كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الجمعة، 30 أكتوبر 2009

ها هو اليوم .. همّي على الطاولة !

على طاولتي المستديرة التي اضع عليها عادة كل ما هو جديد ومثير في حياتي، على تلك الطاولة التي وجدتم عليها دائما قطوف أفراحي و قصاصات صادقة من داخل كياني .. من أيامي التي أخبركم بكل ما يدور فيها. على نفس الطاولة اليوم قررت أن اضع لكم .. همّي!


الحياة مع زوجي جميلة ورائقة، التفاهم العقلي والترابط النفسي بيني وبينه يكاد يصل بي احيانا الى آفاق عالية من التفاؤل. أحمد الله كثيرا ان مصيبتي لم تكن يوما فيه ولا في ثمرات الحب التي خلفناها طفلة جميلة تمشي بيننا، تتشبث بأيدينا وتعد الى واحد اثنان ثلاثة لنسحبها للأعلى فتطير بين ذراعي ماما و بابا.



انتقل زوجي مؤخرا للعمل في المشروع الجديد التابع لشركته الكبيرة في السعودية، يأتي ليزورني كل نهاية أسبوع ويقضي معي ومع ابنته في بيته الدافئ الذي اشحنه في لحظات غيابه البعيدة، شوقا وحنينا لا ينضب. يأتي فتلتقي ابتساماتنا ببعضها ونعلم أننا سنكون بخير.


يمتلك زوجي وحتى الآونة الأخيرة فيزا رسمية من الشركة الكويتية التي كان يعمل تحت مضلتها عندما كان في الكويت. الآن هو لا يعمل في الكويت، والشركة لن تجدد له إقامته لأنه الآن يعمل تحت مضلة الشركة السعودية!


يوم الثلاثاء أسحبه معي وأتوجه الى دائرة هجرة الفروانية لتكون إقامته الرسمية تحت اسمي .. لم لا؟ وانا مواطنة كويتية ابا عن جد قد ربّاها هذا البلد وأنشأها، فكبرت وتعلمت وعملت وباتت مثل كل المواطنين تنتج وتعطي وتمنح من وقتها وجهدها وأموالها تماما كما هو متوقع من كل مواطن لا يرضى أن يعيش عالة على موارد الوطن.

عند الرجال الواقفين خلف المكتب الطويل، في المبنى الباهت أصرح برغبتي في استحقاق زوجي لإقامة كريمة داخل بلدي، تلك الورقة الرسمية التي تؤهله لزيارتي كل أسبوع دون تعقيدات جمركية من والى الحدود الكويتية! بصفته زوجي – زوج المواطنة الكويتية المنتجة – يجب ان يكون هناك قانونا يميزه عن غيره من الزائرين او الموظفين المقيمين! هو زوج بنت البلد ووالد أبنائها!


يمسك الأخ ورقتي الذابلة بيده ويخبرني .. أن القانون لا يسمح للزوجة الكويتية بكفالة زوجها إلا عندما يكون عمره فوق الخمسين سنة .. او أن يكون معاقا؟؟!!

امسح حبة العرق التي انزلقت من جبيني، وامسك دقات قلبي التي علا صداها في صدري: كيف لزوجي إذن ان يعيش معي؟ ان ينتقل من والى موقع عمله في السعودية الى بيته؟ كيف له ان يراني ويرى ابنته كل أسبوع؟ بأي صفة سيتواجد في الكويت؟ كيف سيتمكن من إمساك يدي عندما يفاجئني قدوم المولودة الجديدة؟ وكيف سيجري أوراق الطفلة الرسمية ما ان تأتي الى الدنيا في يناير؟


القانون الكويتي العتيد لا يعطيني إلا كرامة حياة زوجية إلا بالقطارة .. يمنح القانون زوجي فيزا زيارة لمدة 3 شهور تنتهي صلاحيتها ما ان يغادر البلاد! زوجي سيضطر الى الوقوف في طابور الحدود لاستحصال فيزا 3 شهور كل نهاية أسبوع! يعامل القانون زوجي – زوج المواطنة الكويتية – على أنه زائر .. لا زوج بنت البلد، ولا والد أطفالها، ولا الرجل الذي يصرف عليها ويعيلها ويحبها ويرعاها. الرجل الذي يضع سقفا فوق رأسها، ويكون دائما بجانبها ان أرادت يوما صديقا ومعينا .. مجرد زائر ضيف في هذا البلد بلا حقوق تذكر!


أنا ضد منح الجنسية الكويتية للأزواج بشكل عام، ضد ان تمنح زوجة الكويتي الغير كويتية الجنسية وضد ان يمنح زوج الكويتية الجنسية الكويتية بالتبعية. لكل منا جنسيته واصله وتاريخه وأؤيد بشدة ان يبقى الحال على ما هو عليه. ولكني مع أن يمنح أزواج وزوجات المواطنين الكويتيين صفة قانونية كريمة، تؤهلهم لقيادة حياة راقية لا ينغصها اقامة تنتهي ولا فيزا تتقادم.

لي ثلاثة ايام لم أنم! اتقلب في ليلي وأتحسس اماكن الوجع في رأسي عندما ضربتني قوانين بلدي بعصا الظلم والتفرقة الجائرة. تأز نفسي ندم وحسرة لا على اتخاذ قرار الزواج من الرجل الذي احببت، فلن أغيّر من حياتي منعطفا! بل على الوقت الذي قضته نساء هذا البلد من قبلي في كنف قانون لا يعترف بهن كمواطنات لهن حق ريادة الوجود مثلها كمثل مواطنها.

اصحوا من نومي المتقلب على بحيرة متلاطمة من الأفكار التي لا تهمد! أتلمس الوسادة فأجد رأسي يسبح ببركة من عرق! أراه ينام ملئ جفنيه على وسادته بجانبي. اغبطه، لإن بلده تعيش فيها المرأة كما الرجل، مكفولة الحقوق هي وزوجها وأسرتها أينما كانت وايمّا كان! قال لي عندما وجد غيمة من كآبة فوق رأسي . ان لا احزن.
هو لم يكن يتوقع يوما أن يكون نظامنا قد فكّر يوما بمنح البشر الآخرين من أمثاله حقوقهم .. بينما حقوق اهل البلد من نساء وبدون لم تكن يوما في الحسبان!

انظر له .. وامسح دمعة متطفلة .. واقول في نفسي : ولكن الى متى؟
استفيق من ليلة أرقة وطويلة .. اضع ثلج السجود على صدري .. ابكي بحرقة الإنسان الذي لا يجد إجابات منطقية .. ارفع ليه يدي .. وأسأله من كل قلبي .. أن يرفع الظلم عن كل نساء الأرض .. الأمهات الذين يبنون أعشاشا جميلة ونظيفة وراقية .. فتأتي الجوارح .. لتهدم الأعش

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2009

لـــولــــوة ..


ما إن بدأنا العد التنازلي حتى شعرت برغبة عارمة في وضع يدي بشعرها .. مموّج بشغف عارم للحرية، طويل ومجنون تماما مثلها عندما تحاول إقناعي بأن أشرب عصير خيار! تجادلنا يومها .. قلت لها:

"لماذا أضيّع وقتي وفرصة تجربة شيء جديد في شرب عصير خيار؟ الخضار الوحيدة التي لا لون لها ولا طعم ولا شخصية؟"
أخذت الكأس من أمامي .. ارتشفت منه قالت:
" أحيانا .. في خضم دأبنا الضاري في البحث عن أنفسنا .. نكون بأمس الحاجة لأشياء خجولة الوجود، لا طعم فيها ولا لون ولا رائحة"

بعد الرشفة الأولى من العصير المائل لونه للاشيئ، أدركت أنها فعلا جادّة بكل ما تقول!
سألتني مرّة: هل جربت القفز من النافذة؟؟
- اي نافذة؟؟
-اي نافذة .. حتى لو كانت في المستوى الأرضي.
- لا
- لماذا؟
- لإنني دائا أجد الأبواب مفتوحة امامي ..
ضحكت .. قالت:
- هل فعلا تعتقد ان كل الذين خرجوا من نافذة لم يجدوا الأبواب مفتوحة امامهم؟ في القفز من النافذة، لذّة الشعور بأنك تهرب!
سألتها .. هل للهرب لذّة؟
قالت .. نعم، خصوصا لهؤلاء الذين ليس لديهم شيء يهربون منه.

بعد يومين، قفزت من نافذة المكتب في الشركة التي اعمل بها، كانت النافذة فعلا بالمستور الأرضي .. وعندما حطّت قدماي على الأرض لمحني حارس الأمن وأخذ يطاردني ضنا منه أنني رجل غريب! عندما اضعته ووصلت الى سيارتي مرّ امامي وسلّم. لم يشك أبدا أنني الرجل الذي كنت اهرب. ابتعد، وأنا ضحكت من كل قلبي .. لوحدي طوال طريق العودة الى المنزل!

فجعتني يوما: هل قبلت رجلا في حياتك؟
استنكرت: لا!!
لماذا؟
لإني لا أميل الى الرجال ..
قالت: كيف تأكدت من هذا؟
قلت: لإنني لم أشعر يوما برغبة في تقبيل رجل، على العكس من شعوري امامك في اللحظة الراهنة.
صعقتني: الآن تيقنت أنك رجل لا خاص !
لماذا؟
لإنك تأخذ الأشياء التي وجدت عليها البشر كمسلمات! أنت لم تشعر يوما انك تميل الى تقبيل رجل لإنك ببساطة كبرت ونشأت في مجتمع يقبل فيه الرجال النساء فقط، بلا خيارات مفتوحة .. عندما قبلت فتاة، اكتشفت أنني لم اقرف من القبلة ولا من الفكرة .. كل ما هناك، أنني لم اجد لها هدفا! لم تحرك فيّ السواكن المهملة في سراديب نفسي .. لهذا أنا لا اقبّل النساء.


في إحدى بارات المثليين في امستردام .. اقتربت من رجل كان قد ألقى شباك عينيه عليّ. قلت له أنني لست شاذ جنسيا ولكني فقط اسعى وراء تجربة مجردّة لقبلة "لا خاصّة" مع رجل .
ذهلت عندما قال لي .. أن له حبيب، وأن القانون المتعارف عليه في أوساط المثليين المرتبطين بعلاقات جادّة، أنهم يستطيعون ممارسة الجنس مع شخص آخر، طالما انهم لا يقومون بالتقبيل!
ضحكت وقتها وشكرته وابتعدت ..
عندما قلت لها .. ضحكت .. وقبلتني قبلة شهية مكافأة منها لي على شرف المحاولة!

هذه فقط بعض الأمور التي تدفعني "بيرل" للقيام بها. يبدأ حوارنا بالسلام والسؤال عن اليوم والعمل والطقس، وينتهي بجنون! أفكارها الخارجة عن القانون، المندفعة وراء الى ما وراء الخط الأحمر، القافزة عاليا خارج الصندوق! لم أعرف فتاة تشبهها! هي مختلفة، ومخيفة .. بل مرعبة.

قالت لي يوما أنها ستحبني .. وعندما تحبني ستتركني .. وعندما تتركني سيكون من السهل عليّ أن أجد الفتاة المناسبة، لإنها ستكون كل شيء لا يريده شخص مثلي في زوجته. سيكون من السهل عليّ اقتفاء آثار اللامرغوب بعروس المستقبل.

وفعلا أحببتها، عشقت الجمال الأخاذ الكامن بعينيها اللاتي لا تخافان من أي شيء، تلك الجرأة الجامحة التي لا تضع للمقاييس الآدمية أي اعتبار! شغفها للحياة، للتجربة وللمثول القسري في محكمة نفسها التي تناقض كل المحاكم الإنسانية التي عرفتها من قبل. "بيرل" لا تقيس مدى نجاحها بقدر المال الكامن في جيبها، ولا علاقتها المستقرة مع الحبيب. تقسو على نفسها إن مر يوم بدون ان ينبض قلبها، ويفور الأدرنالين في ثناياها، ويتفجر جنون ما من عينيها.

بعد اربع سنين من معرفتي "ببيرل" وحبي لها وحبها لي قررت هي ان تتركني .. قالت لي أن ليس عندها اشياء جديدة لتعلمني!
قررنا ان نترك بعضنا يوم الهالوين ..

في ذات العشية، على عتبة منزلي الكائن في وسيت هوليوود، دقّت " بيرل" جرس المنزل على الرغم من أنها تملك مفتاح بابي! فتحت الباب واذا هي على العتبة بزي فتاة كويتية!! تنورة طويلة، قميص ابيض، عقد يتدلّى على صدرها .. وحجاب اسود تحيطه كريستالات منمنمة!

لم امسك نفسي من الإبتسام ..
دخلت .. فلم امسك نفسي من الهيام بشكلها الهالويني الجديد!
"بيرل" بأناقة بنات بلدي، بذات الطبيعة الأخاذة، بجمال خصورهن النحيلة، أناقتهن الرزينة، وطريقتهن السحرية بدمج المفاهيم مع بعضها لإستنتاج طابع انثوي خاص بهن.

سألتني .. هل ابدو مثلهن؟
عاتبتها .. بطريقة مخيفة تبدين تماما مثلهن!
خلعت الحجاب .. فثارت خصلها .. اقتربت منّي وقالت سأعد عشرة .. وبعدها لن تراني من جديد!

وما إن بدأنا العد التنازلي حتى شعرت برغبة عارمة في وضع يدي بشعرها .. وسحبها ببدائية عقيمة .. معي الى الكويت!

الأحد، 25 أكتوبر 2009

كركوبيات ..

ليتني في كل سنة أكبر سنة .. وأصغر سنة .. لأجد نفسي كل سنة ..
محشورة في نفس السنة!

الشقة الجميلة ذات النافذة الكبيرة التي تسمح للشمس التي أحبها أن تدخل بلا استئذان،
الغرف الكبيرة والأبواب الخشبية الغامقة كلون الشيكولاته.
المطبخ اللطيف الذي يذكرني بمطبخ طفولتي، والمفتاح الذي أحمله معلقا في علاقة مفاتيح سيارتي.
هل فعلا أنا أملك مفاتيح بيت .. ام مفاتيح حياة؟

لم تعطيني يوما والدتي مفتاح منزلها حتى عندما أصبح لدي مفتاح سيارة
تؤهلني لاجتياح الشوارع والعودة وحدي،
ربما كانت تخاف علي من المفاتيح او تخاف على المفاتيح منّي!
ولكني عندما تزوجت، كانت مفاتيح بيتها أول شيء أتسلمه منها!

غريب كيف يطير هم البنت بعد توقيع العقد من على كتف الأب إلى كتف الرجل الآخر..
والأغرب عندما تدرك البنت متأخرا جدا في الحياة أنها يوما لم تكن همّا .. لا لهذا ولا ذاك!

أنا وابنتي ذات السنتين امرأتان في بيت واحد كم تحب إحدانا الأخرى..
نلعب ونمرح ونتشاجر ونتصافى كمخلوقين متحضرين يعيشان في مجتمع غاية في السلام ..
اكتشفت مؤخرا أننا في وئام لإن لها الجزء الغربي من المنزل، وأنا لي الجزء الشرقي ..
وكل منّا يعرف حدوده !

بين أضلعي مشروع كتاب لم يكتمل، ورواية لم تنته،
و فكرة مسلسل لازال في حلقته الأولى،
وقصيدة لازالت في قيد التنفيذ!
أحيانا أسئل نفسي: إذا كانت كتاباتي لا تكتمل..
لماذا لازال تجميع الدفاتر الجديدة هوايتي المفضلة؟

اتشاطر غداءا مع صديق رجل، فيدفع هو فاتورة الطعام بعد جدال ومناقشة !
نتصاحب في رحلة الى المكتبة فيصر أن يدفع ثمن الكتاب الذي انتقيت!
نتجادل بصوت عالي امام الناس .. وأخيرا انتصر وهو ينهزم على مضض.
في كل رحلة مع صديق رجل يتأكد لي كم هو – في بعض الأحيان – سطحي مفهوم الرجولة عندنا!

طوال حياتنا نحاول وضع النقاط على الحروف ..
ماذا لو بدأنا في انتشالها، ربما ستتضح الكلمات أكثر!

ما الذي انتكس وانتقلب فيني وتغير ..
لأتحول فجأة من طالبة جامعية تستصغر كل من يخالفها الرأي،
الى امرأة تستمتع بكل من يخالفها الرأي؟

غريب كيف نفقد اهتمامنا بالأحلام فجأة . .
في اللحظة التي نوقن فيها انها قابلة للتحقيق!

لماذا أشعر بالشبع أسرع عندنا نتقاسم انا معه بيتزا واحدة؟

تخبرني زميلتي عن مغامرات سائقها الجنسية المتكررة مع خادمات منزلها،
ويشدني الموضوع لما فيه من قذارة وطرافة!
وفي المنتصف تقول " اهو رجّال ما ينلام .. الشرهه على الحريم "
فجأة افقد اهتمامي بالموضوع والزميلة .. وافقد ايضا أعصابي!

فتاة اعرفها لها سبعة اخوة كلهم علنا مدخنين ..
اربعة اكبر منها وثلاثة اصغر منها..
عندما علم والدها أنها هي الأخرى سرا تدخن ..
ضربها وأدخل عليها السبعة أخوة ليضربها كل واحد فيهم بطريقته الخاصة!

من كان له ماض بمخالب ..
فليحرص على ارتداء سروال محشو بالكثير من القطن!

يتساقط شعر المرأة كلما خنقوا في رأسها فكرة الحرية ..
ويتساقط شعر الرجل كلما تخيّل أنها حصلت عليها!



الخميس، 22 أكتوبر 2009

خارج صندوق هوليوود ..





لم أكن أعلم أن للفن السابع روّاد غاية بالتطور والموهبة خارج الصندوق الهوليوودي محكم الغلق ..
وكأن أمريكا - بعبعع العالم - قد احتلت وتربعت على عرش كل شيء في أذهاننا، فلم نعد نملك الرغبة في استكشاف عوالم أخرى تنتج سحرا خلابا بلكنة مختلفة على الشاشة الفضية!

قادتني الصدفة عندما اكتشفت أن قناة Show Movies الأولى والثانية تعرض كل يوم فلم محترم في تمام الساعة الثامنة، مما ينطبق تماما مع مواقيت تشردغي الأفقي على الفراش كدعوة خاصة مني ليستوطنني النوم. نعم أنا دجاجة أنام مبكرا جدا، وكم أنا فخورة بدجاجيتي!

لثلاث أيام متفرقة عرضت القناتين لا اذكر بالتحديد ايها، ثلاث افلام من انجلترا ..
أفلام انجليزية بحتة لا تدخل فيها الصنعة الأمريكية ولا تتدخل فيها أيادي هوليود الخفية. في الليالي الثلاثة لم ارمش، ولم أشعر إلا والوقت يطير منّي مدفونة بجمال القصص المطروحة على طاولة اللكنة البريطانية الخالصة، السينماغرافي فن اشتهر فيه الأمريكان، وسحب البريطانيون البساط منهم في أفلام غرائبية خيالية مثل "هاري بوتر" و" لورد أوف ذا رنغ".

ولكن ان يتشكل هذا الفن الراقي في قصص حية من واقع الحياة، هذا ما لم أكن اتوقعه من أخواننا في انجلترا ..

حبا وتطلعا لإكتشافي الجديد للعالم الذي وجدته خارج الصندوق الهوليوودي .. سأستعرض لكم الأفلام الثلاثة:


The Escapist



ينبع الفيلم من داخل عالم السجون المضني، الغابة التي وعلى الرغم من الحراسة المشددة والأمن المفروض، تعج بوحوش بشرية ضارية وأشباح الماضي والمستقبل. يحكي فيلم The Escapist قصة المجرم المدان بجريمة قتل "فرانك بيري"، حكم على فرانك ان يكون بالسجن لمدة طويلة جدا قضى منها الى الآن 14 عام فقط. لم يكترث "فرانك" كثيرا بالعقاب، وبدا منسجما مع حياة السجن التي تأقلم عليها بعد أن فرض احترامه على زملاءه المسجونين. فرانك رجل مسن، يقضي يومه وحيدا في زنزانته ويحاول قدر المستطاع ان يبتعد عن المصائب والخلافات طمعا بتسريح مبكر لحسن السير والسلوك.
يعرف فرانك من رسائل اخته ان ابنته التي تركها صغيرة قد شبّت واينعت وغدت مراهقة مضطربة، باتت بتصرفاتها الطائشة وادمانها للمخدرات تدمر حياتها بيدها. يتألم فرانك من كل رسالة تصله تخبره اخته فيها عن الجرعات الزائدة التي كادت تودي بحياة ابنته الى الهلاك. لا يقوى فرانك على التحمل اكثر، خصوصا وهو يطالع كل يوم صورة ابنته الجميلة التي يضعها في برواز بجانب سريره.
يدخل السجن الموحش دفعة جديدة من المدانين بقضايا مختلفة، من بينهم الشاب "الحليوه" ليسي، والذي ما ان يراه الشاذ "داني" حتى يقرر أنه سيتخذه خليلا. داني أخو" ريزا"، أقوى رجل محكوم في السجن، ريزا له هيبة عارمة وسطوة كبيرة وسلطة مطلقة على المساجين استمدها من علاقاته الشخصية القوية مع ادارة السجن وحراسه. كان الكل يخاف من "ريزا" ولا يشك أي من المسجونين خيط بإبره إلا عندما يحصل على موافقة "ريزا" الذي لا يتوانى عن قطع ايدي واصابع كل من يخالفه الأمر.
يقطن "ليسي" زنزانة مشتركة مع فرانك الذي يرى أن "داني" الشاذ المعتوه قد وضعه هدفا للذاته المقيتة وشذوذه المقرف. يغتصب داني ليسي في حمام السجن بمعاونة الكثير من الأتباع والأعوان، فيعود الشاب ليسي غاضبا ذليلا الى زنزانته مع فرانك.
في هذه الأثناء، يخطط فرانك وثلاثة من اصدقاه المقربين بالهرب، فرانك يريد ان يرى ابنته، ان ينقذها من نفسها، ان يتداركها قبل ان تفني حياتها في زقاق معتم منكفئة على نفسها جراء المخدرات. تقع مشادة بين "داني" وفرانك عندما يعلم الأول ان فرانك واصدقاءه يخططون للهرب. ولا يجد ليسي نفسه إلا في وسط هذه المشادة التي حدثت في زنزانته المشتركة مع فرانك، فثارت فيه ثورته، وظهر غضبه الدفين من "داني" ليهشم جمجمته بضربات قاتله من كرسي فرانك ويديه المجردتين .. حتى أنه كاد ان يقتله عن طريق خنق انفاسه الأخيرة بالوسادة، ولكن "داني" يهرب زاحفا خارج زنزانة فرانك وليسي .. ليسقط متدحرجا من السلم الحديدي .. ميتا في بركة من دمائه.
هنا .. يعرف فرانك أن "ليسي" لا محالة مقتول من قبل "ريزا" اخو داني .. فيشمل الشاب ليسي معهم في خطة الهرب. في نفس الليلة تصل رسالة لفرانك تخبره أن ابنته الحبيبة قد ماتت.
هنا تبدأ قصة الهرب المثيرة .. ولكن المفاجأة الكبرى تكمن في نهاية الفيلم ، التي تجعل منه واحد من اجمل الأفلام التي شاهدتها على الإطلاق وأكثرها تحدي للعقل وإثارة للحواس.



Boy A
من بطولة الشاب المتألق Andrew Garfield وهو ذاته الطالب الجامعي الذي ظهر أمام Robert Redford في فيلم Tom Cruis السياسي الشهير Lions for Lambs.
على الرغم من الدراما المشبعة في هذا الفيلم، وعلى الرغم من بطئ الأحداث وغرابة الأماكن وجمال التصوير. إلا أن المشاهد لا يستطيع أن يغفل قدرة المخرج المذهلة بخلط الأمور ببعضها. لا يعرف المشاهد في البداية الماضي من الحاضر! تختلط الأسماء، ويغدوا الطفلين في بداية الفيلم القائدين لقصة يخيل للمشاهد أنها المكمن والحبكة. ولكن تختفي الملامح وتظهر من وراء الأفق قصة أخرى بعيدة كل البعد عن ما كنّا نتوقعه.
الفتى الصغير يكبر بدون مقدمات، ويختلف اسمه، ويغدوا في غاية الغرابة وهو يشق طريقه في حياة تكاد تكون ليست له. يحاول الفتى المراهق ان ينسجم مع المجتمع من جديد! ماذا فعل؟ ولماذا يتبنى حياة مختلفة؟ لماذا لا يعرف كيف يحب؟ لماذا نراه في حيرة من امره؟ لا أحد يعلم!
الماضي ينقشع شيئا فشيئا فنعرف، ان الفتى الصغير قد ارتكب جريمة هزّت الشارع في بلدته الصغيرة بمصاحبة صديقة. الصديق مات "منتحرا" في الإصلاحية، و"جاك" نجى وتم اعادة تأهيله وخرج للعالم من جديد بإسم جديد وحياة جديدة. العلاقة الرومانسية التي تنشأ بين "جاك" وزميلته بالعمل أروع ما يكون في الفيلم. الفتى المحروم من الحب، الغارق بالإثم وتأنيب الضمير يجد أخيرا فتاة تحبه كما هو. هي بالطببع لا تعرف ماضيه، ولكنها تحبه وتحترمه وتعطيه من روحها وجسدها ورغبتها الحقيقية في أن تبني حياة جديرة معه.
تدور الأحداث لتنهار فرصة "جاك" بحياة جديدة .. يسقط الجدار الذي وضعه جاك بين ماضيه وحاضره .. ولا يجد الفتى بُدا إلا من الهرب!
جمال الفيلم يكمن بسوداويته التي يظهر منها بصيص نور! ذلك الأمل الجميل الذي يجعلنا نرى الحياة بمنظور مختلف. السؤال الذي يطرحه الفيلم هنا : (( اذا قررت ان تمنح نفسك فرصة أخرى .. هل سيوافق على رغبتك الآخرون؟ ))!


Atonement


كعادة الملاحم الدرامية، لابد ان تدور حول قصة حب عميقة!
الممثلة المتألقة Keira Nightly بدور الفتاة سيسيليا، ابنة العائلة الأرستقراطية المرموقة، والتي تقع بحب ابن الخادمة الشاب "روبي". ما بين صراعها مع مكانتها الإجتماعية وحبها الدفين الذي لا يخلو من تناقصات وانكار في البداية، إلا أنها في النهاية تجد نفسها مجرورة الى احضان العشيق. " خطأ مطبعي" فادح يدفع الحبيبين لأحضان بعضهما.
تعرف بالخطأ أخت سيسيليا الصغرى "بروني" ذات الثلاث عشرة سنة. تلك الفتاة الرتيبة التي تنكفأ على كراستها لتؤلف قصص من خيالها، تحلم بروني ان تكون كارتبة شهيرة في يوم من الأيام، لهذا هي تعيش في عالم خاص بها من خيال ممزوج بالواقع فترى الأمور أحيانا على غير طببيعتها.
يشعر المشاهد في خضم أحداث الفيلم ان "بروني" المراهقة الصغيرة تحمل شيئا من المشاعر لروبي، ويتأكد الموضوع عندما تقرر بتواطئ غريب مع الأحداث أن تتهمه بتهمه شنعاء هو بريئ منها، فقط لتبعده عن اختها سيسيليا والتي شهدت عن طريق الخطأ لحظة حبهما. يذهب الحبيب بعيدا عن حبيبته، وتغادر سيسيليا الى حيث شاءت بعد ان ضاقت ذرعا بتقاليد العائلات الأرستقراطية وتكلفهم.
تكبر بروني، وتعرف فداحة خطأها والألم والعذاب الذي وضعته في قلوب الحبيبين، ادركت أنها كانت سببا في تفريقهما، وأن "روبي" الفتى البريئ من التهمة الحقيرة قد غادر السجن ليكون جنديا في الحرب العالمية التي اندلعت ضد النازيين! بروني لتكفر عن ذنبها التحقت بكتائب التمريض لتساعد الجنود الجرحى. حاولت ان تعيد العلاقات مع اختها.. ولكن سيسيليا رفضتها وانكرت عليها فعلتها بعد ان اعترفت بروني بالكذبة التي اودت بروبي لمصير مجهول!
تموت سيسيليا وحيدة .. ويختفي روبي من حياتها الى الأبد .. وتغدو بروني واحدة من أشهر الكاتبات، مسنّة وهي الأخرى وحيدة، تكتب آخر رواياتها اعترافا كاملا بما اقترقه يداها.
للأفلام الإنجليزية نكهة خاصة، ربما تكمن لذتها في اختلافها الجوهري عن افلام هوليوود التي اعتدنا عليها. فيها عمق خاص لم اعد أجده في الأفلام الأمريكية. وكأن الأخيرة قد فقدت عمقها لإنها تسعى وراء شباك التذاكر فقط لا غير.
أنصح بمشاهدة الأفلام الثلاثة بلا تردد ..
وإن كان هناك فيلم انجليزي لابد وأن نراه .. فلا يتوانى أحدكم عن ذكر اسمه.


الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

فلنتفلسف قليلا ..


ماذا لو كانت سبمبوت .. تكذب ؟
كان لقبي عندما كنت صغيرة " أم شلاخ" لإنني بطبيعة الحال كنت أكذب!
تفسيراتي الآن والنابعة من نضوجي ونظرتي الشخصية للتاريخ الذي تركته ورائي تنقسم الى قسمين:

الأول: أنني ومنذ صغري كنت فتاة مبدعة تتمتع بخيال واسع وفكر خلاّق. منذ صغري وأنا احيك القصص، وأؤلف على صديقاتي وقريباتي وبنات خالاتي ألف رواية وستين الف حدث! لماذا كنت اكذبها؟ لإنني ببساطة لم أتعلم بعد معنى أن يكون هناك عالم تماما مثل الكتابة استطيع أن اسرد فيه عصير خيالي الجبّار دون أن يحاسبني عليه أحد. كنت فعلا أؤلف القصة وأصدقها، أصدق أن ابن جيراننا غمز لي وأنه قال أنه يحبني! ان والدي سيأخذنا في الصيف الى امريكا! وأنني جمعت عيادي ما يقارب ال800 دينار على مر السنين وأنني احتفض فيها بحسابي الشخصي في البنك!

الثاني: أنني كنت بحاجة ماسة للتجمّل. واقعي المعاش لم يكن بالضرورة ما حلمت به، فأكذب لأخلق لنفسي عالما آخر تماما مثل الذي اريده، اكذبه على نفسي وعلى المحيطين من حولي لأصدقه وأعيش حذافيره وكأنه جزء من حياتي الحقيقية. يمنحني ذلك شعورا وقتيا بالسعادة عندما أشعر بأنني أزحت الزحام ودخلت دائرة الإنتماء الضيقة عندما يتقبلني الناس من حولي لإن والدي وعدني انه سيشتري لي سيارة مرسيدس، أو أن منزلنا الجديد والذي هو قيد البناء سيكون فيه حمّام سباحة!

الطريف ان في كلا الحالتين كان يلاحقني الكذب لا محالة ليغرس اسنانه فضائحا موجعة – لا داع لها – في مؤخرتي. فيضحك علي من يضحك، ويفقد ثقته بي من يفقد، ويناديني الجميع أم شلاخ! والمفارقة، أنني كنت استمر بالكذب، لإنه قد فات الأوان واصبح الكذب جزءا لا يتجرأ من شخصيتي الطرية!

على طاولة أحد المطاعم الأسبوع الماضي لمحت نظرة غريبة في عيني فتاة كانت تجلس بالطاولة المقابلة لنا أنا وزوجي ..
ابتسامة متوارية، ونظرات نزقة بالغة الفضولية، وعينين مليئتين بالكلام! حتى زوجي لاحظ اضطرابها وأخبرني أنها تتصرف تماما كمعجبة قد لمحت للتو شخصية عامّة أحبتها. ابتسمت لها، فتفاجأت أنها قد قامت من مقعدها وتوجهت نحوي بقلق. لازالت الإبتسامة معلقة على شفتيها ..
- سارة؟ سبمبوت؟
ابتسمت وقمت من كرسيي ومددت لها يدا مصافحة ..
عرفت أخيرا أنها من قرّاء مدونتي، انها رأت صورة لي قد نشرتها في يوم، رأت زوجي الأجنبي فرسمت خطا بين الصورة والواقع وعرفت أنني هي أنا ولا أحد غيري. قالت الفتاة كلاما كثيرا ضمنته بعبارات الإطراء والمديح والاحترام وجعلتني اشعر وكأنني أنجلينا جولي.

قبل ان تغادرني الفتاة التي لم استوعب أنني لم أسأل عن اسمها، تركت على طاولتي عبارة قد أشعلت فتيل هذا البوست:

(( وايد سألت نفسي ان كان كل إللي تكتبيه صج!! يعني ان كنت فعلا حامل، وإن كان فعلا زوجج امريكي .. بس طلع كلامج كله صح، والحقائق واقعية. آنا فعلا سعيدة لإني شفتج وتأكدت بنفسي !))

ذهبت من حيث أتت .. وأخبرت زوجي ما قالت فسألني:
(( It’s a very valid question .. Why aren’t you lying ? Why are you telling the truth in your blog? ))
السؤال الأكثر إثارة هنا ..
ماذا لو كانت سبمبوت تكذب؟

ماذا لو اكتشف كل من يقرأ مدونتي أن كل ما أكتب تحت تسمية " جزء من نفسي" ما هي إلا تخاريف انسانة واسعة الخيال، تتجمل لتجد الإعجاب والإنتماء في أوساط اعتقدت أنها لن تشعر دفئها عندما تكون على طبيعتها؟ عندما تطرح واقعها على الطاولة عارية مجردة من الرتوش المثيرة والزيادات المختلفة؟ ماذا لو عرف القراء أنني فتاة أصلا غير متزوجة، وليس في حياتي غدّونة، ولست بطبيعة الحال حبلى؟ وأن قصة زواجي من هذا الرجل بكل حذافيرها الاستثنائية ما هي إلا ضرب من خيال؟

ترى كيف ستكون ردود الأفعال؟ وكيف سيتعامل كل من قرأ يوما وعلّق على القنبلة الجديدة ؟ هل سيقاطعون المدونة؟ سيسبّون الكاتبة الكاذبة؟ ام سيشفقون عليها ولن يعاودوا زيارة شخصية وهمية خلقتها سبمبوت لتدغدغ بصدقها الوهمي وصراحتها وجرأتها الواهية نفوس القرّاء وانفتاحيتهم على شخصية مخلوقة لا موجودة؟ هل سيخيب الضن في شخصية سبمبوت؟ او أنها ستكون واحدة من تلك الأساطير التي استطاعت أن تخلق عالم على الرغم من عدم وجوده، راقي وجميل ومحبوك؟ هل سيقدر القرّاء مهارتها في حياكة القصة؟ أم أنها وموهبتها الفذة ستعزران أمام الناس أجمع في ساحة مكشوفة؟ كم جلدة ستستحق سبمبوت في شارع المصداقية؟

ليس هناك في عالم المدونات – مثل الصحافة – ميثاق أمانة، فهل ستفقد سبمبوت ثقة الناس بها ولن يعودوا من جديد للقراءة؟
لو كان كل ما كتبت في مدونتي منذ اليوم الأول ضربا من خيال ..

هل ستعود اعينكم للقراءة؟

السبت، 17 أكتوبر 2009

يوميات رجل مُنقَب !

تنويه: أنا لست ضد النقاب، ولا ضد المرأة التي ترتديه راضية قانعة سعيدة بقرارها، محتسبة فيه تقربا واجتهادا الى الله ..
أنا ضد فكرة ان ترغم المرأة على ارتداءه اكراها .. بدون قناعة منها ولا قبول.






المرسوم:
والدي في غرفة المعيشة يناقش والدتي البسيطة الأمية في موضوع "وجه" اختي. نعم لوجه أختي جلسة منفصلة للحوار من طرف واحد. اسمع صوته ولا أسمع صوتها، يسأل ويرد على نفسه، يحاور عقله بصوت عالي، ويغضب ويثور على الأفكار الافتراضية التي تدور في خلده. يعلو صوته ما إن يظهر صوت متقطع متردد من تحت حلقوم أمي:

" هو له داعي يا بو فهد؟"

تنهال كلمات عالية النبرة أشبه بالشتائم، أمي تخالها مسلمّات فطرية جبل عليها الرجل في تخاطبه الرسمي مع حرثه. وأنا، لا اهتم لها كثيرا لإنني ومنذ صغري اعتدت سماعها، واعتدت على تقبّل أمي لها. أسمع أمرا نهائيا بتبليغ المرسوم " لعنيزة" عنيزة .. اسم حركي مستعار منحته لأختي، لا استهزاءا ولا استخفافا ولا تصغيرا لها، ولكنها اكتسبته فقط لإن لها صوتا حادا مهدرج أشبه بصوت الماعز الصغيرة.

أمي قامت تنادي عنيزة .. في نهاية الدهليز المظلم، الذي يشق صدر البيت يفتح باب غرفة عنيزة وتخرج فتاتي الأولى، بيضاء طويلة ذات شعر أسود ناعم بضفيرة غليظة معقوفة للأعلى. تحجبت عنيزة عندما بلغت سن الرابعة عشرة، وهي الآن بصدد استلام المرسوم الثاني الذي يحدد تداعيات اكتسابها صفة الأنثى الكاملة في محيطنا، الخطوة الثانية لمشوار بلوغها سن الزواج. عن طريق "الستر" الكامل ستتمكن عنيزة من الحصول على عريس جيد يرضاه والدي وتقر به عين والدتي.





التبليغ:
وكأني أراها .. تقف بخضوع مقابل أمي وأبي، أمي تدفن رأسها بالأرض كالمعتاد، وأبي يشق بجبينه سقف الغرفة!

" تروحين مع أخوك اليوم السوق، تشترين غطوة وجه وتسترين وجهج من اليوم "

يتهدج صوت عنيزة، المح تباشير بكاء في حدته، تخنقها بمهارة من اعتادت على البكاء المضغوط، وتسحب أذيالها خلفها بعد أن أقرّت بالطاعة. آخر ما سمعته منها "ان شاالله يبا".

في السيارة .. أنا وعنيزة في الطريق، لأول مرّة لا أرى وجهها بجابني، أخذت من والدتي نقابا وانتقبت. ما تبقى من ملامحها المطموسة خلف القماش الأسود معجون بحزنها الجائر. استحلفها أن تكلمني، ان تقول لي شيئا، أن تقص لي واحدة من قصصها البناتية الشيقة. ولكنها لا تتكلم.

اشترت نقاباتها .. صامتة، تائهة لا تتحدث ولا تتحرك .. انا أقودها، أنا أحركها. وكأنها للتو عرفت أن لا جدوى من تحريك جسدها بنفسها طالما أن كل شيء غيره سلفا موصول بأسلاك سيطرة غير مرئية.
في طريق العودة أحدثها .. أتظاهر أني أكلم نفسي: "لا تيأس يا ولد، حتى وإن فرضت عليك الحياة قشورا لا تعنيك، سيأتي اليوم لتنزعها عن جلدك. لابد وأن يأتي اليوم الذي فيه بيدك تمسك لجامك وتلقيه على الأرض لتتحدث مع الناس والطيور والسماء بحرية صوتك المتهدج".
وصلنا، نزلت من السيارة .. وقبل أن تتركني لمشواري التالي .. مدّت يدها في كيسها وأخرجت واحدا من لجاماتها وناولتنيه. بصمت صفعت باب سيارتي .. استدارت وغابت الى الداخل.


المفترق:
الى الديوانية اليومية وجلسة الشباب الليلية على انغام السمات الصيفية أحمل نفسي، أقود سيارتي وكأنني من يحملها لا هي من تحملني! على صدري ثقل هم اختي، في عيني دمعتها التي لم تسكبها، على شفتاي كل الكلمات التي لم تقلها في كل سنة من سنينها. عنيزة فتاة ذكية، قادرة على استدراج حوار ناضج وقادرة على مجاراته. في شغفها للأشياء من حولها حلم وردي للنضوج في كنف الحقائق كما هي، بلا تكرار بلا املال ولا مواربة. اقصى أحلامها أن تستلقي يوما على رمل البحر تتأمل السماء وتعد النجوم. قالت لي يوما أنها فعلا تريد ان تلتصق رمال الشاطئ بشعرها، فتطلقه وتنفضه من حبات التراب وحبات العرق بذات الآن.

لماذا أشعر بغم عنيزة في قيعاني، ولماذا اهتم بمشاعرها الى هذه الدرجة؟ هل أنا رجل ناقص الرجولة؟ اصدقائي يعيرونني عندما أنطق اسم أختي عاريا أمامهم. ويلومونني عندما أحدثهم أنني أخذتها الى ماكدونالند لنلتهم أنا وهي وجبات مقتطعة من ولائم أمي التقليدية! يخالونني مجنون أفتح لها سماءات ليست من حقها، ويخالونها ستركب على أول غيمة انحراف وتسافر بعيدا عن الخيمة!
على مفترق الطريق انتظر دوري في المرور، المفترق تماما مثل وجه عنيزة، عيناه موغلتان بالظلمة كعينيها، وخدّاه الناهدان في طريقهم إلى الانزلاق إلى الأنقاض. التفت لمكانها فأجد نقابها، هديتها الأخيرة التي مدّتها جسرا حواريا صامتا بيني وبينها. مسكت النقاب بيدي .. وفي عتمة المفترق وضعته على وجهي!


اليوم الأول:
استفيق ..
اغسل وجهي، واسمع صوت أمي تنادي عنيزة للفطور والعمل، وعنيزة لا تجيب في البداية، ثم تجيب أنها لا تريد ان تأكل شيئا! اليوم هو اليوم الأول الذي ستذهب فيه عنيزة لدوامها منقبة. ستلبسه في السيارة، والشارع، والممرات، وعلى مكتبها، وبين صاحباتها، وعند مديرها، وفي طريقها للحمام، وفي طريقها للمصلى، وفي طريقها للسيارة الى البيت من جديد. ستختنق عنيزة بلجامها لمدّة 8 ساعات صباحية يومية، وعندما تقرر الخروج مع امي للسوق مساءا، ستختنق من جديد!

شعري في مرآة الحمام أشعث، لحيتي مقززة لا وقت لدّي لحلاقتها وعينياي وارمتان من سهر الليل والإستيقاض مبكرا في الصباح. أقول لنفسي، لو كان على أي شخص أن يتنقب فهو أنا!
أغسل وجهي .. وتلفني حمامات الفكرة، هل عنيزة حزينة لأنها تنقبت غصبا عنها أو لأنها تخاف عذاب النقاب وشقاءه؟ تحوم الحمامات حول رأسي أكثر. هل جرّب رجال المراسيم الإجبارية أمثال وادي ماهية نقاب النساء؟ هؤلاء الذين ينادون به وهم يعلمون انه لا فرض ولا يحزنون؟ هؤلاء الذين يجبرون قواريرهم على الإلتفاف بالسواد، هل عرفوا يوما شعور فرض السواد؟ تغطية الرأس بأقمشة ضيقة؟ تكميم الفم بقطعة متدلية؟ هل فكروا يوما كيف يمضي اليوم؟ كيف تخرج الكلمة؟ هل يرتد اللعاب في الفم؟ وهل يختنق الهواء ويختلط الداخل والخارج من السموم؟

عند مرآة غرفتي أقف، أضع على رأسي غترتي، ألفها أولا حول رأسي لكي أرفع درفتاها فوق رأسي .. يأتيني وجه عنيزة انعكاسا فضوليا في وجهي. لا أعلم ماذا حصل، ولكني بدلا من رفع طرفا الغترة، احكمت لفهّا حول رأسي، ثم غطيت بالأطراف الباقية أنفي وفمي .. التثمت جيدا بغترتي .. في ذلك الصباح أنا ايضا تنقبت!

تجربة ميدانية:
أقود سيارتي .. واسترق لمحات سريعة مقتضبة في المرآة المعلقة أمامي، اجزع لحظيا عندما لا أرى وجهي .. سرعان ما أتذكر.
أعمل في وزارة من وزارات الدولة، أجلس في مكتب صغير بلا نوافذ مع زميلي. عملنا مكتبي بحت لا يتطلب منّا الخروج او حتى مقابلة المراجعين. في اغلب يومي أزور مكاتب زملائي من حولي، او مكتب المدير عندما يناديني لتنفيذ مهمة، استخراج ورقة من الأرشيف، او حتى عندما يدعوني لشرب فنجان قهوة!

اوقف سيارتي، اترجل فألمح انعكاسي على نافذة سيارتي الزجاجية، ارتعب للحظة لإنني لا ارى وجهي. أمشي تحت الشمس بإتجاه البوابة الخارجية. يرمقني المارّة بعينين متشكتتين. أمشي تحت الشمس في الممر الطويل داخل اسوار مبنى الوزارة فأحس بنفسي يتمزق. الهواء من أنفي لا يخرج ولا يدخل بصورة طبيعية، يضيق صدري فأسارع الخطى لأصل الى داخل المبنى وتحت مكيفات الهواء الطنّانة. الممر الخارجي يطول، افتح فمي من تحت اللثام وأحاول سحب أكثر كمية من الهواء، يدخل الهواء على استحياء .. يضيق صدري. شمس الكويت الحارقة، تدخل حرارتها الى جانبي رأسي ولا تخرج، النسمات الشحيحة ملجومة ومخنوقة لا تجد متنفسا للهروب. يهرب هوائي منّي وأبدأ بالتعرق. أشعر بحبات العرق تحت أذني وحول رقبتي. لا تتكثف كالعادة ولا تطير مع نسمة الهواء التالية .. نسمات الهواء لا تدخل .. يضيق صدري!

أسابق نفسي للبوابة، ادخل أضع حاجياتي على حزام التفتيش وألقي على الأرض شخصيتي! يرمقني مسؤول الأمن بريبة! يقترب منّي فأريه هوتي، يسألني ان افتح اللثام .. أتكلم .. ولا يخرج الكلام عاليا حرّا طليقا بلا قيود. صوتي يرتد عائدا إليّ. مخنوقا ذابلا وكأنه سقط في بأر عميقة. يضيق صدري.

أؤشر له لمكان معزول، آخذ هويتي وبقايا شخصيتي وأفتح اللثام وأريه وجهي .. تماما كما تفعل المنقبات .. يضطررن أحيانا لعرض أنفسهن للتأكيد على كيانهن في زاوية معزولة من العالم، مع شخص من نفس الجنس. يسألني لماذا اللثام؟ أخبره:
حالة مرضية مستعصية!
ويرد علي : ربنا يشفي ..


المكتب:
أصل مكتبي، يبدو اصغر وأحقر من ذي قبل ! لأول مرّة ألعن فيها المصمم الذي لم يتذكر أن يضع في قفصنا نافذة. أجلس على الكرسي ولثامي لازال على وجهي. انظر أمامي وأسأل نفسي إن كنت فعلا سأقوى على قضاء اليوم كاملا هكذا. افتح جاروري فألمح انعكاس نفسي في مرآة صغيرة وضعتها داخله، امتقع لإني لا ارى وجهي ! اتذكر عنيزة، اصفق الجارور وابدأ عملي وأنا اتنفس من فمي!
يدخل زميلي، يسلم مثل كل صباح، ويتوقف دقيقة وعلى وجهه ابتسامة حائرة!

أقول له أنني بصدد تجربة ميدانية مهمة. يسألني أكثر فأقول له .. فرض على أختي النقاب البارحة، بكت .. فقط أردت أن أعرف لماذا بكت أختي؟
صفق كفا بكف وقال لي: " لإنها ببساطة، ناقصة عقل ودين" ..

صفقت كفا بكف وقلت: " ما عليك زود"!


افطار الصباح:
نطلب أنا وزميلي كل صباح فطونا من الكافتيريا الملاصقة لمبنى وزارتنا، غالبا ما يشمل فطوري على سندويشة جبنة مشوية وعصير طازج. قمت أنا بمحادثة المطعم بالتلفون، وأشفقت على نفسي وأنا أناضل لكي يخرج الصوت بنبرته الصحيحة من تحت اللثام. يسألني أن أكرر ما قلت لإنه لا يسمعني، وأعيد عليه الكلمة مرتين! انقطع نفسي .. وقررت أن أختصر معاناة الكلام وأوكل المهمة لصاحبي.
وصل الطعام، كيف آكل؟ من اين افتح اللجام؟ يجب ان يتدلى لثامي مثل نقاب عنيزة. ويجب ان اسرق البؤرة الضيقة من المساحة الممكنة لأدس بها طعامي. فتحت اللثام من الأسفل وأدخلت الساندويشة فلطخ الجبن الذائب طرف غترتي! اغتظت. أحسست بالجوع أكثر وأنا أرى كم حرا طليقا زميلي وهو يقضم ويعلك ويهضم! تكلفت العناء، قضمات صغيرة لا تشبع نهمي! عود العصير محبوس بين جلدي والقماش .. أشرب ام اتنفس؟
قضمة أخرى .. لطخة اخرى وفتافيت الخبز لا تجد مخرجا إلا الالتصاق بلحيتي .. اقرف! أعلك .. امضغ وارفع رأسي لأقتنص الهواء .. اقضم، اعلك، امضغ .. وأناضل من أجل الهواء. اقضم، امضغ، ابلع واشتاق للهواء! انهيت الساندويشة الأولى بلطخات جبنة على نقابي، فتافيت خبز على لحتي، جلدي مبلل عرقا واختناقا، وشهيتي رفضت الشروع بالساندويشة الثانية!


الزملاء:
يدخل علينا المدير فيمتقع ويسأل، اخبره أنني في تجربة عملية .. لا يهتم للسؤال أكثر. يدخل زميلنا المصري ويبتسم ويسأل، اخبره أنني حلقت شاربي بالخطأ ولا أريد أن يراني أحد بلا شارب. يدخل زميلنا الآخر فيضحك ويستفسر فأخبره أنني استخدمت دواءا حرق بشرتي ولا استطيع ان اعرض وجهي للشمس ولا اضواء النيون! ينظر لي بشفقة، يتحمد لي بالسلامة ويمضي. يدخل المندوب الهندي ويهز رأسه بتعجب، أخبره أن وجهي مضطرب من بعد السهر والنوم القليل، يهز رأسه متفهما ويخرج. تدخل زميلة وتسأل، اخبرها أنني في خضم تجربة اجتماعية، تسألني أكثر .. فأخبرها أنني أريد أن اعرف كيف سيمضي اليوم إذا لم يكن لدي وجه. أعتقد أنها تفهم المغزى .. تبتسم، تتمنى لي التوفيق وتخرج.
يدخل الكثيرون .. يرتابون، يتساءلون، يندهشون، يشفقون، يضحكون، يبتسمون، يتعاطفون، يعرضون علي المساعدة، العون .. يهزون رؤوسهم ويخرجون!
قوّة المرسوم طاغية .. اقنعت ملايين الرؤوس أن لا ريبة ولا اشفاق على كيان أسود يمشي بلا وجه طالما كانت امرأة .. بينما اذا كان رجلا بلا وجه، فمن حقنا ان نرتاب، نخاف نشك! من حقنا ان نسأل ونستغرب ونستفسر ونتعاطف ونشفق ونرحم ونعرض المساعدة، نمد يد العون لنخلص الرجل بأسرع وقت ممكن من براثن كيانه المطموس وهويته المخنوقة. لابد للرجل من وجه .. ولا داعي لوجه المرأة طالما انه انطمس بإسم الدين!


الحمام:
أنسى شكل وجهي .. وأعلم ان عنيزة ستذهب للحمام لإلقاء نظرة تفقد على وجهها، تماما مثلها .. أتوجه للحمام. امام المرآة التي تتوج المغسلة استند. أفك لجامي .. أرى خطوط وتعرجات الإختناق على جلد رقبتي. بقايا سيول العرق تنزلق من ازلافي. جلدي المخفي حار ومحموم. يلتصق شعري ببعضه بطريقة جديدة لم اعرفها من قبل. انفي يبدو احمرا، وشفاهي جافة وعجفة. استند اكثر على المغسلة وأرش الماء على وجهي فيتمدد جلدي وأشعر بإنتعاش عطش سبع سنين لا سبع ساعات. اشعر برغبة بالبكاء .. اضع يداي على رأسي وأتخيل أن أيامي كلها ستكون تماما مثل اليوم. أنهار، اتمسح بالجدار، واسقط قرفصاءا في زاوية الحمام!


الساعات الأخيرة:
الساعتين الأخيرتين من يوم عملي ولازال اللثام على وجهي، اشتاق لوجهي .. لحرية ملامحي ان تتحرك بالهواء الطلق، فيلمسها هواء المكيف، معرفة الناس، ألفة الملامح. ردود الأفعال البدائية على التقاطيع الجديدة. لكل وجه ردة فعل عشوائية ما إن يرى وجها للمرة الأولى. اشتقت تلك الإستقبالات الإنسانية الخالصة لإبتسامتي، لألوان التعاطف مع تعابيري، للصورة المعكوسة التي تقابل تجهمي، غضبتي، سعادتي، خوفي، ارتعابي امتقاعي!
كل الإيحاءات الصامتة أنني انسان موجود بتفاصيلي على وجه الأرض اختفت. ذهبت خلف اللثام فأصبحت انسانا بنبرة وجود واحدة لا يحددني إلا وجودي الجسدي الصرف على كرسي امام مكتبي!



ممر العودة أطول:
في الممرات التي ارتادها الى سيارتي، أمشي بلا روح. أتكئ على بقايا الهواء الذي اشفطه بعنف من المحيط الصغير حول انفي وفمي. اتنازع النسمات الأخيرة مع الأفواه من حولي. شمس الكويت حارة حارقة، جونا ليس له موجات. ساكن راقد لا يمنحنا حرية التقلبات. يضيق صدري وأحلم للمرة الأولى في حياتي أن استرد أنفي. أجري نحو سيارتي، افتحها والقي نفسي على مقعدي وافتح المكيف عاليا ينفث هواءا باردا على القماش الذي يغطي جلدي. وعند كل إشارة مرور الصق وجهي بفتحة الهواء .. واتمنى من كل قلبي ان يحرق الهواء غطائي.


العودة الى البيت:
افتح الباب .. أدخل .. افتح لثامي .. والقي نفسي على الأرض.


أمي:
لأول مرة أقبل قدمي أمي .. لا لشيء .. بل لان مرسومها جاء مبكرا جدا .. غطّت وجهها وهي في الخامسة عشرة، أقلها وأضمها، ولا أقول لها لمَ!


عنيزة:
انتظرها عند باب غرفتها أن تفتح لي، تأخذ وقتها .. تفتح الباب وأدخل، أضمها إلى صدري وأسألها عن اليوم الأول في النقاب. تجلس على طرف سريرها وتخبرني تفاصيل مملة .. أهز رأسي .. وأقول لها أعلم، أفهم، أدري. وأحاول في نفس الوقت أن أصفي كلماتها الممزوجة بشهقات البكاء.




أبي:
أخذ قيلولته وجلس في ديوان منزلنا يشرب شاي العصر .. سلمت عليه .. وجلست في المجلس بحضرته. وأخبرته إن لم يسمح لعنيزة أن تخلع النقاب، سآخذها ونعيش أنا وهي سويا في المنزل الذي تركته لي جدتي. ثار وأزبد وصرخ وأرعد .. ولكن عنيزة في النهاية ذهبت لدوامها في اليوم التالي .. بلا نقاب!

الاثنين، 12 أكتوبر 2009

قائمة أم عدنان .. الجزء الثالث والأخير !




(( يس – والقرآن الحكيم – انك لمن المرسلين – على صراط مستقيم )) ..

ساعة حائط،..

رقم سبعة كبير مقطوع من كارتون ملون ..

ولوحة معلقة تمددت فيها امرأة تحت قدمي المسيح!


الجدران الأربعة ارتدت نياشين عشوائية لا تمت لبعضها بصلة. الحائط على يمين الباب يكاد لا يرى من تراكم أشلاء الأشياء فوق بعضها، ولكن لازالت ساعة الحائط تطل من بين الأغراض كعين واحدة لمارد محبوس.

الفراش الذي عادة أراه من نافذة الباب الزجاجية بدا أصغر بكثير مما تخيلت، الأغطية الرثة القديمة التي تغطيه لازالت نظيفة، والمخدة عطرة على الرغم من أنها كانت في نفس المكان منذ اليوم الاول الذي جذبني فيه فضولي لأسترق النظر الى داخل الغرفة. صناديق حديد وأخرى خشبية تحمل على صدرها اقفالا مفتوحة وأخرى موصدة؟
في زاوية الغرفة أكياس اسمنت جديدة لم تفتح متراصة فوق بعضها اعتراها السأم غبارا منذ الأزل. على الحائط الذي تأبط الباب وقفت مكتبة طويلة بأرفف عديدة، امتلأت الأرفف بالكتب البالية والمجلات القديمة واسطوانات ليس لها تاريخ! شاهقة كانت المكتبة تلامس بالكاد الى سقف الغرفة. في الرفوف العليا أوراق مكدسة وفوضوية فوق بعضها، بانت من اسفل على أنها اوراق رسمية مهمة ولكني استبعدت الأمر لإنها لم تكن محفوظة بصناديق او حقائب جلدية مثل كل الأشياء الأخرى المتوارية عن العين المجردة.

سمعت صوت باب الحمام يفتح ولاكشمي تخرج، وسمعت صوت ام عدنان تسأل عني .. ولاكشمي بكسلها المتوارث أبا عن جد تخبرها أني قد عدت للمنزل! أسمع ايضا صوت أم عدنان تتألم من نسمة الهواء الباردة التي دخلت بعظامها ما إن فتحت لاكشمي الباب على مصراعيه. أشفقت عليها، وددت لو أخرج لأقفل عليها باب الحمام من جديد لتنعم بالدفء الذي اعتادت عليه في حمّامها. رغم علاقتها الوطيدة بلاكشمي إلا أن كلتيهما تضمر في قلبها على الأخرى حقد آمن! ربما كان حقد الحاجة، أم عدنان تحقد على شباب لاكشمي وقوة جسدها، ولاكشمي تحقد على ثراء أم عدنان وكثرة مواردها. المفارقة أن كل منهما يستفيد مليا من وجود حقد الأخرى.

على الأرض سجادة هندية بدت عتيقة جدا، عليها رسومات غريبة لمهراجا يمسك في يده وردة حمراء ويقدمها لسيدة جميلة ذات شعر طويل جدا كنهر جار. السيدة مسجاة على فراش وغارقة في الموت، ومن خلفها من وراء النافذة المفتوحة، تاج محل! ذلك الصرح الغارق بالغموض والرومانسية. عرفت ان الأمير المحاك على السجادة هو شاه جاهان، والأميرة النائمة هي ممتاز محل التي بنى لها الأمير تاج محل ليكون قبرها ومثواها الأخير. طالما وجدت نفسي مفتونة بقصص قصور مهراجات الهند وثرائهم الباذخ.

تحت السرير صندوق خشبي صغير، مطرز بالمسامير الذهبية. مفتوح كان الصندوق فاضت منه صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود. أقفلت الباب وجلست على الأرض لأشاهد الصور.فضولي .. ذلك الشبح الذي يقتنصني بشباك الأشياء القديمة التي ليس لها تفسير! لماذا لم تريني أم عدنان صورها؟ ملابسها القديمة التي احتفظت بها في خزانة عمرها؟ فستان عرسها؟ طرحة رأسها الخضراء؟ كانت مولعة بإخباري عن كل القصص التي مرت بحياتها بتفاصيلها المملة، ولم تفكر يوما أن تمزج ذكريات الأحاديث بنظرائها الملموسة!

في الصندوق مئات من الصور المكدسة، لزوجها الذي تركها، لأبنائها الذين طمعوا فيها، لشبابها الذي غاب عنها، لامها العجوز التي توارت تحت التراب، لخادمتها القديمة " تشاندرا" التي سرقت منها وهربت عنها. صور منازل قديمة وأماكن اعتراها الغياب ولم يبق منها إلا قطع من ورق حامض!

جو الغرفة معبق بالغبار، كل ما حولي لم يمس منذ زمن لهذا ربما أحسست بالذنب وأنا أسوح بيدي المناطق العذراء! على المكتبة، في رف يصعب علي الوصول اليه وجدت ملف أسود جلدي أهديته لها منذ سنين. قالت لي يوما أنها بحاجة الى مكان تحتفظ فيه بأوراق قضايا المحاكم التي جرجرها اليها أبنائها. في رحلة الى مكتبة القرطاسية اشتريت لها من مصروفي ملفا اسودا يقفل بسحاب طويل.
أذكر أنها سألتني إن كان بإمكانها وضع قفل عليه! متيمة تلك المرأة بالأقفال الحديدية بكافة أشكالها وأحجامها! قالت لي ايضا مرّة أن القفل الحديدي الثقيل ما هو إلا وهم كبير .. بفتح بضربة مطرقة واحدة، ولكن ما إن تراه عين الطامع حتى تعتقد أنه صعب المراس، فتتراجع عن فكرة المحاولة.

تسلقت المكتبة وأخذت الملف، كنت دائما مهتمة بتفاصيل القضية التي ربحتها على ابنائها!

في داخل الملف صور لي التقطناها انا وهي في بيتها! نسخ من تفاصيل رسمية لحياتي! صورة عن بطاقتي المدنية، صورة عن جواز سفري، صورة عن وثيقة جنسيتي، شهادة ميلادي، رخصة قيادتي!

امتقع وجهي، وأخذت انبش داخل الملف أكثر! لماذا تحتفظ ام عدنان بوثائقي؟ ألف فكرة في سباق، ايهم يصل الى الحقيقة التي تهرب في صفا ومروى من رأسي الى قلبي. صراع بين الشك والحقد والخوف والغضب! من هي أم عدنان ولماذا اجد وجودي كاملا في حقيبة سوداء داخل غرفة لفتها العجوز بهالات أزلية من غموض؟

ابحث أكثر .. في الملف مراسلات بين محامين وبينها، بصمات اصابعها، توكيلات قانونية، تواقيع وطوابع حكومية!
وجدت قائمة عشوائية .. كتبت فيها بخط يدها المرجوج أسماء لأشخاص عرفتهم يوما .. واسمي كان في أول القائمة...

في الملف ايضا .. وجدت وثيقة تنازل شاملة قانونية شرعية كاملة، للمنزل موضوع الخلاف .. لي وحدي!

الاثنين، 5 أكتوبر 2009

سنتان .. ونحن صديقتين !





( كل عمرك .. وأجمل أيام عمري .. قضيناها ونحن صديقتان )



تتقمص ابنتي شخصية القطة وهي تلعب معي، تمشي على اربع وتسبّل عينيها وتصدر من فمها الوردي مواءا ناعما .. تقترب مني بخطوات رائقة وتتمسح بكتفي، تمد لسانها وتلحس راحة يدي وكأنها قطة صغيرة تلعق حليبا من وعاء! اضحك عليها ومعها .. لكني بذات الوقت ادهش من سرعة الأيام التي مضت على ظهر برقة، وجعلت من قطعة اللحم التائهة، انسانة غاية في الجمال .. لم تكتف بزوبعة ذاتها ونفسها التي تكبر وتنمو وتتعلم، بل باتت تغزو بفكرها الغض وخيالها الذي تطور في لمح البصر عوالم مخلوقات أخرى تحبها .. مرة قطة .. ومرة كلب!


في الحادي والعشرين من الشهر الفائت، وتحديدا في ثاني أيام العيد .. بينما نجم الروح لم يكن هنا، احتفلنا أنا وغدن ولفيف من الأطفال بعيد ميلادها الثاني .. وقفت وسط الجموع لا تدري أن كل ما حولها ومن حولها لها، كانت متجهمة وباكية لإنها ومنذ الصباح اردات قطعة كيك وماما لم تعطها! كانت واقفة في المنتصف .. الكل يغني لها إلا هي .. كانت فقط تريد كيكة!


سنتان ونحن صديقتان .. أكبر وتكبرين معي .. تغدين طفلة فتسحبيني معك الى عالم .. نختبئ أنا معك فيه خلف الستارة ننتظر أحدا يكتشفنا، يأتينا بابا ويزيحه عنّأ .. فنمسك يد بعضنا ونركض بينما هو يزأر من خلفنا .. اضحك على وجهك المفزوع فتختبئين بصدري .. وعندما تشعرين بالأمان، تلتفتين عليه وتصرخين فيه:
(( Bad girl Daddy .. U r bad girl ))

سنتان ونحن امرأتان تتقاسمان كل شيء، اشتري لك ملابسك وأحبها .. اتمنى لو استطيع ارتدائها! وأشتري لي ملابسي فتلفين بها نفسك، تركبين أحذيتي العالية وتسوحين البيت طقطقة، تمسكين حقائبي الغالية وتقولين لي أنك ذاهية للجمعية! ترسمين خيوطك وخرابيشك على كتبي ومجلاتي ودفاتري .. والغريب أنني عادة اضحك ولا اغضب!

لا أعلم منذ متى بدأت اشاطرك أسراري .. نلعب معا بجواريري، نكتب معا في دفتر مذكراتي، ونبكي معا دعاءا قلبيا خالصا على سجادة صلاة واحدة. لا أعلم أول لحظة قررت فيها أن تكوني ملهمتي .. ربما عندما نطقت للمرة الأولى "ماما"، او ربما عندما جئت الى فراشي يوما بينما اغمض عيني من التعب ومسحتي براحة يدك الصغيرة على وجهي وشعري .. لتدمع عيني بلا شعور .. وألمس في داخلي نسيما باردا يخبرني أن الله – في تلك اللحظة بالذات – أحبني.

تعلمت ابنتي أن تسألني عن الأشياء التي تريدها : (( Mommy .. Can I take gum ? )) لا ارفض غالبا لإن مجرد السؤال غاية اللطف .. وعندما ارفض بعض المرات تسكت، وكأنها تفهم أننا لكي نحيا لما يقارب العشرون سنة القادمة سويا .. يجب علينا نحن الإثنتان أن نتناوب في التنازلات!

عندي هواية جمع الدفاتر غريبة الشكل والمذكرات الصغيرة من كل حدب وصوب .. مسطرّة، صفحات بيضاء، فواصل ورسومات، من محل هدايا كل معرض او متحف ازوره حول العالم، وتلك التي صممتها دور الأزياء العالمية والمصممين المعروفين .. لدي أكثر من 60 دفترا ومذكرة، احتفظ بها واتثاقل استعمالها لإنها غالبا جميلة، رائقة وغالية .. عندما جاءت غدونة وجدت نفسي أكتب في أجمل مذكرة من مجموعتي رسائل وذكريات منّي خاصة لها .. تقرأها عندما تكبر لتعرف أننا كنّا منذ أول يوم رأينا فيه بعضنا .. صديقتان!

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت