كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 30 سبتمبر، 2010

خارج الجسد - عفاف البطانية





أشعر بالبشاعة تتخللني وأنا أنتقل من موقع لآخر، ومن كتاب لآخر. أينما وليت وجهي أجد حقدا ورغبة في انتهاك حرمة الإنسان وقدسية الحياة - ص379

يخبرني كثيرون أن الدين ليس مذنبا، وأن المشكلة الحقيقية سببها أولئك الأشخاص الأذكياء جدا الذين استغلوا ويستغلون الدين. أسأل : لماذا يسمح الدين لنفسه أن يستغل؟ ص381

من يتكلم عن السعاة تكون عيناه مليئتين بالحزن أغلب الأوقات - ص397

من أجمل ما قرأت من دهور، شدتني الرواية الى قيعانها وأهدتني سحابة العالم، وتجربة فريدة خارج الجسد. انصح بالقراءة ولكني أخالها ممنوعة لما فيها من تعرية لواقع المجتمعات العربية الذكورية.

إشتريتها من Dubai Mall - محل رائع عالم من الكتب اللامتاهي صفت بحرفية واحترام فريد للكتاب. اسم المحل

Book World By Kinokuniya

لا تنسوا زيارة المحل في الرحلة القادمة الى دبي مول .. مكان فعلا يستحق.


نتلاشى للأمام .. (4)


تمسك يدي وأنا شبه ممدة على مقعد السيارة، كم تغيرت وسمية بعد كل تلك السنوات، بعد زيجتين فاشلتين وثالثة في طريقها الى العفن. سيارتها القديمة صغيرة ومكركبة بعيدة جدا عن هذه التي اركبها اليوم. اصبحت وسمية مثل سيارتها الحديثة على آخر طراز فارهه، خاوية وثقيلة، بعدما كانت خفيفة كالغزال وملونة كالفراشات النزقة. تغيرت وجوه وسمية وعلمتها الحياة دروسا لا تنساها، عرفت اصدقاء وفشلت في الإبقاء عليهم داخل دائرتها، أحبت أناس وكرهتهم بعدها بأيام. ربما كنت الشيء الوحيد الذي بقى لوسمية رمز ثقة ومحبة، هي لازالت تحبني ولازلت اعلم انني نقطة ضعفها.
تمسك يدي .. تلتفت عليّ:
- لا تخافين .. أنا معاج

تسقط بذرة من روحي داخل وعاء روحها، اتشبث بيدها اكثر، امسكها بعمق، بحب، بوله .. مع الوقت ومع سحنات الشوارع التي نسوحها تينع شجيرة امل في نفسي وأذكرها بسيارتها القديمة التي كنا نهايل بها، تبتسم وتذكرني بيوم الحادث. أنسى فجيعتي للحظة واضحك بوجع من سطح قلبي.

0000

ندخل مبنى العيادة من باب مختلف، ننتظر في غرفة الانتظار بينما تغير الممرضة ملاءات فراش الفحص، تعاود عمتي وسمية الإمساك بيدي، لا تعدها، تضمها بكفها وكأنها تخاف على روحي من الانفلات تسربا بطيئا من أطراف أصابعي. عينيها تدوران في المكان خوفا من اي شبهة. تقبل الدكتورة غادة، تقف لها عمتي تضمها، تتلاشى عمتي بحضن صديقتها التي ترسم على وجهها نظرة مستقيمة. تدعونا للعيادة وتشير لي الدكتورة بالاستلقاء على الكرسي/ الفراش الملاصق لأجهزة السونار.
من بعيد اسمع دمدمة بين امرأتين جمعتهما لحظة حزينة، حاجة ملحة للتلاحم. للتفهم والتفاؤل.

تتقدم الدكتورة غادة، ترفع ردائي وتكشف عن بطني، تسحب سروالي الداخلي للأسفل ببطء وتجلس على الكرسي الجلدي المقابل لشاشة سوداء عليها أرقام عشوائية. تنقر بعض الأزرار وتلتفت لي:
- إحنا هلا راح نتأكد من مسألة الحمل، هيدا الجهاز راح يفرجينا الطفل

ترتسم نظرة هلع في عيني .. لأول مرّة أستوعب أن داخلي طفل، طوال هذه المدة وأنا أحترق لإن داخلي مصيبة!
- بيبي .. اهو الحين في بيبي؟

شرحت لي غادة ان في المراحل الأولى من الحمل يكون في رحم المرأة كيس، كأنه فقاعة هوائية فارغة إلا من هواء ونطفة صغيرة تشبة حبة البَنَك. انظر الى عمتي، وأرى عينيها تلتصق في الشاشة. وأكاد اسمعها، أسمع خفقان قلبها، لهج لسانها الصامت ترجو الشاشة السوداء ان ترحمني. تسكب غادة على معدتي المسطحة سائلا لزجا، اشعر بالبرودة ويقف شعر جسمي. تضع على بطني آلة أشبه أجهزة المساج الصغيرة، تحركها على براح جسدي، يظهر شيء على الشاشة، تلتفت غادة لعمتي فتنهار وسمية على الأرض.


0000


- شنو هذا؟
- صندوق ..
- شنو فيه؟
- فتحيه ..
- الله !!
- اعجبتج؟
- وايد .. بس وايد صغيرة، مو قدّي
- لما كنتِ صغيرة كان عندج " كفوف" بالضبط مثل هذي، راحت مع الأشياء إللي خذوها عيال الحرام لمّا باقوا بيتنا هذيك السنة .. لمّا شفت هذول في الإمارات قلت لازم اشتريهم لج.
- ذكرى؟
- حق ابنيتج إن شاء الله لما الله يكتب
- ان شاء الله .. مشكور وايد يبا
- العفو حبيبتي .. آنا كم نورة عندي

واحدة ..
أنا نورة واحدة وفي بطني واحد او واحدة! أنا واحدة احمل في بطني مصيبة بمليون قهر! على مستقبلي ضباب وفي أيامي القادمة أحداث مخللة بالسواد. استلقي على فراشي وأحمل بين أصابعي "كفوف" ابنتي الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة. تلك التي كنت أملك واحدة مثلها .. واختفت!

لو يعلم والدي ان الطفلة التي يحلم بها تنبثق من أحشائي وتشبهني ستأتي مبكرا جدا بلا مبرر للفرح! لو يعلم ان حفيدته او حفيده المنتظر سيخطف من أمه صك اعتزازها بالحياة! لو يعلم ان الطفلة التي أنشأها كبرت ولعبت بألعاب خطيرة جدا، بالنار، بالسكاكين، بالسواطير والخناجر! لو يعلم ان البنت التي كان يضعها في حضنه هجرت ظله وذهبت تستظل في مكان لا مكانها! لو يعلم ما أنا فيه الآن، أول ما هو فيني، للعن "الكفوف" التي ألبسها لي يوم ولادتي، وفرح عندما سرقها اللصوص.
يتبع يوم الأحد ..

الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (3)


تمسك يدي، كانت عمتي وسمية تمسك يدي عندما أخذتني الى صديقتها طبيبة النساء والولادة اللبنانية في أحد العيادات الفارهة. لا أذكر المرة الأولى التي أمسكت بها وسمية يدي، ولكنها قالت لي يوما أنها كانت يافعة عندما قدمت للدنيا، بكت عندما رأتني لأول مرة، وضعك يدي في يدها قالت لي انها لحظتها تذكرت عندما كانت طفلة تقطف زهرة نوّير صفراء وتضعها على راحة يدها. كانت يدي نوّيرتها في ذلك اليوم وقررت بينها وبين نفسها أنها - مهما حصل - لن تتركني أذبل.
تملكني رعب عندما أخبرتني أنها تريد ان تتأكد من الحمل، لم تصدق نتائج فحوصات الحمل المنزلية، بللت أربعة عصي صغيرة بماء روحي، اشترتها لي وخبئتها في حمام بيتها الى ان اصل. على الأربعة ارتسم خطّان ولم يرأف بحالي واحد منهم ليعطيني ولو وهما مزيفا أن كل الإشارات مخطئة. فقط مجرد امل ولو لدقيقة واحدة يعيد لي بعض من قوتي التي تبخرت عرقا ودم الى السماء. عندما ارتسم الخطّان في الفحص الأول شهقت وسمية وكأنها للمرة الأولى تعلم أن في أحشائي طفل! الخطّان في الفحص الثاني جعلا وجهها يحتقن، احمر خداها اكتسبا حرارة وبدأت مطرات من عرق تنزلق على جبينها. الفحص الثالث كتمت عمتي وسمية نشيجها بعيدا عنّي، طالعت العصي الصغيرة واشاحت بوجهها عنّي. الفحص الرابع، جلسنا على ارض الحمّام .. انا وهي ننتحب .

ضمتني، يالله .. ما الخير الذي فعلته بدنياي لكي تهديني عمّة تضمني بكل غفران العالم عندما تأكد لها أربع عصي أنني أحمل داخلي فضيحة؟ كنت حزينة وخائفة وخجلة، ولكني في داخلي كنت سعيدة لمجرد الفكرة انها في حياتي.
رفعت رأسها ورفعت بيدها رأسي من على الأرض، مسحت بكفها دموعي: نويرة راحت البر .. تجيب العيش الأحمر .. تحطه بالصواني .. على جيّة خوالي ..

عندما كنت صغيرة، كانت تغني لي وسمية " نويرة راحت البر" كلما رأتني عائدة من المدرسة. قلت لها غاضبة أن في مدرستي طفلة اسمها سارة، وأنها تعايرنا أن لها أغنية خاصة بها! كنت اريد اغنيتي.. عنّت لي وسمية نفس الأغنية بإسمي اصبح " نور" "نويره" هكذا بكل بساطة الحب حلّت لي وسمية مشكلتي. منذ ذلك الوقت هي تغني، وأنا ألفح بشعري يمينا وشمالا بينما هي تصفق وتكمل الأغنية.
حتى في تلك اللحظة الموجعة، لم تنس عمتي وسمية ان تغني لي أغنية كانت ميثاق حبنا الأول.

أنا وهي كيف بدأنا؟
كان والدي يسكن الطابق العلوي من بيت جدتي أول عشر سنين تزوج والدتي، ولإن العلوي واسع قررت جدتي ان تنتقل وسمية للسكنى معنا، كانت هناك غرفة فارغة فاحتلتها وسمية بوساداتها الوردية وفراشاتها الستان الكبيرة التي كانت تعلقها لتتدلى رونقا سحريا في زوايا غرفتها. أول ما أتذكر منها فترة شبابها عندما تشكل وعي الدنيا برأسي، كانت غرفتها تقابل غرفتي، أنا الصغيرة القصيرة أتطلع لجمالها وشبابها وشعرها الكثيف الناعم المنسدل. كانت أجمل امرأة في نظري، عندما اكبر أريد ان أكونها.

- اتصلي بأمج وقولي لها انج بتتغدين عندي اليوم

تسحب نفسها من أرضية الحمام، تخرج الى الغرفة وترفع سماعة هاتفها وتحادث صديقتها. تأخذ منها موعدا بعد انتهاء فترة عملها، بعد ان تغادر النساء المحشوات بالسعادة والرجال المنفوخين بفخر الأخبار السعيدة. لم تكن ترغب عمتي في أن يراني أي مخلوق في عيادة الدكتورة غادة، فلا أنا محشوة بسعادة ولا هي منفوخة بفخر!

0000

تتناحر وسمية مع عثمان، أخوها وعمي الصغير الذي يكبرها بخمس سنوات، هي تحت السلم المؤدي الى بوابة الخلاص وهو فوقه، أقف بقامتي التي لا تتعدي ركبتها وعيناي معقوفتان الى الأعلى. صراخهم الاثنين يكاد يصمني فإن احتدت المجادلة ارفع يداي واقفل بهما مغارتي أذني.

- أمي قالت أروح .. كم مرة أقول لك لا تتدخل!

منذ كبرت وسمية وتماوجت التضاريس على جسدها وأخوتها خصوصا عمي عثمان يسقيها جحيم ثمن الحرية الضئيلة التي كانت تصبو إليها. لا صديقات، لا أسواق، لا سينمات. تساءلت بينها وبين نفسها مرة وهي تبكي بغرفتها " لمَ اذن اشتروا لها سيارة وعلموها القيادة"؟ من خلف بابها المتطرف إلا من شق يمكنني من متابعة حزنها أسمها وأجري الى جدتي.
- يمّا ليش عطيتو عميمة وسمية سيارة إذا كل ساع ما تخلونها تطلع؟

تزفر جدتي وتعتدل بجلستها، ترفع رجليها المتخشبة دائما، المتنملة الى الأبد وهي تعوي كأنثى ذئب موجوعة:
- عشان تروح الجامعة يمّا، البنية السنعة مو كل يوم راكبة سيارتها تهايل بالشوارع.

تبرق عيني، افرح لحصولي على إجابة تمنتها وسمية عندما كانت تناجي خلوتها، تشكوها همومها. أصعد الدرجات على طرف أصابعي، احفظ السلم عن ظهر غيب، ادفع باب غرفتها فتتنبه لي، تمسح دموعها وتهلّي بي، كانت دائما ترحب بي حتى في أصعب سقطات قلبها:
- هلا حبيبتي ..

اقترب ..
- لا تبجين .. عطوج السيارة عشان تروحين الجامعة، البنية السنعة ما تركب سيارتها كل يوم وتحايل بالشوارع!

تتبدد غيمة الحزن من عينيها البراقتين، تبتسم، ثم تضحك عاليا وبعمق دمعات القهر التي للتو ذرفتها. تضرب رأسي بواحدة من وسادتها الناعمة:
- تهايل مو تحايل يا هبله

تضمني في صدرها، تقبل مفرقي وتنتظر بضع ساعات الى أن يخرج عمّي عثمان .. تمسك مفتاحها وتأخذني لتشتري لي آيس كريم وعصير وبطاطا مقلية، تأخذني معها رغم كل شيء.. نهايل بسيارتها الجديدة.
يتبع يوم غد ..

الثلاثاء، 28 سبتمبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (2)


أقفز من بين الوجوه والقي سلاما صغيرا على الزميلات من حولي، ارسل عيني الى هناك تماما عند الكرسي الذي يقف عنده زميلي في المحاضرة الأجمل "عمر". عادة ما يتجمع طلبة المحاضرة القادمة عند مدخل القاعة عندما تكون مسبقا مشغولة بفصل. لم أكن من هؤلاء الذين يحبون التسكع في الممرات بحجة الإنتظار. ولكن من اليوم الذي رأيت فيه عمر، قررت أن أكون هناك، كل يوم بنفس الوقت في نفس البقعة.

تسألني زميلة إن كنت قد أعددت التقرير، أجيبها كما اتفق وأنا العب بخصلة شعري المفضلة، تلك التي اسحبها من الجانب الخلفي من رأسي، تماما عند بداية منبت الشعر بالأسفل عند الرقبة. أتذكر الفيلم الذي رأيته البارحة عندما كان البطل يحدق في جيد البطلة. أعطي عمر وأصحابه ظهري وألم شعري كله وأسدله الى جانبي الأيمن. أتمنى ان تكون لي عينان في الخلف فقط لأعرف إن كان في هذه اللحظة .. يحدق بي.

تصل نهلة، صديقتي التي اعرفها من أيام الثانوية، تخبرني أنني ابدوا جميلة. ابتسم وأتمنى ان يكون قد سمعها تتغزل بي. عمر ولونه وابتسامته وصوته ومشيته وضحكته كلها أمور أصبحت ملكي ما إن قررت ان يكون هذا الرجل لي، تملكني جنون غريب من اول يوم رأيته يخطو من بين الجموع ليصل الى مقعده البعيد على مدرج الفصل. أتذكر أنني يومها ابتسمت له، ولكنه لم يرد الإبتسامة.
تنتهي المحاضرة التي قبلنا، ويخرج من الفصل الطلبة يتحلقون حول استاذهم يسألونه أمورا خارجة عن الدرس، فنستعد نحن للدخول. أحمل دستة كتبي من على مصطبة النافذة، التفت لأراه بجانبي. يبتسم لي .. فأرد الإبتسامة.

0000

- أحبج ..
- حتى آنا أحبك !
- ليش؟
- ليش أحبك؟
- عطيني سبع أسباب ليش تحبيني؟
- واحد انت نظيف وريحتك دايما حلوه، اسنانك بيضه وعمري ما شفت بقايا الأكل بين اسنانك.
يضحك ..
- اثنين انت طيب وايد وتحب الناس وتساعد كل من يحتاج لك. ثلاثة انت فنان وحسك مرهف وعندك ذوق. اربعه انت وسيم ولونك مثل لون الحليب بالكاراميل. خمسه انت سيكسي وجسمك مرتب مو متفوخ مثل البالونة ولا عصل مصعوي. ستة سمعتك زينة والكل يشكر فيك ويقول انك خوش وليد.
- وسبعة؟
- اترك هذا السبب لي .. سر بيني وبين نفسي.
- ما يصير
- ليش ما يصير؟
- لإن شيء متعلق فيني، ترى اذا ما قلتيلي ما راح اقول لج سبع اسباب ليش احبج!
- سبعة .. لإني أشوف أولادي في عيونك.
- اولاد مرّة وحدة؟
- اربع اولاد .. بنتين وولدين
- عشان المساواة يعني؟
- عشان ما يحس اي واحد فيهم بالوحدة ولا بالنقص. البنت عندها أخت والولد عنده أخو، وكل واحد فيهم عنده عزوة من ثلاثة.
- وآنا ؟ من عندي؟
- عندك آنا ..
- بس؟
- بس
أقفل المسجلة التي احتفظ في اسطوانتها بألف مكالمة هاتفية كانت بيننا، أتحسس بطني، أضع رأسي على الوسادة ولا أشعر بأي شيء .. غير ذلك الخيط الدافئ الذي يسيل من عيني الى الفراش.

0000


نتقافز أنا وابنة خالتي هلا على فراشي ما ان اقفلت الخط من عمر، كانت المرة الأولى التي يتصل عليّ بعد ان اعطيته رقم هاتفي بغرض المشاركة في حملة التبرع بالدم الذي ينظمها هو واصدقاءه داخل الحرم الجامعي. اقتربت من الطاولة التي يجلس عليها وأخبرته انني مهتمة بالتبرع ما ان تصل عيادة بنك الدم المتنقلة. نظر إلي وارتفع قليلا من على كرسيه لينظر لي أكثر خلف الطاولة. سألني وقتها عن وزني فأخبرته أنه لا يجوز ان يسأل فتاة لا عن عمرها ولا وزنها. ابتسم، وأخبرني انه يحتاج لمعرفة وزني لإن هناك حدود صحية للراغبين بالتبرع، إن كنت انحف من الحد المقبول فلن أتمكن من إعطاء دمي.
أزحت خصل شعري عن عيني وأخبرته انني بصحة جيدة ووزن معقول. ولكني لن اكشف عن وزني إلا عندما يطلب مني موظف بنك الدم ذلك:
- ما يصير أقول وزني لكل واحد يسألني كم وزنج!
- منو راح يسألك؟ الناس ما يسألون بعض عن اوزانهم جذي منّي والطريج ..
- ما تدري .. في وايد ناس فيهم بلاغة شف ..
- ترى عفوا اختي .. آنا مو واحد منهم
- أدري
- بس إذا تحبين .. ممكن تكتبين اسمك ورقم تلفونك على الاستمارة عشان نتصل فيج ونبلغج ان سيارة التبرع وصلت.
- اي استمارة؟
- اقصد هذي الورقة ..

كتبت اسمي ورقم هاتفي النقال يومها وابتعدت. وعندما أخذت الخطوة العشرين بعيدا عنه أحسست برغبة عارمة للعودة، أخذت أفكر في اي موضوع من الممكن أن يعيدني إليه، وعندما وجده والتفت الى مكانه، وجدت فتاة أخرى تقف أمامه في نفس المكان الذي وقفت فيه أنا. عصرني قلبي، لم أحب الفكرة ولم استظرف المنظر. أرسلت نهلة ما ان ابتعدت البنت إليه، أخبرتها ان تسأله عن موعد التبرع وكيف من الممكن ان تعلم عن أنشطة الرابطة القادمة. كنت فقط أريد ان اعرف ان كان يأخذ رقم هاتف كل طالبة تسأله عن النشاط او تستفسر عن الحدث. ذهبت نهلة، وعادت لتقول لي أنه أعطاها الإعلان المطبوع عن أنشطة الرابطة .. ولم يأخذ رقم هاتفها.

بعد اربع ايام، يوم الأربعاء بينما كانت هلا في بيتي هاتفني عمر لأول مرة، لم اعرف صوته في بادئ الأمر، ولكن بعد عشرين ثانية شعرت بوخز في قلبي حتى قبل ان يعرفني على نفسه. عندما قال لي من هو، أجبته أنني عرفته من أوّل "ألو"..
كان قد اتصل في ذلك اليوم، ليخبرني ان غدا " الخميس" آخر يوم للتبرع بالدم وأن العيادة المتنقلة ستغادر كليتنا الى كلية أخرى.
سألته: بتكون هناك؟
- طبعا
- "إذن .. القاك غدا" ..
قلتها، اقفلت الخط، تنهدت ثم بدأنا انا وهلا في نوبة قفز!
يتبع في يوم الغد ..

الاثنين، 27 سبتمبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (1)

قصة قصيرة .. طويلة جدا


تضربني عمتي على وجهي، صفعة مدوية لم أشعر بألمها في لحظتها، طّنت أذني، فتحت عيني عليها لأجد شفتها السفلى ترتجف.
خوف؟
لا اعتقد، ولكني أكاد اجزم أنها مرحلة متقدمة من درجة نادرة من نوع فريد من غضب. نظرة واجمة تسلقت ببطئ على وجهها، لازالت عينيها عليّ، تتناوب دهشتها بين وجهي وبطني، لا تعلم من أين تبدأ، كيف تسأل، ماذا بالضبط يجب ان تقول عندما ذهبت لمنزلها في واحد من الأيام الباردة لأخبرها بحزن أنني حامل.

هي الوحيدة التي من الممكن أن أخبرها بهكذا موضوع. هي فقط من تستطيع ان تلتقط أنفاسها بالسرعة المطلوبة، تبدد دهشتها وتركن عواطفها جانبا وتأخذني لتحل لي مشكلتي قبل ان يوسوس لها تفكيرها ان تقتلني بأقرب سكينة مطبخ. تنحرني من الأذن الى الأذن، او تجرني من شعري وتلقيني من سطح منزلها هبوطا قاتلا الى الأرض. هي الوحيدة التي لن تسيطر عليها فكرة محو العار بالموت. ربما ستفكر في طريقة تخفيني بها عن العالم.. ولكن الموت لن يكون خيارها الأول.

لازالت شفتها ترتجف، هكذا لوحدها. تركن جسدها الخائر على الأريكة التي خلفها وتأخذ شهيقا طويلا. تضع كفيها على ووجهها وتجهش بنوبة غريبة من بكاء لم أتوقعه. لا ادري لماذا اعتقدتها ستكون أقوى، ولكني عرفت فيما بعد أنها كانت تبكي خوفا عليّ من مصيري.
لم يكن للحزن وقت في ذلك اليوم، قالت لي أنها لم تكن حزينة بقدر ما كانت مرعوبة من فكرة أن يعلم والدي.
في ذلك اليوم .. تلك اللحظة قررت عمتي الحبيبة وسمية أنها لن تتركني، قررت بينها وبين نفسها أنها ستعيد لي فرصتي في الحياة من جديد.
تسألني: منو ابن الكلب إللي سوّاها؟
أشهق، ألملم الأحرف لأنطق اسمه، لأول مرّة أشعر ان ثلاث أحرف أثقل من هم الجزع الذي يسكن عيني:
- عمر
- يدري؟
انتحب: لأ
- متى بتقولين له؟
- ما ادري ..
- يحبج؟
أشعر بغباء: هه؟
- يحبج؟ .. يبيج ؟ متفقين على الزواج؟ وإلا بس لعب؟
- يحبني .. اعرفه من ثلاث سنين.
- يعني إذا كلمناه، راح يكون ريّال ويصلح غلطته؟

أغرق بدموعي، أشهق بلوعة الحيرة التي ضربتني على رأسي، أنا واثقة من أنني أحبه، ولكنها المرة الأولى التي أشعر فيها أنني لا اعرف إن كان فعلا يحبني. أرد وشفتي السفلى أنا هذه المرة ترتجف ..
- إن شاء الله ..

يتبع يوم غد ..

السبت، 25 سبتمبر، 2010

الزهايمر ..


حتى هذه اللحظة وراء كل انجاز عظيم ايمان عظيم ..


الزهايمر ص 112 - غازي القصيبي


الاثنين، 20 سبتمبر، 2010

وأخيرا .. تحت الطبع !


قطعة من قلبي تحت الطبع، كتابي على الطاولة .. طاولتي التي بجانب رأسي،سيغفو تحت مخدتي. سينام على طاولة معرض الكتاب القادم وربما على طاولاتكم إن قبلتموه قطعة مني تدخل بيوتكم، تنام بجانبكم تقرؤكم مني سلام وقصص.




قصص الكتاب كلها مأخوذة من المدونة، مجموعة من الأقصوصات التي أحببتموها وتجاوبتم معها،وهناك ايضا قصة "بونص" لم انشرها من قبل، كل ما استطيع أن اقوله عنها أنها قصة توجعني في قلبي كلما قرأتها! لابد من بين السطور تسقط من عيني دمعة ..





الى الآن تبكيني القصة الجديدة .. لهذا لم أعد اقرأها وارسلتها تتدفئ بين درفتي كتابي.





سيصدر عن دار العين، أحمر برّاق وجميل ..




انتظروه .. لإنه طويلا ما انتظركم




شكرا ميس العثمان، د. فاطمة البودي وجميلتي رانيا ابو الحسن.

الأحد، 19 سبتمبر، 2010

حب وخبز وطائرة ..


تواصل ..
امسح على ساعداي بمنشفة، ادخل في نفق ثوبي، افترش سجادتي .. تكبير وفاتحة، ركعة وسجدة لأشعر مع التكبيرة الثانية أنني هكذا عشوائيا ولدت امتداد! تقف بجانبي تصل لركبتاي، تضع على رأسها شال يتدلى على ظهرها. تقلدني مثلما أنا، تحرك شفتاها عندما اقرأ سورتي الصغيرة. كفها فوق الأخرى تركع وتسجد " كوبي بيست" ثم نجلس بجانب بعضنا .. نتشهد! هكذا تدخل ابنتي في حيز وردي اليومي من خشوع، بلا استئذان ولا طرقاتها المعتادة على باب غرفتي تدلف ببراءة من يشعر ان هناك زوايا فوق القوانين التي تضعها ماما. تعلم بفطرتها أن الأربع زوايا لسجادة الصلاة دوما في صفها، هناك هي دائما مستحبة. اصبعي يرتفع وينطق بالشهادتين، واصبعها الصغير يرتفع ينطق ربما بأغاني الحضانة والليتل ستار! أسلم على يميني وعلى شمالي لتلتقي عينانا بإبتسامتيهما الأبدية تلك التي تنبع من الداخل، النابعة من صحبة، الزاهرة من فضاء الحب، المليئة بأشياءنا الصغيرة انا وهي، كل الذكريات التي يسمح لي عقلي بتخزينها وكل الذكريات التي تفر كالكتاكيت الشقية من عقلها الصغير! تطبع اتجاهي على الهواء قبلة تصلني ترفرف، وتجري كمّن استقطع وقتا سحريا للتواصل مع عزيز .. وتواصل!


تبليغ ..
افتح فمها الوردي كل صباح وأتلمس العلكة الوردية التي وضعها الله هناك وسمّاها الإنسان "لثة"! هي: لا تفوت فرصة وجود اصبعي داخل فمها فتبدأ بالعض والاستكشاف! اسحب إصبعي واسألها: Where is your little toothy mommy?؟
طال انتظاره!
تبتسم بلا لآلئ وفي عينيها رسالة لا أستطيع فك طلاسمها. في أحد الصباحات تسلقتني، شدت شعري وعضت انفي وسحبت اذني! اضحك عندما تقرر صغيرتي انها اليوم ستلعب معي بعنف، ستأخذ مني كل ما تجده في يدي، ستستولي بالشقاوة الفطرية على كل ممتلكاتي. رأت في يدي كأس ماء، استبسلت للحصول عليه. اجتاحت المرتفعات ونزلت الوديان وتسلقت الأثاث وركبت الصعاب وسقطت وقامت، تألمت وقاومت للوصل الى كوب الماء الزجاجي الذي كان بيدي. مثل أمي، لابد وان اترك لهم "قطيرة". أضع الكأس بفمها وادلق فيها رشفة ماء باردة، أخذتها بفرح وشكرتني بترن ترن ترن ترن ترن ..
كان صوت سنها الأول، يطرق طرقاته الأولى على زجاج الكأس .. وقلبي!

أمنية..
يحجز لي العمل تذكرة الى دبي، اكره السفر لوحدي مع أني بأمس الحاجة لوقت مستقطع من كل شيء، وقت لي وحدي حتى لو تخللته اجتماعات متفرقة. على الهاتف نتسلق أنا وهو شجرة، نجلس معا على غصن تتدلى رجليه والملم اطرف فستاني ونتناجى..
أقول له أنني مسبقا اشتاقه، وأن كل بقعة في دبي ستذكرني برحلاتنا السريعة لديار بن مكتوم. يسطر أمامي ذكرياته تلك التي قضاها معي، يخبرني باللحظات التي لازالت تجلس بعرشها داخل رأسه. الكلمة التي قلتها هناك، والبسمة التي ولدت فراشة داخل قلبه. اضع رأسي على كتفه واتنهد. ليتك تأتي! لا اقولها لإنني اعمل ان ظروف عمله تمنعه، وانه لابد يتحرق شوقا لي ولدبي ولا داعي للاستفاضة بالأماني. اركب سيارتي الى العمل، أسابق الوقت وأصارع الازدحام، ادخل مكتبي افتح شاشتي لأجد منه رسالة. أنه سيأتي لدبي، لأنه يحبها .. ولأنه سمع تنهديتي تقول .. ليتك تأتي!

الخميس، 9 سبتمبر، 2010

عيدكم مبارك ..




كل عام وانتم بخير ..

وعساه ينعاد عليكم بالصحة والفرح
عيدكم مبارك ..


إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت