كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الجمعة، 22 يوليو، 2016

زائر الليل ..



لم نكن على خلاف .. كانت الفكرة محاولة جيدة مني للخروج عن المألوف، القفز بعفوية لخارج الصندوق! او ربما العدو فوق حواجز الوقت والملل!  لم لا نجرب ما يخاف منه الأزواج الآخرين. عندما اقترحت عليه ان ننام بغرفتين منفصلتين، استصعب الأمر، رمقني بنظرة الـ " puppy" التي يجيدها جيدا :
-       لا ما راح تكسر خاطري .. تعبت من الشخير!
-       اوكي راح أعالج ..
زوجي من هؤلاء الرجال الطيبين، ربما لأنه احترف منذ زمن طويل وضع نفسه على الهامش والتفكير الصادق بمشاعر الآخرين، ما يتعبهم وما يحزنهم! عندما يصل لأجوبة يبدأ تلقائيا ببذل مجهود أصيل ليزيح عنهم الغمامة. هو من هؤلاء الرجال الذين إن تمكنوا من إزالة كرب أحدهم شعروا أنهم "سوبر هيروز" يساعدون الناس ويحمون العالم من الشرور!
-       لا ما ينفع تعالج .. صار لك سنين وأنت تجرب مخدّات طبية، وكشنات تقويم الرقبة، ولصقات الخشم، ماكو شي نفع معاك ..
-       حبيبتي .. والله تبين تخليني بروحي بالليل ؟ منو يدفيني؟
-       اسم الله عليك انت فيك حنية تدفي بلد ..
-       انزين .. والـــ !!

كأي رجل .. يجب أن يفكر بالجنس! لو لم يسألني هذا السؤال لتكونت غمامة رمادية من الحزن داخلي! حتى لو لم نكن معاريس جدد، حتى لو لم نعد نمارس حقنا لبعضنا إلا في أوقات نادرة، حتى لو عفا علينا الزمن ونحن في كنف بعضنا، حتى لو زالت شرارة الشغف من حياتنا، حتى بعد أربعة أطفال أكبرهم أصبحت في الجامعة .. كان يجب أن يخاف زوجي من فكرة أنه عندما يريد .. لن يجد!
-       لا تخاف .. كل ما ولهت علي تعال زورني، ترى أنا مو رايحة بيت ثاني!.. كاني خطوتين وتلقاني، تسحّب لين عندي مثل الحرامي وإنسدح بفراشي وسو كل إللي تبيه. المفاجآت حلوة وكل شيء يونّس بالبوق!
اعتقد ان تكنيك محاولة الإقناع الممزوجة بالتشويق والإثارة نجح في جعله يفكر بعلاقتنا الزوجية بطرق أخرى مختلفة. مثيرة فكرة ان لا يجدني بجانبه ليلا، خطيرة فكرة أن تهزه شهوته وتزيحه عنوه من الفراش فيأتي كالأيام الخوالي تسيره غريزة الصيد. الاندساس الليلي في فراشي، الشعور الفجائي بالجسد الناعم، أن يوقظني بقبلاته في منتصف الليل هكذا بلا مقدمات .. يأتي كالذكور الأوليين "سي السيد الحِمش" لأخذ حاجة، انتهاك أنثى بشغف الحب لا العنف .. ثم الذهاب بعيدا الى مرتعه الخاص .. عرينه البعيد.
-       وبعدين تخيلني وأنا مشتاقة لك .. أزورك بالليل وأصحّيك بولهي .. ما راح تستانس؟
اشرقت بوجهه ابتسامة حقيقية :
-       يعني بتصيرين زائر الليل؟
-       إي ..
يتنهد .. ينظر لما بعد بحر عيناي بورع البحّار الذي للتو أبصر ملامح شاطئ من بعيد ..
-       أحلى زائر ليل !!
عدّت الليلة الأولى على خير، لم نزر بعضنا، ربما لأنني كنت غارقة في نوم بلا شخير، وربما لأنه كان يعلم أنني في داخلي أريد أن استمتع مليا بليلتي الأولى في مملكتي الخاصة! نمت ملئ جفوني، في لحاف لا يسرقه أحد، على وسادة رششتها بعطري المفضل، بعدما قرأت كتابا رائقا لا تقطعني عنه موسيقى الراديو او صوت التلفاز الذي عادة لا ينام زوجي إلا على ثرثرته. قرأت قصصا حقيقية عن "الحب في زمن العبودية". على الرغم من انتهاك الروح والكرامة في ذلك الزمان، إلا أن الحب كان لابد أن يجد للنفوس المكسورة طريق مرصوفة بالشغف، فيعيد إليها رونقها ويجعلها تتنفس شبق الحياة. غفوت على حوارات العشق تينع من عمق القهر، وصحوت على وجه الـ "puppy" من جديد يخبرني أنه لم ينم جيدا .. قبلت جبينه وضممته حنانا دافقا الى صدري :
-       راح تتعود حبيبي .. المرة الأولى دايما صعبة
صنعت له إفطارا شهيا ذلك الصباح، عصرت له عصير البرتقال ونثرت فيه حبات الرماّن التي يحبها، أخبرته أنني اشتقت اليه وأننا يجب ان نخرج للغداء سويا كحبيبين جديدين يحكيان لبعضهما عن وجع مسافات البعد ولظى الفراق. ابتسم، ووافق! لا أعلم متى كانت المرّة الأخيرة التي حرصنا فيها على موافقة جدول أيامنا المزدحمة لكي نرى بعضنا في منتصف النهار تسلسلا شقيا من مكاتبنا الفارهة! لا اعلم متى آخر مرة أطعمني فيها لقمتي الأولى بيده، ومتى آخر مرّة قص لي من ديوان شعر قصيدة رآني بين أبياتها وألقاها على مسامعي في جلسة صفاء! في الحقيقية لم أتذكر أنه يوما كتب لي بنفسه شيئا كان يجول بخاطره وقرأه لي بيما تغرورق عيناي من روعة اللحظة ! كانت الأمسية ساحرة، أخذتني نجمة على ذراعها وطارت بي في سماء الليل، أمد يدي وأنا على متنها لألمس رداء السماء المخملي. في تلك الليلة .. ليلتنا الثانية بعد الانفصال .. اغتسل ..ارتدي بجامته وتعطّر، مشط شعره كرشدي اباظة واندس في فراشه، وقبل ان تغفو عينيه قام ووقف عند باب غرفتي وسألني إن كان سيأتيه اليوم .. زائر الليل ؟!   

الخميس، 21 نوفمبر، 2013

أراكم اليوم في معرض الكتاب ...






 

اليوم الخميس 21 -11 - 2013  في معرض الكتاب بمشرف .. سيكون حفل توقيع روايتي التي بدأتها هنا في المدونة " نتلاشى للأمام "

في جناح نوفا بلس  قاعة 5 - جناح 49 الساعة 8:00 مساءا

 

 

أراكم عن قريب ..

سارة المكيمي
 


الأحد، 29 يناير، 2012

نوستالجيا ..




 


أكوّم الوسادة الصغيرة التي تعطيني المضيفة، بغضب او ألم لا اعلم، ولكنني أنجح في تقليص حجمهما الى النصف، أحشرها بين رأسّي ويدي، أغمض عيني وأحاول أن انام! لا أعلم لماذا لا يطاوعني النوم وأنا بين جناحي طائرة، نادرا ما يعطيني النعاس مجالا لأنسى مرارة الطيران، طول الرحلة وفجيعة فكرة أنني معلقة بين السماء والأرض، محجوزة في مقصورة ما مع أناس لا اعرفهم ولا أحبهم! حتى رغبتي في الترجل، في الرحيل ليست من ضمن قائمة الرغبات المحققة!




أضغط على الزر الذي يناكفني منذ أول لحظة جلست فيها على الكرسي الوثير في درجة رجال الأعمال! يزيد حنقي تلقائيا من كل مسمّى لا يترك للمرأة مجالا للوجود! ماذا إن كنت سيدة أعمال مثلا .. أين هي درجتي؟ يذوب الكرسي بحرفية تامة، يستريح، ينخفض الى الأسفل وأذوب معه. أقفل شاشة التلفزيون التي أمامي، انزع السمّاعة من على أذني وأغمض عيني. اصلّي صلاة صغيرة أسأل الله ان يريح جفني اختصارا للمسافة الطويلة .. وأسأله ايضا أن لا أراها!






- سيدتي .. هل ترغبين أن أصحيك لفترة الغداء؟




ازيح اللحاف عن رأسي، افتح عيني وأجد المضيفة إياها التي اعطتني وسادة اضافية عندما طلبتها، افتح عيني أكثر، كانت المضيفة تحمل في يدها اليمنى شيئا، الشيء له رأس! لازال النعاس الذي دعوته ورجوته يرسم حلقات ضوء داخل عيني، افتح عيني باتساع، أنظر لما تحمله المضيفة، كانت هي .. الطفلة النصف صلعاء، المضرجة بجروح بنية منثورة على وجهها، ذاتها الطفلة التي تطاردني في كل حلم، تلك المنقوعة بدم جاف كان يوما يسيل على وجهها ..




أشهق واستفيق ..




أقفز من على كرسي الطائرة الوثير، أصرخ صرخة مكتومة أوقفتها حقيقة أنني كنت احلم، لازلت في مقعدي المائل في الطائرة المتجهة الى أستراليا لحضور مؤتمر! المضيفة لم توقظني من النوم! ولم تسألني إن كنت أريدها ان تصحيني في فترة الغداء. أنا هنا، آلاف الأميال فوق مستوى الأرض، معلقة في إحداثيات ما، في سماء ما، فوق شيء ما. وتلك الطفلة القبيحة لازالت هنا، تبعتني حتى الى هنا .. الى لا مكان .. لا موقع.




منذ المرحلة المتوسطة وأنا وتلك الطفلة المشوهة في عراك مستميت على الوجود! أتذكر أنها ظهرت أول مرّة في رأسي عندما كنت أحاول أن أهزم ليلة مؤرقة، أتقلب بفراشي البنفسجي، اقرأ قصة تركتها لي أمي على طاولة السرير، أقفل القصة وأغمض عيني. حسبت وقتها أنني نائمة، ولكن ما إن ظهر وجهها فجأة في رأسي، فتحت عيني وصرخت! تلك الطفلة المخيفة لا تتعدى السنة والنصف، بشرتها بيضاء سُحب منها الدم فأضحت أشبه بشبح مسكين، رأسها مكشوف، شعرها منتوف وهناك بقعة كبيرة من فروة رأسها حاسرة لا يغطيها شعرها الناعم! وكأن أحدهم قد تعمد تشويهها، سلب ملامح البراءة والسعادة من على وجهها! كانت ولازالت ملامح الطفلة حزينة على الرغم من أنها دوما صامتة. هناك جروح قديمة مندملة تغطي مساحة كبيرة من وجهها، وسيل دم جاف، كأنه خيط من الدم يبدأ من رأسها الذي لازال يحتفظ برقعة شعر الى رقبتها الصغيرة! لا اعرف من هي، ولمَ تزرني تلك الطفلة؟ تظهر في رأسي بفترات متفرقة، أحيانا متلاحقة، وأحيانا – خصوصا عندما أكون غاضبة او متوترة – تظهر في رأسي كلما رمشت عيناي او أغمضت جفني!




أحيانا تزورني في الأحلام، لم تحادثني قط! دوما صامتة، ترتسم على وجهها ملامحها الحزينة، تعبيرات لا أفهمها! أحيانا تومئ لي، تشير بإصبعها المرتعش لمكان بعيد لا ينتهي، تنظر داخل عيني بشغف، بحب وأحيانا بغضب، ولكنها لم تضرني يوما! لم تضربني، لم تحرقني، لم تصرخ بوجهي كما يفعل الأشرار بأفلام الرعب! لم أشعر يوما في الرغبة بالهرب منها، بالتخلص منها! أصبحت مع الوقت قريبة منّي، تلازمني كظلي، اعتدتها واعتدت وجودها المفاجئ في رأسي، في نومي، حتى في أحلام يقظتي. أغضب منها أحيانا عندما تظهر في وقت غير عادتها، أتجاهلها عندما تظهر في فترات راحتي، شوقي، شغفي، سعادتي! اغضب ليس لإنني لا أريدها، بل لإنني أرغب بالتفرد بنفسي ولو بضع حين!




- سيدتي .. استيقظي .. لقد وصلنا وجهتنا، يجب ان ترفعي الكرسي وتربطي الحزام ..




افتح عيني، يضربني ضوء الشمس الذي تسرب من انفراجة صغيرة أسفل النافذة جارتي، أمد يدي وأفتحها كلها واستنشق اشراقة شمس صباح جديد. متى نمت؟ وكيف أغمضت جفني بعد أن حلمت بالمضيفة التي تحمل الطفلة إياها؟ وكيف نمت كل هذه المدّة بلا أن تعاود الطفلة الظهور مرة أخرى في حلمي. هبطت الطائرة في مطار "سيدني"، ضممت الغطاء أقرب الى صدري، شكرت الله على السلامة، وشكرت الطفلة على استفاضتها في الرحيل مما ساهم في نومي أطول وأعمق الى أن وصلت لوجهتي.




ثلاثة أيام بين صالة المؤتمر والغرفة، تمر الساعات بشرعة 100 حصان تترك خلفها خيطا ضئيلا من دخان احتراق طاقة إنسان! لا أكاد أصل الى غرفتي حتى أضع رأسي على الوسادة واغفو، تلك الغفوة توصلني بسحائبها الرائقة الى بوابة اليوم التالي. لا وجود للطفلة .. لإنني لم احظ الى الآن بدقيقة واحدة لنفسي.




في اليوم الأخير، في الصف ما قبل الأخير لمحاضرة تطرق موضوعا استثماريا مملا يجلس بجانبي رجل أبيض نحيل ذو لحية كثة بيضاء، يرتدي بنطلون جينز فضفاض وقميصا بطلعات حمراء متشابكة. ينظر لي من طرف عينيه كلما سنحت له فرصة ! اتجاهل العجوز وانظر في ساعتي، الاحظ أنه ينظر فيها معي.




المحاضرة الأخيرة .. اليوم الأخير .. الساعات الأخيرة قبل أن أترك الفندق وأتوجه للطائرة، اجلس على كرسي عالي في مطعم الفندق، ارتشف فنجاي شاي اخضر وأراجع ملاحظات التقرير الذي يجب ان اعدّه للإدارة عن المؤتمر ما إن أعاود العمل. يد متعرجة تستقر على يدي، دافئة وناعمة بالرغم من خطوط العمر. لم أقفز من مكاني ولم أشعر بذلك الخوف التقليدي عندما يتعدّى أحدهم على حيزنا. التفت بجانبي لأرى ذاته هو الرجل، بلحيته الكثة وعينيه العميقتين. هذه المرة يمسك يداي :




- أخبريني قصتك !




ترتسم على وجهي علامة استفهام كبيرة، تتدلى شفتي السفلة وأشعر أنني بحوض دافئ، يتنمل رأسي وهو يخبرني أنه خبير جنائي وبروفسور في علم الأدلة العضوية وتطوّر الصيغة الجسدية لضحايا العنف والتعذيب! أتوه بألف متاهة وهو يرسم بإصبعه على وجهي ورأسي وشعري خريطة لبقايا جراح قديمة جدا .. لم اعد اتذكرها!




الأحد، 30 أكتوبر، 2011

" غدّونة" تذهب للمدرسة !






- راح تبجين .. وبييب كاميرتي وأصورك واضحك عليك!



اضحك عاليا على وأنا أتمدد في الضفة الأخرى من الهاتف، صديقتي تناكفني لإنها سبقتني في مضمار الأمومة بأشواط، اختبرت مشاعر العناد والفقد والفراق حتى وإن كانت واحدة من تلك الفراقات السعيدة، عندما تتباعد اليدين "الصغيرة" و"الكبيرة" اللاتي ظلتا متماسكتين منذ النظرة الأولى .. المسكة الأولى!



"غدونة" مختلفة ضمن بعد رابع لا أعرف تفاصيله ولا قياساته المجهرية! "غدونة" ليست طفلة أنجلبتها وأحببتها لإنها ابنتي فقط، بل لإنها معلمتي التي أدخلتني ما إن تواجدت في الحياة الى حيّز لم أقربه من قبل. "غدونة" لوحدها، وفي لحظة واحدة من وجود علمتني أن حياتي لم تعد حياتي! أصبحت ما إن وطأت قدميها الصغيرتين خارج النفق الدافئ مُلكا لا لشخص، بل لحالــة! أعود إليها أحيانا وأسميها حالة اللاأنا!



عندما اقترب موعد التحاق ابنتي/ معلمتي في المدرسة جلست مع نفسي وأصدرت مراسيم ذاتية تتمحور حول أين نوع من امهات طلبة المدارس سأكون! هل من هؤلاء الأمهات اللاتي يتدخلن في تفاصيل يوم صغارهم الدراسية! هل سأكون أم "بودي غارد" أشمر عن ذراعي وأسابق الزمن للتلطيش بطفل دفع ابنتي في ساحة اللعب؟ هل سأكون أم شاكية أقف الأولى عند باب المدرسة لأقدم شكوى على معلمة أساءت معاملة ابنتي طبعا ضمن نطاقات الحوار الذي يدور بيني وبينها، هي بنية البوح وأنا بنية التصيّد والكيدية! أم سأكون من هؤلاء الأمهات اللاتي تلوح على رؤوسهم لا مبالاة باهتة، تلك التي تقرر أن تحضر صغارها للمدرسة نصف نائمة، تغطي عينيها نظارة شمسية لا تخلعها حتى عندنا تدخل للمبنى!



جلست مع "غدونة" وأخبرتها أن المدرسة عالم جديد وجميل، ولأنني اعرف مدى شغف طفلتي بالتواصل مع الأطفال، حبها لمفهوم الصداقة المجرد برأسها من كل مصالح، مسارعتها لمشاركة الصغار الغرباء بحكاية، نكتة او لعبة عرفت بفطرتي ومعرفتي بإبنتي أن في اليوم الأول لن تكون عندنا مشكلة الصراع الأزلي بين الطفل ومن ربّاه وأحبه واحتواه عندما تتباعد الأيادي المتشابكة لكي يقضي الطفل سويعات من يومه بعيدا عن منطقة الألفة.



عندما أخبرت صديقتي أن "غدونة" لن تبكِ .. لهذا لا اعتقد أنني سأبكي .. قالت لي الجملة التي سطرتها بأول التدوينة وضحكت من كل قلبي بمحاولة يائسة لكنس قطع الشغاف المترددة داخلي تحت البساط .. فلا أحد يرى كم أنا خائفة من اللحظة التي أترك فيها "غدونة" داخل فصلها وأبتعد! هل ستبكي؟ وإن بكت هل سأبكي؟ إن لم تبكي هل سأبكي؟ او أنني لن ابكي؟



في اليوم الموعود استيقظ قبل الجميع، أتسحب بغرفتها، ألقي نظرة على مريولها، أصنع بيدي سندويشتها، أنتقي نكهة عصيرها، أقف عند رأسها وأحدق في "غدونتي" نائمة متجلية طفلة تبدأ اليوم أول مشوار حقيقي في رحلة انهمار حياتها. اليوم .. ستغدو ابنتي طفلة مدرسة .. روضة ..KG1 .. لا طفلة بيت وأم وأب وناني ..



تستيقظ "غدونة" تفرك عينها، مزاج معتدل وعينين لامعتين .. شعر مسترسل يفوح برائحة الجونسون آند جونسون. تأكل فطورها، ترتدي مريولها ونغادر أنا وهي للمرة الأولى عتبة الباب صباحا باكرا جدا، تتوجه هي لسعيها الإنساني الأول، وأتوجه أنا لسعيي الإنساني ايضا.



في السيارة اقفل هاتفي، أقفل موسيقاي وأحادثها ..



لأول مرّة نتحدث أنا وهي بهذا الروقان .. لا أحد يقاطعنا ولا يخالطنا .. لا أحد يدلي بدلوه في بئرنا ولا أحد يشد انتباهي بعيدا عنها، ولا يقتنص انتباهها بعيدا عنّي .. ! كنا فتاتين متحابتين متلهفتين للأتي ولدينا الكثير لنقول عنه. في ذلك اليوم كتبت هذه التغريدة في توتير ( ممتنة للفترة الرائقة في الصباح الباكر عندما أجلس بدفء ابنتي نتسامر بألق ونحن في الطريق الى المدرسة).



عند بوابة المدرسة تمسك يدي .. وددت للحظة أن لا تمسك يدي لكي لا أشعر ببرد ابتعادها عندما أتركها وأغادر وحيدة بلا سمير في سيارتي الخاوية. تبدوا "غدونة" متفتحة ومزهرة، خديها متوردين وشغافها واسع متألق، تلتهم عينيها اللامعتين كل ما يدور حولها! الفصل ذو الباب الأصفر، الأطفال وهو للمرة الأولى يرون بعضهم. "ميس وندي" ذات الصوت الرخيم، الخزائن الصغيرة تحمل أسماءهم، كراسيهم، سجادتهم التي يجلسون عليها يستمعون لقصة، ألوانهم، كراريسهم! وركن الألعاب والدمى الذي اتخذ صدر زاوية تحلقوا حولها البنات في لحظة انقلبن أمهات يحملن دماهن الصغيرة وأوانيهم البلاستيكية.



"غدونة" لم تبك في ذلك اليوم .. لوحت لي وداعا هادئا مطمئنا، طوقتني بضمة ود وأرسلت لي عبر الهواء قبلة رضا ..



وعلى الرغم من أنني الآن ابكي وأنا أكتب هذه التدوينة .. إلا أنني لم ابكِ وقتها لأنني لم أجد سببا يدغدغ حزني بعد ضمة وابتسامة وقبلة طائرة من شفتيها المزمومتين عبر الغيوم الى خدّي.




الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) الأخيرة




هناك فرق شاسع بين الحشرجة والاختناق! لكن سلمانة في تلك اللحظة التي شخصت فيها عينا والدتها وظهرت في رقبتها عروق الغضب أحسّت أن صوتها يتحشرج اختناقا فاضحا بجزعها! طالما تخيلت لحظة الاعتراف الكبير، لا يعترف الناس إلا بذنوبهم قال لها جوناثان يوما .. أضاف: أنا لست ذنبا!

لم تجبه في تلك اللحظة الممسدة بالصمت، حجب ظلام ما، تلك المسافة القصيرة الفاصلة بينهما، رأت خلال العتمة مصيرها او ربما .. مصير اعترافها.

نجلة استغرقت وقت أطول مما تصورته سلمانة لتبدأ ..

-        انتِ من صجج وإلا تتغشمرين ؟؟

سؤال لم يتبعه برهة صمت طمعا بإجابة! صفعة دوّت على وجه البنت التي جاءت لأمها تبوح حبها للغريب. لا تعرف لمَ ولكنها في تلك اللحظة الحاسمة تذكرت وجه شادية عندما كانت "فؤادة"!

وتطايرت الأفكار كالصحف الممدودة بوجه الريح ..

توافد الرجال على رائحة الصراخ التي شلّت أركان المنزل، لم تعلم سلمانة متى سقطت على الأرض، ومتى بدأت ركلة والدها الأولى، ومتى انتهت لكمة أخيها الأخيرة؟ كلها تهدرجت مع سيمفونية سقيمة على أنغام صراخ نجلة التي وفي خضم الهلع صرّحت بأمور لم تكن صادقة ولا مباحة! سمعت سلمانة في دورة الأرض الكاملة التي شهدتها بلحظات أنها تصاحب الأجانب الكفار! أنها تؤنس غرتبهم! أنها تزورهم في منازلهم ..

-        وأنا أقول بنتي شفيها ما ياها النصيب! أثراج مسودة سمعتج يا بنت ابليس .. وأنا أقول شفيهم البنات كلهم تزوجوا وانا بنتي ما تحركت من مكانها، أثراج فاضحة عمرج وحاطة اسم ابوج بالتراب .. وأنا أقول ..

لم تعد سلمانة تسمع، ربما جاءت صفعة والدها الأخيرة على أذنها اليسرى هدية .. رحمة من الله لكي تفقد بعدها كل إحساس باليوم وما بعده ..

أخذ مبارك والد سلمانة هاتفها النقال ومفتاح سيارتها، بعدما دفعها كما تدفع المنحلات الى زنازينهم الصغيرة. غرفتها البنفسجية دكنت، أصبحت تلوح بالغربة ..
لم تبك وقتها، بخطوات بطيئة جدا نزحت الى فراشها ونامت عليه، تدثرت بآثار دموعها الدفيئة وغفت على آلام جسدها التي تناثرت عليه كدمات طازجة ..

في منتصف الليل أفاقت، هكذا بلا مقدمات ..
أدارت عينيها في غرفتها وأرادت من كل قلبها أن تتنفس بهدوء شهيقا مطمئنا في تلك اللحظة الصغيرة جدا التي يستوعب فيها العقل أنه كان يحلم! لم يكن لها ذلك ..
آثار الدموع الجافة، قطرات الدماء اليابسة وندح الكدمات النائمة بعنجهية غريبة على جسدها! تناكفها كدماتها، كانت عندما استقرت على جلدها شفافة ومتوارية .. والآن بدأت تظهر عليها آثار الغرور، تذكرها ألوانها بفواكة استوائية نضجت أكثر من اللزوم.

نهضت من فراشها، داست على الأرض .. خطوة ونصف لتظهر ملامحها على المرآة المعلقة بالجانب الآخر من غرفتها، لمحت وجهها المتورم، شعرها المنكوش وعينها الغائرة. آثار الدماء وآثار الكبرياء الذي داسته مفاهيم واهية في مجتمع أهوج .. فاجأت نفسها وضحكت .. قهقهت طويلا على شكل وجهها .. وفي وسط نوبة الضحك سألت نفسها إن كانت جُنت .. ولم يأتها الجواب!

احتاطت سلمانة .. كانت تعلم ما سيحدث، او ربما فكرت في أسوء الاحتمالات محاطة بأماني الخيبة، تلك التي تأتي بالنفي المحمل بكل رايات الغبطة .. عندما نحمد الله أنه خيب توقاعتنا ..
 في خزانة ملابسها الداخلية هاتف نقال رخيص، في رأسها الجريح رقم هاتف واحد، أصابع مهزوزة ولكنها سعيدة تنقر على الأرقام المضيئة .. رنتان .. ثلاثة .. وصوت واحد تعرفه جيدا وتحبه كثيرا، ناعس وهادئ ..

-        هالو ..

-        Jonathan .. Its me .. Come and take me !



****



عند بواية المطار.. عند الباب الذي يفتح نفسه بنفسه وقفت للمرة الأخيرة تتفاوض مع الشجاعة: خطوة واحدة وأكون في حضن الكويت! مازال اسم الأرض يؤلمها ولكنها تشعر أنها شاخت على الألم، احترفته .. بل أدمنه الى أصبح جزء منها، لا تحبه ولكنها تألفه. الشارع الفاصل بين أرض مبنى المطار والمواقف المقابلة لازال مثلما كان عندما غادرت بحجاب ملون على الرأس وثياب رثة وروح نازفة. عندما غادرت كانت خائفة من الناس الذين لا تعرفهم ولا يعرفونها ...
واليوم .. خافت من المتربصين! هؤلاء الذين تعرفهم ويعرفونها جيدا!  ابتسمت، قالت لنفسها أنهم لن يكونوا بهذا الحب لكي يستقبلوها حتى لو برصاصة بعد كل تلك السنين التي غابتها عن رؤوسهم، كل السنين التي لم ينطقوا فيها اسمها، كل السنين التي لم يسألوا فيها عن أرضها، مستقبلها ومصيرها. سمعت منذ زمن مقتطفات أخبار ..  ( قالوا للسائلين أنها ماتت! ) وأغمضوا العيون المتربصة بالشمع الأحمر .. وسمعت ايضا أن أمها استقبلت فيها العزاء يوم واحد بدلا من ثلاثة.



****

أخذها جوناثان ..
قفزت سمانة من نافذة غرفتها الى سطح ملحق بيت الجيران الذي طالما استغربت قربه من نافذتها، وكأنه وضع بإحكام ليلعب دورا هاما في فصل استثنائي من قصتها. ومن الملحق قفزت الى سطح غرفة سائقهم الذي تدلى منه سلم صديق .. اعتبرته دوما سلمانة ملاذها إن يوما حصل وشب حريق! لم تكن يوما أن حريقها سيشب ويحرق أشلائها بلا حتى شرارة واحدة.

كانت الليلة مقمرة وهادئة الى ابعد الحدود. امسكت حقيبة يدها جيدا وقفزت الى الأرض بعد السلمة الأخيرة، عندما كانت تمشي برفق الى بابا منزل الجيران الأمامي، كانت بلا شعور تمسح بأصابعها الخائفة على ما تبقى لها من جدران بيتها .. تلك اللصيقة ببيت الجيران .. القريبة جدا من روحها!

جوناثان بسيارته كان بالانتظار، في جيبه جواز سفره وبطاقاته الائتمانية وفي قلبه خفقة فرح لأنه وعد وصدق. في حقيبة يدها جواز سفرها التي دبغت عليه قبل شهر تأشيرة دخولها لتلك الأرض البعيدة، في صندوق السيارة حقيبة واحدة كبيرة شاركته سلمانة بها، وضع هو متاعه الذي سيعود به للوطن، ووضعت فيها ثيابها التي ستغادر بها الوطن.
ضدّان متناقضان كانا سلمانة وجوناثان، هو يعرف معنى الحرية وهي ستعرفها قريبا جدا! هو يعود وهي تغادر، هو سيلتقي بأهله تحت ضوء الشمس، وهي تتركهم ورائها خفاء في حلكة الليل، هو يحبها ويريدها وهي تحبه وتخافهم! ولكن على الرغم من كل هذا التضاد .. كانا رجل وامرأة تلعب في رأسيهما أغنية ملبدة بحكايا الشمس.

في مواقف المطار يوقف سيارته التي أوصى صديقة بها، يأخذ الحقيبة من الصندوق، يفتح بابها ويحدق برهة في وجهها، يسحب يدها، يصد عنها ويكتم دمعة مخضبة بقهر الرجل الذي لم يكن هناك ليصد الشر عن امرأته. تذكر انها قالت له، هيئته لكل ما سيحدث، ووضعت في صدره احتمالية راسخة لكل ما سيكون عليه المصير .. وهو وافق ورضي. وهو يمسكها بيد ويسحب حقيبة الرحيل .. رفع يدها وقبلها.

رأت بوابة الدخول فوقفت .. كانت رجليها أشبه بخشبتين محروقتين، تتناثر شظاياها بكل مكان، ترتجف هون الضعف وانهيار القوى. توقفت عند بضع خطوات من الدخول خارت قواها ودخلت في رأسها مئة فكرة .. انفعلت الأفكار كلها انهمارا أشبه بالشلال، كانت من ضمن تلك الأفكار بركان خوف. وقف جوناثان تماما أمامها، نظر بعينها ومسح دموعها، لم ينبس بكلمة ولكنه مد يده الى حقيبة صغيرة جلدية كان يضع داخلها أوراقه المهمة .. سحب ورقة بيضاء .. قدمها لها وفتحتها ..

قرأت رأس الورقة: ( وثيقة دخول بالدين الإسلامي ) لم تكمل القراءة .. مشت خطوتين ورفعت يده وقبلتها لإنه أطلق فراشة بصدرها .. تقبل قلبها من الداخل.

فتح الباب الذي يفتح نفسه، دخلت سلمانة صدر المطار بيدها رَجُلها وجواز سفر وتذكرة حياة ..

في نفس اللحظة التي خرجت فيها مريم من الباب الذي يفتح نفسه بيدها روحها

.. وقصاصة صغيرة فيها رقم قبر والدتها..


*** انتهت ***

الخميس، 20 أكتوبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 20



ان ينبض القلب فجأة! أن يمتلئ الصدر بفراشات شقيات يدرن بلا هوادة في فلك النبض! أن نحلم في أطراف الليل وآناء النهار بجدول رقراق وشلال بارد! أن نتفاوض مع الأمل كل يوم، أن نؤمن بمعجزة ما، أن نتنهد ابتسامة ونتجرع كل يوم دمعة عشوائية مبهمة لم ينزلها من عيوننا لا حزن ولا فرحة! أن تتحول الوجوه كلها الى سحابة ملامحه، أن يتغير وقع الكلمات التي قالها يوما بلا مبالاة لتصبح أقوال مأثورة نتذكرها ونعيدها كل يوم، تؤثر فينا تماما كقصص الأطفال التي قرأتها لنا أمهاتنا ولازلنا نتذكرها الى اليوم...

 كل هذه مؤشرات تدل على ان طبلا سكن الخافق، وأن الخفقات تحولت الى احتفالية آنية لقبيلة افريقية تعرف تماما كيف تصدر أصوات عالية تخاطب فيها الفرح! كل هذه المؤشرات تدل على أننا غارقون في دوامة الحب تدور فينا وندور فيها غير مبالين بما يحدث حولنا ..

هي وهو .. لازالوا هناك، في تلك الدوامة النابضة بالدفء، السابحة بالموسيقى الروحية الذائبة بأحلام مستقبلية مغموسة بلذة المعية. أصبحت كلمة "معا" او "Us" لسلمانة أهم بكثير من تلك الـ "أنا " التي كانت تحترفها وتحبها، هي وهو .. هناك لوحدهم بالحلم الذي جمع اثنين من عالمين بعيدين، تفاهما بلغة ثالثة لا لغتها ولا لغته .. أسموها فيما بينهم بلغة النبض. لم تكن سلمانة تعرف أنها لم تحب من قبل .. كانت تعتقد أن كل تلك الخفقات السريعة التي أحستها يوما لرجال رسموا داخلها فكرة مبدئية لعلاقة تبدأ بالتفاهم وتنتهي بالزواج .. كانت حب! لجوناثان نظرة استثنائية للمستقبل الذي يريد أن يعيشه معها، قال لها يوما أنه رجل يعيش على مبدأ البساطة وينفي مجمل التعقيد من أدق تفاصيل حياته:

-        لا شيء أروع من الحياة البسيطة .

نظرت في عينيه وسألت:

-        ماذا تقصد؟

-        اعرف الكثير من الناس الذين يحترفون أخذ قرارات تجعل حياتهم أصعب وأكثر تعقيدا!

-        هل تقصدنا؟

-        نعم .. العرب منهم! هل ستجادلينني؟!

-        لا .. في الحقيقة أنا أوافقك الرأي

يبتسم ويصفق ..

-        يا الله هذه المرة الأولى التي لا تجادلينني في موضوع يخص دائرة الاختلاف فيما بيننا !

-        جونوثان حبيبي .. أنا لا أجادلك لأني فقط أريد أن أجادلك! أحيانا أجادل لكي أعرفك أكثر

-        وبعد كل الجدال والحوارات التي دارت بيننا .. ما حكمك؟

صمتت .. نظرت عميقا في عينية ..

قالت له يومها .. أنها قررت أن تتزوجه الى الأبد ! ضحك كثيرا وقتها وسألها إن كان مفهوم الزواج لديها يستحمل ان تتزوج شخصا لمدة معينة، هل هناك احتمالية ان تتزوج شخص ليس للأبد؟ ضحكت، ضربته ضربة صغيرة على رأسه وقالت له ان لا أحد يعلم إن كان سيبقى زوج أحد الى الأبد! ما عنته، أنها اتخذت قرار سيبقى معها الى الأبد، أنها تريده صديقا رفيقا وزوجا لها.



في غرفة والدتها، سلمانة تجلس على طرف سرير والدتها بينما الأخيرة تشاهد برنامج ما في التلفاز، من يراهن من بعيد يعلم أن في صدر سلمانة حمامة ترفرف رغبة حاسمة بالخروج من القفص. تنظر باتجاه التلفاز ولكنها لا ترى منه سوى أشكال رئيسية، التلفاز مستطيل وتخرج منه أضواء وأصوات .. كل التفاصيل الأخرى كانت غائبة. في رأسها تحاول ان تجد المدخل الصحيح للقضية، ودّت لو كانت محامية، خطيبة، أديبة .. متحدثة .. تمنت لو أنها يوما درست علم النفس لكي تعرف مداخل البشر، ما يؤثر بهم وما لا يدخلهم في نوبة غضب او صدمة. انتهى برنامج أمها، سحبت نجلة الريموت كنترول بتكاسل من جانبها وأخذت تدور على المحطات، كان الملل باد على ملامحها. أخذت سلمانة الريموت كنترول من أمها .. ضغطت زر الإقفال، نظرت تجلة باتجاه سلمانة .. ترددت الأخيرة .. ثم فتحت فمها لتقول لوالدتها أنها ستتزوج اجنبيا!

***

منذ غادرت مريم الكويت وقد انقطعت أخبارها عن الفتيات كليا، لم تتصل بهم إلا مرّة واحدة بعد ما حصل في المحكمة لتقول لسلمانة أنها ستختفي من الكويت .. ستغادر المكان والحدث لكي تنسى الحاضر وتبدأ مستقبل جديد في مكان جديد. أعطت سلمانة عنوان لبريد الكتروني جديد وتمنت من سلمانة أن تخبرها عن تطورات القضية:

-        راسليني اليوم إللي يطلع فيه محمد من السجن ..

 خطر على حياتها أن تبقى بعد أن فضحت إخوتها ومرغت أسم العائلة بالتراب.



اليوم التي قررت فيه سلمانة أنها تحب جوناثان .. كان قد مرّ على حادثة مريم وسفرها أكثر من 7 سنوات، منذ تلك الفترة الاستثنائية من حياة سلمانة وقصة صديقتها التي علكتها الكويت لأكثر من سنتين وهي تشعر بذلك الدفق اللامسبوق من قوة وإصرار. لازالت تتذكر مريم، وجهها، دموعها وآثار الجروح الغائرة في روحها. صوتها الذي بالكاد يسمع وأملها المخنوق تحت أكوام ملبدة من قماش أسود ثقيل. تتذكرها كل يوم، تسأل نفسها عن مصيرها، تزورها مريم أحيانا في الحلم، تبتسم تارة وتبكي تارة أخرى. قصّت سلمانة على جوناثان نصيبا شيقا من حكاية مريم! فتح عينيه وفغر فاه واندهش! تلبدت غيوم سودا فوق سماء المحادثة، خاف جونوثان في البداية من مصيره معها، من نظرة الرجال المحليين للأنثى! من ملكيتهم الصامتة لها ولجسدها، من مسؤوليتهم الغير مبررة لتصرفاتها! من خوفهم اللامسبوق على اسمها، من اقتران كيانها بوجودهم، من ارتباط رغباتها بشرفهم. خاف من فكرة أن المرأة لا تملك قراراتها في كثير من الأحيان في هذه البقعة الصحراوية من الأرض! خاف من فكرة أن يكون مستقبل سلمانة وقرار زواجها ليس بيدها .. سألها ليعرفها:

-        ما رأيك أنت؟ هل ترين مريم مخطئة أنها أحبت محمد؟

زفرت وأجابته:

-        الحب لم يكن يوما خطيئة بالنسبة لي! الحب فكرة جميلة كبداية لعلاقة اثنين، ولكنها لا يجب أبدا أن تكون مبررا للقفز فوق خطوط الدين الحمراء!

-        وهل دينكم يسوّغ للحب؟

-        طبعا .. طالما أنه سينتهي بصورة شرعية لا تغضب الله ولا تنافي العادات والتقاليد!

-        وماذا عن منتصف العلاقة؟!

-        ماذا تقصد؟

-        في مفهومكم .. إن أحب رجل امرأة او العكس فإنهما يجب ان يتزوجا !!

-        نعم!

-        وماذا عن كل ما يدور في الفترة الزمنية والروحية والعاطفية ما بين الحب والزواج؟ هل من المفروض أن يحب رجل امرأة بصمت دون أن يعرفها او يحادثها او يلمسها الى ان يتزوجا؟

-        من منطلق رأيي الشخصي أن المعرفة بينهم يجب ان لا تتعدى الصحبة والحب الأفلاطوني الى أن يتم الزواج فتتطور العلاقة الى الجسد .. الجسد لم يكن يوما لسان الحب او العضو الذي يعرف الشخص من خلاله أنه يحب شخص ما. القلب والروح والوجدان جديرة بالحديث والتواصل بلغة الحب بين الحبيبين.

-        إذن المشكلة هي في الجسد؟ في الجنس؟

-        تقريبا! كان المجتمع الكويتي في الماضي لا يعرف للحب طريق غير نبض القلب والتقاء العيون الصامتة من وراء الأبواب الخشبية والجدران الطينية. جداتنا تزوجن غالبا من رجال لم يسبق لهن رؤيتهم، ولكنهم عمّروا في زواجاتهم أكثر بكثير من بنات اليوم. منهم من أحبت كيان رجل كانت تعرف اسمه وشكله ولا شيء بينهما. في الزمانات الجميلة كانت الفتاة تحب سمعة رجل وصيته، شهامته وقوته ونجاحاته لأنها لم تجد اختيار آخر يمكنها من حبه لشخصيته وطريقة تعامله معها.

-        وهل انت من مؤيدين هذا النوع من الحب والزواج؟

-        أنا؟ لا !

يبتسم .. وهي تكمل:

-        الزمن غير الزمن جوناثان .. الرجال غيرالرجال .. والنساء غير النساء ومفهوم الحب المجرد وفلسفته اختلفت ايضا. مع تعدد خيارات المرأة الحياتية اليوم وامتلاكها لنصيب جيد من قراراتها في الحياة، أصبحت تمتلك نصيب جيد من الكيفية التي ستتزوج بها. لازالت تتدرج هذه الخيارات ما بين "لا معرفة مسبقة على الإطلاق"، الى " جلسة واحدة في بيت العائلة حتى بدون مكالمات هاتفية بعد القبول" الى علاقة عاطفية كاملة وتجربة حياتية شاملة يقرر بعدها الطرفان إن كانا يودان الاستمرار مع بعضهم بعقد زواج او لا.

-        سألها بشغف : وانتِ؟

-        أجابت بشغف اكبر: أنا بين البينين .. تماما في الوسط، في تلك البقعة التي اعتقد انها ترضي الله وترضيني. أريد أن اعرف الشخص الذي سأتزوجه قبل الاقتران، أريد الفرصة في أن أراه من بعيد، خصوصا في تلك اللحظات التي لا يعلم بها أنني اراقبه، وأريد الفرصة أيضا أن أواجهه بكل ما رأيت منه حين كنت أراقب دون علمه. أريد ان أحاوره وأخاطبه وأتشاجر معه، أريد ان أصالحه، أريد ان اعرف كيف سيكون شعوري عندما يعتذر مني، عندما بالصدفة يقترب مني أكثر قليل من المعتاد، عندما يحاول ان يمسك يدي، عندما يفكر في تقبيلي وعندما أفكر أنا في تقبيله. لكي أكون صادقة معك، أريد ان اعرفه لدرجة أن أعرف تماما ما هو شعوري عندما أتخيله لي وحدي، أنا وهو في بيت واحد وأيام واحدة وعمر واحد. ولكني في نفس الوقت لا اريد ان تتخطى رغبتي أكثر من مجرد مبادئ المشاعر في المعرفة .. في القرب وفي الوصال!



عادة ما يحاول جونوثان أن يفهم المجتمع العربي كما هو، يعلم أنه عندما أحب سلمانة العربية انه يجب أن لا يحاول تغيير تلك الأفكار التي كبرت وتعلمت ونشأت عليها، وإن حصل ارتباط رسمي بينهما فعليهما لكي تنجح علاقتها أن يصلا الى نقطة تواصل يلتقيا في مكان مريح لكليهما في الوسط. أحيانا تعجز خلفية جوناثان المتحررة استيعاب منظومة العادات والتقاليد الصارمة التي تعيش تحت سقفها سلمانة. وعلى الرغم من أنها تبدو متفتحة جدا ومثقفة الى أبعد الحدود إلا أنها لازالت تلتزم بتلك الضغوطات اللامنطقية من وجهة نظره. أحيانا يراها جوناثان كفراشة بجناحين جميلين ملونين رائعين قادرين على الرفرفة والطيران، ولكن مجتمعها لا ينفك من وضعها في جرة زجاجية شفافة ترفرف فيها بجناحيها الى أن تتعب، فلا هي ترتفع ولا الجناحين يكبران.

ببساطة .. كان هو .. وهي .. وعلى الرغم من كل الفضاء بينهما .. كان الحلم ثالثهما!


يتبع ...

الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 19




للحب المتوازن الراسخ في أعماق الروح لمسة وردية على الوجدان، لم تشعر سلمانة من قبل بكل تلك الغبطة التي تتملكها ما إن تراه في الصباح الباكر يدخل من بوابة المدرسة الكبيرة، على ظهره حقيبته التي يضع فيها كمبيوتره المحمول وبعض الكراسات التي يستخدمها لجمع الملاحظات حول الطلبة وتقدمهم العملي في الصف.



-        جوناثان رجل متواضع ومستقر!



التفتت سلمانة الى الصوت الذي أتى زحفا خفيفا الى أذنها، كانت مسز كاندنس ناضرة المدرسة، بأرطالها الزائدة وجلدها الأبيض المشدود، كانت مسز كاندنس ترتدي ذلك الصباح فستان وردي فاتح وضعت فوقه كنزة رمادية مشجرة. احمرت سلمانة خجلا وهي للتو تدرك أنها كانت تنظر الى جوناثان وهو يدخل من بوابة المدرسة بعينين ملؤهما الشوق .. سألت مسز كاندنس:

-        فضحتني عيناي؟

أجابتها المخضرمة بصوت حنون ..

-        بل دقات قلبك .. سمعتها من بعيد ..

لماذا لا تتزوج الفتاة ممن تحب؟ سؤال طرحته سلمانة على هديل التي استقرت في بيت الزوجية واحترفت بفترة قصيرة دور الزوجة والمرأة على أعتاب عالم الأمومة. دار النقاش طويلا بين الصديقتين، خاضتا في العادات والتقاليد والمجتمع الذي يحشر الاختيارات أحيانا ويجعلها بحجم خرم الإبرة! على مجموعة كبيرة من الفتيات في هذا البلد ان يتقلصوا الى أصغر حجم ممكن لينفذوا من تلك الدوائر الصغيرة. عندما صرحت سلمانة لهديل عن علاقتها الجميلة المريحة الدافئة بجوناثان شهقت هديل ووضعت كفها على صدرها! كانت شهقة هديل وردة فعلها أقل ما توقعته سلمانة، حيث لم يكن في عائلتها او في محيطها من بعيد او قريب فتاة ارتبطت برجل أجنبي من خارج نطاق الجنسية الكويتية، بل في عائلة سلمانة كان خرم الإبرة اصغر بكثير من بنات بعض الأسر الأخرى. لم تتزوج الفتيات المنحدرات من أصولها العريقة إلا من مجموعة عائلات وأسر معروفة تعد على أصابع اليدين! كان حلم سلمانة في الارتباط "بمستر جوناثان" كما يناديه أطفال المدرسة أشبه بالخيال! حلم كبير وصعب المنال. كلما فكرت سلمانة بالطريقة المثلى لفتح موضوع كهذا مع والدتها أحست بحرارة تكتسي جسدها، يجتاحها العرق ويبدأ قلبها يضرب محيط جسدها النحيل بقوة. كانت سلمانة تحب جوناثان وتعلم أنه يحبها ولكنها كانت أيضا فتاة فاضلة ومطيعة على الرغم من كل محاولاتها السابقة لتكون فتاة مختلفة عمّا هي عليه. سألته يوما عندما ألقى عليها قنبلة الارتباط:

-        ماذا تعتقد أن تكون ردة فعل والدتك؟

ابتسم وأجابها:

-        ستفرح والدتي كثيرا .. لأنني أخيرا وجدت الفتاة التي أريد أن آخذها معي الى وطني وأعيش معها في بيتي الصغير.

-        لديك بيت؟

-        اشتراه لي والدي .. ربما لكي يخرس تأنيب ضميره حين تركني صغيرا جريا خلف امرأة أخرى غير أمي.

-        صف لي بيتك!

-        لن أصفه .. أريد أن أرى ردة فعلك عندما تدخليه للمرة الأولى!

ضحك عاليا ..

-        بيوتنا صغيرة مصنوعة من الخشب، بأبواب صغيرة خشبية نزينها بأشياء تشبهنا ..

-        بماذا تزين باب بيتك؟

-        برسم صغير من الزجاج لطائر الفلامنغو

-        فلامنغو؟

-        عندما كنت صغيرا أعيش في بيت خالتي، كان لدينا طائر فلامنغو! أنا وابنتها جودي نلعب معه وبه كل يوم! لا تسأليني من أين أتى الطائر ولماذا هو موجود في مزرعة بقر وخنازير، ولكن هذا الطائر يذكرني كثيرا بطفولتي.

لوحدها أحيانا في غرفتها تسأل نفسها إن كانت مستعدة لمواجهة هائلة من التغيير، ذلك التغيير الذي سيجتاح تفاصيل حياتها وينقلها الى عالم آخر! الى بلد بعيد جدا عن موطنها، الى جو مختلف عن الأجواء التي تنشقتها، مياه مختلفة عن المياه التي أمطرتها وسقتها فكبرت وينعت وأصبحت فتاة أحلام رجل غريب عنها! هل هي مستعدة للغربة المضاعفة؟ عندما لا تترك فقط الوطن، بل تترك أيضا فكرة العودة إليه والاستقرار فيه بصورة دائمة! هي هل مستعدة للتأقلم مع فكرة وطن جديد؟ حياة جديدة؟ بيت جديد؟ وباب جديد نحت عليه بالزجاج رسم تجريدي لطائر فلامينغو وردي؟ هل هي مستعدة للانتقال كليا الى عالم جوناثان، الى بيته الخشبي الصغير بحديقته الخضراء؟

 سألها يوما على الهاتف:

-        هل جربت يوما الجلوس شتاءا قرب مدفأة خشب؟

ضحكت ..

-        خشب؟

-        تلك التي نضع في وسطها جذوع شجرة البلوط والسنديان العتيق فتحترق معلنة عن صوت فرقعة الشرارات الصغيرة ورائحة الخشب المحروق اللذيذة؟

صمتت .. ثم أردفت ..

-        لا .. لم أجرب رائحة السنديان المعتق المحروق

-        ربما تكون تلك أجمل جلسة .. في أجمل أمسية .. في أجمل شتاء

صمتت طويلا ثم سألته ..

-        جوناثان .. هل تعتقد ان شتاؤكم سيحبني؟

ضحك ..

-        لم لا؟

-        أنا عربية جوناثان .. لا لست فقط عربية، أنا كويتية .. أنا بنت أسخن رقعة في الخليج العربي! بقعتي قاحلة حارة تتدلل بحضن الشمس .. أنا بنت الشمس جوناثان، لم يعتد جسدي على قرصة الشتاء الطويل!

صمت .. ثم أجاب:

-        سأكون هناك معك .. أعرفك على الشتاء وأعرفه عليك ولن أغادر أبدا إلا عندما تتصادقان

أقفلت السماعة ذلك اليوم بعد جملته الأخيرة، كانت تريد أن تنام على فكرة أنه لن يتركها أبدا، وهي قررت يومها قبل أن تغمض عينيها على صوته أنها أيضا لن تتركه.



***



طرقات القاضي على طاولته الموجوعة باتت أكثر غضبا، لم يكن القاضي وحده الغاضب من الجلبة التي اجتاحت المكان. كان الأخوة غاضبون من ظهور مريم فجأة وبكل جرأة ووقاحة في أول جلسة لمحاكمة حبيبها! لم يكونوا يدركوا أنها لازالت شامخة وأبية رغما عن كل المهانة التي تجرعتها تحت أقدامهم! بدت هادئة وغير خائفة، هي الآن بحماية العدالة. وعندما صرخ حميد للمرة الرابعة بكل الكلمات النابية اتجاهها تلقفته يد الحراس جرّا خارج المحكمة. أنهى القاضي طرقاته الحانقة بعد طرد حميد من القاعة وصرّح للجميع أن هذا سيكون مصير كل من يتحدث بصوت مسموع بدون إذن. جلست مريم خلف محامي المتهم بكل هدوء، ووقف الجميع عندما طلب محامي محمد استراحة نصف ساعة للتحدث لمريم ومعرفة من هي ومن أين أتت ولماذا هي هنا! سمح القاضي بالاستراحة ولم يغادر المنصة إلا عندما كفل الحماية التامة لمريم من قبل حراس المحكمة. أمر القاضي أن لا يقترب أحد من مريم إلا محامي المتهم التي صرحت مريم أنها أتت كشاهدة إثبات في قضية محمد.



أخذها المحامي الى غرفة بجانب قاعة المداولة، سألها واستدل منها على كل ما تريد ان تقوله للقاضي ووكيل النيابة والمحكمة. لم يصدق المحامي أن مريم أتت على الرغم من كل ما حصل لها لكي تنقذ الرجل الذي وصمت معه بالعار والفضيحة. وعلى الرغم من أنها لم تكذب على المحامي بشيء، إلا أنه ربت على كتفها وقال لها أنه يحترم شجاعتها وثقتها به. بعد انقضاء الوقت عادت مريم والمحامي الى القاعة من جديد، بعد ان اقترب محامي الدفاع ووكيل النيابة من المنصة ليفاجئ المحامي الجميع بأن مريم تصر على ان تصعد المنصة اليوم فقط. بجعبتها شهادة مدعمة بالأدلة العينية على براءة المتهم، هي تريد أن تقول ما لديها وتغادر المكان .. تغادر البلد.



بخطوات هادئة وصارمة تقدمت مريم من منصة الشهادة وسط ذهول الأخوة الثلاثة، رفعت يدها اليمنى ووضعتها على القرآن لتشهد أنها ستقول الحق وليس سواه. اغرورقت عيناها وهي تردد القسم، عادت الغصة الى قلبها وهي ترى عيني محمد معلقة عليها بكل حب، وعيون أخوتها تحتقرها بكل إثم. قالت لنفسها قبل أن تنبس بأي كلمة أنها هنا لوضع الحق على طاولة العدالة، وعلى الرغم من كل ما قيل وسيقال عنها إلا أن إنقاذ محمد من الظلم وحده سيبرئ جراحها الغائرة ويعوضها عن كل ما ستواجه بعد ذلك. قطع غيباها صوت المحامي سألها عن اسمها، أخذت شهيقا غائرا ملئ رئتيها بهواء كافي لدعم بقايا الشجاعة لتدفع صوتها الخافت الى الخارج:



-        اسمي مريم راشد السامي، أنا في هذي المحكمة اليوم لأبري ذمتي وأريح ضميري. أنا حضرت هذي الجلسة على الرغم من احتمالية وجود خطر كبير على حياتي، ولكن القدر ترك في ايدي إمكانية إنقاذ هذا الإنسان المظلوم من ضياع سنين طويلة من عمره بسببي. أنا السبب ورا وجود محمد سعد البرّاج في القفص. محمد ما هو مجرم ولا حيوان عشان يكون في هذا المكان الدنيء بينما المذنبين الحقيقين قاعدين في مكان الضحية. أنا ومحمد كنا الضحية ولازم المجرم يلاقي عقابه.

شجعها المحامي ..

-        كملي مريم ..كملي بنتي

شهيق آخر ..

-        أنا كنت أخت الرجال الثلاثة إللي قاعدين في الصفوف الأولى من جانب الإدعاء، حضرة القاضي أقدم لك وثيقة موثقة من الدولة وموقعة من فواز راشد السامي، جاسم راشد السامي وحميد راشد السامي بتبرؤهم مني رسميا في محكمة الأحوال الشخصية قبل أكثر من 6 شهور. هذي الوثيقة تضمن لي في وجود هيئة المحكمة او عدم وجودها الصلاحية في الكلام بحرية، والحماية التامة منهم لإن ما لهم أي سلطة علي او قرابة فيني. وأي اعتداء او تدخل منهم لازم يعاقب عليه القانون خصوصا إني الآن غير مسئولة منهم ولا يمتون لي بصلة لا من الناحية الاجتماعية او القانونية.



يقدم المحامي أوراق التبرؤ للقاضي، ويقرأها القاضي ويبقيها بجانبه .. تكمل مريم، توجه حديثها مباشرة للقاضي:

-        حضرة القاضي أنا كنت على علاقة عاطفية مع محمد، كنا نحب بعض ومتفقين على الزواج. كان عندنا شقة في منطقة بنيد القار هذا عنوانها وعقد الإيجار باسم محمد.



يسلم المحامي عقد إيجار الشقة المبين فيه العنوان والموقع ورقم العمارة والشقة وتاريخ بدأ الإيجار وإيصالات دفع الإيجار. تكمل مريم:



-        كنت اقضي في الشقة وقت متقطع بعد الجامعة والعمل، كنا آنا ومحمد نلتقي فيها تقريبا كل يوم. لمّا درى كل من فواز وجاسم وحميد بالعلاقة قرروا الهجوم على الشقة، كان الثلاثة مسلحين معاهم عصي وسكاكين، وكان مع فواز مسدس. هذي صور الثلاثة وهم يدخلون من البوابة الرئيسية للعمارة الوقت واليوم والتاريخ موجودة في زاوية الصور. دخلوا الشقة علينا، كسروا الباب وتعدوا علينا بالضرب والطعن بدون تفاهم او حوار. تلقيت ضرب مبرح من الثلاثة في ذاك اليوم وطعنة في الخاصرة. كسروا أنف محمد وفكه. نقلني البواب الى المستشفى بنفس اليوم لإني كنت على مشارف الموت، وهذي تقارير المستشفى.



يقدم المحامي تقارير المستشفى كاملة للقاضي وينشغل الأخير بالإطلاع عليها بالتفصيل. تكمل مريم:



-        اتصل حميد بأصدقائه في الداخلية، تلقون في هذه الورقة أسماؤهم الكاملة من محضر الضبط والإحضار اللي أصدروه بحق محمد. وكان متفق معاهم أنه راح يتصل فيهم لتلفيق تهمة حيازة كمية كبيرة من المخدرات بقصد الاتجار في لمحمد بعد ما يتم نقلي من المكان. تلقون أيضا صورة تتضح فيها عملية نقلي مصورة من كاميرا بوابة العمارة الرئيسية 22 دقيقة قبل حضور ضباط الداخلية.

أكملت ..



-        سيدي القاضي راح تلقون تاريخ محضر الضبطية إللي كتب فيه الضابط خالد المحمود تفاصيل مداهمة شقة محمد هو 12 نوفمبر 2002، بينما كل العملية من التهجم على الشقة والاعتداء علي وعلى محمد حسب تاريخ كاميرا العمارة هو 13 نوفمبر 2002. وهذا يدل على أن المحضر تم تحضيره وكتابته وتوثيقه قبل يوم كامل من تاريخ الضبطية المفترضة وهذا يدل على أن العملية كلها مخططة وملفقة مسبقا لمحمد انتقاما منه على علاقته فيني. كان العقاب اللي حضروه هذولي الرجال اللي كانوا سابقا إخواني لمحمد هو طعنه في سمعته وتضييع مستقبله في السجون لأنه ببساطة كان على علاقة فيني. في محضر النيابة أيضا مدون أن المتهم لم يضرب ولم يعتدى عليه في شقته، بل تم "تأديبه" في مخفر الشرطة للتحكم بسلوكه العدائي وهجومه المتكرر على المحقق أثناء تأدية عمله. أقدم لكم صورة من مدخل العمارة الخلفي التقطتها كاميرا أخرى موجهة على المدخل الخلفي، واضح فيها أن محمد مصاب بجروح غائرة وكان ينزف دم لمّا تم نقله للمخفر.



يقدم المحامي الصورة التي أشارت لها مريم للقاضي، ينظر له الأخير بصمت بينما القاعة صامتة لا يسمع فيها إلا أصوات الدهشة وبكاء أخت محمد التي كانت تجلس في كرسي بعيد.



ينظر القاضي الى مريم ويسألها:

-        في شي بتضيفينه يا بنتي؟

-        شيئين حضرة القاضي .. الأول أن في محضر القضية تم تدوين أنهم وجدوا كميات كبيرة من الكوكايين في أكياس بلاستيكية مخبئة في حقيبة جلدية سوداء كبيرة من ماركة سامسونايت، تم العثور عليها في شقة محمد! صور الكاميرا اللي راح يسلمك إياها المحامي الآن تبين لك أن ضابط الشرطة نفسه اللي اتصل عليه فواز وفقا لقائمة اتصالات هاتف فواز إللي ايضا راح يسلمك إياها المحامي الآن حضر للعمارة من بابها الخلفي معاه الشنطة الجلدية المذكورة في الساعة 7:46 مساءا متجه حسب كاميرات المصعد الإلكتروني الى الطابق الثالت مكان الشقة، ثم نزل ومعاه الضبطية المفترضة "الشنطة ذاتها" مع المتهم الجريح بأيده الكلبشات الساعة 8:44 دقيقة. الشنط ملفقة حضرة القاضي والضابط هو يابها معاه واكتبوها على محمد في التقرير على أنها ملكه.



بنظرة ثاقبة وابتسامة متوارية تقابلها عين المحامي، تتفحصها عين القاضي وكان لابد من السؤال، بادرها القاضي:

-        من اين لك كل هذه الدلائل والصور يا مريم؟

قفز المحامي ..

-        اعترض سيدي القاضي، حق حماية المصادر ..

نظرت اليه مريم .. ثم الى القاضي وقالت:

-        من إيد الحق حضرة القاضي، أنا سعيت وراء هدف واحد وهو رفع الظلم عن المظلوم فلقيت كل الأيادي تمتد لي وتساعدني بدون مقابل. البواب لمّا شاف الاعتداء شال كل أشرطة الكاميرات وخبئها، قطع الإرسال وقال للمحققين وحميد لمّا اسأله عن الكاميرات أنهم بعد ما تم تركيبهم لإن العمارة جديدة. إللي في ايدك سيدي القاضي كلها صور مطبوعة من أشرطة فيديو كاملة بالصوت والصورة والوقت والدقيقة والثانية. تقدر تتطلع عليها كلها عند محامي محمد. ايضا حصلت على مجموعة كبيرة من المعلومات من العريف ماجد الماجدي الجديد إللي كتب اسمه محامي محمد كواحد من الشهود القادمين في القضية. الكل ساعدني لإن مثل ما فيه ناس دنيئين مجرمين مثل الأخوان الثلاثة إللي حاضرين أول ناس يتأكدون أن جريمتهم تاخذ مجراها، في ناس كلهم خير قدموا كل إللي يقدرون عليه لإنقاذ رجل صالح كل جريمته إن حب أختهم.

عمّ القاعة صمت ثقيل، كانت المحكمة تسبح في هدوء الذهول، هناك شيء مختلف في مريم، كانت هادئة وقوية لم يكن يهمها إلا أن تلقي كلمتها، تتحدث بما بها وتغادر. لم يكن هدفها الانتقام من إخوتها، لم يكن هدفها تلطيخ سمعة العائلة أكثر، لم يكن هدفها الحصول على تعاطف الناس الذين عرفوا بفضيحتها وعزروها بالقطيعة الاجتماعية وكلمات التقليل من الشأن والصَغار. هي ملّت الناس والمجتمع الذي يتغذى ويكبر ويتسلى بهواية علك قصص الآخرين. تعترف أنها كانت منهم، ولكنها لن تكون بعد اليوم. هي هنا لكي تضع عذابات ضميرها على طاولة القضاء المرتفعة، تحت تمثال العدالة الذي فرضا لا يرى الفروقات بين الناس، يحكم بالقسطاس المستقيم، فينصف المظلوم ويعاقب الظالم والآثم والمعتدي.



قطع القاضي صمت القاعة:

-        في شيئ أخير تبين تضيفينه؟

نظرت الى الثلاثة القابعين في كراسيهم البعيدة .. حشرت عينيها بأعينهم وقالت دون ان تبعد نظراتها الصارمة عنهم:

-        حضرة القاضي، بعد سماعك لقصتي بتفاصيلها الدقيقة، وبعد إللي سووه فيني الثلاثة إللي هناك .. أنا أحتاج تعهد رسمي منهم إنهم ما يقربون منّي. أحتاج تعهد رسمي أنهم راح يعاقبون أشد أنواع العقاب إن حاولوا مجرد المحاولة إيذائي بأي طريقة. الثلاثة إللي هناك ما لهم علاقة فيني لا من قريب ولا من بعيد، بعد تبرؤهم مني آنا بعد أتبرأ منهم. أنا جريمتي كانت الحب والخطيئة بإسم الحب، ولكن جريمتهم هي الإعتداء، الشروع بالقتل، الضرب المبرح والتآمر بالزور ضد إنسان مسالم.



لم تنتظر مريم رد على طلبها، لم تكن تريد أن تسمع تعليق القاضي او ردود أفعال أخوتها. بعد كلمتها الأخيرة قامت من على منصة الشهود، بخطوات واثقة وثابتة مشت بين الكراسي المواجهة للقاضي. كانت تتمنى لو ألقت نظرة أخيرة بإتجاه محمد، تعلم انه كان يبكي! لهذا وهي تعطي الجميع ظهرها وتخطو خطواتها الأخيرة خارج القاعة بإتجاه الردهات الطويلة .. كانت هي الأخرى .. تبكي.


يتبع ...

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت