كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 30 أبريل، 2009

صباح البلو بيري مفن..!!



نتقابل أنا وهي كل صباح .. تتصادم نظراتنا بقرب الجدار، ترتد على نفسها ثم تلتفت كل واحدة منّا على الأخرى.
تنشأ دون ان نعلم ابتسامة بيننا .. صامتة ومؤدبة.

على ذراع واحد من الكافيهات التي تمد السنتها الحمراء على دروازة العبدالرزاق، تحيطها البنوك والبورصة حيث كل ما في المنطقة يوحي بالجدية. يخيل للمار في حلقوم الشارع الطويل انه حتما يشم رائحة اكداس المال المكومة في خزينات البنوك!

في الصباح تصحو المنطقة من سباتها تتمطّى نومها المتقلّب على الأرقام الحسابات ..
وفي الصباح الباكر ايضا تفتح الكافيهات أبوابها للبانكرز والبروكرز القادمين من بيوتهم بكعوبهم العالية وشنطهم الجلدية الفاخرة.
او بغترهم المنشّاة وبدلهم التي تتدلى منها كرفتات ملونّة.

أوقف سيارتي على ناصية الطريق، أصفر وأسود ولكن لا يهم!
اعلم ان الوقت مبكّر وعيون الشرطة لازالت في نعاس. توقف سيارتها هي الأخرى أمامي ..
هذه المرّة الثالثة هذا الاسبوع نتقابل أنا وهي على بقايا جوع من الليلة البائدة، ورغبة جامحة بفنجان قهوة وكعكة محلاّة.

اترجل من السيارة وتنزل هي ..
ابتسم لها كالعادة واخطف نظرة سريعة على حقيبة يدها .. ((ايف سانت لوران)) الجديدة ذات الألوان الباستيل الرائعة.
رأيتها في نافذة المحل وسمتها .. وعرفت أن ثمنها 800 دينار!
عضضت على شفتي وقلت لنفسي أنني في اليوم الذي اتمكن فيه من شراء هذه الحقيبة بهذا الثمن سأعرف " آي ميد إت بيغ".

بداخلي فرحت لها .. تستاهل!
فهي امرأة متوسطة العمر ربما في نهاية الأربعينيات ..
امرأة بمنتهى الأناقة والرقي، لابد وانها تشغل منصبا كبيرا في واحدة من هذه المباني المكتبية الشاهقة.
كم أحب المرأة الطموحة، تشعرني بفخر له طعم خاص نابع من تاريخي الذي بدأ بأكبر امرأة تصاعديا من سلاسة جدتي.
تلك التي لم اعرفها، ولكني أعرف انها عاشت حياة طويلة في فهم خاطئ لأنوثتها وتهميش صارخ لعقلها وإرادتها.

على الكاونتر أتقدم عنها وأطلب مشروبي المثلج وبلو بيري مفن. انتهي ..
وتطلب هي قهوة كبيرة "تو غو" وبلو بيري مفن!
احببتها أكثر .. على الأقل هناك شيء مشترك بيننا غير ذوقنا في حقائب ايف سانت لوران ..
كلا صباحاتنا على علاقة وثيقة مع البلو بيري!!

أخذت كل واحدة كنّا افطارها في كيس من الورق البنّي وخرجت أسبقها، التقت نظرتنا عند الباب وابتسمنا من جديد..
ارفع رجلي لأدخل سيارتي فأسمع صوتها عاليا ..
التفت .. فأجدها "ناشبة في بلعوم" رجل هندي كان مسنودا على حائط الكافيه ..
أتبين الوضع أكثر، ارهف اذني وأحاول استيعاب المشكلة:

(( هذا عيب .. قلة أدب انت واقف هني عيون مال انت على البنت!! لمّا ييجي بنية تمر جدامك، انت صير مهترم ولا يشوفها من ورا .. رجال مهترم يخاف الله يحط عيونة بالأرض وما يخز البنات .. هاذي مثل بنتك .. لازم ما يفتح حلجك ويشوف قفاها جذي .. مو زين!! ترى اذا اشوفك يسوّي جذي مرّة ثانية آنا ينادي شرطة ))

رفرفت داخلي حمامة بيضاء على الرغم من طرافة الحوار ..!
أحسست بدفئ الأرض يلفني بعباءة من غاريّة حميدة ..عباءة أمي أو جدتي السوداء المخضبة برائحة المسك الأبيض وبودرة التلك حضنتني بقوة وقالت "ترى وراج ظهر".

تلك المرأة التي يقع مكتبها في الأدوارالشاهقة تدافع عنّي ..
عن جسدي المنتهك تحت وطئة عيون لا تعترف بالحدود، ولا تعرف تلك الخطوط الحمراء التي تفرضها أصول الأدب وقواعد الإحترام. هي تدافع عن حقّي في المشي نظيفة بلا رغبات قذرة تلتصق على ظهري، ولا خيالات دنيئة أكون بطلتها رغما عنّي، يحترفها رجل يعيش ببالوعتة الخاصة .. موبوءة ونتنة!

دخلت سيارتها .. والتقت عينانا للمرّة الأخيرة في ذلك الصباح .. قلت لها بقلبي شكرا .. فابتسمت وقالت لي يدها وداعا ..

التفت على الرجل المسنود على الجدار، فإذا به قد اختفى الى الأبد!
ربما بات يعلم أن في هذه الساعة من كل صباح ..
هناك امرأة أنيقة جدا .. وراقية جدا، لن تهتم ببرستيج منصبها ..
ولن تتأخر ثانية عن ايقافه وجها مقلوبا مقابل الحائط، ويدا مرفوعة الى للأعلى .. لكي يتعلم درسا في أصول الأدب.

الأربعاء، 29 أبريل، 2009

في طابقي فنان ..

أعيش صباحاتي اليومية في الطابق التاسع من بناية شاهقة ..
جارتي كانت زميلة وأصبحت صديقة مع مر الأيام ..
نتجابل أنا وهي على الحلوة والمرّة .
أمس من الزهق وضيقة الخلق وبدايات انفلونزا حادة
قلت لزميل موهوب أن يرسمنا أنا وهي كاريكاتيريا
(( تماما مثلما يرانا كل يوم ))
قبل نهاية الدوام .. تلقيت هذه الصورة الطريفة جدا ..
والله ضحكت من كل قلبي :)
(( على فكرة أنا إللي على اليسار ))
شكرا محمد !

الاثنين، 27 أبريل، 2009

حقوق مكتسبة !!



حق مكتسب للمرأة أن تسمع كلمة أحبكِ ختاما لمكالمة هاتفية..

او وداعا على عتبة باب المنزل ..

وحق متأصل فيها أن تبتسم خلسة لوحدها عندما تضع السماعة وتغلق الباب!



حق مكتسب للمرأة أن تمتنع عن الإجابة عن

بعض الأسئلة الخاصة جدا بتضاريس مشاعرها..

وحق متأصل أن تطالب وبشدة بردود ترضيها عندما تسأل الرجل ذات الأسئلة!



حق مكتسب أن تصحح المرأة وضع يد الرجل تحت رأس طفلها الجديد ..

وحق متأصل أن لا تسمح له بإنتقاد طريقة حملها للطفل

بيد واحدة على جانبها الأيمن عندما تكون مستعجلة!



حق مكتسب أن تحصل المرأة على وقتها الخاص

في حضن الرجل كلمّا شعرت بالحاجة اليه..

وحق متأصل أن تتمنع دلالا وتتبعد غنجا عندما تعلم كم يشتاق اليها!




حق مكتسب أن تبكي دموعا عندما يخبرها أنه مسافر ..

وحق متأصل أن تبكي دموعا عندما يعود!




حق مكتسب أن تعرب له عن رغبتها في طفل جديد ..

وحق متأصل أن تؤجل الموضوع الى ان تستعد

لإستضافة ذلك الطفل في جسدها!




حق مكتسب للرجل أن يحدد المنطقة التي سيبني فيها البيت الجديد ..

وحق متأصل للمرأة أن لا توافق على خريطة البناء

إلا عندما تعجبها مساحة خزانة الملابس ورحابة الحمّام!




حق مكتسب للرجل أن يشاهد مباراة كرة القدم في تلفزيون غرفة النوم بينما هي بجانبه ..

وحق متأصل أن تكون هي من يمسك بالريموت كونترول!




حق مكتسب للرجل أن ينظم رحلة السفر الصيفية للعائلة كما يشاء ..

وحق متأصل للمرأة أن تحدد كم يوما من الرحلة

سيكون مخصصا للتسوق!



حق مكتسب أن يزيد وزن المرأة عندما تحمل طفلا في احشائها ..

وحق مكتسب أن تسمع منه أنها جميلة حتى بعد 9 شهور من الإنجاب!

الجمعة، 24 أبريل، 2009

أشياء تتكسّر ..

منصورة وسعدة وحوراء ولطيفة يقفن في منتصف الطريق، والطريق طويل والشارع معتم والدنيا برد.
كيانات ملوفوفة بقماش اسود لامع تقاسمنه وهم في رحلة مضنية من الحياة الى الحياة .. يعلمن الأربعة انهن في طريقهن الى ضياع من نوع جديد.
التفتت سعدة خلفها فلم تجد إلا عيون الصحراء السوداء تحدق بها، لا تتعب ولا ترمش!
على ناصية الطريق الصحراوي النائي وضعن بعضن، واحدة تلوى الأخرى تحاول ان تنقذ القطيع .. بلا فائدة.
يتعالى أنين حرقة يقطع حبل الصمت الذي ربط الأربعة ..

"منصورة لا تبجين .. خلاص" قالت لطيفة وهي تهمس بأذن منصورة، سمعتها حوراء فقالت لها بعينيها الكبيرتين ان تخرس.
اربع كيانات منكوشة هزيلة سوداء تقف بإنكسار على ناصية طريق وعِر، في ذلك المكان الذي اليه الناس العاديون لا يذهبون!
لأول مرّة تشعر حوراء أنها في مأزق. على الرغم من رفرفة جسدها مع البرد القارس. جرحها الذي في ركبتها ونزيفها الذي بين فخذيها .. لازالت تشعر برعشة ادرنالين تهزها .. فتتنفس هواءا باردا وتنتشي. (( كيف استطاعت الجري بهذه السرعة!! ))
"امشو" قالت لطيفة وسحبت منصورة من كتفها ..
"وين نروح؟" سعدة تتساءل.
" نتحرك .. اذا ضلينا واقفين بنموت من البرد .. لازم نمشي"
" ما اشوف شي" بكت منصورة .. "الدنيا ظلمة"!!
" مو لازم تشوفين، مسكيني وامشي" تسحبها لطيفة فيمشي القطيع من جديد كسحابة شتوية ضلّت طريقها ونزلت دون ان تعلم للأرض.
يجرجرون بعضهم على ارض رملية صلبة، وشارع طويل معتم تائه في حلقوم شاحب شق عنق الكويت.

"آي"، تعثرت حوراء بصخرة كبيرة وسقطت، أز جرح ركبتها فأمسكت بفمه المفتوح لتخرسه ..
"قومي" صرخت لطيفة .. ما عندنا وقت للدلع والمياعة ..
مرّة أخرى تنظر اليها حوراء بعينيها الكبيرتين .. ان تخرس.
سحبتها .. ومشوا في العتمة من جديد، منصورة تبكي من الألم، سعدة ترتجف من الخوف والهلع، لطيفة تقود بتخبط، وحوراء في حالة خاصة غامضة.

"احنا وين؟" لازالت تبكي منصورة، تسأل ولا أحد يجيب.
هي اصغرهم وهي التي لم توافق منذ البداية على الذهاب معهم، ولكنهم سحبوها رغما عنها..
نشقت " والله اذا مت .. ترى ذنبي برقبتكم".
صرخت لطيفة " انتي وبعدين معاج يعني .. ما تنطمّين وتخلينا نتصرف!!"
استقرّت عينا حوراء الكبيرتان على لطيفة، ولم يعد كلام العيون ينفع ..
صرخت: " انتي فوق شينج قوات عينج .. مو انتي سبب هالمصيبة؟ مو انتي إللي قلتي لنا عنهم؟"
سعدة تنتفض وتقف في المنتصف وتهمس: " ششششششششش انتو من صجكم تتهاوشون واحنا بهالحالة؟!"
تدفع لطيفة سعدة بعيدا عن نقطتها المحايدة، بدون كلام اخرجتها كليا خارج نطاق المناقشة ..

تدافع لطيفة: " آنا اقترحت اقتراح .. وانتي تعرفين المجموعة مو بس آنا، ولمّا دريتي منو اهما ما عارضتي .. رجاءا لا تحطين المصيبة فوق راسي بروحي .. انتي كنتي موافقة ومتحمسة .."
حوراء تفز وافقة وتصرخ بحشرجة قوية: " ما كنت ادري انهم امية واحد، ولا كنت ادري ان راح تكون القعدة بمخيم بعيد .. ما قلتيلي التفاصيل !!"
لطيفة ترد: " ما خليتيني .. ما كنتي تبين تسمعين التفاصيل .. وافقتي بس سمعتي المبلغ، عمت عيونج الفلوس".

صفعة دوّت، صرخة تلتها شقت سكون المكان النائم، وانقضاض قابله هجوم، وعيون ترتعب .. شَعريتساقط وجروح تُفتح ..
وصوت ارواح تتكسر ..


الأربعاء، 22 أبريل، 2009

منذ عرفت ليزيل آلبايكون ...


لم يضهر الحمل عليّ بعد، ولم تتمدد الكرة تماما من رقبتي الى ما لا نهاية.
كنت لازلت رشيقة، حركتي خفيفة كفراشة تعلم انها تحمل بين جناحيها سر خطير.
منذ انتقالي كليّا الى شقتي الجديدة وأنا أخطط لاستقدام خادمة، ومنذ عرفت عن بشائر حملي وأنا استبسل لإيجاد الفتاة المناسبة لتشاركني بيتي الصغير. .

فكرة استقدام خادمة لا اعرفها ولا اعرف شيئا عنها تزعجني. .
كيف لي أن افتح لها مصراعي حياتي وأدخلها الى أدق تفاصيل أيّامي ..؟

تزيدني أمي وبنات خالاتي هوسا من تجاربهم السابقة مع الخادمات الفلبينيات اللاتي انوي التعامل معهن. واحدة حاولت اغواء الزوج، والأخرى وجدوا في حمّامها دم وشعر ملفوف بخرقة قذرة! وواحدة كانت تضرب رأس الطفلة الصغيرة بالريموت كونترول!! هذا طبعا غير القصص "التشايدة" التي نسمعها عن أناس لا نعرفهم تشيب الرأس، ويقشعر لها حتى بدن جنيني الذي لم يكتمل داخلي بعد.

أستعير واحدة من خادمات أمي، هندية شابة ذات ملامح غريبة وتصرفات أغرب! قبل أن اترك المنزل أقول لها بالضبط ما يجب عليها أن تفعل. بعد ساعتين أعود لأجد أنها أنهت عمل يوم كامل بأقل من نصف ساعة!
تغسل الحمام وتغسل معه برشاش الماء التويلت بيبر والفوط المعلقة كلّها تقطر مطرا. تنظف المطبخ فتستعمل واحدة من الأوعية الكريستالية الغالية " ماعون لإسفنجة الغسيل"! ملابسي مكومّة فوق بعضها كما اتفق، والغسيل بغاية الجفاف، قد سحبت "ميري" روحه والوانه والقته صريعا باهتا في الخزانة!

يتحلطم زوجي منددا " لا ارديها أن تدخل بيتي بعد اليوم " وهو صاج ..
ندفع لها مبلغا محترما غير المعاش التي تعطيها والدتي لتنظف لنا منزلنا وتغسل ملابسنا، ولكنها وللأسف امرأة مهملة ولا يهمها انجاز العمل بقدر التنبيش والتنقيب في حاجياتي الشخصية وبين جوارير زوجي!

في ذلك اليوم أخذنا بعضنا أنا وهو الى مجمع الرميح في حولي ..
حذاء مسطح، ملابس فضفاضة ونطفة جميلة تكبر كل يوم داخل بطني ..

ساعتي تدق .. وضرورة ايجاد شريكة البيت والعمل والتنظيف المناسبة ترن نواقيسها داخل رأسي.

في المجمع أجد محلات متجاورة، داخل المحلات يجلس خلف المكتب موظفين، وفي زاوية غربة داخل المحلات تجلس نساء بوجوه ملؤها الأمل، الخوف وشيئ من الترقب.

ملابس مهترأة، وشنطة صغيرة جدا وضعوا فيها كل شيئ يملكونه في الوطن، وجاءوا لإن أحدا قال لهم أنهم سيعيشون حياة أفضل وسيجنون نقودا أكثر! وجوه يعتريها التعب، ويعييها الذهول، تحدق بنا نحن "المعزبين" بتطلع وفضول.

أمر على كراسي البؤس المرصوفة وأذكر ربّي حمدا وشكورا ..

لا أدري لماذا تذكرت تلك المرحلة المبكرة من حياتي التي أخذني فيها والدي للسوق لإنتقاء خروف العيد ..!
كان الذي رأيت في الرميح سوق من نوع جديد ..!
أسير مع زوجي، امسك يديه لكي لا أضيع فأكون واحدة منهم ..

أخاف من عيونهم التي التهمتني رجاءا بأخذهم معي الى منزل دافئ وحياة كريمة ..
أكثر ما يخيفني هو المجهول .. وهم جميعهم جالسين بصمت في وسط دوّامة المجهول!

أسأل المحلات واحد تلو الآخر ان كان هناك خادمات مرتجعات؟ ينفون بسرعة لإن الإبقاء على خادمة مرتجعة مخالف للقانون. يعلم الجميع أن هناك العديد من الخادمات المرتجعات ولكن المحلات تخاف من الافصاح.

أتقدم الى محل صغير في الزاوية، أسأل السؤال فتجيبني السيدة الفلبينية الجالسة على المكتب" المعلمة الكبيرة" أنهم لا يتعاملون مع الخادمات المرتجعات، ولكنهم يوفرون خادمات "على كفالة المكتب".

بمعنى أن المكتب يستقدمهم على كفالته القانونية بلا كفيل معروف..
ثم يحوّل الكفالة على صاحب العمل بعد أن يدفع مبلغ الإستقدام المطلوب.

تشير "المعلمة" على حفنة من البنات الجالسات على كراسي جانبية ..

من بين الأربعة ألمح عيني فتاة يكسوها الصَغار.
ربما هو تعب السفر وألم الترحال، ربما هو جزع البيت الجديد الذي لا تعلم ماذا ومن ستجد داخله، وربما هي تلك القصص التي تناقلوها فيما بينهم عن عنف البيوت، وأيدي اصحاب العمل الطويلة وانسانيتهم الضائعة. التجويع والقهر والذل والإنتحار !!
تماما مثلنا .. هم ايضا يتكلمون.

تلك العينان الصغيرتان الممطوطتان الى الجانبين حبستاني في محيطهما المترقرق ..
نظرت بوجهها وسألتها .. هل تريدين العمل في منزلي ؟
أجابت بصوت مكسور بالإيجاب ..
دفعت ثمنها كسلعة سعى صاحبها للتخلص منها وأخذناها الى السيارة ..

في الطريق مشيا على الأقدام أخذ زوجي حقيبتها الثقيلة وحملها عنها، وقفت قليلا بإضطراب ثم عاودت المشي ..

في السيارة أخبرها عن اسمي، عن عمري واين أعمل .. ويعرفها زوجي على نفسه.

أتساءل كيف هو فزع قلبها وهي تركب سيارة كبيرة مع غرباء لا تعرفهم؟
كيف هو نبضها وضغط دمها وهي تعلم أنها متوجه الى بيت لا تعرفه .. ؟
هل ستجد سرير وبطانية تقيها من برد الليل؟

هل سيعطونها الناس الذي لا تعرف عنهم شيئا طعاما يسد رمقها؟
هل سيضربونها ان لن تنفذ طلباتهم؟ وهل ستكون قادرة أصلا على تنفيذ ما يريدون؟
أنظر الى انعكاسها في المرآه والمح خوف في عينيها، وابتسامة خجولة على وجهها .. ذلك النوع من الابتسامات الذي يرى الكوب نصف مليء .. لا نصف فارغ.
في الطريق اصارحها، أقول لها ما اريد .. وما لا أريد، ما أحب وما لا أحب في دهاليز بيتي ..


لأول مرّة أحس بإحساس "البيغ بوس"، وانتشيت أكثر عندما أفسح لي زوجي مجالا كبيرا لأفرد جناح نفوذي وأحلق في سماء البيت كربّة منزل حقيقية .. كلمتها مسموعة وطلباتها مجابه بدون نقاش ..
أضع شروطي وأعدد طلباتي واطرح قوانيني على بساط من دفئ ..

أحاول قدر استطاعتي أن لا أكون مخيفة ولا شريرة ولا عنيدة ..
أقول لها الكلمة التي منذ صغري أسمع أمي ترددها عندما تتعارف لأول مرّة مع خادمة جديدة جاءت للعمل في منزلنا:
( انتي مثل اختي .. راح تاكلين مثل ما آكل، وتنامين مثل ما أنام، وترتاحين ساعتين كل يوم، واذا ظلمتج او تجنيت عليج تعالي وعاتبيني، قوليلي ولا تستحين .. أنا أخاف الله وما أحب أظلم أحد).
تقولها امي بلهجة كويتية بحته .. أتساءل أحيانا ان كانوا يفهمون .. ولكنهم دائما يستبشرون!

انهيت خطابي الموروث من طيبة أمي فجاءني صوتها ملؤه الأمل ..
(( Am very happy that I you are my boss madam))
كانت أولى بشائر الخير صدقا نابعا من أعماق صوتها، انا ايضا أرى الكوب نصف مليء دائما ..

سُكان بيتي الصغير زاد واحدا ..

يعلم المنزل أن هناك مشروع قاطن جديد في الطريق ..
تسكن نطفتي جارة لقلبي، وبعد سبع شهور ستنتقل الى العيش معنا أنا وزوجي وليزيل.

أسمع الفتاة ذات الثلاث وعشرين عاما في غرفتها تبكي، تنوح ليلا شوقا لأمها ووطنها، يتقطع قلبي عليها ولكني لا أجرؤ على اجتياح خصوصيتها ..

أسألها في الصباح ان كانت بخير فتخبرني أنها طيبة.
ارضية بيتي تلمع نظافة، حمّامي بغاية الألق، وملابسي مطوية كأكداس بسكويت مصفوف فوق بعضه. أرجع لأشم رائحة المطهّر تفوح من الزوايا .. ورائحة عطرة لإنسانة غريبة جاءت من بلد بعيد بنيّة صافية وصدق وافر.
آمرها أن تذهب لغرفتها لترتاح فترفض لإن عندها أشغالا لم تنهيها .. !
لم أتعود على هذا النوع من الوفاء من الخدم! من عرفت مسبقا كنّ ضليعات في استغلال كل قطرة من طيبة والدتي!

في غرفتها، على فراشها أجلس..

نتجاذب أنا معها حديث صداقة مرتقبة من جهتي ومترددة من جانبها .. أسألها عن اسرتها فتتهلل أساريرها وتريني صورا كثيرة، أمها العجوز، أختها المتزوجة، وأختها الصغيرة التي ترسل لها ليزيل شهريا ثمن دراستها في الجامعة.
بين الصور، رأيتها بروب تخرجها .. أزرق فضفاض وقبعة مربعة فوق رأسها ..
سألتها لتخبرني أنها جامعية قد درست التسويق وعلوم السياحة!!

أكتم حزنا يأكل صدري عليها .. أربت على كتفها وأخبرها كم شجاعة ومقاتلة هي!!

عندما أخبرتها أنني حامل ابتسمت بصمت .. وأخبرتني أنها مسبقا تعلم!

تدرك لمَ أنا نائمة طوال النهار، وتراني أفتح برطمان المخلل كل يوم وآكله بشره.
قالت لي أنها سعيدة، لإنها تحب الأطفال .. قالت ايضا أنها صلّت لكي يحفض الله مولودي وصحتي ..
عندما أخبرتها لاحقا أنني أحمل في أحشائي بنت .. ذرفت دموعا صامتة وقالت أنها أيضا صلّت ليكون المولود بنتا!

هي وابنتي الآن صديقتان حميمتان، تناديها ابنتي "لالا" وتلعبان مع بعضهما..

اسمع صوت ضحكة ابنتي آتية من غرفتها عندما هي وليزيل تفترشان الألعاب وتدرسان معا أصوات الحيوانات والألوان والأشكال الهندسية ..
تصفف شعر ابنتي نافورتان لطفيتان على جانبي رأسها ..
وتتعلمان كل يوم معا كلمات جديدة.

منذ عرفت ليزيل آلبايكون وأنا أرى نفسي فيها، أحرص عليها، وأتمنى لها كل خير ..
أتمنى لها زوجا صالحا مثل زوجي، وابناء رائعين أشقياء مثل أطفالي ..

وأتمنى من كل قلبي أن تبقى صديقتي حتى عندما تغادر الى الأبد الى وطنها ..

منذ عرفت ليزيل آلبايكون وأنا طالبة مجتهدة جدا في مدرسة كبيرة جدا .. اسمها الإنسانية !!

الثلاثاء، 21 أبريل، 2009

بلاستك تشيز كيك !!



كشتة بر او طلعة بحر، أحمل السطل الأحمر والشبل الوردي وأمشي على الشاطئ حافية القدمين ..
بين أصابع قدمي يدخل الرمل ويخرج مخلفا دغدغة من نوع جديد، تلك التي تحترفها الطبيعة عندما ترسل نسمة هواء بين خصل شعري، أو فراشة ترفرف قرب ارنبة أنفي!
رميت حذائي على البساط الذي تفرشه أمي على الشاطئ، تشاهدنا نلعب وتضع عليه ألعابها الكبيرة ..

ألعاب أمي تختلف عن ألعابي، وأدواتها لا تشبه أدواتي ..
ابريق الشاي الذي يحتوي على شاي حقيقي، أكياس المكسرات المملحة ..

ووعاء الكيك الذي تفوح راحته اللذيذة ما ان تخرجه من سلّة النزهات التي اشتراها لها والدي من أحد اسفاره ..
عندي مثل كل العابها ..

ولكن مستزلمات مطبخي وردية بلاستيكية رقيقة، حاولت أن أعجن فيها كيكة يوما عندما كانت كعكة امي تسبح في حمّامها الحار داخل الفرن، ففتحته بسرعة والقيت ماعوني البلاستيكي الذي وضعت فيه رشة دقيق وقفشة ماي وحبة فراولة ..
أوووه نسيت الجبن! ركضت للثلاجة والقيت مربع "كيري" داخل الماعون وتركت " التشيز كيك" تكتمل!!

سارررررررررررررررررررررووووووه !!
صرخة أمي حادة هذه المرّة، اعلم أنني اقترفت ذنبا ما ..
أحمل عروستي، اضع في فمها مصاصتها وأركض الى غرفتي ..

اضع العروسة على السرير واقفل الباب خلفي، ادفع الكرسي خلفه وأجلس عليه.
مرعوبة بمكاني وبظلمة غرفتي، عادة لا أفتح النور عندما أعلم أن أمي تلاحقني لإنزال أشد أنواع العقاب، دائما أعتقد أنها لن تراني بالعتمة حتى لو كنّا في عز النهار.

أسمع خطوات أمي تقترب، تقف تماما عند بابي، أشعر بتنفسها فأكتم نفسي وأغمض عيني وأضع قلبي بيدي ..
- فتحي الباب !
- مابي
- فتحي الباب تعالي شوفي شنو صار بالمطبخ!
- ما بي .. أدري راح تطقيني
- إي اطقج واكسر راسج بعد!!

تتلاحق الدموع في عيني، ويبدأ قلبي بالغرق ..
- يمّا .. والله آسفة
- اوكي خلاص ما راح اطقج .. فتحي الباب وتعالي معاي .. لازم تشوفين شنو سوّيتي!

عادة ما أثق بوعود أمي، كانت كلمتها مثل السيف، وعندما تقول أنها لن تضربني، فهي عادة لا تضربني .. بل تقرصني!
أفتتح الباب .. فتتحقق نبوئتي ..
من شحمة اذني تسحبني نحو المطبخ .. وأشعر طوال الطريق أنني معلقة بين السماء والأرض .. من اذني !
لا أتكلم ولا أتأوه، أسمح لنفسي أن تنقاد صامتة صاغرة الى موقع الجريمة.

هذه ليست المرة الأولى التي أقلد أمي حرفيا في أشيائها فتنقلب الأمور على رأسي ..
تفتح أمي الفرن فتريني ماعوني الوردي أشلاءا ذائبة داخل الفرن، رائحة بلاستك محترق مع جبنة ذائبة وحبّة فراولة مشوهة ..
سألتني والدتي ..
- شنو هذا ؟
- تشيز كيك ..

كتمت ابتسامة شقية فرّت من شفتاها:
- وشنو هذي الحبّات البُنيّة الكبيرة إللي منثرتها؟
أنشق الأشياء اللزجة الى داخل أنفي .. وأمسح دموعي بطرف كمّي ..
- خميرة ..!!

ضحكت أمي ولكنها أيضا أخذتني في رحلة تأنيب ضمير عندما أرتني ماذا حصل في كعكتها ..
فقد ذاب ماعوني على أطرافها فأصبحت غير قابلة للأكل.

نامت أمي قيلولتها ..
أتعذب لوحدي لإنني أفسدت كعكتها ويزيدني أخي ذنبا وعذابا عندما قال لي أنها كانت ستأخذ الكعكة الى بيت صديقتها ..
قال لي أنها الآن ستكون بمنتهى الفشلة عندما تدخل على صديقاتها ويداها خاويتان ..
دارت الدنيا برأسي، وتخيلتها تقف في المنتصف ..
تبكي لإن صديقاتها يدورون حولها، يضحكون عليها، وينادونها بالبخيلة النحيسة لإنها لم تجلب شيئا تضعه في دائرة الشرّوكة!!

لم أكلم أحدا الى أن فاقت، تبدو بغاية الألق..
رائحتها جميلة وابتسامة رائعة ترسمها على وجهها وهي تستقبل بخجل مديحا معجونا بغزل في كلمات والدي ونظرات عينيه..
..أناديها ..

- بسسسست بسسسسست
تلتفت نحو غرفتي ولا تراني، تسمع صوتي من خلف الباب فتتقدم ..
تفتح الباب وتجدني أمد لها يدي بدينار وسبعمية وخمسين من مدرخراتي ..
تنظر للمبلغ، ليدي الممدودة ثم لعيني الدامعة وتسألني:

- شنو هذ حبيبتي؟
- يمّا الله يخليج .. لا تروحين عند صديقاتج بدون شي في ايديج .. ترى يعيبون عليج. أخذي فلوسي واشتري بيتزا من قيصر وإلا كيكة سارا لي .. الله يخليج يمّا ما ابيهم يعيبون عليج!!

لا أدري ماذا حصل ساعتها .. ولكني لمحت وجه أمي مختلفا .. يطوقه نور جديد.
ربما كانت نشوة جديدة اجتاحتها عندما أحست ذلك الحب اللامشروط يحوم حولها. .
أو ربما علمت لحظتها أن برها بوالديها عادت بوادره كالطيور المهاجرة عندما تسافر وتعيدها الأيام تماما الى دارها.

في ذلك اليوم أيضا، لم تذهب أمي لصديقاتها، وقضينا المساء انا وهي في المطبخ .. نصنع تشيز كيك حقيقية.


الأحد، 19 أبريل، 2009

نائمة؟؟


كل يوم على الفراش، عندما يغطيني اللحاف وأجد تلك البقعة الدافئة أسرقها قسرا من حيزه. بقدمي ادفع ساقه قليلا وأغزو مكانه المغمور بالحنان. يحس بحركتي ويعرف دون وعي أنني أريد شيئا. حتى وهو نائم يحرص على تنفيذ طلباتي. ربما هو لا يعلم أو لا يتذكر عندما يصحو في الصباح، ولكنه عادة يطفئ اللمبة الصغيرة بجانب رأسه عندما أتململ منها قبل أن أقول له. ويفسح لي مكانا عندما يشعر بنرفزة جسدي.

يقول لي أحيانا عندما يسهر في عز رقادي بصحبة لعبة كرة القدم الأمريكية التي تجلس بحضنه وتشاركه أرقه أنني تكلمت أثناء نومي!
ذكريات الليل لا يمحوها النهار بيننا، واحد منّا لابد يتذكر ما حصل بالليلة التي قبلها ..
الى أن جاء اليوم الذي تذكرنا فيه كلانا ماذا حصل في عتمة الليلة السابقة ..

لم يوافقني النوم، لم يفي بوعده عندما ضربت له موعد صداقة في الساعة ذاتها التي اعتدنا فيها على اللقيا. أشحت بوجهي بعيدا عن الخيبة التي حاصرتني، على مخدتي قلّبت المواجع وآلام الوحدة في ليلة تركني فيها ونام!
هو .. سابح في سبات عميق. أعرف مدى عمقه من لحن تنفسه الهادئ الذي غط في رحاب الليل كطفل رضيع، أخذ كل ما يرضيه من حليب دافئ وحضن كبير فغفى على صدر مفروش بالأمان.

أوجعت الظلمة عيني التي تعودت على النور، وآلم اذني الصمت الذي يقطع فوضى الأفكار الصاخبة داخل رأسي، صهرت الوحدة ساعات الليل مع دقات الساعة التي تجلس بجانبي وتعلك الوقت تطقطقه بصوت عالي وتنفخه فقاقيع شقية تناكفني وتنفجر بوجهي. أحسست أن العتمة والليل والوقت والصباح في مؤامرة ضدّي.

نظرت اليه .. ساكنا كبحيرة غمرها الموسم عشقا للسكون، نظرت بعينيه المغمضتين. ولا أعرف لماذا أطلت الوقفة ..
..... فتح عينيه فجأة وابتسم!

***


فراشي أصبح ميدان معركة يومية بيني وبيني، أتعب الى أن أجد البقعة الدافئة التي كان دون أن يدري يعدها لي مكتنزة وواضحة. اتعب حتى امتزج مع دقات قلبي والحان تنفسي فيمسك النوم يدي ونغوص في عمق ضحل من شيء اشبه بالسرحان.

اتعب الى أن أجد اللحظة التي اغطس فيها تحت بحيرة الموتة الصغرى التي تنتشل ولو لساعات قليلة ألم خواء الجانب الأيسر من سريري وضربة الفراق من رأسي.


في تلك الليلة نمت بسرعة، كنت متعبة قد أنهكني يومي المليئ بأعمال اضافية. لا أعرف ماذا حصل، ولكني ايقنت أنني نمت قبل أن أحدق طويلا في وسادته الباردة، وقبل أن تتحسس يدي جانبه الذي لازال يبكي ساكنه.


في غمرة نومي .. فجأة فتحت عيني، على جانبي الأيسر قابل رأسي وسادة وفضاء. تذكرت أنني نمت قبل أن احادثه شوقا غامرا عن تفاصيل يومي. أوجعني قلبي، نظرت للساعة فإذا هي متأخرة جدا. كانت الساعة الرابعة فجرا وقد ارسل لي رسالة يسألني ان كنت نائمة! لم أرد ايقاضه فبادرت في اغلاق شبّاك عيني ..

ولكني قبل أن ارحل من جديد الى عمق النومة رن هاتفي ..
ففتحت عيني .. وابتسمت!


سألني: "نائمة؟"
قلت له: " كُنت .. ولكن الليل ايقضني قبل لحظة لكي ابتسم وأنا استنشق نسيم صوتك!"

الجمعة، 17 أبريل، 2009

راسين بالحلال ..



في غرفتها في الطابق السفلي بجانب الحمام والمطبخ وكل شيئ، تجلس جدتي كعادتها على كرسي وثير خصصته للصلاة!

كلمّا ازورها أجدها تصلّي، فنتندر دائما أنا وبنات خالاتي أن كل صلاتها تراويح.
منذ صغري وجدت في غرف الجدّات سحر ما! تلك الغرفة المليئة بأسرار الزمن الجميل، بأشياء قديمة وكنوز عفا عليها الدهر الى ان اصبحت بلا معنى. الجدّات وحدهم يرون لها معنى، لهذا هي لازالت ملفوفة بقرطاس عتيق، والقرطاس في صندوق، والصندوق داخل خزانة، والخزانة مقفولة بالمفتاح ومغطاة بسجادة قديمة.

اسمع صوتها وأنا احوس في الغرف المجاورة: منو هنيييي؟
اقفز بفرح: آنا يمّا .. واجري اليها اسبق الخطى لألحق عليها قبل ان تبدأ بصلاة جديدة.
- يمّا .. هذي اي صلاة؟
- هاو العصر!! تجيب باستغراب وهي تعلم أنني اشحذ اسنان سخريتي التي تحبها!!
- يمّا ؟ شعندج توك تصلين العصر؟؟ مواعدة من ورانا؟ وينه .. وينة؟؟ أكيد خاشته بالكبت؟
تضحك بثقل جميل وحياء اجمل: سوّيرة الله يخس بليسج! ويني آنا وين هالأشياء.
اقبل رأسها وأجلس على الأرض عند قدميها: ما يندرى .. ياما تحت السواهي دواهي!

تضرب كتفي ونضحك، وأبدأ في جولة دورية بنظري في غرفتها..

السرير الوثير المكسو برائحة السماء، عطورها ودخونها ورائحة مفرق شعرها المحنّى بالبرتقالي الصارخ، تختبئ الشعرات البيضاء الضعيفة خلف لون النار، جدتّي تعتقد أنها ستموت سعيدة عندما تقابل ربها حين يحين أجلها وشعرها مخضب بالحنّاء.
- هذي عشبة الجنّة.
- بس يمّا ريحتها مو حلوة!
- جبي جبج الله .. ريحتها عطرة مثل الورد، والله ورسوله يحبّون الحنّة؟

كان حوارانا التقليدي عندما كنت صغيرة وكانت تلقمط رأسي بمزيج الحنّة البارد، بعد فترة، انسى الرائحة عندما يعتادها أنفي وأستمتع بدفئ يديها مقابل برودة العجينة الخضراء.
خزانات كبيرة كانت ام صغيرة تغزو غرفة جدتي، بيضاء وخشبية فاتحة وغامقة ولون ضائع في المنتصف، تختبئ تلك الخماجير العتيقة كل في مكانه داخل الخزائن، ولا ترى الشمس إلا عندما تقرر ان تورثه لنا على عينها. تلفزيون كبير ناردا ما يفتح. مقعدين كبيرين أحدهما كرسي الصلاة، وبينهما تقبع ثلاجة صغيرة تضع فيها ادويتها.
- دريتي عن احمدو؟
- لا شفيه!!
- وعليا خنت حيلي .. متعلق قلبه ورياضو مو راضي يريّح افواده؟؟
لا ادري لماذا؟ ولكن لغتي ولكنتي تنقلب عندما اجلس تحت رجلي جدتي، نتحدّث في موضوعها المفضل "الخدم":
- هاو هاو هاو شفيه اقليبه؟ متعلق بشنو؟
- نوفيووو حيّة القلب، الحست عقله ويايني يتبجبج إلا يبي ياخذها!
- ويييييييييه يحليلهم، عندج "بين الأطلال" فبيتج واحنا ما ندري!
- بس عاد جب لا تصيرين ام بزيع .. تمشي وتذيع.
- لا يمّا ما اقول
- إيي عفية ابنيتي .. خل الله يسهل عليهم ويتزوجون، بعيدن انذيع الخبر

لا انفك من رؤية النور ينبع من قعر جدتي، كيف لقلب بهذا القدم ان يحمل حبا جميلا لا يشيخ؟ خافت جدتي من عيون الناس على صبيها الهندي المسلم أحمد، الذي وقع في حب خادمتها الفلبينية المسيحية نوفي! وبالطبع يجب ان تتجسد الدراما في الأفلام الهندية على مسرح الواقع فيظهر رياض السائق خال أحمد. والذي حن على راس جدتي ان تجلب ابن اخته ليساعده في امور البيت! الى الآن نحن لا نعلم ما هو عمل رياض غير توصيل جدتي من والى أماكنها المحدودة. ولكن لمعزته الكبيرة في قلبها انصاعت وجلبت أحمد لكي لا يغضب دريولها عاش عاش!

ظهر رياض بعينيه الحمراوتين ليقف امام الحبّيبة كالعظمة في البلعوم، ويصرخ على احمد الصغير الضئيل، ويهدده بالحرمان من الميراث والطرد من العائلة اذا اصرّ على الزواج من نوفي!

- قعدت آنا ورياضو ذاك اليوم في المطبخ ساعتين قعدة كبار، أحاول اقنع فيه .. ما كو فايدة!! امعيّي، يقول لازم احمد يسوي زوج بنية هندي .. بنية مسلم.
- ويه عشتاو!
- إييي والله .. قلت له، اشفيها نوفيوووه؟ بنية شاطرة وحرجة ودمها خفيف. شعرها ناعم وبيضا. سليمة تصكه إلا يبي احمدو ياخذ وحده جلحة ملحة مصعوية من هناك!!
- والله احمد بعد طلع شاطر .. قال اصيد عصفورين بحجر، شعر ناعم وطويل عشان ما يعايرونه الهنديات، بس غلبهم بالبياض.
- إييييييييييي.. ترى حي قلب، لا يغرج شكله كلّه مدوده ومسبه، بس يعرف شنو يبي..
لم تهنأ "ام عبدالرحمن" في نوم، ولم يهدأ لها تدبير. صحيح ان كل المحاولات لم تفلح في رياضو ابو عيون حمره من مباركة زواج ابن اخته. بل ارسل لوالدة احمد واخبرها بالفضيحة التي سيقترفها ابنها. ولا ادري ما فحوى الرسالة التي بعثتها والدته ردّا على ما جاء، ولكنها وصلت ذات يوم فلم يأكل أحمد ليومين ولم ينم.

ادخل بعد ثلاث أيام، لأسمع صوتها يلعلع من المطبخ الخارجي الى البوابة الرئيسية، اتسحب نحو الصوت لأجدها تصول وتجول وهي على عكازها في وسط مطبخ المعركة:
- اذا انت يبي نوفي ونوفي يبي انت .. خلاص .. أنا يزوج انتو اثنين. اهني في كويت رجّال يصير يتزوج مرة مو مسلم.
قفزت نوفي من وراء ماما طيبة وهي تمسح دموعها من على وجهها:
- ماما خلاص أنا يسوّي اسلام!
ماما طيبة تشتط:
- خلاص .. مشكل مال رياض خلاص، نوفي يبي يسوي مسلم، ماما مال انتا يصير فرحان. ماما مال انت قال اهو ما يبي جنّة مسيحي، خلاص نوفي مو مسيحي .. نوفي مسلم.

لم اتمالك نفسي من كتم ضحكة قفزت من صدري، ماما طيبة ما بذنها ماي، يا شاهدة على الزواج .. يا "شهيدة " يا من وفّق راسين بالحلال". ولا حل وسط!

من على الباب، ومن خلف ظهر جدتي لمحت النظرة التي لن انساها ما حييت، نظرة حبيبان لم يهمهما كلام الناس، ولا سخرية الأقارب ولا عناد الأيام. ابتسمت نوفي لأحمد، وانزاحت الغمامة من على عينية وابتسم.

زوّجت جدتي عشيقان وجدا الحب في بيتها، فقررا الحلال على كل شيء. جدتي تأثرت كثيرا بأخلاق أحمد الذي تُقسم أنه لم يرد فعل شيء مع نوفي قبل الزواج لإلتزامه وتدينه، وتضيف: وإلا هذيج فهرة.. مالها أمان! (تقصد نوفي)
بعد اكثر من سنة على الزواج الميمون، أدخل غرفة جدتي كالعادة لأراها تصلّي، انتظرها بين الغرف الى ان اسمعها تنادي:
منو هنييييي؟
ادخل واجلس تحت قدميها لتفتح واحدة من جواريرها الفائضة وتخرج صورا ارسلت لها من الهند.
- شفتي طيبة الصغيرة؟؟
- لاااااااااااا ما شفتها .. إي صج مبروك ما ياكم.
- الله يبارك فيج حبيبتي .. الفال لج ان شاء الله
- ان شاء الله.

تريني ماما طيبة صورة لإبنة نوفي وأحمد "طيبة" سميّة الغالية، التي اخذوها بعد الولادة للهند لتتربى في بيت جدتها، قرر والداها ان تعيش هناك لتكون لصيقة بالموروث الهندي والتربية الإسلامية. تناولني جدتي صورة وهي تسمّي وتهلل:
- شفتي رياضو اشلون مرتز يم البنية؟ ما جنّه اهو إللي لوّع قلب أبَيها خنت حيلي قبل الزواج!
- بعد يمّا الوقت ينسّي .. والدم عمره ما يصير ماي.
- إي والله صاجّة بنيتي

اخرج من عندها .. وأذان المغرب يصدح في الأفق، وانا اعلم انها ارجعت الصور للجارور.. وعادت تصلّي.



الخميس، 16 أبريل، 2009

شايفة نفسي !!

أراها من النافذة العالية تُقبل .. تجرجر خلفها مواجه ..
وفي عينيها شرار ..
لم نتمكن انا وهي على الإتفاق منذ بداية تعارفنا ..
كانت ولازالت تعتقد انني شايفة نفسي ..!
عند باب بيتي، في حضن خلوتي، وأمام عيون ابنتي صرخت:
" آنا بس بعرف انتي على شنو شايفة نفسج ؟؟"
أدخلتها الى صالتي، أجلستها على أريكتي، وأضيفتها بشاي من ابريقي ..
وأقول لها ..
" آنا مو شايفة نفسي .. آنا فقط .. غير"

أنا غير لإن بيتي ليس عاجيا عاليا صعب الوصول اليه، اسكن ارضي وافتح بابي واخاطب الصامتين ..

أنا غير لإنني لا أخجل من كوني امرأة، ولا احتقر النساء الأخريات لإنهن يعتقدن أنني دون المستوى!

أنا غير لإن قلبي قابل لللمس، لا أخبئه بعيدا عن الناس، ولا ألفه بألف متر قماش لكي لا تصله الشمس ولا برودة الشتاء ..

أنا غير لإنني لا أخاف الرجال .. ولا تهزني ذكورتهم الطاغية .. ولا تشعرني بذنب انوثتي، نظرة حادت عن أصول الأدب.

أنا غير لإنني لا أحتفظ بأحداث حياتي بزجاجة معتمة، أسراري قابلة للإفشاء، وفرحي قابل للمشاركة ..

أنا غير لإن اسمي قابل للنشر، وخاضع للمحاكمة الأدبية والفنية والدينية والاجتماعية ..

أنا غير لإنني توقفت منذ زمن طويل عن تلك المحاولات اليائسة المبالغ فيها لإثارة اهتمام الرجال ..

أنا غير لإنني لم اتغير .. هذا أنا قبل وبعد الزواج ..

أنا غير لإنني أضع صورتي الحقيقية في ماي سبيس، والفيس بوك لإن ملامحي تحب الشمس وتكره العتمة!

أنا غير لإن الأرقام لا تحرجني .. فلا اتردد ثانية عن اعلان أن عمري 30 سنة، طولي 153، ووزني 57 كيلو غراما ..

أنا غير لإن لدّي ثلاث وظائف .. وثلاث موارد طاقة !

أنا غير لإن في بيتي سجادة صلاة .. وشجرة كريستماس محملة بالأضواء .. اضع لخادمتي تحتها هدية رقيقة عشية العيد ..

أنا غير لإنني لا اتردد في السؤال عندما لا أعرف الإجابة ..
ولا أتوانى عن ابداء رأيي الصريح جدا عندما تسألني صديقتي عن شكل فستانها ..
ولا اكره امرأة قالت عنّي خلف ظهري .. كم هي قبيحة قصة شعري الجديدة ..


أنا غير لإنني أحب الصمت، وأعشق السكون، وأحترم تلك الأوقات التي نقضيها أنا وزوجي نتهامس وجها لوجه بلا أي كلام ..

أنا غير لإنني ايقنت مبكرا جدا ان البشر أهم من الأشياء ..
فلا أحزن على روقة اضاعتها ابنتي ..
ولا أصرخ بوجه خادمتي عندما تحرق لي فستان!

أنا غير لإنني أعترف أحيانا أنني غبية، وأعاقب نفسي بالفضيحة عندما أختلق كذبة وأصدقها..

أنا غير لإنني أؤمن بكل ما هو خارج الصندوق ..

أنا غير لإنني قبلت فكرة أنه ربما يكون هناك حياة أفضل خارج حدود الراحة التي اعتدنا عليها ..

أنا غير لإنني لازلت أتفاءل عندما المح باباشيرة تطير فوق سيارتي ..

أنا غير لإنني فعلا أؤمن أن ابتسامة ابنتي وقبلة زوجي كل صباح هي اغلى كنوزي في هذه الدنيا ..


الاثنين، 13 أبريل، 2009

طيورهم !!



سر موجع ..
وحادثة أكاد لا انسى تفاصيلها وان حاولت جاهدة نفض الغبار العالق على جدران ذاكرتي ..

بيت كبير في منطقة بعيدة، أسرة من أم وأب وطفلة في السابعة وأخ شقي في الرابعة ..
داخل الحوش ملحق، والملحق يسكنه حارس مصري .. بسيط وأمّي .. جاء من الصعيد ليحرس المنزل لنا ولوالدي.
كان لطيفا وعطوفا ويلعب معنا أنا أخي..
الى حجرته أمي تمنعنا من الذهاب .. تقول اتركو له وقتا لنفسه .. واحترمو خصوصيته ..
لم أكن أفهم جدوى الخصوصية تلك، عادة ما أكون خائفة عندما أكون لوحدي!

يوم .. ظهيرة حارّ من صدر الكويت .. والدي في العمل .. وأمي في المطبخ ..
أنا وأخي الصغير نتسلل الى غرفة الحارس "الصديق" ونجلس معه نشاهد كارتونا نحبه ..
أخذني من جنب أخي وأجلسني بحضنه، أدخل يدي في جلبابه الواسع وأمسكني شيئا لا أعرفه ..
شيء طويل .. ملمس غريب .. وعر ومتماسك ..!
يدي المتخبطة .. استيعابي الصغير .. وعقلي الطفل لا يستطيعون حل اللغز وفهم الحكاية ..
داخل جلبابه لعبت يدي .. وعيناي على الكارتون.
..راقه الشعور ..
أخذني الى حمّامة الصغير .. أوقفني على الأرض وخلع إنسانيته ..
أراني ما كنت أمسك .. وحركه يمينا وشمالا ..
وكأنه يُري الطفلة أمامه طير صغير .. فيدهشها شكله وتفاصيل ريشه .. فتقترب .. وتلعب معه!!
قال "امسكي" ..
لازلت الى هذا اليوم أحس بالغثيان الفطري الذي اجتاحني .. كنت لأول مرّة استطعم مُر الإنتهاك.
كان الحدث جلل .. التصرفات شائكة، والمصطلحات كبيرة جدا علّي ..عقلي وبرائتي في صراع ..

ووصايا والدتي المتوارية خلف خوفها من الإفصاح والوضوح تحاول جاهدة ان توصل النقاط ببعضها ..
أسئلة اجتاحتني .. وإحساس عشوائي .. ورغبة عارمة بحضن أمي ..
مددت يدي .. رفعت سرواله الداخلي .. وغطيت الطير القبيح ..
لأول مرّة لا أرغب بالإمساك بطير، ولاول مرّة لا أريد اللعب مع أرنب صغير ..
فتحت الباب فَفُتِح .. وخرجت من الصندوق الضيق برائحته النتنة، أحاول أن أتنفس هواءا نقيّا من جديد ..
خلافا عن الكارتون .. الصور في رأسي لم تكن مزركشة، والألوان كانت باهتة وقاتمة ..
أستوقفني خارجا وقبلني .. أخرج من جيبه حلاوة .. ورجاني أن لا اخبر أحدا .. حتى أمي

جريت للداخل .. دلفت الى بيتي .. وركضت الى المطبخ لأضم رجلي أمي وأبكي ..
سألتني من ضربني ..
فقلت لها ..
لم يضربني أحد .. ولكن "سيّد" أراني شيئا أحسست بعده بالإختناق !
أجلستني على ركبتها ..
وأخبرتها بكل شيئ ..

في الصباح .. ايقضني والدي مُبكرا جدا ..
قبّل يدي .. غسل وجهي .. وأخذني الى غرفة الإستقبال التي لم يكن مسموح لنا انا وأخي الذهاب اليها ..
أجلسني بحضنه لكي لا أخاف، وأعطاني قطعة شوكولاته ..
في حضرة ثلاث رجال من الشرطة جلست ..
أعطوني عصيرا لذيذا .. وسألوني ..
استدرت الى أبي .. وأسررت بأذنه:
( كيف أقول؟؟ )
علمنّي كلمة مؤدبة للمكان الذي لم يسح لي يوما الإشارة اليه ...
ارتحت .. وأخبرتهم قصتي.


كبرت .. وانا أخاف جدا من الرجال
كنت أتصوّر أنهم جميعا .. يريدونني أن أمسك ..
طيورهم!


الأحد، 12 أبريل، 2009

غرافيتي على جدار كويتي ..



في مجلة تقرأ أمها قصة فتاة في السابعة من عمرها تعرضت لإغتصاب .. تناديها من غرفتها، تغطي وجه المغتصب مسجونا بعد المحاكمة، وتريها وجه الفتاة الصغيرة التي كانت بمثل عمرها وهي تبكي. تخبرها الأم قصة الطفلة وتقول لها انها تبكي لإنهم سيودعونها السجن .. لإنها سمحت لرجل أن يلمسها!!


***

على الماسنجر تخبرها فتاة لا تعرفها أنها متزوجة منذ يوم .. الى الآن زوجها لم يلمسها وهي في غاية الخوف !! تسألها ان كانت تستطيع ان تساعدها وتشرح لها ماذا سيفعل بها زوجها، وماذا يجب ان تفعل هي !! تخبرها أنها ستغادر نافذة الدردشة "لإن زوجها لا يسمح لها بالحديث مع المتزوجات الجدد!"


***


بعد أن توطدت علاقتهما في العمل وأصبحا " صديقين" يقترب منها ويخفض صوته .. يخبرها سرّا " انا ولي" تستفسر اكثر .. فيفسر أكثر " الله اختارني لأساعد الناس وأزيح عنهم همومهم"، اخفت ابتسامه وشيئ من سخرية. بعد اسبوعين جاء يخبرها عن الثواب الكبير والأجر الجزيل الذي ستحصل عليه فتاة صالحة عندما تهب نفسها لتمتيع ولي!!


***


عندما كانت تحبه سألته متى سيتزوجها .. قال لها " لن يكون" لإنه انسان بسيط ولا يستطيع شراء حقيبة لويس فويتون لها كل شهر .. " انت ما تقدرين تعيشين بدون جناطج!!" اقفلت بابه ووجدت شخص آخر، في اليوم الذي أحبت الرجل الجديد، فاجأها القديم بهدية .. حقيبة لويس فويتون .. وبوك!!


***


في محاضرة اخلاقية من أخيها الكبير قال لها " البنت ضعيفة، رقيقة وعاطفية، ناقصة عقل ودين وبسرعة ينقص عليها ما يصير نخليها تروح تدرس برّة !!" بعد ست شهور وفي محاضرة اخلاقية أخرى قال لها " البنت قوية ومتينة مثل الحديد ما ينقص عليها بالعواطف ولا تهزها الجبال ولا تلعب فيها العواطف .. ما يصير تحب قبل الزواج!!"


***


بعد ثمان شهور زواج حاولت .. لبست له قميص شفاف وغنت له بدلع "رجب حوش صاحبك عنّي!" زجرها " ما تستحين" وضربها بالسواك !! نامت باكية، وعندما استيقضت فجأة وجدته في الصالة وقد غفى "سهوا" على قناة روتانا نجوم!!


***


قال لها " مايصير تسافرين بدون محرم" واضاف "الدين مو لعبة" بكت، " بس أهلي كلهم هناك وراح ينطروني بالمطار". أصر " ما يجوز .. يعني ما يجوز". بعد اسبوع سافرت لوحدها وبرضاه .. لا تدري ماذا قال له والدها على الهاتف، ولكنها علمت لاحقا .. أن والدها تكفل بسعر التذكرة!


***


من اول مكالمة هاتفية قال لها أنه متزوج، ولكنه لا يحب زوجته ولا يتواصل معها، يعيشان منفصلان .. اعجبت بصراحته واسلوبه المباشر في الكلام أحبت الشهامة فيه عندما قال لها أن زوجته موافقة .. عندما تزوجته سألتها الأولى .. " شنو شعورج وانتي الرابعة؟!"


***

اثنين حبّيبة في طابور انتظار طاولة لمطعم، هي ترمق بإشمئزاز وهو ينافخ بقرف، شاهدا زوجين يضمّان بعضهما .. بصوت مسموع قالت " قطيعة ما يستحون". على الطاولة يسألها .. " بتيين معاي الشقة اليوم وإلا نخليها باجر؟" ابتسمت له وتمايعت " اليوم .. وباجر"!


***


على طاولة كافيه فاره 4 بنات .. قالت سارة " شرايكم بشعري حلوة الصبغة؟" ثم قالت " شفتو منالو شلون كانت تخزني ذاك اليوم، ميتة من الحرة من شعري"، بعد أول لقمة قالت " أختي ميتة تطوّل شعرها مثلي" دفعت الحساب فقالت " بس شعري وايد ناعم ما يصير كيرلي". في البيت قبل ان تنام خلعت 5 طبقات اكستنشن .. ونامت.

الجمعة، 10 أبريل، 2009

كأس ماء باااااااارد !



عند الدوّة ..
تأخذ المنقاش وتلعب بالرماد.. تحب شكل الرمل ذو اللون المختلف، يتطاير مع كل نسمة هواء..
طفلة صغيرة تقف بجانبها وتنظر للوهج .. برتقالي .. مدهش ومثير.
حركّت نورة المنقاش بسرعة فتطايرت كمية أكبر من الرماد ودخل بعضه في عيني الصغيرة بجانبها ..

صرخت الطفلة وسقطت للوراء ..
تتنبه الأمهات في الجانب الآخر من الصالة الكبيرة، تجري أم الطفلة لإبنتها، تنتشلها من على الأرض وتطير فيها الى الحنفية لتغسل عينيها ..
وتصرخ أم نورة من على مقعدها:
" نورو هدّي المنقاش وتعالي .."
تتجاهل الطفلة عبارة والدتها لبرهة وتكمل اللعب بالرماد ..

ثانية ثم نداء آخر يقابله عناد. تنتفض نورة عندما تسمع صرخة حديدية مرعبة من حنجرة أمها ..
لا مجال للعناد .. تركت المنقاش، واستدارت، نظرة واحدة لوجه امها غيّر تركيبة ملامحها ..
تعلم أنها الآن في مشكلة !
أصابع والدتها تلوك غضروف اذنها بلا رحمة .. وهي تبكي بحرقة ..

تسألها والدتها ان كانت نادمة على ما فعلت؟ تعيد عليها السؤال وتستجدي الإعتراف ..
كم تود الكلام والتأسف والندم .. ولكنها تبكي كثيرا ولا تستطيع النطق بأي شيء..
تتحرر اذنها .. وتخبرها والدتها أن تذهب للغرفة (Time Out ) لمدّة خمس دقائق ..
" ما تطلعين .. ولا تكلمين أحد إلا لمّا تخلص الخمس دقايق".
تأخذ بعضها، حزينة باكية منكسرة محرجة من الصالة .. الى غرفة العقاب.

جالس هو في الجانب البعيد من الغرفة هو، يشاهد الموقف ويعض على شفتيه ..
يكاد قلبه يتفطّر من حزنه عليها، بدا تنفسه أسرع، وقطرة عرق نزلت من رأسه على ظهره ..

أحس بها وتجاهلها، ليته يستطيع فعل شيء.
ذهب للمطبخ المجاور، ملئ كأس بماء بارد، انتظر اللحظة التي تعود فيها الأمهات لحوار يشغلهن. .

وبلحظة زلق نحو باب الغرفة، فتحه ودخل .. وأغلق الباب خلفه.
على السرير جلست نورة، لازالت عيناها حمراوان .. تنشق كل خمس ثوان نهايات الألم وانسحابات البكاء ..
أقفل الباب، وتقدّم نحوها وأعطاها الكأس بلا كلام .. أخذته وشربت.
جلس بجانبها .. وصمت. وضعت الكأس على الطاولة فأمسك يدها ومسح على شعرها .. ابتسمت
" ما تخاف أمي تشوفك هني .. ترى راح تزفك؟"
قال:
"عادي .. "
"صج؟"
" والله .. آنا متعود على الزف"
ابتسمت .. وهو دون أن يشعر طوقها بيده، وجلسا جنبا لجنب كصديقين حميمين في زنزانة اعتقال الصغار.

كبرت نورة لوالدين مطلقين .. وكبر بندر لوالدين مطلقين ايضا ..
تعاطف الست سنين ذاك تحوّل مع الأيام الى صداقة متينة وعلاقة إخاء ..
منذ صغره كان يراها نسخة شبيهة لظروفه، لم يكن يدري ما الذي يجعله دوما في صفها في ساحات اللعب وعلى طاولة الطعام.

ولكنه كان يعلم أن هناك رابط ما، شيئا كبيرا مشتركا بينه وبينها. .
ربمّا هو الحرمان، الألم، او ربما تلك التصرفات الطائشة التي كانت دائما تسفر عن قرصة اذن، صفعة او تايم آوت.

مرحلة المراهقة كانت مختلفة ..

نورة كبرت و"ماقت" مثلما أمه كانت دائما تعلق عليها .. طالت نورة وأصبح شعرها طويل جدا.
ملابسها دوما جميلة .. ودائما تضع لونا لامعا على شفتيها..
لم يفهم لماذا .. ولكنه يحبها على الرغم من أنه لا يحب شكلها الجديد ..!
توقفت عن اللعب معهم بالكرة والدرّاجات .. وآثرت تلك الألعاب مع الفتيات بالغرف المغلقة على شكل بيوت، والدمى الصغيرة والماكياج. تغيرت عليه كثيرا ..

ولكنه لازال يحبها.

شبوبيتهم كانت مترامية ..

يراها في نهاية الأسبوع في بيت الجدّة، جميلة ولكنها بعيدة جدا.
تزوجت والدتها وتطلقت للمرة الثانية. والدته لم تتزوج .. تقول أنه هو الآن رجلها ولا تحتاج لرجل آخر.
أكسبه ذلك ثقة كبيرة بنفسه واحساسا بالمسؤولية اتجاه أمه. فغدى تحت رجليها، بارا ومطيع ..
لم يعارض يوما فكرة زواج امّه .. ولكنه كان دائما يصر على التأني قبل الموافقة على أي رجل يتقدم لها ..

قال لها انه لا يريد أن يراها حزينة من جديد ..

في جامعتين منفصلتين درسا، ولكن الكويت صغيرة والكلام يسوح الآذان.

تعرفت نورة على شاب من عائلة كبيرة، أحبته ملئ قلبها وخرجت معه في مواعيد كثيرة. اماكن عامّة في الغالب.
يتكلم عنها الشباب بسوء في حضرته. لم يكن يفصح عن قرابته بها .. ولم يشاركهم يوما الحديث .. يجلس صامتا يستمع.
في الخفاء يلهج صدره بضربات قلبه بالكاد يستطيع اخفائها، يتفطر قلبه حزنا عليها وغضبا منها، وقطرة عرق حارّة تنزل من رأسه على ظهره يحس بمسيرتها .. ويتجاهلها.
لم يخبر والدته .. ولم يخبر والدتها ..

كان من المؤمنين بالحرية الشخصية، والتعلم من الأخطاء. ولكنه حررها بينه وبين نفسه من كل الوعود التي يوم تبادلتها معه.
((أنها لن تكون يوما سهلة مثل والدتها، وانها لن تتزوج شخصا مثل والدها!))

في بيت الجدّة الكبير يجتمع الأخوال والخالات في صباح يوم عمل!

تتصل به أمه باكرا في الصباح وتأمره أن يحظر بيت الجدّة حالا. يطير الى هناك.
يتكلم الخال الكبير:
" شتعرف عن نورة؟"
بلع ريقه ..
"شتقصد خالي؟"
صرخ الخال بعصبية:
" بنت خالتك سيرتها على كل لسان في الجامعة .. وانت تسألني شتقصد خالي؟"
أوقف اهتزاز رجليه بيديه:
" شصاير؟"
تكلمت والدته بحنان:
" نورة يمّة .. أبوها شافها بسيارة واحد أمس .. وقفهم بنص الشارع وطقها جدّام الأوادم .."
تكلم الخال:
" يقول أن البنت صايعة وأمها ما تدري عنها!! يبي ياخذها عنده خلاص عشان يعرف شلون يربيها"
يلتفت الى والدتها في زاوية الغرفة تنتحب ..
يصمت ولا يتكلم ..

يحتد النقاش بين الكبار من جديد، يصرخ من يصرخ ويبكي من يبكي .. ويعرف من متن النقاش أنها في الغرفة المجاورة.
" تايم آوت مصيري هذه المرة !!" .. قال لنفسه.
ينسحب الى المطبخ، يملئ كأس الطفولة بماء بااااااارد .. ويتوارى عن الأنظار بخفة .. يفتح الباب عليها ..

ويغلقه وراءه ..

الأربعاء، 8 أبريل، 2009

البنوتة .. توتة توتة !!

من مذكرات أم جديدة ضايعة بالطوشة ..
تحذير: ينصح لأصحاب الكبد الرقيقة " إللي تلوع بسرعة" عدم اكمال قراءة الموضوع !
***
تتصل علي والدتي أول شيء تفعله في الصباح، تختصر السؤال عن أحوالي وتقفز عدوا الى السؤال عن البنوتة:
" ها .. بشري .. مشى بطنها وإلا لأ؟"
اصمت قليلا على الهاتف واتساءل متى أصبح السؤال الأول في صباحاتي..
مقتصرا على موجز أخبار أمعاء ابنتي؟؟ أتنهد بقلق حقيقي واخبرها أن الحظ لم يحالفنا الى الآن ..

اتصلت على والدتي من يومين وانا أبكي ..
كانت دموعي ممزوجة بدموع البنوتة التي أحملها على صدري وأدعو
" اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الصعب اذا ما شئت سهلا" ..
رفعت والدتي السماعة لتصعق بالبكاء المشترك بيني وبين بطن البنوتة ..
أخبر أمي أن خروجها "يابس" ويألمها مجرد التفكير بالعملية
تجزع طفلتي في حضني وتضمني بشدة، ينحشر موضع الألم بيني وبينها وأتمنى من كل قلبي ..
" عسى فيني ولا فيج!!"

أخبرتني أمي الوصايا العشر بعجالة ..
كومتهم فوق بعضهم والقتهم عليّ بسرعة البرق ..
بعدما اقفلت السماعة من والدتي وأنا أرتب كل الأفكار والإرشادات والنصائح
على صفحة بيضاء من مذكرة رأسي ..
" لا تعطينها بطاط، بعدي عن العيش والخبز والمعجنات ..
عطيها أراصيا على الريج خل تاكلها غصبن عليها،
واذا ما كلتها عصريها او خلطيها مع أكلها ..
اذا ما فاد هذا كلّه عطيها قفشة زيت خروع .."
أقطب جبيني وأعفس وجهي ..
"ويع يمّة .. زيت خروع؟؟!!"

يرن الهاتف مرّة أخرى وانا في معمعة صراخ البنوتة
والجري بين صفى المطبخ ومروى الصالة ..
بين أمي وخالاتي اتصالات برقية منقطعة النظير،
أسرع من "البي بي سي" و"السي ان ان" مجتمعين بتوصيل الخبر وطرح المشكلة على طاولة النقاش!
ارفع التلفون، رقم خالتي الصغيرة قوية الشخصية، الملقبة بالإجماع " بالنسرة"
يسبقها الى مسامعي صوتها الحاد وطيبة قلبها،
وخوفها الغير مشروط على صحتنا نحن ومن يعز علينا:
" قومي تحركي روحي الصيدلية واشتري لها تحاميل ..
لزقة عليج وعلى ويهج .. صار لها البنوتة يومين مو متسهلة وانتي قاعدة ما تسوين شي ..!!"
اجاباتي كانت مقتصرة على الأحرف الأولى من الكلمات
" بس ....، أ ......، انز ....، انش ...."

اقفلت السماعة واقفلت معها البنوتة نوبة الصراخ لإن الأحجار الصغيرة
التي من المفروض ان تكون عجينا لينا كما قال الدكتور غادرت موطنها بلا رجعة الى البامبرز ..
أخذت البنوتة شهيقا طويلا واتبعته بزفير الراحة بعد دقائق متعبة من العذاب ..
ضميتها الى صدري اكثر، أمسح دموعي ودموعها معا لإكتشف بعد ثواني انها راحت في نوم عميق بعد الاحتقان!!
مسحت على رأسها وأنا ادعو لها بالسهالة والشفاء ..

اليوم التالي نفس القصة وذاته العذاب ..
تعتصر حنجرتها مع أشياء اخرى لتخرج صرخات متقطعة معجونة بالألم ..
مرّة أخرى اضمها وأدعو لها واتمنى من كل قلبي ..
" عسى فيني ولا فيج .. انا كبيرة واتحمل لكن هالبنوتة ما تدري شلون تتصرف .."
تنتهي النوبة وأطير الى الطبيب، بزهوة بجاماتنا نحن الإثنتان، أدخل عليه وأخبره عن المعضلة ..
تخنقني العبرة وانا اشرح الحال وهو يغالب الضحكة ..
ينتظرني انهي نوبة النواح واتركه أخيرا يتكلم ..
" أول حاجه وحدّووووووووووووووه "
انشق وامسح دموع عيني ودموع انفي في منديل ما بغى إلا عمره ..
" لا الــــه إلا الله"
يكمل دكتور خالد ..
" يا ستّي إللي بتمر فيه البنوتة حاجة طبيعية جدا، كل الأطفال بيمروا بنفس الحالة ..
بس أنا ماشفتش أم بتمر بنفس حالتك .."
ارد بحرقة قلب ..
" قلبهم حجر .. ما يحسّون بآلام بنوتاتهم !!"
تتشردق الممرضة على الكرسي وتذوب بنوبة ضحك .. واسمعها بين قهقهاتها ..
" لا حول الله !!"
أعطاني الدكتور دواء طبيعي مستخلص من عصارة الأراصيا الموصوفة من قديم الزمان للحالات المستعصية ..
تشربة البنوتة كل يوم بالليل حتى وان تحسنت حالتها ..
قال لي ان اعطيها خضراوات وفواكه، رئيي – على قولته – وبرتقال ..
" الألياف مفيدة أوي بالحالات دي يا مدام سبمبوت، وكترّي من السوائل، العصيرات والمياه"
رنّت بأذني كلمة مياه، ليست من ضمن السياق، ولكني قررت ان أعدّي لإنني في حالة حداد على بطن بنوتتي ..
قبل أن اغادر وقف يصافحني، أخذ بيدي وسحبني على جانب يقول لي بمنتهى الجدية ..
" يا مدام لازم تبقي جامدة وقوية، البنوتة بتعصب وتنزعج اكتر لمّا بتشوف مامتها ضعيفة ورقيقة كده"
أدري كان ودّه يضيف "هبلة" بس احترم نفسه ..
أكمل ..
" أمال حتعملي ايه لمّا تشوفيها بتتوجع من الطلق لمّا تكبر انشاء الله وهي بتولد!!
رمقته بطرف عيني ولسان حالي يقول ..
" آنا وين وانت وين !!؟؟"

في السيارة نتناقش انا وليزيل - مربية البنوتة - على الأشياء التي يجب أن تأكلها والتي يجب أن لا تأكلها ..
قررنا أنا وهي أن نغير طريقة أكل البنوتة في الوقت الراهن ونحاول ان نعطيها خضراوات وفواكه أكثر ..
ونمنع عنها الخبز والبطاط والكتكو الى ان تتحسن الحالة ..

في مركز سلطان أشمّر عن ساعدي للمهمة القادمة في شراء منتوجات مفيدة وطازجة ..
ادفع العربة التي تجلس في مقدمتها البنوتة تنظر وتسلّم على كل الأغراب الذين يمرّون بجانبها ..
تمد يدها وتصرخ بوجوههم ..
" تلام " = سلام
يقفون لها ويصافحونها، فتسحب يدها وتصد عنهم !! والله مفشلتني هالبنوتة !!
انتقي الفواكة بحذر، وأملئ الأكياس برتقال بوصرة وكيوي وكوج ومشمش ..

أراها تنظر بعيني مباشرة، أعرف النظرة جيدا ..
نظرة "أنا أريد شيئا .. وإلا"..رأت شيئا تفكر جديا بالإنقضاض عليه ..
تشير بيدها الى كومة من التوت الأحمر، لونه يضمر تخفيّا محببا بأنه حلوى شهية كالتي تحبها وتسرقها خفية من حقيبتي ..
أتوجه الى الكومة الكبيرة .. وانتقي لها الثمار الصغيرة ..
توتة .. توتة

الاثنين، 6 أبريل، 2009

دائرة مفرغة !!

(1)
طرقات قوية وسريعة على الباب .. أمي لا تفتح ..
في وسط الصالة وبين الأريكة الطويلة والكرسي الجلدي، على السجادة الملونة نجلس انا وأخي ..
قالت لنا امي ان نضع ايدينا على آذاننا ونغني ..
" سميرة بنت الشلبي .. قاعدة على المهلبي .. تقرا كتاب العربي .... "
حاولت أن أغني ولكن الطرقات تشتد فتطير كلمات الأغنية التي تعلمتها من صديقاتي في المدرسة من رأسي ..
ماما تجري في ارجاء المكان وأخي الصغير يبكي ..
تشتد الطرقات وتتحول الى صدمات .. جسد أبي يبتعد ويصطدم بالباب بلا هوادة .. يترنح الباب وترتج معه قلوبنا!
تحملنا أمي بكلتا يداها، أحس بدموعها على رقبتي، وقبضة يدها المهزوزة تكاد تفلتني .. تصل الى غرفتنا وتدفعنا داخل خزانتنا، تجري الى سريري أولا ثم الى سرير أخي ..
تأخذ كتابي ودبدوبه القطني وتلقيهم في الخزانة .. معنا، تتكلم بسرعة لم اعهدها، صوتها يكاد لا يسمع من خلف الدموع ..
" لا تطلعون من الكبت .. فاهمتني .. !!"
تقفل باب الخزانة علينا، أضم كتابي الى صدري، ويعلك أخي ذيل دبدوبه !!
أسمع صوت أبي وقد اقترب، اضم كتابي أكثر، الصقه بصدري ..
أسمع صوت أبي يصرخ، وصوت أمي تهاوده تارة وتصرخ بوجهه تارة أخرى .. أبكي ..
يرى أخي الدموع في عيني فيبكي هو الآخر ..
أسمع صوت ضرب، وأمي تصرخ من الألم، دفعها فأسقطها تحت رجليه، اسمع صوت ارتطام جسدها على الأرض .. يركلها برجله وهي تصرخ وتتألم .. يحمل شيئا ليلقيه عليها .. واسمعها ترجوه وتسترحم!!
أكاد اختنق من الهلع داخل الخزانة، اترك كتابي واضم أخي ..
يعتصرني، ويدس انفه في صدري وبين شعري .. لا يكاد يهمد، يرتجف مثل العلم في ساحة مدرستنا ..
يتوقف صراخ أبي، ولا صوت يسمع لأمي ..
تنفك عقدة الخوف بيني وبين اخي ..
في الظلام ينظرداخل عيني بنظرة انكسار ..
" نورة .. آنا آثف "
" على شنو عبّود !؟
يطرق برأسه وينظر بين فخذيه، خرير طفولته شلالا من دموع صفراء خرجت دون ارادته ..
بقعة حادت على ملابسي ..
ارفع رأسه .. وأقبل عينيه وأضمه لنغرق في البقعة معا ..


(2)
في المستشفى وأمي ترقد على سرير ابيض ..
تقول لي خالتي أنني فتاة قوية ساعدت أمي كثيرا في محنتها!
اطرق برأسي وأحاول أن أسأل ..
لا تخرج الكلمات لإن الدموع أكلتها.
جاء جدّي، حملني في ذراعه القوية، تمنيت لو كان معنا، لوقف خلف الباب فلا يستطيع أبي أن يكسره .. لما استطاع ان يدخل!
أخذني الى البقالة القريبة من المستشفى، في السيارة سألني ..
" نورة .. جم مرّة شفتي بابا معصب جذي ؟؟"
جاوبت بسرعة ..
" وايد!"
" كم مرّة شفتيه يطق ماما ؟؟"
" ولا مرّة "
التفت جدّي ونظر في عيني، عيناه كبيرة وحمراء، وحاجباه اشعثان ..
" نورة .. انتِ وعدتيني ذاك اليوم أنج ما تجذبين!"
" صح"
" عيل ليش ما تقوليلي كم مرة شفتي بابا يطق ماما ؟"
" ولا مرّة بابا عود .. والله العظيم ولا مرّة"
أوقف السيارة، وغرس عينه في عيناي ..
" بس ماما في المستشفى !"
جاوبت بكل صراحة ..
" وآنا وعبّود كنّا في الكبت، امي تحطنا في الكبت .. ما شفته يطقها، بس سمعته وايد مرّات"
عيناي لازالت بعينا جدّي .. انظر اليه بصفاء الدنيا لإنني أعلم أنه لا يضربني ولا يضرب ماما ..
ولا أعلم لماذا .. تركني جدّي في السيارة لوحدي ..
وقف خلفها .. ووضع طرف غترت على عينيه .. وتقرفص بوسط الشارع ..
ينتحب ..


(3)
عند باب المدرسة انتظر بابا عود يأخذني !
الجو حار وعربة الآيس كريم لم تأتي بعد .. أقول لصديقتي أن بابا عود سيأتي، ويرسل عبّود ليناديني ومعه ربع دينار .. نشتري انا وهو آيس كريم ونجري نحو سيارته كل يوم ..
تسألني ..
" كل يوم؟؟"
و أرد بفخر ..
" كل يوم "
تزفر ..
" يا حظج .."
أطمأنها ..
" لا تخافين .. أقول له يعطينا ثلثمية فلس عشان تشترين معانا آيس كريم"
تتهلل أساريرها، وتشكرني .. تعصر عيناها في وجه الشمس خلفي، وتشير باصبعها الى شيء ورائي ..
التفت .. وأجري نحوه ..
" بابا "
يتلقفني من الأرض ويحملني عاليا، يديرني في الهواء فتتبخر حبات العرق من فروة رأسي وأشعر بالإنتعاش ..
يسألني ..
" تبين برّد؟"
تقفز صديقتي من مكانها .. أرى في عينيها شوق، أتردد .. ثم أجزم ..
" لا "
ينزلني على الأرض، ويمسك يدي ويمشي معي خلف سور المدرسة ..
" نورة حبيبتي .. بعطيج امانة توصلينها حق ماما .. اتفقنا ؟"
" انزين!"
" بس هذي الأمانة سحرية، لازم ما يشوفها أحد .. اذا شافوها .. تضيع من ايديج، تختفي"
أسأل بحماس ..
" صج؟"
" طبعا صج "
" اوكي"
يخرج من جيبه ظرف، طواه طويتين .. أغلقة بإحكام، اعطاني الظرف وأخبرني ان لا افتحه ولا اريه لأي مخلوق حتى لو كان بابا عود. سيختفي ان اخبرت أحدا بأمره. فقط ماما تستطيع قراءته .. تركني اذهب، اجري بعيدا عنه وقد دسست الظرف في جيبي ..
في السيارة لم افتح فمي لإنني كنت مشغولة بأكل الآيس كريم فنسيت الظرف ..
لمح أخي سيارة بابا فأشار نحوها، كان يريد ان يقول شيئا.. ولكنه الآخر كان مشغولا بالآيس كريم!


(4)
استيقضت على صوت جدّي يصرخ بوجه أمي ..
" انت مينونة .. بتضيعين نفسج وتضيعين عيالج!!"
هي تبكي وتتكلم بصوت خافت ..
لم اعد اسمع ماذا تقول لإنه أخذها الى الطابق السفلي، تثاءبت ورجعت مرّة أخرى اسمع حكايا مخدتي ..
المح عينا عبّود تلمع في الظلام .. اسأله
" عبّود .. انت قاعد؟"
" ايي"
"ليش ما تنام؟"
" حلمت حلم يخوع!!"
" شنو؟"
" ما ادري .. ما اتذكر"
صمت .. ثم قال ..
" تثبحين على خير"
" وانت من اهله ..!"


(5)
في العيد رجعنا لمنزلنا ..
كان نظيفا جميلا بأثاث جديد، اشترى لي والدي شراشف وردية بصور باربي، واشترى لعبّود شراشف سبايدر مان..
فرحتنا كبيرة لإن أمي كانت سعيدة ..
بحضنه طوال اليوم، يشاهدان التلفاز على نفس الأريكة الطويلة، تلتصق اجسادهم ببعضها وتتشابك ايديهم ..
يضمها بحنان ويقبل جبينها بين حين وآخر ..
بدت في غاية السعادة ..
شهرين وانتهى موضوع قبل الرأس وتشابك الأيدي ..
ثلاث شهور ..
وعدنا أنا وعبّود في خزانة ملابسنا !!


(6)
طرقات ثقيلة على الباب ..
شتائم تتطاير من جوف موبوء .. كلمات غاية في القذارة !!
اقفل باب الغرفة بالمفتاح، واضع السرير خلفه ..
أدخل في خزانة الملابس أنا وابنتي الصغيرة ..
أضمها الى صدري ..
وانتحب!

الأحد، 5 أبريل، 2009

تحت طيّات الطفولة ..

صباح الخير والضباب والجو الأوروبي !!
عندما تحركت سيارتي اليوم في الصباح، تحركت معها ذاكرتي ..
ربما هي رائحة الضباب الذي ملئ ارجاء المكان .. أخذني من يدي كما كانت ماما تفعل ..
وأعادني من على مقعدي الجلدي الى دفئ طفولتي ..
لا ادري لماذا اليوم وأنا بطريقي نحو العمل ..
تذكرت ثلاث قصص ..
مبعثرة .. وعشوائية ..
ولكني بقيت طوال الدرب .. مبتسمة :)
_________________________________________


تحت الطاولة
______

بلحظة طفولية صافية، واحدة من تلك اللحظات التي نتعلم فيها مبادئ انوثتنا.

كنّا أنا وهي نتشارك "كيتكو بو خواتم" على أحد "زحلاقيات" الحديقة ونتبادل اسرارنا، قالت لي سرهّا.
كنّا في الخامسة او السادسة آنذاك .. لا اذكر. ولكني اذكر جيدا أنني أخذت الموضوع على محمل الجد.
أكلت البطاطا المقرمشة من ابهامها وقالت: " ذاك اليوم .. لمّا كنّا آنا وسعود وحمد وبدر تحت الطاولة نلعب غميضة مع الباجي، قلت لهم .. تبون أوريكم خلفيتي؟" واكملت بعد أن اكلت الخاتم من سبابتها: " اضحكوا وآنا ضحكت، بس ما وريتهم شي .. كنت اقص عليهم"!
صعقت ساعتها ولم أخبر أحد عن فضيحة صديقتي خصوصا أمي التي ربطت ومنذ وقت مبكرّ من طفولتي كلمة "عيب" ممزوجة بخزّة ارجوانية من عينيها، مع أجزاء محددة من جسدي ربما كانت الخلفية اهمها.
مرّت على السالفة اكثر من اربع وعشرون سنة ونحن لازلنا ندعوها أنا وهي بلحظاتنا الأنثوية الناضجة التي نتذكر فيها اسرارنا الصغيرة ونتحسر على برائتها.

نتندر على الحادثة ونحللها، نعيدها الى ماضيها ونعلكها الى ان ترحل نكهتها فننساها وتعيدها الينا الذكريات بعد حين.
تساءلت مرّة "مفتشلة" .. سألت إن كان شباب عائلتها الذين شهدوا الحادثة لازالوا يتذكرون!
اخبرها من وراء قلبي أن ذاكرة الرجال اضعف من ذاكرة النساء. أطمئنها واكتم ابتسامتي تحت تصريحي الإرتجالي.
كلمتني هاتفيا مؤخرا في أحد الأعياد وهي تهمس ضحكا مكتوما سجنته عنوة بين فمها وسطح الهاتف:
" تخيلي آنا الحين في بيت جدتي، والثلاثة موجودين مع زوجاتهم .. تغدينا وقعدنا نلعب هَند على الأرض آنا ويّاهم، يمنا طاولة خشبية بيضاء تشبه طاولة الفضيحة. لمّا استوعبت الموقف خفت يتذكرون وانسحبت من اللعبة


ضحكت من كل قلبها ..

وأنا لم اكتم شيئا هذه المرّة.

تحت الشجرة

_______

اتذكر الليلة جيدا، الحوش الكبير في بيت جدتي، كان القمر وساما دائريا مضيئا يزين صدر السماء ..

أنا وهي مثلما دوما كنّا قريبتين من بعضنا.
كنّا في ذلك الزمان المحصور بين الطفولة والمراهقة، في تلك المرحلة الإنتقالية القاسية التي نتوه فيها عن انفسنا ونكره اجسامنا! اعترفت لي أنها تحب قريبنا الذي بمثل عمرها. كنت اكبر منهم بسنتين.
كم جميلة عاطفة تلك المرحلة بكل مقاييسها الساذجة وشروطها القسرية.

كل واحدة فينا يجب ان تحب نظيرها من مجموعة الأولاد. وإن حشرت اثنتان في دوّامة رجل واحد تنقلب الموازين وتختلف الأمور تماما مثلما يحدث في عالم الكبار.
في ذلك اليوم أخذت على عاتقي مهمّة فطرية في تجميع راسين بالحب، لم اكن أعي مفهوم الحلال آنذاك!
اتفقت معها أن تذهب تحت الشجرة الكبيرة في نهاية البراحة وتنتظر.
ذهبت اليه جالسا مع الصبية ..

اراقبه وأتحين فرصة نادرة الفت فيها انتباهه بدون اثارة اي شبهات.
كنت اعلم أنه لن ينصاع لتخاريف عاطفتها، في ذلك العمر كان الأولاد يكرهون البنات ويخجلون من أي تصريح خارج عن نطاق اللعب والقوة والبطولة.
اقتنصته، وقلت له أنها تنتظره تحت الشجرة. القى بوجهي سؤالا مشوبا بإستهزاء واحمرّت وجنتاه.

هززت كتفي وادعيت جهلا كاملا بأسباب الدعوة. هو كان مسبقا يعلم ..
سحب نفسه من دائرة اصحابه الذكور ليقف تحت الشجرة بدائرة من ضوء القمر معها، على الرغم من المسافة الكبيرة إلا أنني اكاد اسمع طرقات قلبها وحشرجة صوتها.

أراه ينظر للأرض وليس لعينيها. توقفا عن الحراك، ثم تحرك كلٌ منهما بإتجاه معاكس.
عرفت أنه القى بوجه اعترافها .. باقة من خيبة.

نضحك أنا وهي الآن على الذكريات عندما تزورنا كالفراشات الشفافة..
وفقا لقانون الحياة .. تحولت البطّة السوداء الى بجعة أخّاذة تماما كقصص الأطفال.
تمر هي الآن أمام الشجرة فتبتسم ..
ويمر هو أمام الشجرة .. فيتحسر!


تحت الماء
_______

أنا وهي وهو ..
تفصل بيننا في العمر شهور، في مرحلة متوسطة واحدة، حكايات المدرسة واحدة، الكتب والمناهج واحدة، الإهتمامات واحدة، الإضطرابات واحدة، المشاكل واحدة والحلول واحدة.
هو كان واحد .. ونحن كنّا اثنتين .. لا واحدة!
في عمرنا آنذاك رغم طهارتنا، عرفنا أنا وهي كيف تتقاتل انثيين على رجل.
حوارات ونقاشات مستمرة لتحديد من الأصلح له، هي تقول: "أنتِ قصيرة وآنا وهو نفس الطول"
وأنا ارد " انتِ بيضة وآنا وهو نفس اللون". ثم نبدأ في معركة من سيتزوجه:
- آنا
- لأ آنا
- آنا
- لأ آنا
- آنا
- لأ آنا .... ونستمر الى أن نتعب .. نمل او ننام.
في اليوم الواحد تمر علينا فترات صفاء لا نتشاجر عليه فيها، في حوض السباحة الكبير نجتمع كلنّا ونلعب شتى الألعاب المائية.
كانت اللعبة المفضلة هي من يبقى تحت الماء أطول. أتذكر جيدا، الحكم المحايد من اترابنا تعد: واحد اثنين .. ثلاثة .. ونغطس، أنا وهي في مواجهة ضمنية تحت الماء. تحتد المنافسة بيني وبينها في كل شيء!!
آخذ شهيقي، اكتم نَفَسي وانزل رأسي وأفكر فيه ..
استقدم صورته في رأسي ..
وأتذكر كل الأشياء الحلوة التي خصنّي بها عن غيري! الحلوى التي شاركني فيها، واللعبة التي اختارني فيها ضمن فريقه.
قلبي الصغير كان يعلم أنه خير أنيس حتى في لحظات الغرق..

المفارقة .. أنني كنت دائما أخرج من الماء قبل الجميع ..
وأخسر اللعبة !

الجمعة، 3 أبريل، 2009

يوم اختفت مبسم !!


لم تكن مبسم حاملا ولكن ..
فاحت رائحة الفضيحة بسرعة في ارجاء المكان. الكل بات يعرف ان سعد ابن سليم تسرّى بمبسم بنت خلدون!

لا اعرف كيف انتشر الخبر، وكيف عرف سر الشبق بين اثنان متحابان سرقاه خلسة من جيب الظلام، فذابا حبا وهياما الى ان روي النبع تحت قدميهما بماء البكارة؟ ولكن اعرف أن الجو كان معبقا بأشياء كثيرة من بينها الحرج والنميمة والغضب.
لم يكن والدي سويا في ذلك الوقت! فقد التحق منذ بضع شهور بمجموعة الراشد سلطان الذي جاءنا من "النجارين" القرية الملاصقة لقريتنا والتي تبعد عنّا مشيا يومان ونصف. كانت المجموعة غريبة الأطوار، لم يكن الدين غايتهم، بل كان التطرف بمفهومه المجرد واعتناقه الصرف بحجة تطهير الروح واعدادها ليوم العذاب العظيم.

كان أبي غريبا جدا اختلفت ملامحه، واهترأت ملابسه لإنه يأبى ان يغيرها أو يغتسل. كما تعددت الأشياء في يديه!
كان يدخل علينا عندما ينتصف الليل كل يوم وقد مسك في يده عصى يستدل بها على الطريق على الرغم من انه بصير يرى كل شيء أمامه بوضوح!

دخل علينا مرة وهو يربط نفسه بحبل طويل خشن، قد شدّه على خصره ورقبته حتى برزت عروقه واسودت اوصاله من شدة الإحتقان! كان أبي يعذب نفسه تحت راية الجماعة الجديدة التي كان من اهم معتقداتها ان الرجال لا يصنعهم إلا الشدائد، ولا يقويهم إلا العذاب، ولا يعلي ارواحهم إلا التقشف والألم!
كان أبي يأكل اللحم نيئا، ويشرب البيض نيئا، ولا ينظف شعره ولا ملابسه حتى ارفته أمي وانتقلت للنوم معي في غرفتي. كانت رائحته نتنة لا تطاق ..
ولكنه بدا سعيدا جدا وراضيا رغم كل شيء!
حتى تواصله معنا انتهى، لا يكلمنا ولا يمزح معنا أنا وسعد مثلما كان يفعل.

يحدق بوجوهنا من وقت الى آخر فتفقأ نظراته الغريبة آخر ما تبقى من طمأنينة فينا. عادة لا نعرف ماذا نقول وكيف نتصرف في حضرته. فنؤثر مغادرة المكان وتركه لوحده يمارس طقوسه الغريبة في التنقل بين ارجاء المنزل مغمض العينين صامت!
حاولت أمي محادثته مرّات عديدة ولكنه كان يحدجها بنظرات غاضبة، يدفعها عنه بعنف فتسقط على الأرض ويجري هو الى الخارج ولا يعود إلا عندما ينتصف الليل!

بدا الوضع غريبا مقرفا محيرا الى ابعد الحدود، ولكننا لم نكن لوحدنا!
أكثر من ربع المنازل في قريتنا أوت من أهل بيتها أخا او ابا او صهرا او زوجا قد تبع الراشد سلطان وانقبت موازينه رأسا على عقب. وكلمّا زاد تابعوه من رجال القرية كلمّا اضحى الوضع أكثر طبيعية وتقبلا في البيوتات المغلقة.
لم تتوقف نساء القرية عن مناقشة الموضوع بشدة في جلساتهن الاستثنائية التي كانت بمثابة المتنفس الوحيد في ظل غياب الرجال الى وجهتهم المجهولة طوال اليوم.
ولكن بعد فترة أفل الموضوع واصبح واحدا من المسلمات التي جُبلت النساء على تقبلها والتعايش معها ..

سعد – أخي الذي يصغرني بسنتين – كان مختلفا ..
هو وسنينه الخمس عشرة بدت أكبر وانضج من سنين هؤلاء الرجال الذين تخطوا الخمسين والستين احيانا. كان سعد شاعرا ومثقفا. كثيرا ما غاب لوحدة لأيام وأتى من قرية النجارين أو المهبورة أو القاسمية بكتب ومراجع يقرأ فيها الى ان ينهيها. لم نتعلم أنا وأمي القراءة حيث كان التعليم مقتصرا على الرجال - الجيل الجديد منهم على وجه الخصوص- لهذا كان يحرص أيضا على شراء كتب تشبهنا أنا وأمي وقصص ألف ليلة وليلة يقرءها لنا فيسلينا ويبعد الهلع عنّا!
كان يقول أن الراشد سلطان وباء مثل السل والطاعون، سيمتص قوة القرية الكائنة في رجالها الذين باتوا يتناثرون كالذباب حوله، يهشهم وينشهم ويأمرهم بخسّة اين يذهبون وكيف يفعلون. كان يعتقد سعد أن الراشد سلطان أتى من أحد القرى المجاورة - يرجح أنها المهبورة - بأمر من أحد رؤسائها ليدس سمّه في قدورنا، ويجير رؤوسنا، وينخر أساسات القوة في عروقنا، فيضعفنا ويجردنا من عقلائنا ورجالاتنا، ليأتون هم بجيشهم الجرار من آلاف الرجال الأشداء ويحتلون قريتنا بلا تعب ولا مقاومة تذكر.
سمعه بعض رجالات قريتنا الذين لم يتبعوا المعتوه سلطان الذي كان يكني نفسه "الراشد سلطان" فذهبوا الى القرى المجاورة ليسألوا اهلها عنه. في النجارين وحدها وجدوا بعض الأخبار المبتورة:
قالوا أنه جاء الى قريتهم قبل عقد من الزمن. كان شابا يافعا غريب الاطوار قال لهم انه أتى من الشمال! نام في صحرائهم، واكل من بلحهم وشرب من ماء ترعتهم .. الى ان صحى يوما يدعو الناس الى تطهير انفسهم من غضب الرب الذي لا محال آت ليقتص عقابه من بطن كل آثم. فإمتنع هو اولا عن الاغتسال والأكل والشرب إلا فيما ندر. قلّ كلامه وزادت آلامه التي كان يسببها لنفسه. فيحرق جلده بنفسه، ويرش الملح على جراحه، يطعن رجليه ويكسر عظامه، وينتف شعر لحيته ..
حتى انه بات يسمع أنينه كل يوم عندما يأخذه التعب الى حضن الإعياء فيخر نائما صريعا فاقد الوعي تحت نخلة أسموها الناس في النجارين نخلة السلطان!
في ظلام الليل عندما يمر المسافرين بجانب النخلة كانوا يقسمون ان النخلة كانت تأن وتنوح! لم يكن الظلام يمكنهم من رؤية سلطان مغمى عليه تحت رجليها، فاعتقدوا أن داخل النخلة يسكنها جني ملبوس بالألم !!
طردت نجارين الراشد سلطان بعدما اخاف الأطفال بمظهره المقزز، وأرعب النساء بنظراته الحارقة الحاقدة في آن والراغبة المحرومة في آن آخر. وعندما تبعه بعض الرجال من القرية، قرر أميرهم ان يطرده هو وتابعوه جميعهم الى غير رجعة.

جاء الراشد سلطان الى قريتنا "السيمانا" محاطا بأكثر من تسعة عشر رجلا، شعورهم منكوشة، وعوراتهم مكشوفة. يأز الدم من جروحهم وترتجف أجسادهم النحيلة الضئيلة من التعب والجوع والإعياء. قبلتهم ملكتنا "السي رحمانا" التي سميت قريتنا "السيمانا" بإسمها حيث تعني كلمة "السي" بلغتنا الملكة او الأميرة و"مانا" جاء اختصارا لإسمها "رحمانا" بعدما تحوّل مع مرور الأيام وسرعة النطق الى "مانا". وعندما رفضوا ان يداويهم ويغسلهم خدمها تركتهم لوحدهم يلوثون في شوارعنا وينشرون سمهّم وروائحهم الكريهة في أرجاء القرية.
شيئا فشيئا .. كبرت دائرة العشرين رجلا الى ضعفها، تغذت الجماعة من لحوم رجالنا فأصبحوا قوة لا يستهان بها.

لم يكن العنف ضد الآخرين منهجهم، ربما لإنهم خائري القوى ضائعي العقل في اغلب الأحيان.
ولكنهم حتما كانوا عنيفين جدا على والى انفسهم!

انتشر الخبر أكثر ممّا يجب!

أنا رأيت سعد في حضن مبسم ابنة العم خلدون الذي كان يعاقر الشراب بلا هوادة. والدها من أشهر سكارى البلاد وأكثرهم تهريجا وطرافة .. كانت مبسم تكره والدها ولا تحترمه. وكنت دائما أقول لها انه ألف مرّة أفضل من والدي الذي اسكره الألم وعشعشت آلاف الحشرات في شعره وجلده.
أحب سعد مبسم كثيرا، وكان يقرأ لها قبل ان يقرأ لنا انا وأمي على سطح منزلنا تارة وعلى سطح منزلها تارة أخرى. كنت احب مشاهدتهم يذوبون في عيني بعضهما. تدوم قبلتهم شهرا كاملا كلمّا أخذهم الوقت نزلا كل الى حجرته. وعندما يلتقيان من جديد يكملان حديث القلوب من حيث انتهى.
قبل ثلاث أيام دار في القرية نبأ "دم مبسم" الذي أخذه سعد ابن سليم!
الكل كان يتحدث عن الفضيحة ولا أحد يعلم كيف عرف السر وفاحت رائحة الخبر!
قامت الدنيا ولم تقعد .. خاف سعد على مبسم فذهب ليخبر والدها أنه يريدها زوجة له. كان والدها بمنتهى التفهم والروية!

احيانا يدهشني هذا السكيّر أكثر من غيره.

لم نر والدي لثلاث شهور كان غائبا على غير عادته ..
ولكنه عندما بان من بعيد يجر قطيع اصحابه معه وقف في الوسط، تماما بين بيتنا وبيت خلدون جارنا اللصيق وأخذ يصرخ بملئ حنجرته ..
"التطهير .. التطهير"
أكثر من اربعين رجلا من جماعته يصرخون خلفه ..
" التطهير .. التطهير"
خرج لهم سعد في وسط الباحة أمام الناس اجمع، يسأل والدي ماذا يريد؟ كيف له أن يأتي يخبرنا ماذا نفعل وكيف نصلح أخطائنا وهو لم يكلمنا ولم يعبه لأمرنا لأكثر من سنة؟؟
قال والدي بصوت بدا غريب علينا مخاطبا سعد والعم خلدون ..
" الخطأ الأكبر والفضيحة والعار متجسدين فيه وفيها .. التطهير وإلا غضب السماء يكوي القرية بمن فيها"
قال خلدون وقد لف السكر لسانه:
" الخطأ الأكبر يتصلح، والفضيحة تطمس بإعلان القران، والعار يلجم بالزواج!"
قال والدي صارخا بوجه خلدون:
" من يتزوج بنت العار يا خلدون؟"
قال سعد بلا تردد:
" انا"
التفت والدي نحو سعد، اقترب منه بطيئا وهو يتكأ على عكازة لا تكاد تحمل ثقله:
" ولكنك لن تكون هنا"

في لحظتها التف الأربعون رجلا حول سعد، واخذوه معهم ..
كان من بينهم الراشد سلطان، يحملق بالجموع، ويأمر الرجال المعتوهين بنظرة عين لا أكثر ..
أخذوا سعد الى باحة السوق، جردوه ملابسه، وانهالوا عليه بعشرات العصي، ضربوه حتى لم يسمع له صوتا ولم يرى في جسمه حركة ..
تركوه عاريا هناك وتوجهوا الى منزل خلدون ليأخذو مبسم الى مصيرها المحتوم ..
كنت ووالدتي نختبئ خلف السور الذي يفصل البيوت عن السوق، وما ان تركوه حتى تجردنا من طبقات ملابسنا وركضنا نحوه، لفته والدتي بشالها ومسحت عنه الدم بقميصها، غسلته بدموعها، وحملته بأنين قلبها على كتفها الى البيت. كانت أمي تجري ولم استطع اللحاق بها!

مكوما أخي على ظهرها لا يتحرك ولا يأن! حسبته ميتا، فأخذت طوال الطريق في نشيج مكتوم.

عند بين خلدون تجمهرت زمرة الوباء طلبا للضحية الجديدة ..
دفعوه بعيدا عن باب بيته فخر على الأرض بعد ان ترنح وسقط، هاجموا البيت ودخلوا على الحريم بالغرف ..
مبسم لم تكن موجودة ..
اختفت ولم يعد لها أثر ..
سألوا خلدون اين الفتاة؟
فتفل بوجوههم الكالحة، ضربوه هو الآخر وأخذوا يعيثون بالقرية بحثا عنها ..
كان الراشد سلطان يشير نحو الأزقة فيغتصبوها كالكلاب الضالة شبرا شبرا..

يبحثون في المنازل بعد تهديد اصحابها بمصير سعد وخلدون.
يشير الراشد سلطان الى المحال والشوارع الضيقة فيقلبوها رأسا على عقب الى ان انتصف النهار وحملقت الشمس شزرا في رؤوسهم العارية فلم يستطيعوا الاستمرار باجتياح الأماكن وانتهاك الحرمات.

اختفوا بعيدا الى حيزهم النتن. أطلال بيت هجر من سنين في أطراف القرية، اتخذوه مأوى ومقرا للشيطان سلطان – كما كانت تسميه أمي - يأكل ما تبقى من عقولهم وينهش لحما عفنا من هُزالة أجسادهم.

لا أحد يعرف اين ذهبت مبسم!
عندما أسأل والدها يخبرني أنها بخير تعيش حياة آمنة في قرية مجاورة مع بعض الأقارب. أسّر لي يوما انها عملت في محل حياكة، ثم همس بأذني يوما آخر انها تزوجت ..
سعد الآخر تشافى من جراحه، ولكنه لازال يمشي أعوجا تنطوي الأرض تحت قدميه فلا يستطيع التوازن.

أصبح أخي الصغير أعرج الرجل وأعرج القلب ..
بحث عن عنها في كل مكان، أرسل في أثرها لإنه لم يكن يقوى على السفر .. رسله كانوا يرجعون اليه محملين بالخيبة ..
علمت "السيمانا" بحادثة الصبي الذي ضرب بالسوق بلا محاكمة، لا نعرف من قال لها أنه كان على استعداد للزواج من الحبيبة ولكنه أخذ بجريرة الإثم بلا هوادة .. فطارت كرامته ممرغة في تراب السوق تماما مثلما طارت حمامته الى سماء أخرى.

قابلته "السيمانا" ووعدته أنها ستبحث عن مبسم وتعيدها لقلبه، لتداوي جراحه وتسنده بدفئها عندما يمشي متأرجحا على الأرض المنبسطة.
لم اخبره ما عرفت من العم خلدون بخصوص خبر زواجها .. أنا أؤمن بقوة الأمل الخارقة التي تدفعنا دون ان نعلم الى التطلع قدما لما سوف يأتي.

داهم رجال "السيمانا" وكر الراشد سلطان وجماعته، أصبحت أطلالهم سجنا لهم، سوروه وسيجوه حولهم كل في زنزانة منفصلة. والراشد سلطان نفسه جُلد امام الجميع وأعيد الى سجنه ليقضي ما تبقى من جسده نحبه مؤجلا.
أبي كان ايضا هناك .. عاد الى رشده بعد ان أكلته سنين السجن بمرارتها، كان سعد يزوره من حين الى آخر ويعطيه ما ارسلت والدتي له من حاجيات. لم تكن ترغب برؤيته، أخرجته تماما من حسابات حضنها.

عمل أخي مساعدا في حديقة قصر الملكة، عطفت عليه واسبغته برضاها ..
كان لا يزال يتذكر مبسم كلما حل الربيع مرتديا حلّة جديدة من زهور ملونه ..
كان الخضار وتيجان الأشجار تذكره بها .. كانت تحب الزهور، وترتدي رائحة الطبيعة ولا تخجل من بقع الطين على فستانها الأخضر عندما تزرع حديقة منزلهم الصغيرة.
لم يعرف سعد ابدا اين ذهبت مبسم .. وماذا حل بها ..
ولكنه كل عيد من كل سنة، يتلقى كتابا يحمل بين طياته قصة عن حب ما، أمل وعرفان ..
يصله الكتاب من مرسل مجهول ..
آتٍ من مكان بعيد ..

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت