كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 23 نوفمبر 2009

أنا و هَنا ..


أتخيل الوضع وحدي في السيارة بينما اقود كل يوم صباحا من البيت الى العمل.

هي .. فراشتي التي تطير داخل الحيز الصغير الذي اوفره لها رفاها انسانيا خالصا، لا انتظر منها أجرة المكان ولا أعمال تنظيف بعد ان تنتهي مدة اقامتها! سيعطيني الله اجري مضاعفا، وستنظف طبيبتي رحمي من مخلفات القاطن الجميل. انا فعلا اقدم جسدي حاضنا على طبق من ذهب لمن ستكون يوما ابنتي الثانية.

لوحدي على مقعدي خلف مقودي اشعر بها تتحرك مبادرات الصباح، بلغتها تتمطى وتقول لي "صباح الخير ماما" بلا شعور تترك يدي اليسرى المقود وتتلمس مكان تضاريسها، ربما كانت ساقها الصغيرة، ربما كانت واحدة من ركبتاها تحاول ان تتمدد بعد نوم الليل الهني بينما ماما مستقرة على الفراش .. نائمة تعب اليوم بلا حراك.

اتفحص مكان الحركة بلمسة اشبه بالحرير من يدي، أمومتي الغضة تعطيني دروسا مستمرة بالحنان! ابتسم في غمرة وحدتي بينما آلاف السيارات من حولي تزفر ضيق الإزدحام الصباحي الخانق .. كلهم مغتاضون إلا أنا .. تنبع فرحة صداقة سيريالية من داخلي لترتسم شوقا غامرا على وجهي. انسى الشارع والناس والسيارات التي لا تمشي .. أتحسسها من جديد وأبدأ بمناجاتها:

" مرحبا هَنا .. صباح الخير حبيبتي .. هل نمت جيدا؟ هل صهرتك ماما بين ثقل جسدها والفراش بدون ان تعلم؟ اذا كنتُ قد فعلتُ ذلك – حبيبتي – فأنا آسفة. هل تسامحيني يا طفلتي؟"

من هذا المنطلق تبدأ حواراتنا الصباحية – أنا وهَنا - في طريقنا الى العمل، اوصيها فيني خيرا طوال فترة الثمان ساعات التي سأقضيها على كرسي جلدي خلف مكتب. وأعدها أنني سآكل جيدا وأشرب الكثير من المياه الرقراقة لي ولها، لكي يرتوي عطشي وتمتلئ عروقها الصغيرة بالدماء الدافئة. ولا أنسى .. ابدا لا انسى ان ابلغها سلام والدها الذي يصحيني كل يوم من النوم بصوته الرائق وقبلاته الحانية لي ولغدن ولـ هَنا.

بعد نصف ساعة قيادة في الطريق الموغل بالحديد .. يبتلعني فيه الإزدحام. هَنا لا تزال تركل! اصل الى عملي، انزل لسرداب موقفنا فينقطع ارسال الهاتف النقال كالمعتاد وتتـشوش المارينا اف ام بسبب عمق السرداب نزولا لدهاليز تحت الأرض. إلا ضربات هَنا، تبقى صغيرتي في تواصل معي .. عادة ما اشعر بوخز مسطّح في مكان محدد كلما هممت بالترجل من سيارتي .. ربما كان كوعها الصغير او ربما كانت كفها ..

تماما كحبيبين يلمحان بعضهما .. احدهم امام نافذة زجاجية والآخر خلفها .. يضع كل واحد منهما كفه ملاصق للزجاج، لا يلمسان بعضهما ولكنهما يحسان بدفق العاطفة حتى من وراء حجاب. احس بيدها ملاصقة لجلدي من الداخل .. فأضع يدي تماما في نفس المكان من الخارج .. والمس بقلبي .. قطعة هَنا من داخلي!

الأربعاء، 18 نوفمبر 2009

طاووس !



لأول مرّة أقابل في حياتي شخصا لزجا!

سيولة الأشياء اللزجة مثل الزيوت الثقيلة عادة ما تبعث في نفسي اشمئزازا مختلفا، لهذا ربما انا لا أحب العسل كسبب آخر إضافي الى حلاوته التي لا تدع لي فرصة الاختيارات المتعددة. السوائل بالنسبة لي خفيفة ودافقة، مثل الماء او الزئبق لا يتطلبان وقتا للنزول او الصعود عند فورة الطبيعة.

لماذا لا أطيق وجود نقطة لزجة على اي مساحة من جسدي؟ نقطة من عصير البرتقال التي سقطت سهوا على يدي وجفّت دون أعلم لتخلف وراءها وجودا دبقا دفعني الى الجنون! عاجلته بشلالات ماء من الصنبور وفركت البقعة أكثر مما يتطلب الأمر لأكتشف أخيرا أنني في عراك غير سوّي مع البقع والسوائل!

هو بالضبط كان كذلك .. نظرة ثقيلة ينزلق تأثيرها ببطئ الدبق على وجهه ليصل الى فمه، الذي بدوره يرسم ابتسامة ليس لها لون! بلهاء تلك الإبتسامة الى ابعد الحدود أكاد اتساءل في قرارة نفسي إن كان فعلا يفقه حقيقة أنه يبتسم أم أنها حركة عشوائية تتمدد فيها ملامح وجهه عندما يلمح شيئا لا يستطيع السيطرة عليه.

أنا وبطني المنفوخ سبعة شهور من حمل مضني، في صباح اليوم حاصرتني ساقي ألما عندما تشنجت عضلتها ولم استطع افلاتها من قبضة المارد الذي يصهرها بين أصابعه! حاولت، ولكن الألم مسك في ساقي ولم يدعها تتنفس. حاولت أن اصل الى قدمي لأساعدها على التمدد والتحرك بعيدا عن ضربات الألم، ولكن عرين الطفل داخلي حال دون وصولي بسرعة الى ضفة جسدي الأخرى .. بعد ثوان .. عرفت سر السباحة في تيار الألم، وافلتُ ساقي من ألم مخاضها.
لم انم بعدها، فقمت الى دوش هادئ ونظرة سريعة الى النافذة خارج نطاق البيت الدافئ.

المكان هادئ، مظلم، مع بوادر مبدئية للشمس ان تفتح عيناها وتنير محيطي. كم أحب فترة انتقال حلم الليل الى صباح رائق، تلك التوليفة الرائعة من ضوء جديد وريح هانئة تأتي لنا من بعيد، من مكان مجهول، تحمل معها أشياء لا نراها ولكننا نحسها.
اتحسس ساقي، وأدعك مكان الألم الذي أيقضني من غفلة الليل الى تداعياتي الصباحية. اعتذر من غرفتي، سجادتي واللحاف الذي تركته باكرا جدا اليوم، بدون ان نتمرغ خمس دقائق اضافية ببعضنا عندما يرن المنبه.

أشعر وأنا ارتدي لباس اليوم الجديد في داخلي ان الله يخبئ لي مفاجأة! أصفف شعري وأدس حذائي .. وأخرج

النسمة الحائرة بين السماء والأرض لبست كنزة صوفية خفيفة فيها فراشات بنفسجية، ووضعت على رأسها ايشارب من الحرير الناعم يرفرف ويغمرني بسعادة الصباحات الشتوية الأولى. استنشق الهواء النادر، أعبّه داخل صدري وأحفظه لثوان تغمر صحارى الصيف القاحلة، ابتسم أنا وخطواتي لوحدي، أصل لسيارتي واضع الحاجيات لأدور حولها وأجلس بأمان.

من بعيد ألمح الطيف اللزج، ذاته الرجل الذي شارف على نهاية الستينيات امتهن النظرات الجائرة على أجساد البنات! يتفنن في اختيار المواقع التي تمكنه من النظر إليهن بينما هم يركبون او يترجلون من سيارات أهليهم. يعري أجسادهم الصغيرة، فترتسم على وجهه تلك النظرة الثقيلة والابتسامة الكريهة. رأيته في بعض المرّات يناديهن من بعيد، يلوّح لهن من علو نافذة شاهقة من بيته الذي يقابل بيوتنا. يبتسم لهم بتودد ويلقي عليهن تحايا الصباح.

قالت لي جارتي يوما أنه قدّم لطفلتها حلوى ودعاها الى "حوش " المنزل لتلعب مع الطاووس! أخذت ابنتها ذات الست سنوات الحلوى من يده وهربت. وعندما علمت الأم أعادت الحلوى الى الرجل وهددته إن تحدث مع ابنتها ثانية ستبلغ عنه الشرطة.

كيف لرجل بمثل سنّه ان يكون وحيدا يائسا مقيتا لدرجة انه يسعى لصحبة الأطفال بهذه الصورة الدنيئة. في البداية لم نكن نعرف عنه شيئا سوى كيانا هزيلا يرتدي ابتسامة غير مريحة. ينظر الى الفتيات الصغيرات ويطرد الصبية من حديقته الفارهة. حاول رجال الشارع أن يفتحوا معه ميثاق صداقة، ولكنه زجرهم وأخبرهم أنه لا يريد صداقة أحد!

أشمئز كلما صادفته صباحا يلقي عليّ تحية مصطنعة ويسألني إن كان مولودي بنتا او ولدا! ارد الإبتسامة وأتجاهل السؤال هربا الى سيارتي .. كل صباح أهرب من لزوجة الوجود العتيق القابع في مصباح صدئ مقابل بيتي.

اليوم كان مختلفا ..
ريشة الصباح أخف على قلبي، لم أتذكر وجوده مثل كل يوم فغدت مشية الممر اقصر وأجمل. أضع حاجياتي في المقعد الجانبي وألتف حول سيارتي ولا أراه يقف ينتظر الصغيرات في لباس المدرسة يقفزون الى سيارات اهلهم ويبتعدون. لم يلق عليّ تحية الصباح اليومية ولم يمطرني بأسئلة شخصية لا تعنيه.

احببت فكرة عدم وجوده .. ولكني لفضول جائر التفت نحو بوابة حديقته والممر القرميدي المؤدي الى باب المنزل. على رخام سُلم الإستقبال الأبيض بقع بنية داكنة! كلما امعنت النظر أكثر الى الزاوية المتوارية خلف سور الزرع كلما كبرت البقع وامتد السائل المندلق الى ما فوق الدرجات متوجها الى بوابة البيت الخشبية. قرصني قلبي وأحسست بشهقة غريبة من خوف وغموض.

اقترب اكثر .. طبعات يد وبصمات رجل .. والسائل البني الجاف .. كان ليلة البارحة .. بقع دم لزجة جدا!


الجمعة، 13 نوفمبر 2009

فراباتشينو !!




كل صباح - بلا استثناء - نتقابل أنا معها على فينتي كراميل فراباتشينو. عادة أكون خلف المكتب وهي أمامه وكأننا في ساحة معركة او لعبة مضنية من شطرنج كلتانا لا تعرف قوانيها ولا اصولها!


هي ثلاثينية تعيسة الحظ بالحب والزواج، حباها الله بسطة وافرة في الكتلة الجسدية وعلى الرغم من أن لها وجه جميل وملامح بيبي فيس، إلا أنها لا تزال في دوّامة القاء اللوم على كل شيء سرى في حياتها في مغارة موغلة بالظلمة. حكايتها أشبه بمسلسلات السوبوبرا التي تمتد احيانا الى ألف وشيء حلقة .. الإختلاف الوحيد، أن الممثلين حقيقين، قبيحين جدا لا جمال فيهم .. وان الحكاية لا تنتهي عندما يقف المخرج عن التصوير ويضع اغنية النهاية!


الأبوان متوفيان .. الأخ الأكبر معادي، الأخ الأصغر يناضل في صفها ولكنه الآخر مشغول بحياته اسرته، الأخت الكبرى شخصية شريرة الى ابعد الحدود، والأخت الصغرى تذكرني بساحرات الفيري تيلز! آخر حكاية استوقفتني لفترة عندما منعت الأخت الصغرى المسؤولة عن تدابير بيت العائلة التي تسكن فيه زميلتي واختها الخدم من تقديم اي خدمات لها لإنها لا تساهم "ماديا " في مصروف البيت الذي يتحول أصلا كل شهر الى حساب الأخت الصغرى إياها من أجار دكّان صغير ورثوه الأخوة كلهم عندما توفت الوالدة! لا أحد يتحدث معها في بيتها، غريبة ومنفية ومبعدة حتى من الخدم والطباخ الذين يعلمون ان رواتبهم الشهرية بيد الأخت الصغرى!


على رشفات الكراميل فراباتشنينو الصباحية عادة ما نفتح سيرة القلوب لإننا تعبنا من اجترار سيرة الأحداث المؤلمة. صديقتي تطلقت منذ سنتين وهي الآن في مرحلة جرجرة "الإكس" في المحاكم ليعطيها حقها كامل مكمل خصوصا بعد ان قضت اكثر من سنة كاملة في بيت العائلة وهي على ذمته .. لا يصرف ولا يسأل. كانت ترجوه الطلاق والتسريح بمعروف ولكنه يكابر ويأبى متمسكا بالمقولة العقيمة التي يعتقد الرجال انها تحرق قلوب النساء " خليج جذيه مثل البيت الباير .. معلقة .. لا متزوجة ولا مطلقة " ! كثيرا ما تساءلت: من أول من اخترع سالفة التعليق تلك؟؟


في النهاية طلقها بعد أن رفعت عليه قضية طلاق وأثبتت بالمستندات الدامغة أنه مديون ولا يصرف، هي من كانت تدفع ايجار الشقة، هي من تدفع اقساط سيارتها وسيارته " وسيارة أخيه"!! هي من اشترت كل أثاث البيت والأجهزة الكهربائية بقرض من التسهيلات مسجل بإسمها ومستقطع من راتبها !! وهو كل ما يفعله هو النوم طوال النهار " كشتة بالدوام" وعندما تعود للمنزل تجد من ثلاث الى اربع اصدقاء في قعر دارها يلعبون مع زوجها "بلي ستيشن"! والمصيبة ان سيد الرجّالة "حجر" فيحبسها بغرفتها طوال فترة اللعب والتسلية التي تمتد لساعات لا تخرج ولا تتحرك ولا تأكل ولا تقضي حاجتها لإن حريمة لا ينكشفون على رجال! آخر الإختراعات كانت عندما وقفت بوجهه وقالت له أنها تحتاج الذهاب للحمّام فأخرج ستارة البانيو ووضعها بين ممر المؤدي للحمّام والصالة لكي لا يراها اصدقاءه عندما تتوجه لقضاء حاجتها!


في الوقت الراهن تناسينا ما جرى وما كان من "سي السيد". هي رمته وراء ظهرها وأنا الآخرى لم تعد سيرة اقاصيص القهر تقصم ما تبقى في رأسي من جنون. نحن الآن في سيرة الأمل من جديد! هي تتحدث عن ايجاد الرجل الجديد المناسب، عن الحاجة الى كتف تضع عليه رأسها في الليل الذي باتت تقضيه في فراشها المعزول لوحدها. عن اليأس الذي يطرق بابها مع كل بوادر علاقة جديدة تنتهي بإختفاء الطرف الآخر من على ضفة النهر البعيدة! تسألني بحرقة : " اين يذهبون؟ لماذا يختفون؟"


وأجاوبها بسؤال آخر .. ماذا يريدون؟


يتناوب الراغبين على زميلتي أحيانا كالنمل على قطعة سكرة! هذا يتصل كل دقيقة ويعرض عليها عضلات حواراته الرائقة وخفة دمه. هذا يخبرها بقصص طفولته ويجعلها - غافلا او متعمدا - تدخل في عالمه الجميل. هذا يعدها بالوقوف بجانبها ان احتاجت اليه، وهذا يلمح الى مشوار ألفة طويل بينه وبينها لا ينتهي إلا بإنتهاء العمر! وهناك بالطبع من يكون صادقا في البداية معها ومع نفسه ويخبرها صراحة أنه يريد ما وضعه الله فيه فطرة واحتياج آدمي لحوح!


كلهم .. من أحمد الى زياد مستعد للخوض في غمار مغامرة العاطفة المبدئية مع فتاة متاحة عاطفيا للتحدث والمراوغة والتنكيت. كلهم بلا استثناء مجرورون خلف الصوت الناعم و " الألو" الذائبة مع تموجات النوم في رنّة منتصف الليل. كلهم بلا استثناء مسحوبين خلف رائحة شهية من صحبة لذيذة ليست بالضروروة جسدية فقط، ولكنها يوما من الممكن ان تكون! كلهم بلا استثناء اقمار دائرة في فلك التنهيدة الأولى، والتسبيلة الأولى، وكلمة الإطراء الطازجة من فم امرأة ولدت مع عشق خالص لإعطاء الرجال من حولها فرصة أخذ زمام السيطرة عليها.


هل غدت الفتاة اللعوب مطلبا قاهرا يفند وجود أمل الإرتباط الحقيقي مع رجل هو الآخر يحترف اللعب؟ يختفي اصحاب صديقتي التي يدفعها يأسها الى معاودة الإتصال بكل صاحب رقم يتطاير ناحيتها. هي تتصل لإن في كل مرّة تقنع نفسها أن صاحب الرقم من الممكن ان يكون "The One" .. الأوحد الذي سيأخذها بعيدا من ظروف معيشتها القاسية وشماتة أخواتها في زواج لم يكتب له التوفيق. الأوحد الذي سيراعي ظروفها القهرية، ويتخذ منها صدرا دافئا يسوح من خلاله في دهاليز الحياة مع رفيق يمسك يده ويعاونه على القفز فزق الحفر وعلى استكمال المسيرة.


الأوحد يتلو الأوحد يتلو الأوحد يتلو الأوحد كلهم يختفون بعد أيام من احاديث الليل الشيقة، والرسائل القصيرة المنسابة كسيل جارف للتواصل، والضحكات الدافئة على أنغام اغنية عميقة تصدح من سيارته وسيارتها. يختفي فجأة ولا يعاود الإتصال .. يختفي بعد ان يقول لها أنه للتو وصل للبيت ... سيغتسل ويبدل ملابسه ويعاود الإتصال ..

تمر الساعة .. ويمر الليل .. ويمر اسبوع .. ولا يتصل !!


وهي وأنا .. نجلس في الصباحات الذائبة مع الفراباتشينو .. نناقش السؤال إياه ..


لماذا يختفون؟؟

واين يذهبون ؟؟


الخميس، 5 نوفمبر 2009

غدونة Vs بابا عود!





الطفلة إياها عندما جاءت للحياة جلبت معها في قلبي نبضة اضافية من رحمة! الفتاة الشابة التي كنتها والتي تحترف الأنانية، ذابت أنانيتها في كوب شاي التضحية مثل قطعة سكر لم تهنئ بالدقائق المعدودة في الحمام العشبي الساخن. الليل الذي كنت لا انامه واقضيه اسمع موسيقى صوتها الباكي. أغسلها وانظفها وارضعها وادفيها ولكنها لا تزال تبكي .. بدلا من أن أكرهها والقيها من النافذة .. كنت بغرابة عاطفتي الجديدة .. أغني لها أغاني الأطفال الرائقة!


كبرت الطفلة قليلا وتحولت من قطعة لحم دافئة الى كيان مليئ بالمفاجآت. صوت جديد يفاجأني، نظرة جديدة، حركة جديدة، لمسة جديدة ..

تلك الحكايات السيريالية التي تحدثني فيها في ذات الليالي التي نقضيها معها تنسامر حتى طلوع الشمس. أول مرّة تصدمني حقيقة أن طفلتي فعلا تكبر عندما بدأت ازيح الأشياء عنها من على ظهر طاولة الطعام. المملحة والملعقة والكوستر والكؤوس لم تصمد طويلا امام يديها المتطفلتين .. لا أمل في بقاء الحال على ما هو عليه!


في ذلك اليوم بالذات ، عندما أزحت الأشياء عنها .. قابلتها وجها لوجه وضحكت من كل قلبي :
(( يا الهي .. نحن - أنا وهي - في طور النمو !! ))


تكبر الطفلة أكثر ..

فتنتقل معاركها من البيت الصغير الذي يعيش فيه أمها وأبيها الى زيارات شبه يومية الى البيت الكبير الذي يعيش فيه أناس أكبر سنا وأكثر هيبة. تتعارف على الناس الذين يقطنون البيت، وتشعر بخفاية طبيعتها الطفولية أنهم يحبونها بلا شروط، وأنهم - نوعا ما - يشبهونها!


لغدّونة تأثير ميتافيزيقي على "بابا عود" .. ذلك المغوار العسكري المتقاعد الذي تبوأ أكبر المناصب في سلك الجيش الى أن قرر ترك القارب والنزول الى بر الراحة والإستجمام، لم يكن يعلم ان مستقبله التقاعدي سيكون في كنف 3 من أحفاده الذي لا يتعدّى أكبرهم الثالثة والنصف من عمره. في بيت والدي حضانة أطفال يومية ما بين ابنتي وابناء أخي!
ذلك الرجل الصارم المخيف الذي كنت ارتعش في غرفتي عندما اسمعه يصرخ على أخي بغرفته البعيدة، كنت أعلم أنني لم اقترف ذنبا وأن الصراخ لم يكن اصلا موجه لي، ولكني لا زلت ارتعب والتصق بزاوية الغرفة. ذلك الرجل الذي يلجمني من نظرة عين، ويسكتني في لمح البصر، ويبعث تيار كهربائي في جسدي من خوف ورعب ما أن اعلم أنني ماضية في بوادر مواجهة نقاشية معه!


والدي انسان بمنتهى الخشونة على الرغم من طيبة القلب التي تلف الكيان الأجعد! علمته الحياة منذ طفولته الى شبابه كيف تكون خشنة هي الأخرى معه. فمضى في دهاليزها بأخلاق ومبادئ لا تقهر. كان حادا صارما مع نفسه، ملتزما بكل واجباته، أمينا لا يهضم ولا يظلم أحدا. لهذا هو يتوقع المثل من غيره وخصوصا منّأ نحن الأبناء! عندما نخطئ كانت الخيبة في قلبه مضاعفة .. وأحيانا ردود الأفعال مرعبة.


لم أكن أتخيل يوما أن هذا الرجل الملجأ .. سيجد ملجئه في كفيّ غدونة! يذوب اشتياقا لها، ويهتز جسده وتدمع عيناه سعادة عندما تصنع له بوضة في مطبخها الصغير! لم أكن اتخيل يوما أن تقترب منه وهو على شفا غفوة .. تمسك سبابته وتسحبه معها الى الخزانة ليعطيها قطعة حلوى .. يطرد والدي النومة العتيدة من عينيه ويجرجر جسده المنهك خلفها ويعطيها ما تريد! تشكره فيضمها ولا يشعر بحاجة الى النوم من جديد.


لم اكن اتخيل يوما أن يترجاها ذلك العملاق لتقبله على خدّه .. وعندما تفعل .. يضرب ضربات متواترة على صدره ويصدر كلمة الللللللللللللههههههههه طويلة تنبع من قعر الإمتنان القابع في قلبه!


لم أكن اتخيل أنه سيلعب معها بطينها، تؤكله بيتزا طينية مليئة بخيوط الأرض، وتسكب له في كوبها البلاستيكي عصيرا طازجا فيشربه ويصدر تماما أصوات الشرب التي مسقا اعتمدتها معه. يرتشف عذوبتها مع عرائسها التي تغني، ويصفق لها عندما تبدأ الرقص على انغام الأغنية التي تريد.


يقولون أن الرجال عند النساء شموع تذوب .. وقد اكتشفت في معركة الحب بين غدّونة وجدّها أن الرجال عند طفلاتهن شموع تنصهر. الفرق أنهم هنا ينصهرون بإسم الطفولة التي ترجعهم بغرابة الى مكان جلّي بالعاطفة قد يختبرون روعتها للمرة الأولى على يد طفلة بضحكة تشبه صوت الفئران البيضاء، ويد تشبه فروخ الحمام الصغيرة.

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت