنني مستعدة لآخر. سافرت "ليليانا" قبلي بيوم، ومن المتفق أن تعود قبلي بيوم.






نسافر، نركب الطائرة ونجلس كما كنّا في قلبّي بعضنا. لا يناكفني هذه المرة على المقعد بجانب النافذة، يهبني الكرسي بلا تردد ويمسك يدي طوال مدة الرحلة. نصل للفندق الجميل في روما، تطل علينا شجيرات الحديقة المجاورة، غرفتي تطل على ساحة يتجمع فيها كل يوم أحد فنانين ومؤديين من كل مكان. يعزفون موسيقى رقيقة ويؤدون رقصات مسلية.






أجلس في الشرفة لساعات، أنا وهو متقابلين صامتين نمتص من الهواء الغريب كل فراشات الأمل الخفية. أشعر بالتعب، أضع رأسي على الوسادة، أتمرغ داخل نفسي وأغمض عيني.






في الحديقة، تحت الشجيرات العالية الخضراء، تماما أمام النافورة على واحدة من المسطبات الإسمنتية أجلس استمع الى احد الموسيقيين يعزف مقطوعة مألوفة. ابتسم وأتمايل معها. من بعيد ألمحها، فستانا اخضر وشعرا مسدل، هناك وردة صغيرة تشبك خصلات شعرها بعيدا عن عينيها، اسعد لان شعرها لا يضايقها. هي تركض في الحديقة، يطير شعرها مع الهواء وتضحك. تبتسم وتغني أغنية للنجوم، ابتسم معها ولها وأخبرها أنني أحبها، تنظر لي، تجري نحوي وتضمني بيديها الناعمتين. على حاجز النافورة المستدير امسك يدها بينما تمشي، تمد يدها نحو الماء وتضحك عندما تلامسها القطرات الشقية. نلعب أنا وهي والنافورة.






افتح عيني، نائمة على بطني، ارفع رأسي وأرى وسادتي تملؤها الدموع. وجهي غارق بالحب وابتسامة لذيذة لازالت مرسومة على ملامحي. أستند على رأس السرير أضم نفسي وابكي، لأول مرّة منذ زمن أبكي بفرح. على الطاولة البعيدة أرى هاتفي ينبض بضوء أحمر صامت، اعلم أن احدهم اتصل بي.






أتناول هاتفي، أجد رسالة .. أقرؤها .. كانت من "ليليانا "






تقول لي أنها وصلت لديارها بخير، وأن ابنتها صلّت قبل أن تنام أن يمنح الله ابنتي في الجنة أصدقاء لطفاء يلعبون معها في حديقة السماء.






الخميس، 21 أبريل، 2011

اصدقائي الذين في امريكا !




عندما أخبرته بالملاحظة المثيرة للدهشة قال لي :
- Maybe its reverced, Kuwait instead of the US
فكرت قليلا وبحثت أكثر لأكتشف ان الأرقام صحيحة وأن لا شيئ معكوس أبدا !

أرقام مدونتي تشير الى ان قرائي ليوم أمس كان عددهم الإجمالي 1262 زائر
المثير ان العدد الأكبر جاء من الولايات المتحدة كما هو دائما مذكور في الإحصائيات التي يقدمها البرنامج
من الولايات المتحدة قرأني البارحة 759 زائر
تأتي بعدها هونج كونج ثم ترينداد وتوباغو وفي المركز الرابع الكويت بواقع 82 زائر  !
وبعدها دول الخليج عمان والامارات والسعودية والبحرين ومصر والأردن ...

يطير تساؤل على غيمة جميلة داخل رأسي: ترى من هم اصدقائي الذين في امريكا؟
في بلاد بعيدة مليئة بكل يقرأ وينهل ولكنهم لازالو يجدون متسعا من وقتهم ليفتحوا مدونة صغيرة من الكويت ليقرأوا جنون صاحبتها؟

ريما اعرف منهم عددا قليلا لا يتعدى اصابع اليد الواحدة ..
راسلوني من قبل، او تركوا لي تعليقا دلّ على مكانهم

اذكر واحدة منهم قالت لي في ايميل جميل ان مدونتي صديقتها التي تساعدها على تحمل الغربة، تذكرها بالوطن، تشم فيها رائحة الكويت ..
لحظتها صمتُ لحظة مع نفسي، اشعلت شمعة وئام لها وللمدونة ..

وقررت بيني وبين نفسي انني لن اتوقف .. حتى إن هجرتني الكتابة لفترة، سأظل كل يوم افتح صفحة تأليف "رسالة جديدة" فقط لكي لا انسى أنها مسؤولية محببة من مسئولياتي، لا خيار ولا اختيار في تركها بعد اليوم.

الى اصدقائي في كل مكان .. واصدقائي الذين في امريكا حتى من دون اعرفكم .. 

أحبكم ..

الأربعاء، 20 أبريل، 2011

دان ..





"ودخلتِ ضمن منظومة العائلة العريقة، بقصر قامتك وبياض بشرتك وشعرك الداكن المنثور بعثرة مدروسة على كتفيك! أنتِ التي لم اكن أخافها، لم أكن اعتبرها مصدر تهديد، لم اكن أحسب لها حسابا! أنتِ لا غيرك، اسمك ذلك الصغير الطيف بالكاد اوقف قلب جدّي!"



 كانت جالسة بجانبي على كرسي تمل منه عندما رآها "عبدالمحسن" للمرة الأولى، هناك في تلك اللحظة التي وقعت عيناه عليها توقف هاتفي عن رنين عمدا اتجاهله، عندما رآها عمّي الصغير للمرّة الأولى ساد المكان صمت لحظي، حتى آلة التصوير توقفت، هاتفي خرس ولم يبق في المكان إلا شرارات متطايرة من بريق عيناه عليها!



- تيين معاي شركة يدّي؟ بس بصوّر اوراق بسرعة ونرجع الكلية؟



تمل من السؤال كعادتها، تفكر ثم تقف. عادة ما تستقر عيناي على خصرها النحيل عندما تقف هكذا فجأة! هي ليست جميلة، ملامحها باهتة ولكن تفاصيلها فيها درجة استثنائية من بريق! سألت أمي يوما عندما زارتني تماما فور رحيلها :

- يمّا .. تشوفين "دان" حلوة؟


أجابتني والدتي بدبلوماسيتها المعتادة أنها تراها لطيفة الملامح، ولكن هي الأخرى قالت ان "دان" وضاءة، لوجهها نور خاص كما ان لها ابتسامة محببة. أمي لم تقل لي وقتها أن لدان انوثة خاصة وجاذبية مبهرة، ربما فهمت أمي أنني في تلك اللحظة لم اكن أريد سماع مثل هذه التصريحات على الرغم من انني في قراري اعرفها، وتيقنت منها أكثر عندما رفعت رأسي صدفة من على آلة التصوير في ذلك اليوم لأجد "دان" تجلس في كرسي تمل منه، وهو.. يطير على غيمة ما في السماء.



في بيت جدّي، تجمعنا العائلي الأسبوعي بدى "محسن" محترقا، هوالآخر يجلس على كرسي يمل منه، بجانبي يداعب أطراف حجابي، يبتسم لي بلا سبب ثم يقتنص الفرصة ويأخذني من يدي لحديقة المنزل في الخارج:



- شنو كنتِ تسوين في الشركة ذاك اليوم؟


- أصور أوراق المذكرة، كان فيه طابور طويل على مركز الطالب بالكلية، فقلت أمر الشركة وايد أحسن ..


يصمت، يدندن، ينظر لي ويبتسم، بشطارتي ألمح سؤالا معلقا بلسانه .. ولإنني أحبه أقرر بيني وبين نفسي أن أساعده قليلا:


- فأخذت صديقتي "دان" ومرّينا الشركة.


يذوب ..


- شسمها ؟


- دان


يزحمه الفضول ..


- شنو معناة اسمها؟


- من القرآن .. سورة الرحمن .. ودنا الجنتين "دان"


يستند للوراء، يسرح بعيدا عني، شهيق رائق وزفير أرق، وإعادة بطيئة جدا لموسيقى اسمها، وكأنه يستذكرها بينه وبين نفسه :


- دااااااااااااااااااان !؟


يغمض عينه ..


- يحليلج يا دان !



لم أكن ادري انني دون أن اعلم سأغير مجرى علاقة عائلتي ببعضها عندما قدمت "دان" على طبق من فضة لعيني "محسن"، من ذلك اليوم وهو يتصل يوميا بهاتفي لكي يجد اي مبرر لزيارتي بالكلية، أنا لم أكن غبية، ولكني آثرت التغابي لكي لا تؤلمني فكرة أن صديقتي ذات الأصول المتواضعة التي لن تحلم يوما بموافقة جدّي عليها، يشغف بها رجل وسيم، ناجح ومثقف ومن عائلة عريقة مثل عمّي! في خلوتي، بيني وبين نفسي أتساءل " وأنا .. أين هو محسني"؟



على مضض، ولكي أثبت لنفسي أنني لا أغار منها ادعو "دان" لتقضي عطلة نهاية الأسبوع في الشاليه، تتمنع في البداية وتخبرني ان والدها لن يوافق، ولكن أمي حادثته وأخبرته بطبيعة الحال أن "دان" مثل ابنتها، وأنها ستحافظ عليها وستحرص على سلامتها. في قرارة نفسي تمنيت ألا يوافق..
 في النهاية شكر والدتي واقفل السماعة راضيا مطمئنا. في غرفتي بين حقيبتي وأشيائي التي اعدها للرحلة تطرأ على بالي فكرة! أضع قارورة العطر بجيب الحقيبة وأقرر بنفس اللحظة انني سأكسر قلب دان، سأعلقها بأمل "محسن" ثم أسلخه منها.



أحادث والدي الذي اعلم انه بالديوانية مع أخوته وأخبره انني وأمي و"دان" سنغادر للشاليه قريبا، وأعرف مسبقا أن والدي سيصرح بالمعلومة من ضمن السياق وأن "محسن" سيجد ألف عذر وسبب وحجة ليكون غدا في الصباح الباكر في شاليهنا.



على الشاطئ والشمس تغيب، نجلس انا وهي بجانب بعضنا تلفحنا نسمة رقيقة ويهمس في آذاننا لحن الأمواج تصافح بعضها، تمد "دان" قدميها، صغيرتين ولطيفتين في بطن الرمل الناعم، أصابعها متوجة بطلاء وردي. بلوزتها رمادية فضفاضة تدلت أطرافها من على كتفها فظهر من تحت رقبتها، وجهها في تلك اللحظة بدا رائقا وضاءّا اكثر من المعتاد، وشفتيها وهي تحادثني تلمع بطبقة خفيفة من زبدة شفاة شفافة. شعرها هو الآخر لم يخجل، منثورا ثائرا كما اعتدت عليه، هذه المرة فتح لجامه أكثر وطار يتماوج مع الهواء، في تلك اللحظة فقط رضيت نفسي على حقيقة أن "دان" أجمل منّي.



هو..  لم ينتظر لصباح الغد، كان في تلك اللحظة خلفنا، على مسطبة عالية تفصل مبنى الشاليه عن الشاطئ ينظر بأدب، بصمت وشيء أشبه بالسحر! جالسة بجانبي هي وعلى شفتيها طوال الوقت ابتسامة متوارية، غنج وملامح فاتنة، قالت لي بعد مدّة أنها في اليوم الذي تلى البحر .. قبّلته!



بعدها بشهور كانت "دان" موضوع مثار على مائدة النقاش الحاد عند رجال العائلة، جدي واولادة واخوته كلهم لعنوا الساعة التي رأى فيها "محسن" "دان"، اللحظة ذاتها التي أردت فيها تصوير اوراق تافهة، اللحظة التي قررت فيها انني أغار منها، اللحظة التي شئت فيها ان اكسر قلبها. اللحظة تلك التي قلبت موازين عائلتي كلها، فتتت قلب عمّي وأدخلت جدي المستشفى في سكتة قلبية بائسة بعد نقاش حاد مع "محسن".



في المستشفى بجانب سرير جدّي، أجلس على كرسي أمل منه، أرسل لدان التي قاطعتها منذ شهر على هاتفها : " ودخلتِ ضمن منظومة العائلة العريقة، بقصر قامتك وبياض بشرتك وشعرك الداكن المنثور بعثرة مدروسة على كتفيك! أنتِ التي لم أكن أخافها، لم أكن اعتبرها مصدر تهديد، لم أكن أحسب لها حساب! أنتِ لا غيرك، اسمك ذلك الصغير اللطيف بالكاد أوقف قلب جدّي!"



انتظر منها جوابا ..


ولا من مجيب ..








الثلاثاء، 19 أبريل، 2011

أنا وخضرة ونورية ..





الصباح الباكر جدا:



أنا : " مستبشرة والكشرة شاقة الويه" غود مورنينغ حبيبي


نورية : " بكاء دلع من غير سبب ونحشة منّي الى حضن ابوها!


خضرة: " ابتسامة عبيطة، وسعابيل يابسة حول الخشة، والشعر الغجري المجنون يسافر في خشمها".






الوداع للعمل :


أنا : " باي حياتي .. باي لوفليز .. باي بيبي .. آي لوف يو" قبل طائرة وأغنية بارني آي لوف يو، يو لوف مي عند الباب!


نورية: بالكاد ربع قبلة طائرة من فم مليئ بيض وبيكون!


خضرة: " ركضة الغزال التايه، البامبرز مثقل الحمل شوية، شعبطة بركبّي، مسكة قوية ليدي، تلتفت للوراء للشعب الباقي في سيناء" : باي باي ! " البنت عادة ما بذنها ماي، مداومة معاي لا محالة وما تخلص إلا لما تتدخل "ليا" وتاخذها صوب النافذة وتوريها الباني "الأرنب"! من زمان وهي تدور الباني من الدريشة والى غاية هذا اليوم ما شفنا "باني"!






في العمل / على الهاتف:


أنا : " هاي غودييييييي ( اسم الدلع لغدونة ) .. هاي بيبي، هاو آر يو مامي .. وات  آر يو دوينغ؟


نورية: إيتنغ كاندي " ضحكة صفراء" ذيث اذ ذا ثيكوند وَن " شايحة الهاتف ومعلقتني".


خضرة: مامي .. منت متيةبورة ايبتيابمنيتبسنم ىبيستباس ينبتمينساب زبتمنيست


أنا : ان شاالله مامي .. حبيبي حلوة هنانا .. دونت بايت يور سيستر .. بي أ غود غيرل






العودة من العمل / الاستقبال


أنا : هاي غودي .. هاي هانا .. حبيبي .. كوم غيف مامي هاغي "Hug" آند  كيسي " Kiss"


نورية: ماااااااااااااااامي غو أوي تو يور روم .. آم بلينغ ان ماي كيتشن


خضرة : "الفرحة ما شايلتها " مامي .. مامي .. مامي " عبطة" و "قبلة" كانّي .. كانّي " Candy" وساحبتني من صبعي الصغير الى جارور الحلويات.


أنا في قلبي: يا رب خلّص بنتي من آفة المصلحة .. طالبتك يا رب العالمين.

 

الجلسة العائلية :


أنا: يالله غدونة وهنونة .. وات شال وي سينغ ؟


نورية : دااااااااااااادي ماي مامي از سووووو نويزي " وتغطي اذونها بإيدها "!


الأمريكي : آي نو بي بي .. مامي از كو كو " مع حركة اليد طبعا والسبابة تشير الى دوامة فوق الرأس".


أنا: هنوني ( واحد من اسماء دلع هنا ) يالله مامي اتسي بتسي سبايدر وينت أب ذا ووتر سباوت ..


خضرة : تكود اصابعها يم بعض ويتسلقون الهواء كأنهم عنكبوتة دايخة


أنا : داون كيم ذا رين بوشد ذا سبايدر آوت .. أب كيم ذا سن درايد اب آووول ذا رين .. آند ذا اتسي بيتسي سبايدر وينت أب ذا سباااااااااااوت ..


خضرة : Agaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaain




 

للفتيات فقط :


في غرفتهم نلعب مطعم


أنا : اكسكيوزمي سير .. آي وونت سباغيتي آند آيس كريم


نورية: همممم نو مام .. يو آر فات .. فور يو اونلي بروكلي " تقدم لي صحن بلاستيكي في شدة بروكلي بلاستيكية"


خضرة : ابتسامة صفراء " ماسكة فخذ دياية بلاستيكي وتعضض فيه" 



 

العشاء:


أنا : يمي يمي هوز Going تو إيت ماكروني آند شيز؟؟؟؟


نورية: " فاتحة الحلج من مبطي بكاء بحرقة " آي دونت وونت تو ايت ذات!!


خضرة : " فاتحة الحلج من مبطي اسم الله عليها مخلصة نص صحنها وماسكة قوطي العصير مطلعه روحه.


أنا : why مامي ؟ واتس روونغ؟


نورية: يو آر mean يو دونت لوف مي !


أنا: اوكي ستوب واينينغ آند ستارت ايتيغ يور دينير، اف يو دونت وونت يو كان Go تو يور روم آند سليب وذ آوت فوود


نورية : يو دونت لوف مي ..


أنا : Ignore


نورية: " تاكل "


خضرة: مامي ..


أنا : حبيبي !!


خضرة: باد .. مامي باد !



 

النوم:


" في غرفتنا أنا والأبو نطالع تلفاز نطقق روس " تدخل خضرة


خضرة : مامي ..


أنا : حبيبي ..


خضرة : دادي آتا آتا آتا ( الكلمة السرية التي تستخدمها خضرة للمطالبة بحقها المكتسب في تلفون والدها الآي فون، غرامها افتح لها الآي فون وتطالع كل صور العائلة داخله، طبعا هي لا توجه له الحديث لإنها تعلم إن آتا آتا آتا ما تأثر فيه كثر ما تأثر فيني، وخصوصا انها مخربه له آي فونين من قبل )


أنا: Baby .. 7aram .. give it to her, look at her face


الأبو: No she will break it


أنا : No I Will show her the pictures she will not take it away


يعطينا التلفون على مضض وتجلس في حضني ونحن على الفراش لنشاهد الصور


أنا : هو ذيس ؟


خضرة: غودي


أنا : هو ذيس ؟


خضرة : دادي


أنا : هو ذيس ؟


خضرة : مامي


الى ان نعيد الصور خمس مرات، مع العلم ان في التلفون اكثر من 700 صورة!


نورية: Daddy see my cupcake bijama ?


الأبو : Sooo cute my lovely girly


نورية : " صاعدة الفراش، واقفة فوق راس والدها ": مامي لوك آم رايدنغ ماي هورسي


خضرة : مامي .. مامي .. مامي


نورية: مامي .. آي وانت تو سي ذا بيكتشرز


" التلفزيون يلعي، والأبو ينافخ، نورية تناقز وتغني، خضرة تنادي وتصرخ ..


أنا: ليــــــــــــاه


لياه: يس مدام


أنا : تيك تيك بوث .. كلوز ذا دور .. غود نايت !












الأحد، 17 أبريل، 2011

شعور عارض .. بالفقد !






على منضدة مطبخ جدتي القديم عصّارة برتقال حديدية بدائية! شغوفة بها عندما كنت صغيرة، لا اعلم لماذا ولكن منظر نصف البرتقالة وهي توضع في الوسط، تدير يد العاصر مقبضا حديديا على الجانب، تطبق العصّارة فكيها على برتقالتي لتسكب رحيق قلبها في كأسي طازجا لذيذا .. العملية كلها كانت بالنسبة لي مثيرة واستثنائية!



من وضع تلك العصّارة في صدري؟ من أدخلها دون أن اشعر في قفصي؟ وما بالها أضاعت العاصر من المعصور؟ كانت تعصر برتقالا واليوم تعصر لي قلبي؟!


يد خفية، صخرة ثقيلة، شيء ما يجثم على صدري. أصرّح لزوجي ان بطني مضطرب، أشك بوجبتي الأخيرة وأخاف أن تكون تلك الحبوب التي أخذتها لأنفي أشياء أنا لست مستعدة لها! قبل يومين كان الوجع خفيفا غائرة في الأحشاء، يتوارى عني، يلعب معي غميضة مؤلمة! أجلس بزاوية مع نفسي كما اعتدت دائما ان افعل، أمد سبابتي بحثا عن المصدر، أجري في جلسات البحث والتحري تلك مسحا شاملا على كياني، كل البيوت والحارات والأزقة، اطرق أبواب مشاعري كلها، أدخل السراديب عنوة، ارفع الأغطية وانظر خلف الستائر كلها. أنا امرأة تدربت ذاتيا على مسك الزمام، الإطباق على شغف التحكم، أنا امرأة تعبت الى ان وجدت نفسها، تعبت الى ان أحبت نفسها، وتعبت أكثر لكي تبقي هذا الحب صادقا وأصيل.


على فراشنا يمسك يدي، هكذا بلا مقدمات يقبلها، أشعر بالعصّارة من جديد تطبق فكيها على قلبي، أحس برغبة ملحة للبكاء، تبتل عيناي بمشاريع دموع فيسألني لماذا؟ تتحول المشاريع الى واقع مطري نابض ليس لإنني لازلت متأثرة برقة القبلة التي أتت هكذا بلا مقدمات، السبب الأكبر أنني فعلا لا اعرف لماذا!


أسر له..


أشعر بالفقد!


تلك العصّارة داخلي، اليد التي تخنق أنفاسي، الشيء الثقيل الذي يجلس على صدري، اعتقد إنني أشعر بالفقد!


كأي رجل يحاول جاهدا ان يفهم امرأة يحبها يسألني سؤالا مباشرا ليس له إعرابا في أبجديات مشاعري:


من تفتقدين؟


أصمت .. لأنني فعلا لا ادري!


ينتابني شعور بأنه سيسافر عن قريب، سيغادنا لمشروع جديد وفقا لطبيعة عمله! كان الرحيل لجبيل أشبه بعملية موجعة لبتر طرف من أطرافي! بكيت "عدم وجوده" أيام وتوقفت عندما أيقنت انه حتى ولم يكن هنا .. كان معي في كل خطوة.


يسمح على وجهي، يدخل أصابعه في شعري، يدخل في عيني ويخبرني أنه لن يرحل إلا إذا وافقت أنا على أن لا أرحل معه. الفكرة الأولى كانت ولازالت دوما أن نكون معا، هو احترف البدايات الجديدة في الأماكن الجديدة، أتقنها وأجادها! الدور الباقي عليّ أنا ..


قال لي يوما : عملي يقتضي ان أسافر الى أماكن عديدة وأحيانا خلابة، سيكون مكانك دوما في مقدمة رحلتي إن رغبت بذلك، أهديك حرية الاختيار، احتمالية البدايات الجديدة، الحياة في مكان بعيد ومختلف، السفر الى داخلك ومعرفة نفسك الحقيقة أنت لوحدك بلا مقدماتك الأولى ولا نهاياتك المكتوبة سلفا في مستقبل متوقع! ولكن طالما انك مستقرة وراغبة بالبقاء سيكون وطني فيكِ .. أغادر للعمل وأعود إليكِ.


في مرقدي، وكأنني طفلة تلاعب النوم على صوت راوي حكيم، ابتسم وأغمض عيني ..


يفيق صباحي، ولازالت العصّارة في صدري ..


في زاويتي من جديد، أتكور على نفسي قرفصاء قاسية، اغمس رأسي بصدري وأمد سبابتي بحثا مضنيا ..


هناك هضاب صغيرة، كثبان تائهة هنا وهناك .. اعتليها أجلس عليها وامنعن النظر داخلها ..


"ليزيل" بعد أربع سنوات وطفلتين تغادر بيتي وتودّع طفلتي! لا اعلم لماذا اسمح لنفسي ان ارتبط ارتباطا عميقا مع كل من جمعتني بهم لقمة، اعزي نفسي إنها العِشرة تلك التي قالوا عنها أشياء كثيرة تلخص ارتباط البشر ببعضهم، هؤلاء الذين لا يربطهم دم ولا نسب، بشر وجدوا أنفسهم يعيشون في حيّز بعضهم فدربوا أنفسهم على التآلف.


عندما كنت حامل في "غدن" جاءت ليزيل من بلادها، فتاة صغيرة بمقتبل العمر، يسكن وجهها هدوء صارخ، وتسكن قلبها كل فراشات الأمل التي من الممكن ان يحملها صدر مفعم بالحياة. كنت اسمعها تنتحب ليلا في غرفتها تبكي فراق الوطن، الأم والحلم بحياة أفضل، كنت ادفن رأسي بوسادتي وابكي لها. أناجي ربي لطفا بقلبها وأحمده من كل قلبي ان جعلني قليلا أوفر حظ منها. على أرضية منزلي تدلق كي صباح ماء صباها وتمسحه بمنشفة. تعلمت من ليزيل كيف يكون التفاني بالعمل، الإصرار على ان نصنع من أنفسنا شيئا حتى وإن كانت نقطة الانطلاقة "خادمة".


سألتني إن كانت تستطيع ان تتعلم دروس في الكمبيوتر في يوم إجازتها، فرحت لها وباركت مسيرتها. أخبرتها أنها امرأة قوية، أقوى منّي بكثير، تركت أحلامها في الوطن وجاءت تقتات غربة باردة، وعلى الرغم من كل الألم أحبت طفلتي، وقعت في حبها منذ يومها الأول، صغرت معها وكبرت مع سنينها...


بالأمس بعد أربع سنوات وطفلتين وبيت يبرق نظافة غادرت لأنها وجدت عمل أفضل، براتب اعلي واحتمالية عظيمة ان تتطور وتكون في المستقبل كيانا عصاميا لامرأة لم تتوقف أحلامها عند باب منزل تسمح أرضه وتحمل قمامته. أعطيتها مفتاح مصيرها، لم يهمني العقد الذي بيننا، ولا الوقت المتبقي لنا، ولا طفلتي التي ستفتقد صديقة طفولتها ..


كان مستقبل امرأة مكافحة، خطواتها الأولى نحو النجاح ونضالها أثمن من كل مشاعري المختلطة بألف هاجس إن كنت سأجد قلبا صادقا نظيفا كقلبها!


أودعها أمس عند باب منزلي، أمسك دموعي وهي تضمني، اختبأ خلف ظهر زوجي وهي تقبل "غدونة" وتوصيها ان تكون فتاة طيبة ومطيعة، أشد من بأسي، أمسح المطر من عيني وأنا أشاهد وجه ابنتي تودعها بابتسامة راضية. غدن تعلم بفطرتها ان جزءا من حياتها مر بسلام، بطفولتها المبهرة تطوي الصفحة وتتطلع للأمام.


أقفل الباب خلفها .. وانظر خلفي، لبيتي وعائلتي .. وابتسم !


والعصّارة .. اختفت من صدري !



الخميس، 14 أبريل، 2011

تستفزني حليمة ..





تستفزني حليمة ..!



دون ان يتكلم الآخرون، تنظر لي من داخلي تلك الأنثى العربية التي تربت على كلمات مثل "محترّة منّي"، تبتسم ابتسامة رمادية وتغمز لي. هي الأخرى دون ان تتكلم أعرف أنها تفكر أنني أغار منها! كنت في البداية اختصر المشوار ولا أتحدث عن حليمة حتى في التجمعات التي يغلب على نصابها الطابع الرجولي. جلسة غير مشمولة بالأنثى العربية التي داخلي اكتشفت أن الرجال ايضا يعتقدون أننا نغار من أي فتاة ننتقدها. أصد عن الأنثى الرمادية إياها، وأتحدث لمجموعة من الأصدقاء بالصدق والأصالة التي تعودت عليها. هناك فرق بين أن يستفزني "جمال" حليمة وبين ان تستفزني حليمة ذاتها. أنا من هؤلاء السيدات اللاتي يواجهن وحوشهن وجها لوجه، اقفز للمعركة أنفا أولا، لا أخاف ولا اتراجع دوما عن الإعتراف ان لحليمة نوعية جمال محببة عندنا في دول الخليج. الوجه الصافي اللبني النقي، الأسنان البيضاء المصفوفة، عينين براقتين، شعر ناعم غامق كثيف وشفاه مكتنزة! كاذب من يقول ان حليمة قبيحة شكليا. ولإنني اعرفها قبل أن تكون "حليمة" يتفخيم الميم ومد التاء عاليا مع الإدغام فإنني موقنة بقرارة نفسي وعلى الرغم من أنف الأنثى الغيورة السمراء التي داخلي أن من يتذوق الجمال الرائق لن يغمض عينيه عنها عندما تتمخطر أمامه.


تستفزني حليمة ..


لإنها تعرف " صدفة او تعمد" لا يهم، كيف تحشر جمالها في شرنقة التفاهة والسطحية! اعتقدت أنها أذكى من ان تختار لنفسها نموذج البرنسيس الجميلة ذات الشعر الطويل، المدللة من والديها، المعشوقة من زوجها، معبودة الجماهير، المرغوبة في كل مكان، ملكة جمال المذيعات، ملهمة الأغاني، مأججة الأشعار ... الخ!


للمرأة جاذبية طاغية إن صدقت مع نفسها، إن آمنت بعدم كمالها، إن وضعت قطعا مكسورة من قلبها على طاولة وجلست كأي بشر على وجه الأرض على ركبتيها تحاول تركيب القطع المشتتة، تحزن ان فشلت وتفرح، تقفز وتصفق عاليا امام الجميع إن نجحت!


ربما لا تقصد حليمة أن يكون مانشيتها الأخير " زوجي طلب أن نسمي طفلتنا حليمة لغرامه بي" ولكنها بالطبع قصدت ان تقول الجملة ذاتها في سياق الحديث الصحفي المتأكدة انا من تنوع جوانبه وتعدد تفاصيله! تماما كما حرصت أن تخبرنا بالبنط العريض وبالميوعة "التريد مارك" ذاتها أنها ملكة جمال المذيعات، الحائزة على لقب افضل مذيعة عربية، المدللة من والديها، المدعوة الى قصر القذافي، المتفوقة بالدراسة دوما، الشغوفة، الموهوبة، الذكية، العفوية، الغير متصنعة، الدلوعة، الغنوجة، اللهلوبة، الشحرورة، المقشوفة، المشطوفة، الفطفوطة، النطنوطة، المبسوطة .. (( تعبت ))


تستفزني حليمة لإن ما من امرأة لا تسكن في داخلها هواجس ما، ما إن امرأة خالية من الخوف على شيء ما، ما إن امرأة مجبولة على التفاؤل الأبدي بأن كل الناس تصدق كل كلمة تقولها، تصدق ا نبرة صوتها طبيعية مئة بالمئة، ما إن امرأة تتكلم مثلما تفعل حليمة تؤمن ان كل الناس لا يجدون فيها تصنعا ما.


تستفزني حليمة لإنها اعتمدت اعتماد كلّي وأبدي على كل ما هو خارجها، مساحيق تصفية وتنقية لوجه اصلا كريستالي، طريقة كلام متكلفة الى ابعد الحدود لصوت أصلا ناعم وسلس، كورسيهات ومشدات خانقة لخصر أصلا نحيل، ومخدات وكوشنات منتفخة لجسد أصلا نافر!


تستفزني حليمة لأنني امرأة تؤمن أن صدق الأنثى العميق مع نفسها يولد ذلك الشعور البديع بالسلام الداخلي، بالحب السلمي، بالتعاطف الإنساني الخالي من أي شوائب عالقة للذات. أؤمن أن ما من امرأة جميلة إطلاقا، وان من ترى نفسها كذلك سيأتيها اليوم الذي تكسر فيه، تعوّج وتدفن نفسها داخلها بحثا عن ذلك السلام فلا تجده، عضلة ضعيفة بالكاد تنبض، وبالكاد تقوى على مد النفس بطاقة لتواصل الحياة.






تستفزني حليمة لأنها دون ان تعلم او لا تعلم .. لا يهم، تقول لمشاريع الإناث في مجتمعاتنا، أن ذرة الملح يجب ان تكون زائدة، ورشة الفلفل زائدة، والزبدة فائضة، والبهارات عارضة، وأنك لكي تكوني لذيذة يجب ان تجلسي فوق الصدور، فتسدي مجرى التنفس فلا شهيق ولا زفير!!


الثلاثاء، 12 أبريل، 2011

مغطس ..




أتحاشى ان انظر في المرآة، اعلم ان انعكاسه فيها!

امسك طرف فستاني ارفعه من الأسفل وادفن عينياي في زاوية الثوب، بظفري انتشل خيط من صفه، أسلّه من موقعه وأتظاهر أنني مغتاظة من الخيط والثوب معا. اطويه على إصبعي واسحبه من حضن القماش، اصلي داخل صدري ان يسحب معه خيط آخر لتبقى عيناني في الأسفل، لا ارفع رأسي ولا اضطر لرؤية انعكاسه في المرآة.



في يومي الأول، ليلتي الأولى لم يذبح لي القطة مثلما قالت أمي انه سوف يفعل. في يومي الأول وليلتي الأولى أخذ عقاله وانهال به على ظهري لأنني وقفت صدفة لدقيقة بين التلفاز وبينه!

كنت في الحمّام وقتها عروس تستجمع قواها لتخرج لرجل سيكون زوجها، ضلها، ظهرها ولباسها الذي ترنوا إليه فيضمها ويطرد كل برد الليل من جسمها. في تلك الليلة كنت في الحمام، أمام مرآتها الفضية أحدق بنفسي، اتغنج عليها، أواري ابتسامة خجولة واعد نفسي بليلة حب. أقف لوحدي مع انعكاسي وفراشات الأمل فوق رأسي، أتنفس صعداء خجولة وأخرج. كان وقتها على الفراش، يمسك بالريموت كنترول، يقلب القنوات ولا ينظر لي. وقفت بين التلفاز وريموته، أخذني مشهد الرجل "نصف عاري" على فراش سأنام فيه، شلتني الفكرة، وقفت حائرة الى أن أفقت على صرخة ونفرة غضب، ويد تمتد الى العقال المشنوق على علاقة الملابس، ثم على جلدات متتالية امتدت ألسنتها على ظهري.


في ليلتي الأولى تكورت على نفسي، لم ابكِ ولكني تمنيت من كل قلبي لو ذبح لي القطة!


اقطع الخيط فيسحب صاحبه، ألف الآخر على إصبعي، اعقفه وأحمد الله ان في ثوبي خيوط كثيرة! اسمع زفيره ورائي، حمم أنفاسه تزحف على رقبتي، اعرف انه أصبح تماما خلفي، أغمض عيني واقبض عضلة بطني، أشدها قدر استطاعتي. اعلم انه لم يعد يستعمل يديه إلا يسيرا، هو الآن بمرحلة تفضيل الركل، يدفعني على الأرض ويرفس كل أسطحي المستوية. قبل أسبوع ركل رأسي فارتطم في الحائط، كان وقتها يرتدي جزمته، حسبت ان الصوت الذي دوّى صوت فلقة جمجمتي! عندما أفقت علمت إنني بخير، وان الصوت ما كان إلا صرخة حائط اعتراضا على ارتطامي بها.


حمدت الله انه لم يكن يرتدي جزمة اللباس العسكري ذات المقدمة الحديدية!


أفيق .. أفتح عيني ولا أجده في غرفتي، انظر بعين غائبة لساعة الحائط المائلة، معلقة رغما عنها قبالة سريرنا، حتى العصفور الذي كان يخرج منها كل ساعة، لم يعد يخرج! كانت الساعة التاسعة ليلا، عندما " أحبني" كانت تقارب السادسة. كنت مستلقية على الأرض لثلاث ساعات، طوعت نفسي على الرحيل، ما إن تمتد يده بما تيسر له أغمض عيني وأشد عضلة بطني وأغيب، تبنى جسدي تكنيك مفيد جدا للهروب، بعد أول ضربة لا أشعر بنفسي. هو يضرب ويركل وأنا أنام.

اسحب نفسي من على الأرض، عضلة بطني متشنجه لازالت في ثورتها القسرية، أمسد نفسي، اربت عليّ، أُحبني بالطريقة التي حلمت يوما ان يحبني، أقف بصعوبة على رجلاي ركبتاي متوترة. افتح باب العصفور الصغير في الساعة المعلقة عنوة على حائطنا، أخرجه منها امسح عليه وأخبره أن لا يخف ..


أحمد الله انه خرج للديوانية ولم يعد هنا ..


عندما كنت اسأل أمي لماذا أبي يضربها قالت لي أنه بهذه الطريقة يحبها! وأنا طفلة، اختلطت في رأسي مفاهيم الحب والكره والعطف والقسوة تباعا! لم أعد اعرف من منهم من المفروض ان يكون محببا لنا نحن معشر النساء! كيف يحبنا رجل فيضربنا؟ وكيف لا يضربنا لأنه لا يحبنا؟ كيف يكون الألم مقرونا بالسعادة؟ والوجع معجونا بالاستقرار؟ قالت لي يوما سرها، أن الصبر هو الحل:


- شوفي ابوج الحين كبر وعقل!


بعد أربعة وأربعين عام من الزواج و"الحب" قررت يدا والدي انه لن يضربها، تعتقد هي انه فهم، وأعرف أنا وهي بذات مستوى الإدراك أنه فقط لم يعد يقوى على ذلك!



أدخل المغطس، واغمر نفسي بماء دافئ مائل للحرارة، أشعر بعضلة بطني تتفتح تنفرج كزنبقة متوعكة. يدخل جسدي في اغمائه لذيذة، لا اعرف إن كنت انام او أذوب في غمار حضن دافئ. اغطس، اتوارى عن سطح الأرض. بالكاد اشعر بالهواء يدخل صدري، اختنق، اغمض عيني ..

وأشد عضلة بطني ..





انتهت
 
 

سؤال: ما هي الأفكار/ المبررات/ المسوغات/ الأعذار التي تدور برأس رجل .. اي رجل .. التي يقنع فيها نفسه عندما يهم بضرب امرأة؟


الأحد، 10 أبريل، 2011





اضع نفسي في الزاوية، اعترف بالتقصير واتلقى قرصة موجعة على زندي تماما مثلما كانت أمي تفعل عندما كانت تريد ان تؤلمني بصمت! كنت بتلقائية الأنوثة المرتبة اعرف انها عندما تقرصني يجب ان لا اصرخ، القرص وسيلة تعذيب متوارية خصصت للفتيات. هل رأيتم يوما ولد يقرص؟ انفض ذبابة القرصة، وامسح على كتفي بيدي، اربت على نفسي واسترجع حتى دون رغبة مني صوت جدتي وهي تقول: الولد ما ينقرص!



ابتسم بانتصار، انا اليوم كبيرة ومستقلة ومتفائلة أمي لم تقرصني ولم اسمع صوت جدتي تلقي على مسامعي قوانين جائرة ودروس خائبة منذ زمن، اريد ان تستمر حياتي هكذا، اومئ لنفسي وأجري للحاق بفكرة جديدة.


تزعجني حقيقة انني لا كتب باستمرار منذ فترة! كنت افتح جهازي الذهبي الصغير واطرق بأصابعي على الحروف فتخلق من تحت يدي قطعة. منذ الأزل وانا لا اسمي الكتابات بأسماءها الأدبية. كنت أكتب شعرا عندما كنت في الثانوية والجامعة، توقفت لا اعرف لمَ! ولكني لازلت احتفظ بكل القصائد في دفتر كحلي صغير. لماذا أحب الأشياء الصغيرة .. اتساءل ضمن سياق ما كتبت سالفا؟


جهاز اللابتوب صغير، أغلب المذكرات التي اشتريها واجمعها من كل البلاد التي ازورها صغيرة، مزركشة وملونة. حتى طفلتاي أحبهما مثلما هما، واحدة تسبق الأخرى ببضع سنين، اتمنى احيانا ان يقف الزمن فينا فلا أنا اكبر ولا هن. بالأمس جسلت على الأرض وأخذت فيل هنا القطني، ضممته الى صدري وقلت لها انه لي. حدقت في وجهي لبرهة، ثم أحسست بيد "غدونة" تسحب اللعبة وتعطيها لأختها. وقفت بوجهي وأخبرتني انني يجب ان لا آخذ لعبة أختها، كانت تريد تعاقبني، ان تضعني في الزاوية ولكني شرعت بالبكاء. عادة عندما ابكي يضحكن عليّ، يعرفن تماما انني ابكي ضمن سياق اللعبة التي نلعبها فيما بيننا عندما أحاول ان أكون واحدة منهن، ادخل في عالمهن وأتصرف مثلهن. هذه المرة جربت طريقة أخرى في البكاء، ذلك الصامت الراسخ المحزن المخيف، صنعت حزنا على وجهي، وبحة لفّت النشيج. وقفت غدونة عن الكلام وهنا عن الإبتسام، ربما لم تعرفا كيف يتعاملن مع نبرة حزن حقيقية اكتست ملامح الماما. اقتربت غدون وطبعت قبلة على خدي، واقتربت هنا لتجلس في حضني وتضمني الى صدرها الصغير، شعرت برغبة في البكاء الحقيقي وقتها ربما لإنني عرفت ان هناك احتمالية سعيدة ان تكونا صديقتاي الى ان نكبر، أنا أشيخ وهما يشبان.


أتطلع الى وقت مستقطع معه، مع الأطفال تنسى الأنثى أحيانا ابنها الأكبر، ذلك الرجل الذي يحتاج لحب واهتمام وحنان. أجد نفسي في دوامة العمل والكتابة، الوظيفية الصباحية والجريدة والمجلة لا يتركان لي بصيص أمل في العودة الى تلك العقلية التي كنت امتلكها، دافقة الإبداع والحياة والسعادة. الحمية ايضا لا تساعد، تأخذ من طاقتي أكثر مما تذر. أدخل عادة المنزل لأبدأ حفل استقبال طفلتاي، أجلس على الأرض ولا أقف من جديد إلا عندما أشعر به خلفي، أقفز بحضنه وأتذكر انه هو الآخر ينتظرني.


صديقي الوفي ونصفي الجميل: كم اشعر برغبة في الإختفاء معك، بالهجرة مرة أخرى الى عالمك، حيث لا عمل ولا جريدة ولا مجلة. فقط أنا وانت وطفلتان، وعصافير في الباحة الخلفية لمنزل تسكنه خضرة قلوبنا.






مسيكم الله بالخير ...




إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت