كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الثلاثاء، 25 مايو 2010

بندانـــــــة ..



في بواكير مراهقتنا، تماما عند الباب الضيق الذي ندخل فيه الى عالم الأنوثة المطلقة، اخترعنا أنا وأختي لعبة غبية لعبت دورا هاما في كل مقتضيات نبضات قلوبنا. كل اسبوع " وترك" تحب واحدة منّا فتى جديدا، كانت أمي في غاية الإنفتاح وأبي في غاية الإهمال! عرفنا لاحقا أنها توليفة مميتة خصوصا عندما تتجرعها فتيات في مثل أعمارنا.

والدتي كانت من هؤلاء الذين يؤمنون بالرومانسية الى حد اليأس، تزوجت صغيرة جدا قبل أن تفتح عيناها على اختيارات متعددة لطريقة أو أكثر تجد من خلالها فتى الأحلام. كان أبي وقتها قد طرق الباب وتمت الزيجة بلا مقدمات، وجدت نفسها عروس جميلة وزوجة غارقة بالتعب!

ربما لهذا السبب قررت أن لا تضعنا في ذات خانة المتزوجات من غير مقدمات. فتحت لنا والدتنا اعيننا العسلية مبكرا جدا، أخبرتنا ان الحب هو اعظم شيء في الدنيا، وأنها تريدنا أنا و" بهجة" أن نعرف الرجل، ندرسه، نتمرغ في تواجده الذكوري المطلق قبل أن نفكر يوما في الزواج. قالت لنا: إن كان "هو" سيعطيكم الله إشارة!
ناكفتها حينها: لمَ لم يعطيك الله إشارة عندما تزوجتِ والدي؟
ابتسمت بسخرية معهودة مصاحبة دائما لسيرة زواجها من والدي: لإنني كنت " قطة مغمضة " لم ارَ الإشارة !!





والدي سارح في عالمه الخاص وحياته الأخرى، عندما يكون هناك ينسى أننا متواجدون في حياته. كان يريد ولدا ولم يأتِ، فغمر نفسه بحياة المراهقين في نهاية الأربعينيات من عمره، يقود دراجة نارية "هارلي" يرتدي بنطلونات الجلد الأسود وجاكيتات العصابات الرائجة! بندانة والدي التي يضعها على رأسه لازالت معلقة على علاقة الملابس في غرفة النوم. تندرت يوما عليها والدتي:

" هكذا هي حياتي .. بدلا من أن تتدلّى على علاقة ملابسنا غترة منشاة .. تتدلى بندانة حمراء"

قالت بها "بهجة " وقتها: ربما لهذا الله لم يعطك ولدا .. لإنه يعلم ان زوجك سيتحول الى مراهق أبدي"
ضحكت والدتي وقرصت خدّها .. كانت تحبنا عندما نتحاذق ..



تلك الإشارة التي أخبرتنا عنها أمنا كانت شغلنا الشاغل، أبناء الجيران كانوا أول اختلاط عن قرب بيننا وبين صبية ليسوا من عائلتنا. تعيدنا مرحلة الطفولة التي أحببنا فيها أبناء أقاربنا، ابن خالتي وابن عمي كانوا أول من طبقنا عليهم اللعبة التي اخترعناها جريا وراء إشارة الحب التي حدثتنا عنها والدتي.


وقتها كنت قد وقعت في حب ابن عمتي "سلمان" كانت عيناه كبيرتان لامعتان كأنه يبكي، ربما أحببته لإن عينيه أعطت انطباعا أوليا بضعف ذكوري محبب. صرحت لبهجة عن حبّي فسألتني بغباء طفولي إن كنت قد وجدت الإشارة، فكرت حينها ولكني لم أجد في جيب الظروف شيئا! ترى ماذا ستكون؟ قوس قزح يسطع في السماء عندما تلتقي عيوننا؟ هل سيهرشني أنفي؟ موسيقى في رأسي؟ لاحظت بهجة تشابه الحرف الأول من إسمينا، ظهرت في رأسها "لمبة"، قالت لي:
- لا اعتقد ان علاقتكم ستنجح، الحرف الأول من اسميكم واحد .. موجب وموجب يساوي سالب، لن يحبك الى الأبد!


نحن رضعنا فكرة أن يستمر الحب الى الأبد مع حليب والدتي الحلو على الرغم من المرارة التي تسكن صدرها، كانن غايتها أن يكون حظنا في الحب أوفر من حظها، وكانت غايتنا أن نثبت لها أننا حفضنا الدرس عن ظهر غيب وأحسنا الإختيار. الإشارة التي حدثتنا عنها كانت الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المنشودة.

شغفنا بالفكرة، الحرف الأول من اسم الفتاة + الحرف الأول من اسم الفتى = التفسير الأول الذي يطرأ على رؤوسنا. تكشف لنا الكلمات المصدرية المكونة من حرفين سر مستقبل العلاقة، إن كانت سنتجح ام سيكتب لها الإختناق. كبرنا وكبرت معنا لعبتنا، تطورت الى استنتاجات جدية وتفسيرات غاية في الأهمية. انتشرت اللعبة واشتهرت في مدرستنا، اصبحنا الأختين السحريتين اللاتي يستطعن التنبؤ بمصير علاقات الحب المبدئية. نستطيع أن نقول لكل زميلة إن كانت ستستمر، ستثمر أم انها في منزلق الى بأر القلوب الكسيرة.

شيماء ورائد – اسم الفتاة يجب ان يكون اولا ( الكلمة) التفسير ثم يقلب، اسم الولد ( الكلمة) التفسير ثم التوليفة.
تسر شيماء في أذن بهجة اسم حبيبها، تفكر بهجة قليلا ثم تقول لها أمام الفتيات المجتمعات حولنا يتطلعن بأعين قلقة، تحدق بهجة في شيماء وتخبرها:
- ( شر ) والعياذ بالله ( رش) همممم
تفكر بهجة ..
- اسمعيني شيماء .. ستستمر العلاقة فقط في حالة واحدة، إن جاء لخطبتك عليك "رش" ماء مقري في وجهه ما إن يخطو خطوته الأولى داخل بيتكم. الـ (الرش) سيبطل مفعول الـ ( الشر) المقدر لعلاقتكما الزوجية. إن رششت الماء ستعيشين في غاية السعادة الى الأبد.
تدمع عيني شيماء من سعادتها الغامرة، وتجري في ساحة المدرسة كأنها فراشة للتو فرّت من شبكة صيّاد قميئ.

تسر فتاة أخرى في أذن بهجة:
أعرف وجه أختي .. احفظه عن ظهر غيب، هي الأخرى رومانسية يائسة لا تحب أن تكسر قلب أحد، ولكنها أيضا فتاة جميلة في مقتبل العمر، تحب وتكره. عندما تتقدم فتاة لا تحبها بهجة تلقائيا الفكرة الاولى التي تزور رأسها عند سماء الأسماء تكون سلبية:
تفكر قليلا عندما تسمع الاسمين:
- ( مخ ) – ( خم ) لا اعتقد ان العلاقة ستنجح ابدا، انتِ تفكرين بعقلك كثيرا، وهو لا يفكر أبدا لإن ليس لديه مخ اصلا. اتركيه ستجدين شخصا آخر افضل منه!


على الرغم من أننا كنّا نأخذ اللعبة بجدية متناهية، إلا اننا صدمنا فعلا من حقيقة أن بعض الفتيات قد تركن أحبائهن استنادا على نتائج تفسيرات بهجة. ربما لعبت الصدفة مرة او مرتين مفارقات طريفة أكدّت نبوءات بهجة، ولكن اللعبة بدأت تأخذ منحى آخر عندما بدأت بعض الفتيات يقدمن لبهجة لهدايا، وآخرين قد عرضوا عليها مبالغ طفيفة من النقود عندما كانت ترفض – تمنعا عبقريا – من أن تقدم لهم تفسيرا متقنا.

اسمعها على أحد طاولات الكافتيريا المدرسية تقول:
- ( صل ) – ( لص ) هممم هذه صعبة، انتما متناقضين كثيرا، لا اعرف اي منكم الصالح الذي يمثل الصلاة، ولا اعلم من هو الشرير الذي يمثل اللص واللصوصية. ولكني انصحك بالإبتعاد، لإنكم – انتِ وهو – غير متكافئين روحيا!


اعجب بتفسيرات أختي المنطقية يوما بعد يوم، استبشر من تلقائيتها وسرعة بديتها في اقناع الآخرين بما لا يقتنع به عاقل، وأسعد من الشهرة الواسعة والسيطرة الخارقة التي باتت تمتلكها في كل ارجار مدرستنا ومدارس المنطقة المحيطة بنا. اصبحت الإستشارة الواحدة من بهجة أشبه بفرصة عمر نادرة الوجود لمعرفة مصير الحب الذي تغلغل بالقلوب.

أما أنا فكانت بهجة ترعاني بقلبها وبإستشاراتها ايضا، لإنها الوحيدة – ربما- التي كانت تعلم بلا لا يدعو للشك أن ما تقوله خرافات صرفه، كانت تدعمني في حبّي عندما تراني في غاية السعادة مع فتى ما، تفسيراتها لحرفي اسمينا ايجابية ومحببة. وكانت تصفعني بتفسير عبقري عندما كانت تشعر بحزني او عدم سعادتي مع فتى آخر. كانت بهجة دائما بقربي.

الى أن جاء اليوم، الذي نبض قلبها الباهج لشاب عرفته في دورة لتعليم الرسم بالألوان الزيتية، كان اسمه "حامد"، لأول مرة ارى أختي تطير على غيمة شفافة كلما تذكرته، كانت تتحدث معي في كل شيء، ولكنها عندما تبدأ في الحديث عنه تلقائيا يخفت صوتها ويصبح ناعما ورقيقا كصوت الأطفال. كانت بهجة تلقائيا تحبه.

تعارفا أكثر، وأخذ الوقت دوره في توطيد العلاقة وبناء جسر مرصوف بالورود بينه وبينها، أمي باركت المبادرة لإنها ببساطة كانت ترى فراشات ملونة تسبح في عيني بهجة. تقدم لخطبتها وطارت من الفرح. الى أن رأته يوما يقف بدرجاته الهوائية يتظرها. كان " حامد" يرتدي بنطالا جلديا وجاكيت أسود، كان يضع على رأسه بندانة ونظارات شمية سوداء. امتقعت بهجة وعادت للبيت على الأرض هذه المرة بعدنا ترجلت عن سحابتها.

بكت بحضني وقتها، قالت لي أنها لم تفسر اسميهما صوابا ( حب ) – ( بح ) :
- اسمينا مكتوب عليهما الفراق، سيكون الحب في البداية ولكنه سيختفي .. حبنا سيكون ( بح ) الى الأبد.


تركته بهجة عندما استعادت شيئا من قواها الخارقة وبصيرتها السحرية، تركته لإنه لا يمكن أن يرتدي لباس المهمل، ان يقود دراجة الخائن، وأن يضع بندانة الكاذب ولا يكون مهمل وخائن وكذّاب! حاول حامد ان يسترجعها، أن يردها الى قلبه، أن يضعها من جديد على غيمته ويطير بها الى السماء، ولكنها اقفلت أبواب الجنة بمفتاح الخيبة التي اعطاه لها والدي، وقفل الإشارة التي تركتها تحت مخدتنا والدتي دون ان تعلم. لم تعد بهجة سعيدة، كانت بمنتهى السواد، كانت تحبه ولكنها لم تكن مستعدة للزواج بعد الإشارة القاهرة.

أخبرت أمي عن السر عندما استعطفتني أن اتكلم، أخبرتها فثارت بغضبة جديدة علينا وعلى أمي، تلك المرأة التي لم تلوعها خيانات والدي المتكررة، لم تستثرها غياباته الغير مبررة، ولم تؤلمها الى هذا الحد كل السكاكين التي غرسها على مر الأيام بظهرها. ثارت أمي لإنها كانت سببا في خلق إعاقة ذهنية لكلتينا، نحن فهمنا الحب منها بفكرة واحدة سطحية وغبية، واختزلناه بإشارة. خلقنا لأنفسنا عقدة الرجل ذو الملابس الجلدية السوداء الذي آلم أمنا ولم يكن يوما والدنا، بررنا كرهنا له بدرجاته الهوائية وبندانته الحمراء المزركشة .. منذ متى كانت القشور حكما نهائيا على الأعماق؟

أخذت أمي بهجة الى بيت حامد، سألته ان لا يكون موجود في بيته واستأذنت والدته بأن تفتح لهما غرفته. لم تزر والدتي يوما مكان حامد ولكنها كانت متيقنة أنها ستجد دلائل دامغة تناقض إشارة بهجة. في حيز حامد دفء رائق، على مكتبته كتب في الحب والطبخ والهندسة والطيران. على فراشة مخدة نظيفة، وفوق منضدته صورة لبهجة.

تحدثتا طويلا أمي وبهجة .. أخذت الأخيرة وقتها لتعاود حساب الإشارة .. تزوجت بعد شهور ..

قالت لي في ليلة عرسها .. أنها وجدت على علاقة ملابسه، غترة منشّاه، كاب بيسبول، خوذة المهندسين .. ولا أثر لبندانة!

الأحد، 23 مايو 2010

ورنيــــــــش ..


تتهادى على الطريق المخضبة برائحة رجالية شهيّة، مفتونة بخيط غير مرئي لحاسّة مخضرمة غامض مصدرها! ربما كانت رائحة الرجل الذي مشى على ذات المربعات التي تمشي عليها الآن. تتساءل وهي على نفس الطريق، عن حكمة تحريم العطر على المرأة وتحليله للرجل، من قال أن أنوفنا لا تشم ولا ننتهي الى استنتاجات شبقة تلتهم أنصاف عقولنا المكتنزة؟ تنفض رأسها وتفتح منخاريها وترتشف العطر العالق في السماء.



تتمادى على الوقت، ذلك الحد الفاصل بين أشياء لا نلمسها ولكننا نعرفها عن ظهر غيب، خطواتها يجب أن تكون اسرع، ورأسها يجب أن يكون مستقيما الى الأمام! ولكنها لم تكن يوما من هؤلاء الذين يعيرون اهتماما استثنائيا للوقت، لم يمهلها الوقت، لم يعطيها حقها في الشهرين الأخيرين من دورة استكمال النضوج الآدمي، ولدت بنت سبعة، فقضت وقتها الإضافي المسروق في صندوق دافئ في غرفة مستشفى باردة!





تتعدّى البوابة الرئيسية التي تفصل بين المكانين، الداخل والخارج نطاقين لهما دلالات فطرية. نحن لا ننتظر أن نتواجد في مكان إلا اذا دخلنا حيزه، فتحنا درفة الباب وتقدمنا على الخط اللامرئي خطوة. كانت منذ البداية - تلك الخطوة الأولى - الأصعب في حياتها. كل الخطوات الأولى عادة تدعوا للاحتفال. "نون" مثلا او كعكة خبزتها لها والدتها عندما عادت للمنزل من اليوم الأول للمدرسة، كان اليوم عصيبا والفراق صعب ولكن كيكة البرتقال أنستها غربة اليوم الأول، صفحت الصفحة وذهبت للمدرسة في اليوم التالي وهي تتوقع أن تكون في انتظارها كيكة أخرى او كيس حلوى وسكاكر!




تتردد في تجلس على الكرسي الجلدي الوثير، الغرفة هادئة والألوان التي صبغ بها الحائط تكاد تعطي انطباعا بديهيا بالأمان. الأضواء خافتة وهناك موسيقى تتسرب باستحياء من سماعات مغروسة في كبد السقف. بدى المكان أشبه بدعوة مفتوحة للبكاء، دعوة بأن تترك حارساها الوهميين خارج الباب، أحسّت أنها مستعدّة للدخول هذه المرّة لوحدها.
تضع حقيبتها على الطاولة المستديرة، لونها ليلكي فاتح وضعوا عليها مزهرية زجاجية نحيلة جدا انتصبت داخلها وردة صفراء وحيدة، بدت الوردة متألقة وجميلة ولكنها عندما أمعنت النظر فيها أكثر، عرفت أنها حزينة. يُفتح الباب فتجلس على الكرسي الجلدي، تضع ساقا فوق اختها، تأخذ نفسا عميقا ولا تطلقه.


- مرحبا .. كالعادة متأخرة! تعلمين أنك تضيعين الكثير من الوقت.


لا تجيب، تومئ بتعبير غير مبالِ وتلتفت نحو النافذة، هناك في صدرها الزجاجي البعيد تجد عادة مهربا منطقيا، مرتعا لمخاوفها. هو يريدها أن تتكلم وهي لا تريد، قررت منذ الزيارة الأولى أنه لن يضعها يوما في زاوية، تكره الزوايا وتحب الطرق الطويلة. تحدث لها عن يومه، عن الأشياء القديمة التي وجدها في خزانة والدته، قال لها ان تلك الكراكيب المبعثرة باتت تكشف عن جانب آخر من أمه لم يعرفه يوما. كانت والدته تحب الزخرفة. لم يعلم يوما أنها كانت ترسم على الزجاج. وجد في خزانتها قطع من زجاج قد رسمت عليها بأقلام الكحل ثم طلتها بورنيش، فبقى الرسم محفوظا!



في رأسها قالت: منذ متى كان لديكم الوقت لتتعرفوا على الجوانب الأخرى من حياة النساء حولكم؟ عادة ما يضع الرجال للمرأة دور في الحياة، صيغة واحدة، ويرتعبون من فكرة أن يكون لها دور آخر او صيغة الأعماق.
قطع حبل أفكارها: لم أكن أعلم أن لأمي اهتمامات فنية، كنت أحسبها امرأة مشغولة جدا في أمور أكثر أهمية.
صمتت، فغيّر نبرة صوته وأبدى ثناءا مصطنعا على فستانها، قال أنه يحب الألوان الصيفية. رددت برأسها أن البنفسجي لم يكن أبدا لونا صيفيا!



هذه السنة الثالثة على التوالي التي تواصل فيها زيارات منتظمة لهذه العيادة، مع ذات الدكتور الذي تزوره من سنين. وجدها يوما وأقنعها أنها بحاجة لعلاج نفسي مكثف إثر تعرضها لحادث ما. هي لا تعلم ولا تتذكر، ولكنها رأت في عيني الدكتور الشاب شيئا أراحها. على الرغم من انها يوما لم تثق بالرجال، إلا أنها وجدت نفسها بعد فترة تتوجه لعيادته، ربما لإنه الوحيد من بين العديد من الرجال الذين عرفتهم لم يملي عليها ما يجب ان تفعل. هو فقط دخل غرفة المشفى الذي كان يرعاها، سلّم عليها ووضع في يدها ورقة تعريفية بإسمه ومجاله في علم النفس الإكلينيكي، وقال لها أنه – من كل قلبه – يريد أن يساعدها. تجاهلته شهورا طويلة، ولكنها كانت في لحظات وحدتها تتذكر عينيه عندما جاء لرؤيتها، كان فيهما بريقا مختلفا دفعها دون أن تشعر لأن تقرر يوما أن تزور عيادته.
يسألها:


- هل انتهيت من قراءة الكتاب الذي أعرته لك؟



أجابت بالإيجاب، قالت له أنها قرأت القصة من قبل ولكنها لا تعلم متى! تناقشا حول الرواية، كان اسمها " وسمية تخرج من البحر" وأخبرها أن "سعاد عبدالله" نفذت الرواية فيلما تلفزيونيا شيقا. وعدها أن يجلب لها نسخة مسجلة من الفيلم وابتسمت.



نظر الى ساعته، فنظرت الى ساعتها. كانت تعرف أن الوقت معه قد انتهى، تحب عندما ينتهي الوقت ولكنها في كل نهاية زيارة تشعر بوخز طفيف في قلبها. لا تحب الدكتور، لا تريد ان تراه ولكنها دوما تعود. وقفت وسحبت حقيبتها من على الطاولة الصغيرة. ولكنها قبل أن تغادر أخرج من علبة صغيرة قطع زجاجية ملونة بأقلام كحل، مطلية بالورنيش.
أعطاها واحدة، سألها إن كانت تعجبها؟ هزت رأسها بالنفي وألقت القطعة الزجاجية في العلبة وخرجت ..



ودعها، واتصل بالسكرتيرة التي تجلس في المكتب الخارجي:
- لو سمحتي ضعي موعدا جديدا يوم الأربعاء القادم لأمّي.

الجمعة، 7 مايو 2010

احتباس لغوي ..






بعينين مفتوحتين وضحكة متأهبة اسمعه يقول: " علامة استفهام صارت تعجب، ليش؟" لوحده يكمل : " راحت الصالون قالت لهم تبي " بف " سوولها "فير"! يضحك فأعرف ان النكتة انتهت وهو الوقت المناسب لأطلق سراح ضحكتي.
" حرف العين مبلل، ليش؟ حاطين له قطرة! "
" كل إللي يوقفون ورا " على" اركبهم مزلقة، ليش؟ مجرورين"!
" حرف القاف منخش في كلينيكس، ليش؟ حطّو قبله نون !




كان أبي واحد من هؤلاء الذين اذا وقعوا في حب اي شيء، اتخذوه شأنهم، شغلهم الشاغل. اكلوه في وجباتهم اليومية، وضعوه في باقة زهورهم وصاغوا حوله نكاتهم. كان ابي معلم لغة عربية، وأنا كنت في الرابعة عندما كان يدخل المنزل بعد يوم شاق، ليجلس معي على طاولة الطعام ويخبرني آخر نكته! لم اكن افهم كلمة، ولم استوعب حينها المعنى ولا اين تكمن المفارقة المضحكة. ولكني من نغمة النكتة، بعد الكلمة الاحتفالية التي تأتي بعد ليش، كنت اعلم انني يجب ان اضحك.




كبرت، لأقتنع ان لسان ابي مختلف عن الآخرين، قالت لي زميلتي يوما ا ن ابي يتكلم كمسلسلات الكارتون. كانت قد سمعته عند باب المدرسة قبل ان يتركني ليومي الدراسي، يخبرني " أُحبكِ" بكل الحركات، الضمات والكسرات وحرف الكاف بدلا من الحرف الذي كان يستخدم بالمنطوق العامّي.
يبدأ ابي يوما حديثه مع صديق على الهاتف بينما انا اسمع:
اعتباطا .. توجهت للجمعية قبل المسجد ففاتني صلاة الجمعة ! يقول ابي جملته بصيغة عاميّة بحتة، لكن اختيار الكلمات هو الذي يجعل اذن المستمع بحيرة احيانا، استغراب او انبهار احيانا اخرى! ربما كان ابي الوحيد في هذه الدنيا الذي يستخدم كلمة " اعتباطا" بجدية متناهية.

سألني يوما بينما كنت اهم بالخروج : " ألا تلميني؟" توجهت نحوه وضممته الى صدري، خضبت ثوبي الجديد برائحة العود الأصيلة وذهبت لإحتفال عيد ميلاد احد اقاربي. عندها قال لي ابن خالتي الذي يكبرني بسنة، أن رائحتي تشبه رائحة الرجال الذين يذهبون للمسجد. لم اغضب، لإنني كنت اعلم ان رائحتهم زكية.

يصحح لي والدي اقوالي باستمرار، يساعدني على ترتيب الجمل داخل رأسي قبل ان اتفوه بها، يغضب عندما استخدم واحدة من كلمات جيلي التي – على حد قوله – تكتئب منها اللغة العربية، عندما سمعني يوما اقول " يوم أنه .." قال لي ان اللغة العربية للتو القت نفسها انتحارا من قمة "الألف" في "أنه"! ضحكت وقتها بخجل، فبعد العشرة الطويلة لم اعد استطيع الإستهزاء باهتمامات والدي. قبلها كنّا قد اتفقنا ان يحترم كل واحد منّا أحباب الآخر!

عرفت يوما، من قصاصات ماضي والدي مكتوبة في مذكرة سوداء جلدية انه كان يحب بنتا اسمها "اسمهان"، كانت فلسطينية جميلة تعيش في شقة مقابلة للمدرسة التي كان يرتادها. عشقها والدي في ايام مراهقته، حاول الوصول اليها بشتى الطرق. اشترى لها هدايا وارسل لها ورود، ولكنها لم تستجب إلا عندما سرق شطر قصيدة من كتاب مهمل لعمر ابن ابي ربيعة. حادثته اسمهان يومها، كتب:
" كان الجو اشبه بتنور مخبزنا الإيراني، عرقي يتصبب كزاهر الخباز، وهي كانت متوردة وشهية كواحدة من تلك الخبزات التي التهمها كل يوم في طريق العودة من المدرسة الى البيت"!


ضحكت يومها الى ان انزلقت على الأرض، كم هو بسيط ولذيذ والدي، ربما هو العاشق الوحيد ايضا الذي شبه حبيبته بخبزة ايرانية. ولكن "لكل زمان كناياته"، هذا ما كان يقوله عندما اخبره بخبر عصري لا يتوافق مع ذائقته الكلاسيكية.


اشعر بوخز في قلبي وأنا اقترب من غرفته، يجلس على مكتبه عادة يقرأ او يكتب. لا يحب ان اقاطع حواراته الرائقة مع الكتب ولكن شيئا داخلي بات يستوجب الإنفلات. امسك قلبي بيدي، واراجع مع نفسي ترتيب الأفكار التي سألقيها على طاولته. أخبرني كثيرا ان صدره مفتوح لأي "إقتراحات حب"! هكذا كان يشعرني انه مستعد لسماع بشائر نبض قلبي. كان يخبرني انهم اذا خيروه بين علبة رخامية، محشوة بمخمل زاخر تتربع بقلبها اكبر ماسة في العالم، وبين قلبي .. سيختار قلبي بلا تفكير. كان والدي يحبني برعونة لهذا هو متأهب للدخول الى دهاليزي المعتمة التي من الممكن ان تشكل اقوى صدمة ارتعاب من الممكن ان يتصورها أب. والدي كان شجاع وعاشق بما فيه الكفاية لينصت.


اطرق طرقات متوارية على بابه الخشبي، ينظر لي من تحت نظارته التي تدلت بسبب الجاذبية الارضية على ارنبة انفه. يبتسم ويسألني بشقاوة :
" خير"؟
اتقدم خطوة، وارجع اخرى .. اتنهد، احتار، افتح فمي ثم اغلقه. انظر اليه واقول له : " لا بس ماكو شيئ". اهم بالخروج فيناديني:

" مكانك"

اقف، استدير واتقدم باندثار. يضع كتابه، ويقلع نظارته، يضعها فوق الكتاب. يجرني ويجلسني في حضنه، تماما مثلما كنت في الرابعة.
اتنفس واتحدث:
هل تذكر " كيلان " الذي حدثتك عنه؟
يسألني: " الألماني؟"
أخبره : هو ..

يصمت وينتظر. ابي مولع بلعبة الصبر والإنتظار، يحاول ان يدفع نفسه لحافة الإنهيار احيانا وهو ينتظر. يقول هكذا هو يدرب عضلات اصطباره

.
يعم الصمت بيننا، اسمع دقات قلبه، ويسمع دوي قلبي .. اتفوه بما تيسر لي:
" كيلان يريد ان يتقدم لخطبتي"


يصمت والدي كما لم يصمت من قبل، تختلط طبولي وطبوله واسمع داخل رأسي نغم لحفلة حداد افريقية. ينزلني من حضنه، ويأمرني ان اعود لغرفتي.


ارجع، واتصل " بكيلان" اخبره ما حدث. تعرفنا أنا وكيلان في واحد من معاهد الدورات الخاصة. كنت اريد ان اتعلم الإنجليزية وهو كذلك بعدما قدم للبلاد للعمل في شركة المانية معروفة. كان يريد ان يتعلم العربية، ولكن بعد أول اسبوع آثر الإنجليزية. قال لي ان العربية Zu Hart! بالألمانية تعني "قاسية جدا".


يمر اليوم الأول، فالثاني، الاسبوع الأول فالثاني وأبي يحدثني بمنتهى الطبيعية، وكأنه لم يسمع تصريحا قلب كيان وثيقة المصارحة المبرمة بيننا. هو، تسامى على الأمر بالهرب من المواجهة، وأنا كنت في اتم الإستعاد لخوض حرب.
مر شهر، والموضوع محشور في مغلف مغلق مهمل على مكتب والدي، ربما وضعه بين صفحات كتاب يعلم مسبقا انه لن يقرأه من جديد. " كيلان" وانا قررنا ان ننبش المارد من جديد. اقترح ان يأتي لمقابلته فرفضت. قلت له دعني احاول الليلة مرة اخيرة وإن لم يكن فسنقابله سويا.


اعود الى البيت واضع قلبي على ورقة مطوية مددتها على وسادته..

في الصباح، طرق باب غرفتي .. قبلني على رأسي، واخبرني ان ادعو "كيلان" اليوم على الغداء!


كنت قد كتبت في الورقة: " كان الجو اشبه بتنور مخبزنا الإيراني، عرقي يتصبب كزاهر الخباز، وهي كانت متوردة وشهية كواحدة من تلك الخبزات التي التهمها كل يوم في طريق العودة من المدرسة الى البيت"!


إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت