كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الجمعة، 27 فبراير 2009

أين هي ألاسكتي؟؟


شاهدت البارحة فيلم جميل اسمه Into The Wild

الفيلم من سيناريو واخراج واحد من الفنانين المفضلين لدّي هو Sean Pen.
قرأ Sean الكتاب المكتوب عن قصة حقيقية تحمل نفس اسم الفيلم، بطلها شاب يدعى "كريس مكاندليس".
كان عمر "كريس" أكثر من العشرين بقليل عندما تخرّج من الجامعة التي أرادها له والده..

تبرع بمدخراته لهيئة خيرية، حرق نقوده، قطع بطاقته الشخصية، رخصة القيادة وبطاقات الإئتمان وخرج من الدنيا ..
لم يقتل "كريس" نفسه .. ولكنه حيا من جديد ..

في رحلة أشبه بالأحلام المتقطعة \ المتواصلة في ليلة محمومة، حمل "كريس" بعضة
بعيدا عن كل ما يناقضه ويناكفه في المجتمع الذي كره عندما بدأ يغوص في محيطات نفسه.
تلك البدل المخاطة تماما على تفاصيل الجسد تخنقه ولا تريحه ..
تلك الابتسامات المزيفة ..
والأموال التي تبني اسما من زجاج ولا تحشو ذلك الإسم إلا بفقاعات لا تكاد تطير حتى تنفجر!
لم يحب ذلك الفتى تاريخ والديه الذي عرفه بالصدفة، فاكتشف كذب العلاقه بينه و بين كل شيء كان يوما أساس تلك العائلة.

لم يعجبه يوما غنى والده، ولا عنجهية أمّه التي كانت تخفي في باطنها امرأة فقدت الكثير من عزتهه الحقيقية ..
كان "لكريس" اختا واحدة أحبها اكثر ممّا ينبغي .. وهي الوحيدة التي فهمته ولم تلمه عندما اختفى..

على قدميه مشى "كريس"، جاب البلاد الكبيرة مشيا على الأقدام وترحالا على ظهور سيارات المتعاطفين..
فوق كتفه حقيبة ظهر زرقاء..
ومن وراءه كل شيء يسعى صديقه الإنسان اليه.
ترك كل شيء وجرى بإرادته المحضة خارج دائرة الراحة.

رحيل ومن ثم عودة الى باص مهجور وجده في أحد الغابات البعيدة أسماه (الباص السحري)
بين التنقل صادف بشر وحيوانات، أصدقاء وأحباب لم يعرفهم به إلا الطريق.
ساعد الكثيرين وساعده الكثيرين.
أثّر بحياة الآخرين مثلما أثرّوا جليّا بحياته.
اصطاد عشاءه ثم أكله الدود منه ..
غنّى معها بدلا من أن يلمسها..
وأعاد دون ان يعلم عاشقين الى حضن بعضيهما بعدما قاربت الشمعة على الإنصهار داخل القلوب.

عمل من أجل حفنة من المال الذي حرق حالما بتلك الرحلة الكبيرة التي سترسله الى ضفة النهر الأخرى، خلف نهد الجبل الكبير .. بعيدا .. الى وجهته .. ألاسكا.

"كريس" كان شابا مهووسا بالحرية، مطموسا بالتمرد..

محبوسا في دوّامة التشرد الإرادي التي أحبها الى أبعد الحدود فصال الأرض وهو ينادي نفسه ويناديه الجميع Super Tramp او المتشرد الخارق.
لمس حياة الكثيرين ممّن عاشوا ليحكوا عن "كريس" وحلمه الكبير بالإنشقاق عن القطيع والسفر طائرا على الأرض دون أن يوقفه أحد.
كتب "كريس" في حافلته الكثير، عن الخوف، الوحده، الصداقة، الألم، الطبيعة، استنشاق الهواء وغيرها من الأشياء التي لم يكتب أحد عنها مثلما ذاقها "كريس" في رحلته.

كمّا وُجد في باصه السحري رسالة تقول " لقد عشت حياة عظيمة واستطعمت الجمال مثلما لم يذقه أحد .. فليبارككم الرب".
مات "كريس" جوعا وعجفا في الحافة السحرية موتا مؤلما بطيئا جدا .. لوحده.

لم اكتب عن الفيلم لأتكلم عن المناظر الطبيعية الخلابه، عن الأداء الرائع، عن ابتسامة الممثل التي يرى المشاهد فيها بريقا خاصا، عن الأحداث الذهبية، عن الكتابات العميقة او عن النهاية المأساوية لفتى عرف مسبقا نهايته المأساوية ..
أو حتى عن صورة "كريس" الحقيقي التي التقطها بنفسه أمام باصه السحري ..

ولكني كتبت لإن الفيلم دعا شيئا خفيّا فيني الى التمرد أكثر ممّا أنا متمردة ..

مجتمعنا .. ذلك الهلامي اللزج الذي يعصرنا أحيانا الى حد الإختناق ..
تلك العيون المتلألأة الكبيرة التي تلتصق فينا كحشرة سمجة ولا تتركنا..
تلك العنجهية المعجونة فينا بلا توابل ولا سُكّر..
تلك المطارق الخشبية التي تطرق حُكما هائما علينا، فوق رؤوسنا عندما نخرج قليلا عن المألوف أو نكون أنفسنا لدقيقة واحدة مسروقة من جيب الأعراف الضيّق ..
ذلك الكيان الغير متجانس، الغير متآلف، الغير منطقي والغير مقبول في قلب كل واحد وواحدة فينا تستعير ميكروسكوب صادق من مختبر حريتها المعتم وتضعه أفقيا فوق كيانها ..
داخل رأسها أو على قمة سعادتها التي بعد لم تصل لها!

لماذا أجد نفسي محاصرة بعشرات من العيون عندما أرفع شعري وارتدي شيئا مريحا جدا في يوم ويك أند بالراية؟
لماذا لا استطيع الجري خلف صغيرتي عندما تترك يدي في الآفنيوز؟
لماذا لا يسمح لي بضم زوجي على عيون الملأ عندما يخبرني شيئا رقيقا ونحن نمشي في الجمعية؟
لماذا لا اغنّي بصوت عالي وأنا أمشي في شارع المشاة؟
ولماذا لا احضر فلما في السينما وحدي؟ .. وأجلس في شيليز آكل وحدي؟ وأرتشف عصيري على رمال البحر وحدي؟

اليوم في صباح الآفنيوز رأيت 4 فتيات صغيرات يلعبن "فتّحي يا وردة" وقفت أشاهدهن وابتسم لجمال المشهد وحلاوة الذكرى ..
بيني وبين نفسي غنيت معهن. .
وددت لو أفك العقدة بين ايديهن وألعب ..
سحبني زوجي من يدي فتذكرت "كريس" ..
سحبت يدي وسألته أن ينتظر ..
ذهبت للصغيرات و أستأذنت بالدخول في الدائرة، بلا استنكار رحبن بي وسألنني ان كنت أعرف الأغنية ..
أجبت بطفولة باهتة ..(نعم)
بدأت اللعبة وبدأت أغني، أفرد يدي، أدور حول نفسي ..
(( علي بابا .. علي بابا .. عدّي لمّا العشرة ..))

من الناس .. لامستني ندرة من الإبتسامات الصافية، صغرّتني بعض الضحكات المشوبة بالسخرية، وصفعتني بعض النضرات المقتضبة .. لم تهمني، ولم اترك اللعبة إلا عندما انتهت الأغنية.

في السيارة كان طريق العودة وعرا بالتساؤلات ..
متى آخر مرّة فعلت شيئا جديد أجربه لأول مرّة في حياتي؟
ماذا سيحصل لي لو خرجت من دائرة الراحة التي تعودت عليها؟
ماذا سأعرف عن نفسي لو ابتعدت قليلا عن نفسي؟
كيف هي القمم التي أخاف؟ والأعماق التي تخنقني؟ والمخلوقات التي لم افتح عيني لأراها؟
من يعيش في ذلك المكان القابع بعيدا عن كهف المجتمع؟
...... اين هي ألاسكتي؟

من كل تلك الأسئلة خرحت ببعض الأجوبة التي ارعبتني لبرهة .. التي سأرتادها في رحلة البحث عن وجه آخر لملامحي:
1- سأمشي على قدمي من بيتي الى بيت أمي، ولا يهم كم من الوقت ستستغرق الرحلة!
2- سأركن سيارتي يوما، وسأركب باص المواصلات الذي أصبح واحد من المحرمات الاجتماعية على كل شخص يحمل جنسية كويتية!
3- سأشتري فستانا بأقل من دينار كويتي وألبسه في واحدة من طلعاتي الإعتيادية.
4- سآكل يوما لوحدي في مطعم مزدحم.
5- سأبتسم في وجوه هؤلاء الذين لا يبتسمون.
6- سآكل خضار وفواكة ((فقط)) لمدة أسبوع كامل.
وأخيرا .. سأكتب لكم عن كل تلك التجارب ولن أخفي عنكم شيئا ..



الثلاثاء، 24 فبراير 2009

بعيدا عن جذور الألم.

على مضض، وافقت ان تذهب معه. .
قال لها أنها يجب ان تذهب ليس لأجله بل لأجل الأطفال، فقد اعتادوا ان يأخذهم والديهم للمجمع للتنزه وتناول وجبة الطعام كل جمعة. يحدثها في نصف صوت ومن وراء خاطر، يزفر عليها نيران حنقه وغضبه: "فكري بأولادج، لا تخلين خلافاتنا تأثر عليهم".

ترتدي ملابسها بعصبية، تلقي ما يعترض طريقها على الأرض ولا تبالي، هذه ليست أول مرّة يخطئ بحقها.
كيف له ان يدعوا 30 شخصا على العشاء في بيتها دون علمها! رجاها ان تأخذ الأطفال الى بيت والدتها وتبقى هناك الى ان ينتهي عشاء العمل، لم يكن يريد ازعاجها ولم يود ان يرغمها على نشاط اجتماعي ليست مرغمة على المشاركة فيه.
وما زاد النار اشتعالا هو معرفتها اللاحقة من زميلة مشتركة ان بعض النساء مدعوات ايضا على العشاء.
ارادها ان تغادر البيت، ليستضيف هو لفيف رجالاته وبعضا من رشّات السكر التي سيأكلونها كعكة لذيذة على مائدة طعامها.

فاض الطوفان في صدرها، ان لم يخبرها بوجود النساء "سيدات الأعمال" فهو حتما يخبئ الأمر عنها عمدا.
قصد ان لا يخبرها بجميلات الجلسة لإنه لا يريدها ان تعلم .. ولا يريدها ان تأتي!
استشاط غضبا عندما واجهته بالحقيقة المخبوءة في جيب القدر، وضعت حقائقها نصب عينيه فأغمض عيناه ومضى يعلل: " أنا لم اخبرك لإنهن زوجات رجال الأعمال، قلت لك أن الوليمة هي عشاء عمل، لا شيء اكثر ولا شيء أقل".
قالت: "اذا كان المدعوين سيحضرون زوجاتهم، اذن لماذا لم ترغب انت بزوجتك ان تكون معك؟" ..
اغمض عينه مرّة أخرى وفسّر: "لإنك لا تحبين تلك الجلسات المشوبة بأحاديث العمل والبورصة والصفقات الإستثمارية. أخذتك معي قبلا الى مثل تلك الولائم فلم يعجبك الوضع!".
صرخت: "ولكنه بيتي، اذا لم يعجبني الوضع سافرت للطابق الثاني ونمت في فراشي، أم أنك كنت تريد الفراش لأغراض اخرى!" اغمض عينيه للمرة الثالثة، عض على شفتيه .. ولم يتكلم.

ترك لها الغرفة، ولكنه عاد بعد ساعة من الصالة يرجوها ان لا تدع خلافاتهما تبتلع نزهة الاطفال الأسبوعية، فهم ابرياء .. ولا ذنب لهم.

لم تكن ترغب بالذهاب، هي لا تطيقه ولا تشتهي ان تقضي معه ولو ساعات مقتطعة من امسية الأبناء.
وهي تضع حجابها امام المرآة تساءلت ما ان كان الأطفال سيعرفون ان والديهم ليسا على وفاق. ولكنها آثرت الذهاب علّها بوجودها هناك رغما عن الغضب والصمت ستبعد القلوب المحبة الصغيرة عن الوقوع بالفجوة التي باعدت بين القطبين!

المجمع التجاري الكبير ينضح بكل وجه، العابس والسعيد، الرائق والمعجون بألف سؤال، الممزوج بألف تيه. الأطفال سعداء يتراكضون والآباء والأمهات احيانا يشبكان ايديهما واحيانا كثيرة ينشغلان بلمسات اكثر سطحية.
طاولة في منتصف "الفود كورت" استقبلتها وزوجها وابنيها اللذان تفصلهما 3 سنوات عن بعضهما، هما بمنتهى البهجة والنشاط. تقفز شقاوتهم المحببة من زوجي العيون الواسعة التي عادة ما تلمح فيهما مخططات كبيرة لدمار صغير.
الطاولات والكراسي، الحقائب العربات والأطفال الآخرين، لا ينأى شيء عن مداعبة تبدأها الأيادي الصغيرة فتنتهي بالتلف او الكسور.

عندما اختارت الطاولة، حرصت على ان تكون بمنأى من العيون.
جزيرة مستقرة في بحر البشر، لصيقة بجدران المبنى فتسند عينيها على الحصون لكي لا يتلقف لوعتها الفضول المحيط.
ليس لأحد دخل في احزانها ولا غصات قلبها.
هو، لم يجلس في الجهة المقابلة كالمعتاد، أخذ كرسيا مواربا على يمينها . .
كانا يحاولان قدر استطاعتهما أن لا يتقابلان بلؤم مرة اخرى، على الأقل امام الناس و امام الأولاد.
" فاهيتا سالاد بليز"، سمعت نفسها تملي على النادل ما تريد، ولم تكترث بالباقي ..
لأول مرة لا يهمها ما سيأكل ابناها، عقابا له ومواساة لها: ستدع شأنيهما عليه هذه المرّة لعلّه يتوب عن أفعاله المشينة..
فقد ملّت اللف والدروان.

اعتادت حتى قبل زواجها على سوء الظن بالرجال، لازالوا مخلوقات معدومة الضمير:
النجار الذي أخلف الوعد، والسباك الذي أساء العمل، والطباخ القذر الذي كان ينسى اظافره بالطعام! ..
والسائق الكذّاب، وحتى الخياط الباكستاني التي كانت تفصّل عنده ملابس المدرسة عندما كانت مراهقة كان يتغافل والدتها ويلمس نهديها "عشوائيا" بطريقة "غير مقصودة".
صعقت في المرة الأولى، واختنقت في المرة الثانية، وتكلمت في المرة الثالثة لتوسعه والدتها ضربا بالقبقاب على رأسه، ثم تطرحها ارضا وتدوس عليها في السيارة بكل الكلام الجارح الذي من الممكن ان تفهمه فتاة في مثل سنها.
لم تمسك والدتها زمام اعصابها عندما قالت لها انها ليست المرة الاولى فصفعتها ودوّت المهانة اغنية حزينة لا تنفك تعيد نفسها في اذنها الحمراوين الى الآن.

منذ ذلك اليوم وهي لا تسكت، تقول ما تقول والباقي لا يهم.
الطاولة دوّامة وجع، والقريب منها بعيد عليها، اختزلت حادثة سوء التفاهم هذه نتائج كل حواراتهما الليلية على فراش العشق بالتفاهم الحضاري والحوار الراقي حلا لطوارئ المغالطة، تحولا الى وجهان يتجنبان بعضهما على الملئ.
يختطف هو من الوقت نظرتين اليها وهي تتجاهل اللمحات.
في قرارة نفسها تعلم أنه رغما عن رداء الخفاء الذي ارتداه وهو يخطط لحفل العشاء، لم يكن ينوي الخطأ.
هي تتذمر وتكره سهرات عمله، وهو آثر ان لا يسمح للملل ان يخيّم عليها في ليلته المهمة، فأخفى حقيقة صغيرة لم يكن يتوقع أن تقلب موازينها الى حد الإنفجار!

ينظر اليها من جديد ..تعلم انه ينظر ولكنها تغضب بصمت ولا ترد بوادر المصالحة لعينية.
اشاحت بوجهها الى الجانب الذي لا يسكنه وجهه، هي لا تهرب ولكنها تتعلّى.
تتمعن اكثر في الجانب المقابل .. فتراه !!
وجها لم تنساه لأكثر من ثمان سنين، شارب فاحم وعين تحدق فيها كالصقور.
وجه هربت منه وتزوجت .. وللمفارقة أنها في اليوم الذي ترى فيه سبب الهروب الكبير، كانت تهرب من الملجأ الذي آواها من تيه الوحدة ولوعة الحرمان بعده، على الشمال وجه الماضي الذي خان، وعلى اليمين وجه الحاضر الذي لم يخن .

التفتت الى زوجها فقفز من المفاجأة ..
بإضطراب .. ابتسمت بلا معنى ولا عنوان.
هو، كان بمنتهى الضياع، بحث عن كلمة يبدأ فيها مفاجأة المبادرة فلم يجد.
كان يعلم ان زوجته في مأزق، ولكنه لم يفهم من اي صوب باغتها الهلع.
بإرتعاش واضح، نهضت من مكانها لتلحق بالطفلين بعد ان تركت شقاوتهما له كأول جزء من العقاب، جلست بالكرسي المقابل له واجلستهما على جانبيها لتحتمي بحارساها الأمينان، نظرت طويلا داخل عينيه وابتسمت.

شك بالتغير الطارئ فأعاد اقتفاء آثار اهتياجها، همّ بالإلتفات الى جهة الطوفان، فقالت بسرعة:
"لا تظن انني غاضبة منك، انا فقط خائفة عليك من لإغراءات التي من الممكن ان تهدم حياتنا".

تجاهل المحاولة الفاشلة وكأنه لم يسمع، التفت الى الجانب الآخر الذي هربت منه اليه، رأى توأم اضطرابها هناك على الطاولة البعيدة، زفر وأعاد النظر في عينيها .. فأطرقت.
هزهّا الموقف، كيف للأحداث ان تناكفها الى هذه الدرجة!
كان ودودا خاضعا شاعرا بتأنيب الضمير ..
وهي كانت تمسك زمام القوة بيدها..
والآن وبعد نظرة واحدة من ماضي تواجد عنوة في أسوء وقت على رقّاص حاضرها، تود لو تجري الى صدر زوجها رغما عن العناد، وتختبئ ضلالا تحت أشجاره، فلا يجدها الألم حتى وإن عد للمئة.

كانت تحبه، كانت تحيا لأجله، كانت تنام على صوته وتصحو على صوته. كانت تمشط شعرها وتضع رحيقا عاطرا خلف اذنيها قبل ان تنام لإنها تحبه.
كانت ترتدي أجمل فساتين النوم القطنية وتتوضع اجمل نومة، تفرش شعرها الأسود على الوسادة وتغمض عينيها بدلال لإنها تحبه، حتى وإن لم يرها!
كانت تهواه وتعيشه وتتنفسه حتى وان لم يكن معها. .
كانت تخاف عليه وتناجيه وتناشده حتى وان لم يسمعها. .
كانت تعطيه شفتيها سرّا لإنها تحبه، وتسمح له ان يداعب تضاريسها لإنها تحبه.
ولكن الواقع بات يقرع اجراس التمادي ولا من كلمة مطر تروي الإنتظار. كانت جافة عجفة تتلقف الكلمات وتحيكها قصصا من بيت وزواج وأولاد. تنتظر التلميحات وتقلبها لصالحها علّه اليوم يأتي، او تتصل والدته على والدتها لينتهي الكابوس ويبدأ الحلم.
" أنا قلت للوالدة وقالت ان العمام ما راح يوافقون على الزواج، تدرين الأصل متفاوت، واحنا طول عمرنا ناخذ من مواخيذنا!".
اقفلت السماعة وقتها، وبكت الى ما لا نهاية، بكت الجذور التي تمتد ليختنق الرأس قهرا على الحظ الذي لم يوات. وبكت الرجل الذي لم تغريه جذوره المتأصلة قوة في صدر الأرض، من الوقوف شامخا بوجه الكبار يخبرهم بما يريد ولا يخاف الإقتلاع. بكت ..
وتزوجت رجل يشاركها عمقها القريب من الشمس والهواء.

أعاد زوجها عينيه من رحلة المواجهة بعد ان تلاقت عينا الرجلين عليها، كل ينظر لها من صوب وهي صامتة وخائفة من ان يتهور الماضي ويقلب مواجع الحاضر على رأسها.
خافت ان ترفع رأسها وتسأل السماح على اقتراف الخفاء.
عندما تزوجت .. سألها في أول أيام الارتباط ان كانت احبت قبله، فأجابت بالنفي ..
لم يصدّق ولكن النقطة انتهت عند نكران السؤال.

اضمحلت على كرسيها وهي تعلم ان زوجها ينظر اليها، رفع وجهها بيده والتقف دمعتها:
لا تبكي .. فلا شيء يستحق
قالت: آسفة ..

ابتسم .. أمسك يدها، وسحبها الى طاولة أخرى بعيدا عن جذور الألم.

السبت، 21 فبراير 2009

(( ميني لؤلؤ ))




افكر كثيرا بالموت هذه الأيام، ربما لإنني لا أنام! ينخر أنين الليل بصمته الصارخ فيستجدي الأفكار التي عادة لا تزور.
لا أفكر بالموت نفسه، ولكن بتلك اللحظة .. ذلك العشر من الثانية..

رعشة القلب الأخيرة والشهيق الوحيد الذي لا يتبعه زفير.
تُرى وجه من سأرى؟ ولفراق من سأموت قبل أن فعليا أموت؟
تجتاحني دمعة فوضوية عندما أحتار بين وجه
زوجي ووجه طفلتي ..

الحيرة ستقتلني قبل أن يتوقف النبض ويرتاح الخافق، علّها تقتلني .. وأرتاح.


يشبهان بعضهما الى حد كبير ولكنه رجل ثلاثيني وهي طفلة لم تتعدى السنتان.

أول ما يخطر برأسي عندما يسألني زملائي بالعمل عنها هي تلك الإبتسامة!

فم صغير أحمر وأسنان أسميها "ميني لؤلؤ"، صغيرة جدا ولطيفة الى ابعد الحدود..

يدغدغ اذناي ايضا وقع خطواتها، صوت الباب المتطرف عندما تزيحه عنّي بيديها، تراتيل همهمتها، وصراخها الحاد عندما يدخل والدها الى البيت بعد الدوام (( داديييييييييييييييييييييييييي ))، تعلمتها من اسبوع..

تجري اليه بيد متضرعة ليحملها وترى الدنيا من منظور آخر .. من علو.

تلقي رأسها على كتفه وتستمتع بالدفئ كما اتنعم فيه أنا في ليلة شتوية حالكة ..

يقتلني تمسكنها في حضن والدها، ومعرفتها الفطرية أنها أميرته التي لن تكبر في عينيه ولن تشيخ.


تقتلني معرفتها الأنثوية الغضة بأقلام الكحل، فراشي البودرة، واصابع الحمرة..

تمد يدها عاليا عندما اتزين واعطيها الأنابيب التي لا تستطيع فتحها. .

فتمرر القلم او الفرشاة او الروج على فمها وتنتظر منّي الثناء..

اقول "الله" ممطوطة فتبتسم وتعرف بدون مرآة أنها الآن جميلة..

من يومين عرفت كيف تفتح مجموعة من اصابع الروج وتغرف بإصبعها رحيق اللون داخله، دخلت عليها فوجدت الأحمر في كل مكان .. على وجهها وملابسها.
نظرت اليها "بخزّة" ام مبتدأة في علم التخويف المتبحر..

نظرت إلي بعينيها البنيتن واعطتني أجمل "الله اااااااااا" ممطوطة سمعتها في حياتي، صحيح ان نصابها لم يكتمل فحرف اللام كان بعد خامل، ولكني ضحكت .. وسامحتها.


تقتلني بعنادها، واصرارها على افراغ جواريري من محتوياتهم ..

وضع تواقيعها على كتبي ..

فصل مجلاتي من اوراقها ..

سرقة العلكة التي دائما اضعها في سلّة مخبوءة تحت ملابسي،

تجدها وتأكلها بشغف مع القرطاس اختصارا للوقت المسروق من جيب الرقيب (ماما).

تقتلني برقصها، بـ "دمب دمب" التي تبدأ فيها حفلة تمايلها ..

تحب القفز ابنتي وتعتبر "النطاطية" الكبيرة في بيت خالتي واحدة من حقوقها المكتسبة.

الحضن الكبير الذي تعطيه لنفسها عندما أغنّي لها أغنية "بارني"
I love you .. you love me
We are happy family
With a great BIG HUG
And a kiss from me to you ..
Want you say
You love me too

تقتلني عندما تناديني بأسمائي المختلفة ..

الى الآن لم ترسُ سفن ابنتي في مرفأ سر وجودي في حياتها ..

تعلم أنني صديقتها وأنها تحبني ..

لا تناديني ماما بعد ولكنها حتما تستطيع ربط الوجه مع التسمية.


تقتلني عندما تضع ثوب صلاتي على رأسها ..

تقف على طرف السجادة وتتمتم، الصلاة بالنسبة لها تمتمة وسجدة اشبه بالإنبطاح.


تقتلني ابنتي بشفافيتها وطهر كينونتها وحبها الصغير لمفهوم الأسرة ..

فعندما اتباكى لإنها رفضت تقبيلي "اكسر خاطرها" وتترك ما بيدها لتربت على كتفي وتقبني بدون منّة ..

مرّة واحدة مسحت على شعري فأحسست أن كل بواقي يتمي ووحدتي توّا اختفت. .

أخذت فيني أجرا كبيرا لإن تلك اللمسة الدافئة تنتشلني فورا من اي حالة اكتئاب.


تأكل بسكويتها المفضل فتكسر قطعة وتعطيني .. فتقتلني
تجد هاتفي على الأريكة فتحمله اليّ .. فتقتلني
تنثر كل الحاجيات من حقيبة يدي وتعيدها عندما اغتاظ .. فتقتلني
تصرخ في وجه والدها عندما يدغدني واصرخ .. فتقتلني

يا الله .. انا الآن مستعدّة للموت!

الثلاثاء، 17 فبراير 2009

تاريخ ما تحت مخدتي ..

قالت لي أمي أنني منذ طفولتي نمت على 6 أسرّة، وفي كل مرّة – عندما تهم بتغيير السرير – تجد تحت مخدّتي أشياء …

من يوم الى سنة
تحت مخدتي أسئلة صغيرة جدا بحجم الليدي بيرد، أحيانا منقطّة وأحيانا ملساء تنزلق من عيني دون ان اعلم.
جمعتها والدتي ووضعتها في صندوق الأيام علّني اكبر يوما واتعلم الكلام واسألها.
تحت مخدتي كركبة من دمعة جوع، وشهقة ألم من مغص في بطني، ورعشة خوف من ضوء قوي لا يناسبني.
تحت مخدتي شعرة "بطن" نزحت من رأسي تذكارا من أيام الرخاء عندما كنت آمنة وسعيدة في فقاعة تماما مثل حجمي.
تحت مخدتي ابتسامة والدي، اقتطعها من وجهه كل صباح عندما يحملني بيديه ويقبل جبيني ويذهب ..
تحت مخدتي قطرة من حليب أمي، أخبئها هناك ان جعت ليلا .. وهي متعبة.
تحت مخدتي كل كلمات الحب والإطراء، كل دعوات النشأة والصبا والصلاح، وبروش ذهبي من جدتي كُتب عليه اسمي وكلمة "ترعاها عين الرحمن".

من سنة الى خمسة
تحت مخدتي كلمات اسمعها لأول مرّة وارددها بيني وبين نفسي قبل ان أنام..
تحت مخدتي صور لوجوه أحبها وأخرى لا أحبها، نبرات اصوات تسعدني واخرى ترعبني، ضحكة والدي عندما يلعب معي، وبسمة أمي عندما ألعب بشعرها ..
تحت مخدتي أول كلمة نطقتها، وأول ضحكة بدأتها، وأول بسكوتة أكلتها، وأول لقمة صلبة بعد دهر من الحليب.
تحت مخدتي غصتي الأولى بحلاوة يابسة أكلتها رغما عن معارضة والدتي، شهيقي وزفيري وأنا اجري لأول مرّة، واحساس بإنفجار قلبي عندما اصل لوجهتي ..
تحت مخدتي وجه الفتاة التي صنعت داخلي شعورا محببا بالصداقة، فناجين الشاي البلاستيكية، دُمانا الجميلة والدببة التي كانت بقدرة قادر أولادنا..
تحت مخدتي خصل من شعري الطويل، وشريطة اول يوم من أيام المدرسة، شنطة الأكل الحديدية، وحديث مدرستي عن حب اللآخرين والتعاون والمشاركة.

من خمسة لإثنا عشر
تحت مخدتي أمنية ركوب الطائرة، وخفقان قلبي وأنا اركبها ..
تحت مخدتي صوت طرق مطرقة على رأس مسمار، وصوت منشار وهو يأكل الخشب .. صوتي وأنا ابني من لا شيء مبادئ شخصيتي ..
تحت مخدتي قرصة الغضب الأولى، وصفعة الغيرة الأولى .. وطعم مر لهزيمة مبكرّة ..
تحت مخدتي أمنيات بدائية جدا لمفهوم انوثتي المبكر، شعر ناعم، فستان نافش وتنورة واسعة تدور حولي عندما أدور..
تحت مخدتي كورن فليكس، وكيك، وشوكولاته رخامية بالفانيلا والبسكويت ..
تحت مخدتي اغاني مسرحية ليلى والذيب، وظفيرة شمسة، وتاج الأميرة شمس الشموس ..
تحت مخدتي حنين بدائي لأيام الطفولة، واستعجال غير مبرر للنضوج والمستقبل.

من اثني عشر الى اثنين وعشرون
تحت مخدتي خليّة مليئة بالأسرار، أحاديث البنات الشقية، واحلام مطبوعة على جبين أي فتاة ..
تحت مخدتي دقّات قلب، وحاجات جديدة لأول مرّة تطرأ ..
تحت مخدتي احراجات جسد بدأ يكبر ويخرج عن نطاق السيطرة ..
تحت مخدتي دماء ونهدان لم اتقبلهما، ومشاعر لم اطلبها، واحاسيس مخنوقة استحي من سماعها ..
تحت مخدتي مراحلي الدراسية، كتب ومراجع .. وطموح عالي لا ينام ..
تحت مخدتي شجاراتي مع أمي عندما اصبحنا انثيين تحت سقف واحد، حواراتي مع اخوتي، فرحتي عند ولادة اختي الصغيرة، ومناجاة صديقتي ..
تحت مخدتي سجادة صلاة وثوب، وألف كلمة شكر، ألف رجاء، ألف طلب .. ومليون استغفار ..
تحت مخدتي حيرة المستقبل .. والكثير الكثير من الأسئلة ..
تحت مخدتي شهادة تخرجي، ذكريات دراستي، وورقة "عشرين" من اول راتب.

من اثنين وعشرين الى ستة وعشرين
تحت مخدتي محطة انتظار، وصورة ببرواز لقطار.. ثوب ابيض ومخدّة دائرية صغيرة كنت اضعها في ملابسي
وارغمها ان تكون صورة أولية لأمومتي ..

من ستة وعشرين الى …………
تحت مخدني قُبلة .. واكبر درس علمتني اياه الحياة عن المشاركة والإلتحام ..
صوت رجل، يده الدافئة، عينيه الحالمتين .. وابتسامة تلمع حتى في الظلام ..
تحت مخدتي رائحة الأماني وهي تتحقق، والطموح وهو يُروى، والأحلام وهي تحتال حقيقة دامغة ..
تحت مخدتي قنينة وضعت فيها رفسة من رفسات جنيني، وصورة السونار الأولى عندما كانت تشبه شبح ظريف لم يفزعني..
تحت مخدتي صرخة مخاضي الأولى .. ونظرة عيني عندما لمحت لأول مرّة كيانا مخضبا بدماء مهجتي..
تحت مخدتي ورقة .. كتبت فيها أحلامي لها .. واهدافي لها .. ومذكرّة جميلة معنونة بإسمها .. اكتب فيها ذكرياتي معها .. لها
وتحت مخدتي كتاب قرأت كل فصوله .. ولازالت التكملة تحت الطبع ..
سأشتريها .. واضعها تماما تحت مخدّتي ..

السبت، 14 فبراير 2009

رقصة غادة .. دفا مش زي أي دفا ..!


عرضت في بوست سابق حكاية عن 3 مدونات تحولت الى كتب من اصدار دار الشروق العريقة.

هذه المدونات كانت ملك لثلاث بنات موهوبات مصريات، وضعن أجمل حواديتهم وحكاياتهم، صرخاتهم وآهاتهم وضحكاتهم

على الورقة الإلكترونية واطلقوها في فضاء النت لتغدوا شيئا جميلا تتلقفه آلاف النجمات من عيون القراء من كل مكان ..

تكلمت عن كتاب غادة عبدالعال ( عايزة اتجوز)، وكتاب رحاب بسّام (أرز باللبن لشخصين ) ووعدت ان اتكلم عن كتاب

الرائعة الثالثة غادة محمد محمود ( أما هذه فرقصتي أنا ) بعد ان يصل لي من القاهرة .. واقرأه


كتاب ازرق صغير عليه رسم غرافيتي لرجل وامرأة يمسكان ايدي بعضهما ويرقصان ..
وهذا بالضبط ما حصل لي مع الكتاب .. أنا وغادة أمسكنا بأيدي بعضنا ورقصنا على الحان كلماتها ودفئ أحاسيسها ..
غادة بنت مصرية أصيلة في العشرينات من عمرها، تعرفها من أول ما تقرأ اهداء الكتاب.
عالمها .. أب متوفي، وأم موجودة "بمعنى الكلمة"
وحبيب اسمه حامد تحول مع صفحات الكتاب الى خطيب ..

تقول غادة في (أحتفل بك في نفسي وبنفسي فيك):
" اليوم قرأت العائلتان الفاتحة ..
اليوم شق صدري فخرجت من حبسك داخل ضلوعي، بعين نصف مغمضة ، تلتمس النور ..
اليوم لم تعد سرّي الصغير في صندوق مغلق بالقلب .. لم تعد مجرد ابتسامة خجلى ردا على اسئلتهن الفضولية عنك وعمن تكون ..
بل تجسدت بوضوح .. الحقيقة تجسدت .. أشهرت نفسك في وجة الهواء الحر فولدنا معا."
وتنهي غادة البوست إياه بعد كلام جميل عن حلم الخروج للنور الذي تحقق الى حلم العيش وسط النور الذي تنتظره بفارغ الصبر بكلمة:
" ربنا يخليك ليّا ".

نعم .. صفحاتها الأوفوايت بهذا الجمال، بهذه الروح الشفافة وهذه العذوبة الطاغية التي تنتشل القارئ من تداعيات يوم مغبر في الكويت،
الى قلب كبير، في غرفة صغيرة، في بيت عادي، في حارة مصرية داخل القاهرة. نراها مثلما هي تجلس على سريرها وتكتب:

" بحب الدنيا دي لما:
لما أحس اني فهمت حاجة قبل حد .. أو جاوبت على سؤال محتاج ذكاء .. لما الدماغ بتنور فجأة كده ..
لما ماما تقعد تزغزغني وانا متضايقة مع اني بقيت شطحة ما شاء الله ..
لما أعمل أكلة حلوة فيها اختراع ..
لما أكتب حاجة حلوة ما أتوقعش إنها تطلع منّي ..
باتبسط كمان لمّا اشتري لنفسي حاجة لُقطة .. ذوقها حلو و مميزة بشكل أو بآخر ..
لما يكلمني وقت المطر ..
............................................ الى آخر المقالة "


هي هكذا تماما، في كتابها، تذكرنا بالأشياء التي دوما ننساها ونسعد كثيرا عندما نتذكرها.
احتوى الكتاب ايضا على شطحات أدبية بحته زادت من اعجابي بغادة الكاتبة مثل قربي من غادة الفتاة التي تمسك قلما وتعبّر..
حكاياتها من صميم حياتها، وشطحات خيالها لا تخلو من نفسها .. ولكنها في النهاية تترك في نفس القارئ ذلك الأثر اللذيذ
من إحساس ممثال:

" تُراقب تزايد سرعتي في تناول الطعام واحمرار وجنتي وقصبة أنفي بعين مشفقة.
تستحثني كي أخرج من صمتي، وتحاول ربط خيوط الكلام ..
يا عزيزي ..
لا تحدثني بالمنطق .. ولا تحدثني عن الاحتمالات والأسباب وقوانين الطبيعة، أنا مجروحة وأحتاج فقط لحضن كبير!"

الجميل بالموضوع أن كل هذه المقالات كانت منشورة في مدورنة غادة، وكذلك غادة الأخرى ورحاب .. ولكن كتبهم طارت
من رفوف المكتبات لإنها لمست القرّاء وجعلتهم في حوار وجداني دائم معهم.
تساءلت .. ان لو كانوا الثلاثة غير مخفيين خلف غموض المدونات التي لا تتطلب اسم ولا وجه ..
هل سيكتبن بهذه الصراحة .. وتلك الشفافية؟

قالت في (سحابة وبطيخة وبينهما قلبي ):

" في وسط الأوراق والأقلام والملفات التي تروح وتجيء تخطر على بالي فكرتين:
الأولى تخص كوبا كبيرا ممتلئا عن آخره بعصير البطيخ البارد .. البطيخة حمراء "ومرملة" والعصير به جزيئات من الثلج المجروش ..
أما الثانية فتخص يديه ..
أقبض على نفسي متلبسة بالتفكير في أنامله .. في الأصابع الطويلة الدقيقة .. وأسأل نفسي:
ترى ماذا سيكون ملمسها حقا .. وهل ستكون مثل عشب اخضر مبتل؟ ام لأنها بيضاء - ستكون مثل حبات أرز؟
هل هي رخوة مثل قطع سحاب؟ أم شفافة ودافئة كبقعة نور؟
أعود لمنزلي، والرطوبة تكاد تفتك برئتي ..ألقي بنفسي على أقرب كرسي وألمح بطيخة عملاقة على مائدة السفرة ..
تخبرني أمي بأنه هو من احضرها لي ..
أتصل به وأقول: "تسلم إيديك!"

يرقص مشوار غادة على صفحات كتابها بتناغم منقطع النظير مع ذكاء لا يفارق الحروف. عبقرية في فن المفارقة،
وغوص في اغوار النفس بحرفية متناهية سواء في تلك المعزوفات التي كتبتها باللهجة العامية ام باللغة العربية الفصحى ..
تخللتني قشعريرات متفرقة وأنا اقرء دفء كلماتها ولطافة روحها ..
كيف استطاعت ان تقحمنا في عالمها البسيط جدا وتجعلنا في غاية الإنجذاب لأحداث حياة فتاة لا جديد فيها بالنسبة لنا؟؟
ليش وآنا اقرا ما كنت اقول " و آنا شكو"!!
ربما لإنها فنانة جدا جدا جدا ..

من يحب هذا النوع من الكتابات الحميمة .. فاليرتدي فستانا رائعا او بدلة سموكينغن، ويضع حذاء مناسب ..
ويرقص مع غادة رقصتها هي.



الثلاثاء، 10 فبراير 2009

جاكيتات وتريننج سوتس !*


أفتح بريدي الإلكتروني في الصباح على مكتبي عنما أصل للعمل، ازفر ..
أصفف الصحف اليومية من المفضلة الى المنبوذة في قائمة رأسي واضعهم على جانب لا اراه من مكتبي وازفر..
اتذكر أنني نسيت قنينة الماء المعدني التي اجلبها معي كل صباح، يتعكر مزاجي اكثر وازفر..
تمر السكرتيرة التي لا اطيقها ولا تطيقني، تلقي كلمة لا اسمعها ولكني اعرف عشوائيا أنها عنت اغاظتي، ازفر..






هناك شيء خطأ ما في يومي، استرجع طفولة الصباح واعيد اقتفاء الأثر ..
استيقضت متأخرة جدا ولم يكن لدّي الوقت الكافي لآخذ حمّامي الصباحي، شعري لم يتفق معي على مجمل نقاط المناقشة فيأست منه وتركته كما هو. لم أجد شيئا مقنعا ارتديه، لم تستيقض صغيرتي من النوم كعادتها لتودعني عيناها بفراشات دفء قبل ان اترك المنزل. امطرت البارحة وسيارتي متسخة .. ولدّي الكثير من الأعمال لأنجزها بوقت قياسي.
آها .. لهذا انا ازفر..

تطالعني الإيميلات اغلبها تعيس .. ازفر
تلتقط عيناي مانشيتات الصحف فلا ارى اثر بشائر ولا اثر صديقتها سلام .. ازفر
لا أحب الصباحات العصبية الخالية من حنان، ولا أحب ان أكون رغما عن إرادتي في دوّامة من شتات!

بريد الكتروني بعنوان اغراني، فتحته .. اشاهد الصورة وأقرأ التعليق ولا ازفر هذه المرّة بل فجأة .. انتحب
........ اتلفت واخفض صوتي لكي لا يسمعني أحد .. ولكني اضل انتحب!
يلهذا الصباح، تواطئ مع اليوم منذ البداية فلا فسحة أمل في لحظاتي ولا حمامات شفافة تزور نافذتي.

كانت الصورة تلك الشهيرة لنسر كبير يقف بعيدا عن طفل يزحف في واحدة من بقع مجاعات افريقيا .. يتلاشى الطفل ويمتزج عجينة عجفة مع الأرض. كتب تحت الصورة أن النسر يقف هناك بانتظار لحظة يموت فيها الكيان المنصهر بعظامه ليأكل ما تبقى منه من حيّز. كان الجسم الشبه آدمي منكفأ قرفصاءا على الأرض ولم تعد فيه قوّة للحركة ولا الهرب.
لم تكن الصورة جديدة عليّ، ولكن مشاعري اتجاهها كانت مختلفة.
اليوم، الصباح والصورة بتواطئ متين مع بعضهم ضدّي لتحريك بركانا ساكنا داخلي.
لم اعد اعي ..
شيئا ما تحرك وارسل اصابعي تنقر على مختلف الحروف في الكي بورد، لا اعي ما اكتب ولكن الصفحة البيضاء تبدو مبتسمة.

" اعزائي الزملاء ..
الشتاء قادم والبرد يطرق ابوابنا الحديدية الكبيرة، داخل بيوتنا دفئ وزاد، ولكن زملائنا الفراشيّن وعمّال النظافة الذين يعملون معنا في البنك لم يحالفهم الحظ مثلنا، فماذا نحن فاعلون؟
دعوها نجمع لهم مبلغا من المال " كل واحد على مدة ايده" ونشتري لهم جاكيت من الصوف يقيهم من برد الشتاء وحلكة الليالي.
اذا رغبتم بالمشاركة، يرجى ارسال ظرف مغلق – بدون كتابة اسم المرسل – بإسمي للدور التاسع. آخر يوم لتسليم تبرعات كسوة الشتاء هو يوم الخميس الموافق ...................."

اصبع شجاع ضغط الزناد واطلق اللوعة من داخل صدري الى الفضاء ..
(Send) .. طارت الرسالة على حمامة من مشاعري الزاجلة .. صادقة بيضاء ولا ترجو شيئا سوى رسم ابتسامة ودعوة أمينة بالصفاء مباشرة من قلوب منسية.

يوم الخميس آخر يوم .. افتح الأظرف التي تراكمت في درجي السري لأعد المبلغ النهائي. 238.500 دينار!! اخذت شهيق عميق وكركرت داخلي ضحكة رضى.

يوم الأحد، زارني الفراشين وعمّال النظافة في مكتبي يحملون بيدهم جاكيت صوفي وتريننج سوت لكل واحد فيهم. يبتسمون بوجهي، يرفعون ايديهم ويضعونها على صدرهم ويشكرون.
العرب منهم يدعون لي بالتوفيق بالعربية، والأجانب يدعون لي بالـ Blessing بالإنجليزية.

وسيدة مسنة بنغالية تدعو لي بلغة لا افهما.

فرحت وخجلت .. والأهم من كل هذا .. أنني لم اعد ازفر
_______________________________________________________

* الفكرة ليست محفوظة الحقوق وقابلة جدا لإعادة النشر والتنفيذ.

* بالمبلغ المذكور تم شراء 36 جاكيت صوفي و36 تريننج سوت جديد، 1 دينار للحمّالي، فائض بمقدار 3 دنانير ونصف :)

السبت، 7 فبراير 2009

أيام ملونـــــــة

اليوم العادي

عندما استيقض في الصباح على رنين المنبه، سنوز – سنوز – سنوز ثلاث مرّات والرابعة دعاية.
شعري القصير كالعادة متعارك مع نفسه ومتصادم مع المخدّة طول الليل، اتجاهله.
اغسل وجهي، افرش اسناني، اصلّي وأجد بسهولة شيئا ارتديه. اهذب شعري ولا ازال في مرحلة مبكرة.
زوجي يدخل بعد ان أخذ دوش سريع، لبس وأكل توستة مرشوشة بالعسل، يجلس في كرسي خلف طاولة التسريحة وضعه خصيصا لتوستة الصباح مصحوبة بسوالف قصيرة معي من هنا وهناك ..
يقبلني ويذهب. .
اضع الرتوش الأخيرة أضم ابنتي اشمها واعصرها، تأخذها المربية فتفتح شرنقتها لتطير من بين يديها فراشة وردية وقبلات صغيرة.

اليوم البني

عندما اصحو على صوت المؤذن الجديد في المسجد القريب، مزيج من صرخات آلام بطن "غازات"، وأنين الرجل الأول في العالم الذي يجرب نوبات طلق الولادة.
افتح عيني، كلمة الله يسامحك تخرج من فمي دون ان اعلم.
الساعة الخامسة وثمانية وعشرين دقيقة. .
يصمت المؤذن، فألتهم الدقيقتين الباقيتين قرفصاءا ببقعتي الدافئة.
يرن المنبه، اهز زوجي ويصحو.
آخذ دوشا دافئا ولا ازال اتثاءب تحت الماء. أخرج، أصلّي .. لبسي .. شعري .. توستة زوجي المرشوشة بالعسل.
تطرق الباب صغيرتي محمولة على يدي المربية.
كشتها المعهودة ومصاصة تسد فمها.
آخذها والعب معها .. وأتأخر عن العمل.

اليوم الأحمر

عندما يقرص بنكرياسي معدتي، وتناكفه هي برفسه.
افز من نومي على نداءات الداخل استجداءا للقمة من اي نوع. اتجاهلها، تلتوي امعائي اكثر فتغدوا هي المنبه الذي لا سنوز فيه. أتربين تحت اللحاف (اتكور على شكل ربيانه)، واضغط بطني بركبتاي، تقرص اكثر واضغط اكثر الى ان ايأس وافيق.
اذهب للمطبخ ولا أجد ما يناديني.. أكره الأكل في الصباح الباكر.
شعري .. لبسي .. زوجي .. بنتي .. وتفاحة حمراء في حقيبة يدي.

اليوم الأسود

منذ البارحة وانا ادور حول نفسي في الفراش، بركان في حلقومي ووهج في عيني وسيول في انفي.
والرقعة ما بين العينين وفوق عظمة الأنف غير قابلة للوصف على الإطلاق!
ابلع مسامير مع كل ريق، وانزف دموعا من عيني ومن انفي.
انام بعد بانادول نايت وانسى الستربسل في فمي. اصحوا وهي لا تزال في الداخل صغيرة لا ترى بالعين المجردة.
منديل كلينيكس يتدلى من أنفي.
يرن المنبه فيستيقض زوجي ويبتسم بتحبب يدلعني قليلا بمصطلحات مسكينة ويمسح على رأسي.
اكسر خاطر نفسي واشعر برغبة بالبكاء.
يتحمم، يلبس، يأكل توستة بالعسل لوحده، يقبلني وأنا على فراش الموت ويودعني .. وأنا أوقول "مع السلابة حبيبي".

اليوم الفضي

الذي اكتب فيه شيئا جميلا.

اليوم الأبيض

يوم الجمعة، عندما لا يكون لدينا عمل يسحبنا قسرا من دفئ الفراش ودفئ بعضنا.
افتح عيني فأجد الوقت مبكرا جدا الساعة السادسة لازالت. اغتاظ لإنني حتى في الويك اند لا أسترسل في النوم.
اتحرك كثيرا لكي يستيقض ونسولف منبطحين.
أسمع صوت صغيرتي في الصالة مع المربية تستهل يومها: "بدا بدي غوغو لالا منمنا". ترجمة: " يافتاح يا عليم يا رزاق كريم .. يالله صباح خير".
افز من الفراش ويفز هو ونتسابق اليها. نغني لها وترقص هي .. ونظل طول اليوم نلعب.

اليوم الذهبي

عندما يمر اليوم ولم يكن فيه اي كذبة من اي لون.

اليوم الرمادي

غيوم ملبدة بالأمطار في سقف غرفتنا، تناجرنا في المساء على شيء سخيف ونمنا ونحن لايزال في قلوبنا كلام.
افزع في نصف الليل خوفا من أنني نسيت ان اقفل باب الشقة، أجده نائم .. لا ارى وجهه كالعادة .. فقط ظهره.
اذهب لأتأكد من الباب، اطل في فراش صغيرتي وامشي بتثاقل الى الغرفة.
أرى شمعة النكد على طاولة الطعام. زوجي يموت على الشموع ويحرقها ليل نهار، وانا اتصروع من الحريق.
ألف مرّة أعيد وأكرر أنه يجب ان يطفئ كل الشموع قبل ان ينام، وهو ينسى.
البارحة صرخت بوجهه "يعني ما راح ترتاح إلا لمّا تاكلنا النار!!". تجاهلني فصفعت الباب بوجهه ونمنا غاضبين.
أرى شمعته المفضلة برائحة الفانيلا والكاراميل، يعشق رائحتها.
اضيئها واسكنها حضن طاوله بجانبه، اقبل رأسه فيفتح عينه .. ويبتسم.
اضل مستيقضة بجانب شمتعته ما تبقّى من الليل اكتب قصيدة .. واحرسه لكي لا يحترق.

اليوم الأخضر

عندما استيقض على صوته هو .. يقول I love you

اليوم الوردي
عندما يستيقض قبلي ليترك لي هدية عيد ميلادي بجانبي في السرير فأفتح عيني .. عليه وعليها.

الأربعاء، 4 فبراير 2009

كُبب الطين المحشوة بالحصم :)

هجوووووووووووووووووووووووووووووووم ..

يقولها عزيز فنهجم، كور الطين المصفوفة على أحد الطاولات الخشبية العتيقة في الباحة الرملية خلف منزل جدتي كانت السلاح الأول. كنت صغيرة لا اعرف متى بدأت الحرب مع جيش بيت الجيران ولكني اعلم انهم الخطر القادم الى الشرق ولابد من الإبادة الكاملة.
بيت ام سعد الجارة التي تحبها جدتي هو نفسه بيت "أفراح وأشواق" كما كنا نسميه نسبة الى البنات اللاتي كنا نكرههم، ربما لإن شعرهم ناعم وطويل خلافا عن شعورنا. لأم سعد عدد كبير من الأولاد والبنات وقد فقدنا الإهتمام بالعد بعد الطفل السابع او الثامن، كانت الصعوبة تكمن في معرفة الشخصيات وحفظ الأسماء خصوصا ابناءها وبناتها الكبار المتزوجين سلفا والغير موجودين في صفوف جيش الأعداء.
نحن فعلا لا نعرف من بدأ العداء، ولكن اغلب فترات طفولتنها قضيناها في البراحة الخلفية ونحن نتراشق معهم بالحصم!

في أحد الصباحات قالت أفراح لمي بنت خالي أنها "عبده" وتطاولت على شعرها الكيرلي وقالت "أم كشة أم كشة طاحت عليها العشة"، مي جاءت واشتكت ..
عزيز ابن خالتي والقائد الأعلى للقوات الأرضية والجوية والبحرية المسلحة يجمعنا بدائرة ويخبرنا بخطة الهجوم.
كرات الطين لم تعد تنفع لإنها أحيانا لا تصلهم وان وصلت لا تؤلمهم. فكرنا، اشتط خالد ابن خالي واقترح ان نصنع خندق حول منزلهم، نغطيه بسعف النخل وعندما يأتون للتهجم علينا سيسقطون كالذباب واحد تلو الآخر حينها نباغتهم وهم في الحفرة بوابل من قنابل الطين.
عزيز بحنكته استبعد الفكرة . . أنا حينها لم اكن اعلم ما هو الخندق!
ولكني تحمست لفكرة انهم في حفرة ونحن نمطرهم قصفا بالحجر والتفاف.
قفزت فكرة أخرى من عبقري آخر، نصنع منجنيق .. ف
نقذف عليهم الحصم وكرات الطين من مكان سرّي فتأتيهم القنابل من حيث لا يعلمون ..
حك عزيز مؤخرة رأسه واستبعد الفكرة لإن المنجنيق سيأخذ وقتا طويلا في الصناعة والعدو سيهجم في اي وقت.
أنا وقتها لأول مرّة اسمع كلمة منجنيق!
فكر القائد اكثر ونظر الينا نحن البنات مصطفين في جانب محايد من الدائرة ووبخنا " وانتو بس قاعدين ومبطلين عيونكم .. فكروا بشي يخلينا نغلبهم!"
لأول مرّة احس بشيء غريب في صدري ..
بعد سنين من القراءة في مكتبة المدرسة اكتشفت انه الفوقية الجنسية والعنصرية ضد الأنثى والاستخفاف بقدراتها العقلية والجسدية.

تحدثت فاطمة بنت خالتي على استحياء خوفا من زفّة اخرى " احنا لازم نخلي كور الطين توصل وتعورهم صح؟"
قال عزيز "صح" وتأفف، فلا وقت للقائد للتضييع في اسأله بديهية سخيفة.
قالت " اذا حطينا صخر داخل كور الطين وخليناهم ينشفون تحت الشمس راح تصير الكرة اقوى واثقل، راح توصلهم وتعورهم"
نظر اليها عزيز مخفيا صرخة "وجدتها وجدتها" وصرخ فينا بعد ان اخمد اشتطاطه لكي لا تهتز صورة القائد
" يالله .. قومو .. شتنطرون!!"
تقافزنا ودرنا حول انفسنا لا نعرف من اين نبدأ..
الأولاد يغرفون اكوام الرمل بالمغارف البلاستيكية الصغيرة ويضعونها في اكياس..
مجموعة اخرى تنقل الرمل الى شبرة الخشب التي تخلط فيها الفتيات الرمل بالماء.
كنت واحدة من هؤلاء الذين يضعون الحجر في كومة طين ويكورونه بأيديهم على هيئة كرة، كنّا نسميها "كبّة "حتى في الحرب النساء تكبب وتطبخ"!
ولكن عزيز استبعدني بعد ان رأى كراتي صغيرة على قد ايدي. كان يريدها كبيرة وموجعة.
اعطاني مهمة البحث عن احجار جيدة لدسها في انف الكرة.
اعترضت .. " لالالالالالا مع اليهالووووووووووو!!؟؟؟"
كانت المهمة دنيئة وقد اوكلها مسبقا للأطفال الذين يصغروننا سنا..
مددت بوزي شبرين وكتفت يدي وجلست على حافة سور الحديقة.
حقرني .. ولكنه جاء بعد قليل واخبرني انني سأكون رئيسة ملتقطي الحجر فمهمتي ليس الإلتقاط بل متابعة جودة الأحجار وتنقيحها بما ينفع وما لا ينفع.
(( وما صدقت خبر))، كل الأطفال تحت امرتي، وأنا اصرخ وآمر واوبخ واعاقب كل هؤلاء الذين يأتون بحصم غير صالح للإستعمال.
لاحظ شدّة المراقبة وفرد العظلات وبالتالي قلة المنتوج
، (( ما سوت عليه!!))
أخذني تحت الشجرة الكبيرة وقال لي أنني شديدة على العمّال وليس هناك متسع من الوقت للتأمر، فالعدو يستعد، والحرب لابد قادمة.
خفضت من حدّة اشتراطاتي ومرّت احجار كثيرة ليست بالمستوى المطلوب من تحت انفي.

في ذلك اليوم صنعت الفتيات 243 كبّة، وجمع الأولاد 11 عصاية خشبية من سيقان الأشجار كأسلحة ضرب وتعذيب الأسرى،
وقررنا المبادرة بالهجوم صباح اليوم التالي.
نمنا بعد يوم مضني من العمل، كنّا في العطلة الصيفية ننام كلنا في بيت الجدة بغرفتين منفصلتين واحدة للبنات واخرى للأولاد.
نتسلل احيانا لغرف بعضنا لنبدأ جولة جديدة من مجموعة الألعاب الليلية مثل "خمّام السفرة" او "خاموش".

جاء اليوم الموعود، في الصباح وحتى قبل الفطور، ركضنا للشبرة الصغيرة للتأكد من أن الكُبب نضجت ويبست..
وقد كانت بالفعل من أفضل خطوط الإنتاج الى يومنا هذا.
تفطرنا، ولبسنا لبس الحروب وهو عادة اسوء شيء في خزاناتنا وجلسنا كلنا خلف سور الحديقة العشبي والذي يطل على بيت ام سعد مباشرة. كانت الكُبب الطينية متأهبة للرمي والانقضاض على رؤوس افراح واشواق واخوتهم.
بعد اقل من نصف ساعة أطل رأس صغير من فوق سور حديقتهم، امسك عزيز كفه عاليا ليقف الجنود على أهبة الاستعداد للرمي والنيشان، لم يكن يريد ذلك الطفل، كان يريد الكبار.
لم يظهر أحد، سوى اخيهم الذي لا يتعدّى الخمس سنوات..
تعبنا من الإنتظار وتصببنا عرقا اذاب كور الطين بأيدينا.
قالت الشريرة أمينة بنت خالتي " عزيز .. احذف عليه القنبلة"
رد عزيز بغطرسة " لا .. احنا رجال ما نطق يهال !!"
أمينة من جديد " ما طلعوا الكبار، ويمكن ما راح يطلعون"
قال محمد بهمس " وشنو الفايدة من حذف الياهل"
امينة ينفذ صبرها من غباؤهم " أووووووف اذا طقينا الياهل راح يدخل البيت يبكي ويناديهم .. ونكون احنا جاهزين لهم"
لمعت تسع ازواج عيون شقية بالاضافة لعينا عزيز ..عشرة، أخذ كرة الطين من الطاولة ورماها بأقوى ما عنده، اخفق.
أخذ كرة ثانية .. رماها فأصاب الطفل في مقتل، على اسفل ظهره، التفت الطفل بجزع وجرى للداخل يصيح وينتحب.

استعدينا وعدينا: واحد .. اثنين .. ثلاثة .. اربعة .. خمسة .. وصلنا سبعتعش
فخرجت الكتيبة كلها كاملة ..
هجوووووووووووووووووووووووم .. صرخ عزيز
واحنا ما صدقنا خبر .. رمينا بكل قوتنا، بكل جهدنا، بكل ما اوتينا من عزم .. بكل ما عندنا من شكيمة ..

تفاجئوا واخذوا يتقهقرون للوراء، رمينا الى ان ادخلناهم بيتهم وخلف سور حديقتهم نسمعهم يتصايحون.

صرخنا من قمة روسنا " هاذا جزاء إللي يعيب علينا " وصرخت مي " الحين تعالي قولي ام كشة يالله قولي ام كشّة يالجبانة .. "
لحظة صمت .. ويرد عليها صوت من خلف السور " أم كشة .. ام كشة طاحت عليها العشة .. الف وخمسمية كشة".

.. خرست مي، جلست على الأرض ولمّت شعرها بشباصة مشدودة فوق رأسها..

الأحد، 1 فبراير 2009

قصتي ..

(( نشرت في مجلة ماري كلير - اكتوبر 2008))
في نظرة ..
ذابت الحواجز بين تاريخ اثنين من البشر، تقلصت المسافات بين بلدين بعيدين جدا عن قلب شمسيهما ..
في صدفة ..
تقوقعت هي داخل عينيه ذات الرموش الطويلة، وتضاءل هو طفلا صغيرا في رحاب بيت السكاكر ..
في وقفة ..
قررا انهما أحبّا بعضهما كثيرا ولا يريدان الإفتراق ..

***
نظرة حالمة و في نفس الوقت خائفة عبر النافذة، الصقتُ وجهي في الزجاج و أنا اشاهد وجوه مألوفة من رجال اعرفهم و لا اعرفهم يمدّون يدا مصافحة لوالدي، اراه من بعيد يهز يدا مرحبّة و يبتسم، حمدا لله .. هو حقا يبتسم على الرغم من كل الآراء التي دقت ابوابه طمعا بالعدول عن رأيه الذي بات يشكل اختلافا نادرا في المجتمع الكويتي التقليدي، أنا اعلم انه سمع الكثير من المبررات الذي تجعله يرفض القادم من بعيد، و لكنه صمد و أصرّ على استكمال التجربة.
دقّت الساعة الرابعة عصرا من اليوم الثاني عشر من شهر ديسمبر، هو اليوم الذي انتظرناه طويلا ليكتمل فيه حلم الإرتباط، اخترنا التاريخ معا، سهلا و جميلا لكي لا ننساه و لكي يكون وقعه موسيقيا علينا. الساعة الرابعة و الثلث "الملاّج" لم يصل بعد و "راندي" لم يصل! قبضت على جهاز تلفوني النقال دون ان انظر اليه، هل من الممكن ان يكون من هؤلاء الرجال الذين يعدلون فجأة عن رأيهم في يوم زواجهم و يختفون؟ هل اخترت رجلا فعلا يحبني .. و لن يتركني معلقة بين وعد زائف و حلم المستقبل الذي رسمنا خيوطه معا تطلعا لحياة ملؤها الأمل! تملكني الهاجس، فاتصلت به لأسأله ان كان سيأتي! رفع االسماعة و جائني صوتا ملؤه الامل، ذاته الصوت الذي احببت باللغة الاخرى التي اتقنت. " أنا قريب جدا من بيت حبيبتي .. انتظري ثانيتين و سترين سيارتي تقف امام منزلك" قال "راندي" و هو يبحث عن مكان مناسب لإيقاف سيارته. ابتسمت من نافذتي و أخذت اعطيه بعض المقدمات و التعليمات التي يجب ان يعرفها و هو يكتب كتاب زواجنا، اخبرته عن "الملاّج" و عن الشهود الذي سلفا اتى بهم من اصدقاء و زملاء عمل. عبد الكريم و نجم، رجلان كويتيان يعملان معه في الشركة الأمريكية العريقة التي جاءت للكويت، أبو إلا ان يكونا معه في يومه العتيد، أهلا و اخوانا لم تلدهم والدته التي تسكن تكساس آلاف الأميال بعيدة عن الكويت.

تمّ اتمام اوراق الزواج، و جاءت أمي تضمني بحرارة، تمسح على شعري و تخبرني انني الآن "زوجة"، وقع الكلمة غريب بعض الشيء و هو يقترن بإسمي، حلمت باللحظة كثيرا، و لم احسها داخلي إلا و أنا اجلس بجانب "راندي"، وسط ابي و اعمامي و اخوالي يبتسمون و يقدمون تبريكاتهم مخلوطة بضحكاتهم العالية و منتوجهم الخاص من نكات و طرائف.

استيقظ بعض الأحيان من النوم و أراه بجانبي ببشرته البيضاء و شعره الأشقر. احاوره في امور عديدة، اتناقش معه لساعات طويله في لغته لا لغتي، تمر عليّ أيام كاملة اقضيها معه في المنزل و لا استخدم كلمة عربية واحدة! اتراجع للوراء و أحاول ان استوعب الواقع .. أنا فتاة كويتية متزوجة من رجل امريكي !! تصدمني الفكرة بعض الاحيان بجنونها، و اتذكر المراحل التي مررت بها و أنا احاول التسويق للفكرة المبدئية لإمكانية نجاح زواج مختلط الاعراق مثل هذا في مجتمع لازال متمسكا بأحاديته. عندما عرفت زوجي قبل الزواج ايقنت انه الرجل المناسب لي، فأفكارنا متقاربة و احلامنا تكاد تطابق بعضها.
لم اتردد عندما تخيلت ان زوجي لن يرتدي اللباس التقليدي الكويتي الذي يشكل الصورة المتوقعة لحلم الزواج عند أي فتاة كويتية، لم تزعجني فكرة ان اسمه مختلف عن اسماء ابطالنا من الرجال الذي كبرنا نحبهم و نتمنى الزواج منهم، لم تقلقني حقيقة ان اولادي سيكونون منتمين رسميا لبلد آخر غير الكويت، و لم تعقني فكرة اختلاف بلد منشأه .. فنحن في النهاية نتيجة بحتة لتجاربنا الإنسانية. تمسكت بفكرة الزواج منه و قررت الكفاح من اجلها حتى قبل مفاتحة والدتي بالموضوع، أخذت اسئل اخواتها و صديقاتها القريبات منها عن الفكرة و عن ماذا ستكون ردة فعلها! كان الجميع يندهش و لكن في نفس الوقت كانوا يشجعّون لا يعارضون، و ينصحون بالإستمرار طالما كانت رغبتي مبنية على دراسة دقيقة للموقف و للنتائج المستقبلية المترتبة عليه. عندما اخبرت والدتي بالقصة تفاجأت بإبتسامة متوارية ارتسمت على شفتاها، نظرت في عينيها فعرفت انها موافقة طالما انه قد اعتنق الإسلام، و انه على استعداد لتوفير مستوى حياة معيشي مقارب لحياتي قبله. سألت عنه الكثير من الأسئلة و اعجبها انه قد انشأ نفسه بنفسه، و قاتل صراعا طويلا مع الظروف ليبني لنفسه حياة مستقرة و مستقبل مشرق.

اتساءل مع نفسي عن مقدار الإختلاف بيني و بين الفتيات من حولي و اللاتي يرفضن رفضا باتا من الزواج بغير كويتي، و عن الاختلاف الكبير بين والداي اللذان لم يشكلا أي عائق في مشوار زواجي من الرجل الذي اخترت مهما كانت اصوله، بعكس بعض الآباء الذين يعتبرون قراري واحدا من اكبر المحرمات التي تهدم بنية المجتمع، و نقطة فراق ابدية كانت ام وقتية مع ابنتهم ان ارادت الارتباط بالغريب.

نظرات الناس من حولي و هو يمسك يدي تعكس تماما طابع مجتمعي المحافظ، فتتوقف العيون طويلا على المنظر النادر لفتاة كويتية مصبوغة بلون الشمس و هي تتأبط ذراع رجل اجنبي، تبدو في غاية الراحة و هي بين يديه، تحادثه بطلاقة و تلبس خاتمه في اصبعها. عادة ما تتقافز نظرات الناس بيني و بينه في منتهى الحيرة الى ان يصل المشاهد الى نتيجته الخاصة عن سر العلاقة فيقتنع بما اسنتنتج و يبحث عن لغز آخر في وجوه الناس. نادرا ما يتعدّى البعض على واقع علاقتي بالأجنبي فنسمع تعليقات تدين العلاقة المحرّمة، سلفا معتقدين أننا معا بدون رابط رسمي، و انني بنت البلد التي ضربت عاداتها و تقاليدها و دينها بعرض الحائط و سمحت لنفسها ان تصادق رجالا ليسوا من وطنها و لا من دينها. و عادة ما أجد متعة من نوع خاص و انا أرد على هذه التكهمات بتعليقات مختصرة مثل " الجهل بالشيء اكبر مصيبة" او " قبل لا تتكلم اسأل"، أو من خلال رفع يد خاتم الزواج في الوجوه المستنكرة علها تدرك ان ليس كل ما يلمع ذهبا، و ليس كل فتاة كويتية متزوجة من رجل كويتي!

علاقتي مع زوجي بمنتهى البساطة، فنحن نعيش في الكويت بشقة جميلة تجمعنا مع ابنتنا ذات السنة والنصف، كلانا يعمل، و لكنه رغم اختلافه اثبت انه عاهل البيت، رجل يعتمد عليه و زوج يُثق به. "راندي" – الذي اختار اسم راشد بعد ان اسلم - انسان متواضع جدا و لكنه في نفس الوقت خاص الى ابعد الحدود، يحب المنزل، و يعشق خصوصية اسرته و بيته. و على الرغم من كل هذا، هو لا يقحم رغباته الخاصة و لا اسلوب حياته عليّ، يحترم شخصي و يفسح لشخصيتي مجالا كبيرا لتنمو و تزدهر، يشجع احلامي مهما علت، و يمنح تطلعاتي شيئا من الواقع الذي ورثه من بلده و حياته هناك.

قبل سنتين، قمت بزيارة أهله في هيوستن - تكساس بعد ان علمنا انني حامل بشهري الثالث، كنت مسبقا اعرف والدته التي جاءت لزيارتنا بعد زواجنا حاملة معها اشواقا من كل العائلة و تمنيات طيبة بالتوفيق. استقبلني الأهل و الأصدقاء بمنتهى الحفاوة، كانوا ودودين و محبين، متطلعين لرؤية الفتاة العربية التي خطفت ابنهم. حدّق فيّ الرجال طويلا و هم يدرسون ملامح جديدة لمفهوم الانثى عندهم، تحدثن معي النساء طمعا بمعرفة اي نوع اكون من النساء، و تحلق حولي الأطفال يسألونني كيف تنطق كلماتهم باللغة العربية، و ما ترجمة الأعداد؟

كانت الزيارة اشبه بالتعرف على الجزء الآخر من زوجي الذي لم اره بعد وجها لوجه، حياته قبلي، تاريخه، احبابه، اصدقائه و اعدائه، منزل جدته الخشبي في منطقة "كوربس كرستي" الذي عاش فيه صغيرا بعد انفصال والديه، صور طفولته الكثيرة و المعلقة على أحد الجدران الخشبية! مشيا على الأقدام زرنا كل المناطق التي كان يحكي لي عنها، كل الأشياء التي تركها خفه، كل الذكريات، و كل الأكلات التي اشتاقها و اشتهاها و هو بعيد في الكويت.

كانت زيارتي لوطنه بمثابة القطعة الأخيرة المتبقية من اللغز ليكتمل التعارف بيني و بين زوجي، بين البنت الكويتية المعجون تاريخها بصوت اليامال، و التي نشأت تلعب "الحجلة" بالمدرسة، و تخضب يداها بالحنة عندما يقترب العيد، و بين راعي البقر الصغير الذي نشأ في مزرعة خضراء يربي خنازير وردية و يمتطي حصانا اسود لايزال يحتفظ بصورته في محفظة نقوده.

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت