كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 29 يونيو 2009

يا رب ارحم .. عمي خالد الجيران !

مات عمي خالد الجيران ..
في الأمس بين أهله، حوله أحفاده .. في بحر الكويت .. في طلعة شاليه ..
ينادي الجميع ليجربوا الماية الجميلة ..
لم يغرق .. ولكن وسط الماء توقف قلبه الحاني .. ومات!
الرجل الذي فتح قلبه لآلاف الشباب ..
الرجل الذي فتح بيته لمئات الفتيات ..
الرجل الذي لا يخطو خطوة واحدة حرة في بيته ..
يجب أن يتنحنح ويستأذن الدخول حتى في صالة معيشته ..
قريبات بناته .. صديقات بناته .. وكل من يعز عليهم هناك
وجدوا في بيته بيتا ثان ..
وفي ظله .. مأوى يعج بالدفئ .. ويفيض بالترحاب ..
مات عمي خالد الجيران ..
الرجل الذي حسبته منذ صغري أبي الثاني ..
كم تمنيت لو رضعتني خالتي فأكون بنته ..
الرجل الذي علمنا منذ الصغر .. أن هناك وقت مستقطع لنلعب مع عمي خالد ..
كل الألعاب التي لم يلعب معنا آبائنا ..
فلا وقت لديهم .. أو لم يكونوا يعرفون!
ليته علمهم كيف يشغلوننا بلعبة بر - بحر ..
أو جمل ماشي .. عالمماشي .. جيت اضمه .. خطف شاشي ..
مات عمي خالد الجيران ..
الرجل المستقيم .. الجميل .. الذي يحبه الجميع
الرجل الذي تشع في وجهه ابتسامة أبدية عند مرأى أحفاده
الذي لا ينام إلا عندما يطمئن على التسعة من ابناءه ..
الرجل الذي علمنا الضحكة من القلب ..
واعطانا معنى مبكر جدا لحلاوة الإلتزام المعجونة بحب الضحكة والحياة ..
مات عمي خالد الجيران ..
أول رجل أفهم من وجهه .. نور الإيمان الذي يتكلمون عنه ..
يا رب .. ارحمه في قبره .. كن انيسه وارسل له جلساء من ملائكتك ..
يا رب .. هوّن عليه الليالي الأولى بدون زوجته المحبه وأبناءه البارين ..
يا رب .. اشمله بجناح رحمتك .. وأكتب له لديك قصرا في الجنة
نجتمع فيه معه .. مثلما فعلنا بالدنيا ..

الأحد، 28 يونيو 2009

استرسال ..

تتملكني رغبة عارمة بالإسترسال .. بماذا .. لا اعلم !

منذ البارحة وانا اشتهي أن القي نفسي في حمام سباحة..أن أمد ذراعي الى الأمام واسحب جسدي تباعا ورائها،أتمرغ بالماء فيطويني معه الى طويات متراكمة! اتمخطر يمينا وشمالا .. وعندما اشعر ببدايات الإختناق، أرفع رأسي الى السماء .. اسحب رمق الثانية القادمة وأعاود من جديد. القي ذراعي الى الأمام .. أمدها لأمسك بشي ما .. ثم أسحبني إليها ..
من يحاول اللحاق بمن؟ أنا ام ذراعي؟
تتملكني رغبة عارمة بقراءة كتاب شعر! مثل ذلك الكتاب الصغير لنزار قباني، الكامل ذو القصيدة الطويلة الواحدة .. من أول الكتاب الى آخره قصيدة مسترسلة لا تتوقف .. عن فتاة تسترسل في الغوص في أعماق نفسها، لوحدها في مخدعها تتفحص وجودها وكل ما هي عليه.. وهي حافية القدمين!

تتملكني رغبة عارمة بالإسترسال بقراءة رواية ترعبني مثل "شقة الحرية" كانت أول الروايات السوداوية البيضاوية التي أقرئها، كان عمري ستة عشر .. ولم أنم الليل عندما قرأت فصل تحظير الأرواح، عندما صرخ في النهاية
" لحقوني لحقوني .. جدتي تبيني انتحر!"

تتملكني رغبة عارمة بالإسترسال في قول حقيقة ما لشخص يستحقها! حقائقي دائما تغضب الناس من حولي، يعتبرونها تدخلا سافرا في خصوصياتهم، تعديا على حدودهم .. وتمرغا في دوائرهم. أحيانا يعتبرونها شماتة! أنا لا أشمت ولكني أتجمل!
هل شمت يوما أحدكم في نفسه؟

تتملكني رغبة عارمة في مشاهدة فيلم يعاملني كسمكة .. يلقي بسنارته الى منخر أنفي .. ويشدني مع التيار، فوق الأمواج، عميقا في داخل بطن البحر وعاليا الى سطحة .. ذلك النوع من الأفلام الذي يتركني متجمدة في مكاني بلا حواجب ولا رموش!! " آخر فيلم مارس الحب معي بضراوة كان "ذا كايت رانر" !

تتملكني رغبة باللاأكل .. بالإسترسال بتجويع نفسي واعطاء درس تأديبي مبدئي للصغير الذي يطفو بحمامه الجاكوزي داخلي .. لعله يتأدب .. يتوقف عن وضع معدتي كل صباح في مايكرويف شقته المفروشة الجديدة!

تتملكني رغبة بالذهاب الى باريس .. او لندن او امستردام، المشي في شوارع طويلة مستقيمة تحفها الأشجار من الصوبين، لها بداية تلك الشوارع وليس لها في داخلي نهاية. كلما سرحت فيها أتخيل أنني سعاد في حسني في فيلم لا أتذكر اسمه! أحتاج لهواء مسترسل البرودة، يصفع وجهي فيوقضني من السبات الصيفي الذي أنا فيه! في نسمة مثلجة تقرص أنفي فأحرره من براثنها بنفخة هواء ساخنة من داخلي!
لماذا أريد الصيف في الشتاء .. واريد الشتاء عندما يأتي الصيف؟

تتملكني رغبة عارمة في غناء اغنية أحبها بصوت عالي !! لا اعرف متى آخر مرة وقعت في حب أغنية وعلكتها في فمي لأيام متواصلة.. ولكني البارحة تذكرت " حلاتج ".. عصرت مخي واخذت اتذكر الكلمات .. حلاتج يا نظر عيني مطر يروي العطش ويخضر الديرة" ..

تتملكني رغبة عارمة في الإسترسال .. بماذا ؟ لازلت لا اعلم!

السبت، 27 يونيو 2009

بوكيه ورد .. حقيبة جديدة .. وهدية أخرى!



على مكتبها قبل أن تدخل بوكيه ورد، ملوّن وجميل مليئ بالجوري الصغير الذي تحبه. يسمونه في محل الزهور المفضل لديها "بيبي روز".
ألوان البوكيه انثوية ودافئة: وردي، زهري، بنفسجي فاتح وأصفر طفولي. علمت ما ان لمحت عيناها البوكيه انه من زوجها.
ابتسمت وهي تدخل مكتبها، وضعت حقيبة يدها واقتربت من المزهرية واستنشقت الألوان، أعجبتها وأضاءت نورا لطيفا في نفسها. ولكنها أحسّت برائحة الورد العذبة قوية ودافقة كادت تخنقها ..

زفرت وفكرت في الحيل التي باتت المحلات التجارية تنتهجها لتسوّق البضائع وتجلب الزبائن ..
حملت الفازة الى الطاولة البعيدة ..
" لا داعي لرش الزهور برائحة مصطنعة .. فرائحتها الطبيعية أجمل وأصدق" .. تمتمت لنفسها.
التقطت الكارت الملفوف بالزهور وفتحته برويّة، كقطعة من الشوكولاته اللذيذة وضعت الكلمات وسط فمها وتركتها لتذوب ببطئ، أغمضت عينيها وقرأت بقلبها:
" كل عام وانتِ دوما أجمل ما في أيّامي .. الله لا يحرمني من منج".
ظهرت دمعة صغيرة في عينيها، ولكنها فجأة انتحبت .. بكت بصوت عالي وتكاثرت الدموع كادت تغرقها. احرجت من الموقف الغريب عندما أطلّت برأسها السكرتيرة الهندية تطمئن عليها ..

" Its ok Linda .. Am ok .. am being a little emotional!"
تبتسم ليندا وتفسح لها واحة من خصوصية.

تتوالى صباحات الخير مع كل دقيقة من دقائق الصباح الأولى، يمر على مكتبها الكثير كل يوم، يسلم عليها الموظفين بكل اللغات، وبدرجات متنوعة من الحرارة. يحبها الجميع باستثناء قلّة ممن جادلتهم يوما في شأن، أو واجهتم في خطأ او مشكلة، أو وضعت اماهم يوما رأيها الذي لم بالضرورة يروقهم.
معروفة في المؤسسة، انسانة بمنتهى الاستقامة والصدق والرحابة. تحب الجميع عدى من لا يعاملها بالمثل. من يبخل عليها بابتسامة، أو يتجاهل تحيتها ويؤثر الصمت ردا على مبادرة السلام..
تدخل زميلتها في المكتب متأخرة كعادتها، وتبدآن معا حديثا يوميا عن آخر مستجدات اليوم الذي مضى بعد انتهائهم من العمل. في عالميهم المختلفين قطع متراكبة تكاد تشبه بعضها كثيرا .. هي تسبق زميلتها بخطوة لهذا هي عادة من يستمع وينصح أو يشهق في نهاية الحدث!

في عرض الموضوع الشيق الذي بدأته نهى عن الخلاف بين أمها وأم خطيبها على امور العرس وبطاقات الدعوة، فجأة تتوقف عن الكلام ..
ترى بوكيه الورد على الطاولة وتقف عن كرسيها ..
" ويييييييييه اليوم عيد ميلادج!!"
تجري نهى بنشاط وتحتضنها .. تتمايل معها يمين ويسار بكوميدية مصطنعة ..
تفلت هي نفسها من العناق الطويل، تضحك .. تحاول جاهدة أن تطرد رائحة عطر نهى التي ازكمت أنفها. الرائحة قوية جدا جعلتها تشعر بالغثيان. تبتعد نهى من جديد الى كرسيها.
وهي بدأت تسترد انفاسها وتتنفس الصعداء.

بوكيه ورد آخر من أمها وأختها وصل في منتصف اليوم الى مكتبها .. تكاد تقسم أن المحلات ترش الورد بعطور اصطناعية. وتكاد لا تفهم الفلسفة وراء الترويج ..
" أن اردنا روائح صناعية .. لكنا اشترينا ورودا صناعية !" قالت بحنق وهي تبعد البوكيه الجديد من على مكتبها.
جاءت الكعكة ودزنات المعجنات .. أحسّت بدوار من وفرة الأكل وأكداس الطعام ..
لا تطيق رائحة الورد القوية معجونة برائحة الخبز الطازج وعطور الزوّار من كل مكان ومن كل نوع ..

على الرغم من الصداقة والحميمية أحست بازدحام .. تصادم في كل شيء .. وتناقض في الروائح والأصوات تكاد تقتلها.
بالكاد مرّ يوم ميلادها مزدحم وفائح ..
في السيارة، في طريقها الى البيت تغزوها الروائح من جديد .. دخان السيارات، مكيف الهواء، ورائحة غريبة لا تعلم ما هي!
كادت تجن ويغمى عليها ..

تعب وارهاق وحيرة تخرجهم معها وهي تصفع باب سيارتها خلفها ..
الدرجات العشر السهلة الى شقتها بانت كبيرة وشاهقة. وسلسلة المفاتيح بدت ثقيلة!
فتحت الباب ودلفت ..
شمّت رائحة زوجها .. تخطو نحو غرفة النوم بترنح .. استغربت عندما وجدته في الغرفة عائدا من العمل – على غير عادته – مبكرا ..
على وجهه ابتسامة استثنائية، وفي يده كيس "كارولينا هريرا" أحمر كبير ..
" كل عام وانت بخير حياتي"

ردّت بابتسامة صافية فأعطاها الكيس وبداخله حقيبه جلدية جميلة كانت دوما تنظر لها في نافذة المحل !! ضمتها الى صدرها وابتسمت له تشكره ..
في المساء بعد أن قررت أن تأوي للفراش مبكرا جدا .. قليلا قبل حدود الثامنة، رن هاتفها ملحّا للإستجابة ..
فتحت الخط واذا به مختبر التحليل التابع لعيادة مراجعاتها ..

" سيدتي .. ألف مبروك .. أنت حامل"

ضمهّا زوجها بعد أن حطّ للتو من تحليقه عاليا فوق السحاب .. وقال لها، أنها في يوم ميلادها، للتو تلقّت واحدة من هدايا السماء!


الخميس، 25 يونيو 2009

عشرين سبب .. يخلينا نحب الكويت .. بالصيف !!




يسافر الكويتيين الى وجهاتهم السياحية ..
ويسافر الوافدين الى عائلاتهم واوطانهم ..
فتصبح الشوارع شبه خالية، وتكسى المجمعات والسينمات والمطاعم بصبغة صيفية جميلة ..
وروح ترحب بكل من تبقى في الوطن!
_________________________________
في كل محل نجد صنادل البحر المطاطية الملونة ..
خفيفة وشفافة تشبه مكعبات الجيلي او حلوى الديدان المكسوة بالسُكر.
والكل يحرص على اقتناء على الأقل ثلاث أولان مختلفة منها ..
_________________________________
يحرضنا الصيف على إرتكاب قصة شعر قصيرة جدا ..
أما ذوات الشعور الطويلة، فيخرجن كل التوكات الملونة من الجوارير العميقة!
______________________________________
آيس كريم .. آيس كريم .. وايضا آيس كريم
______________________________________________
يفتح شاطئ المسيلة أبوابة 3 ايام بالأسبوع للنساء فقط ..
فتجري كل فتاة لرحلة تسوّق خاصة وطارئة جدا ..
لإقتناء أجمل مايوه سباحة!
___________________________________
تختفي زحمة الصباح ..
فلا مدارس ولا جامعات.
ينعم الموظفين الذين لازالوا على مكاتبهم بنصف ساعة نوم اضافية ((بدل الفزعة من الفجر)) لإنهم يعلمون ان الشوارع ناعمة والطريق سالك من البيت الى العمل .. وبالعكس!
________________________________________
تنزيلات .. تنزيلات .. يعلق كل محل على صدر فترينته لافتة كتب عليها (( تنزيلات ))!!
____________________________________
سلاش الفواكة الموسمية من كاريبو كافيه ..
عصير الرقي (( البطيخ الاحمر)) في كل مكان ..
ومشروبات مجروشة مع الثلج من ستاربكس .. جديدة !!
__________________________________________
كلما كنّا في شارع الخليج العربي - صباحا او مساءا - هناك رؤوس صغيرة تطفوا فوق سطح الماء ..
وأجساد تدغدغه سباحة ذهابا وإيابا !!
_____________________________________________
كل أسرة تحرص على استقطاع اسبوع او اسبوعين من العطلة الصيفية لتقضيه بعيدا عن المدينة ..
في شاليه ما .. في منتجع ما .. في منطقة ما ..
__________________________________
يغادر المدير الى عطلته ..
ويغادر مساعد المدير الى عطلته ..
يغادر المسؤول ..
ثم يغادر زميل المكتب ..
فيجد أحدنا نفسه في هدوء تام وفرصة ذهبية لتأدية اعمال شخصية متأخرة ..
او تفكير عميييييييييييييييييييييق جدا في خطط مستقبلية خمسية!
________________________________________
الكل يرتدي قميصا ابيضا ..
ويقتني حذاء فسفوري .. وشنطة شفافة ..
مما يعطي انطباعا جميلا أن الأرواح بمنتهى الخفة والتألق!
__________________________________________
شربة الماء البارد لها طعم عجائبي ..
__________________________________________
أفلام الصيف اللطيفة الظريفة ذات القصص الخفيفة ..
أو ما يصلنا سليما منها !! (( الله يعافي الدي في دي ))
____________________________________________
الرقّي .. بارد اسفنجي ومرمرم .. كل يوم على السفرة ..
مليان عصير وسُكر .. ناكل حتى نتعب ..
ولا ضير إن طلبنا المزيد!!
__________________________________________
لحظة الدخول الى المنزل بعد رحلة مشاوير طويلة وخانقة ..
تلك الثانية التي يستوعب فيها الجسد أنه للتو انتقل من حرارة ضارية ..
الى برودة صقيعية ! (( الله يستر على الكهربة ))
___________________________________________
عندما فجاة تجد نفسك حافيا في الحوش بعد أن تبدأ شمس العصر بالمغيب ..
تماما فوق الكاشي، تقف هناك ليسري ذلك الشعور القهري بالدفئ العميق الذي يسري من بطانة القدم الى آخر شعرة في الرأس !!
(( لا ينصح في التجربة قبل الساعة الخامسة مساءا )).
____________________________________________
فكّة الأمهات وقلوبهم إللي نضت من اللبحة على الإمتحانات ..
وفرحة الصغار في الزوارة عندما يخبرون الكل ( ترى نجحنا )!
________________________________________
آلاسكا اللذيذة ذات الطبقات الآيسكريمية اللذيذة ..
كيك باسكن روبنز المحدق ..
وهاجنداز ميلك شيك !!
يمي يمي
__________________________________________
الحقيقة المحضة ..
ان الكويت بخير رغم صيفها ..
ورغم حرها .. لازالت موجودة في مكانها وتحت اسمها ..
في قلوبنا سواء سافرنا ام بقينا ..
هي دائما هنا .. من اجلنا ..

الثلاثاء، 23 يونيو 2009

ثلاثية فريرو روشيه ..

تنويه للقارئ الجديد .. ننصح بقراءة الجزئين الأول والثاني قبل الشروع في تذوق الثلاث حبات !

(3) الثلاث حبّات ...

قبل النوم أغسل وجهي .. اتعطر برائحة الفانيلا وأرطب شفاهي بفازلين! لا اعلم لماذا لا أستغني عن الفازلين رغما عن أنف كل المنتجات الباهضة الثمن التي أشتريها من باريس!

كلها بلا استثناء فشلت في التغلغل بقناعاتنا الصحراوية الكالحة .. بينما نجح الفازلين بالمرتبة الأولى .. نلف العالم ونعود اليه!

في عمق الليل وفي وسط الفراش ارفع رأسي من على وسادتي فجأة، لمحت عيناي ضوء أزرق يحط فجأة على الطاولة التي بجانب رأسه! هو نائم والساعة تشير الى الرابعة واربعين دقيقة. في عُشر الثانية ذاك .. تماما بعد الضوء الأزرق وقبل ان يستوعب رأسي الوقت الذي شع فيه، تذكرت هيروشيما !!

تماما مثل الليلة، بصمت الليل والناس نائمون سقطت قنبلة على صدر الأرض فقتلت الملايين وشردت الآلاف وشوهت حتى الأجنة في بطون الأمهات! تماما مثل الساعة الرابعة فجرا والدقيقة الأربعة والأربعين سقط ضوء ازرق على هاتف زوجي الصامت .. فقتل ملايين الآمال .. وشرد احتمالات الغفران، وشوّه أجنة احلامي في "أن نكبر ونشيخ ونموت معا!"

أمد يدي وأخطف التهمة، في جانبي الأيمن من الفراش أجلس، استند على وسادتي واضم قلبي بحضني.

هل حضن أحدكم يوما قلبه؟؟


أفتح الرسالة .. وأقرأ:
" كانت الأمسية رائعة .. والليلة مدهشة .. شكرا جزيلا على العشاء .. وكل ما بعده :) "

هل حقا وضعت له وجها باسما في نهاية الرسالة ؟ هل فعلا هي سعيدة وهي ربما تعلم أنني البارحة كنت هنا .. في البيت لوحدي!

أقرر لوحدي أنني لن أفتح الموضوع معه .. لم يتمادى زوجي .. هو فقط اعطاها العلبة الكبيرة المسطحة!
هل حقا كان معها بينما كنت ابتسم داخل نفسي لإنني أخيرا أقنعتها بالغفران .. واقتنعت!


قرأت الرسالة من جديد لأتاكد من وجود الوجه الباسم فهزتني الجملة الأخيرة .. ترى ما كان " كل ما بعده؟"
في التفاتة أشبه بالغربة نظرت اليه .. تفحصت جبينه ..ربما جاء المسيح الدجال وأنا نائمة .. ربما طبع على جبهته كلمة خائن .. ربما دنى أجل الكذب وخرجت الشمس من مغربها!

دنوت منه وشممت عنقه .. هل سأشم عطرها الفواكهي عليه؟

فجأة تحول الرجل الذي أحب الى انسان بلا ملامح، شخص بلا طعم ولا لون ولا رائحة. اختفت سمرة الشمس من وجهه، وتحول "القفل" الذي كنت احبه الى شيء اشبه بطوق النار!

في الصباح .. يستيقض فلا يجدني، يتصل على هاتفي فأرد وأخبره أنني في الجمعية اشتري بعض حاجيات المنزل! يقفل السماعة بعد أن يخبرني أنه يريد "آفتر شيف وأمواس حلاقة"، وأضغط على زر النهاية بعد أن أقول له "حاضر".

في المساء قبل أن يعود أجلس على أريكة سويدية نصف دائرية بيضاء، اشتريتها خصيصا لتلتم اسرتي حول بعضها في نصف دائرة، فيرى كل منا وجه الآخر! أفتح كيس فريرو روشيه ذو الثلاث حبات. كثيرا ما أحببت التعبئة الصغيرة .. تمكنني من حملها معي في حقيبة يدي.

ثلاثة رقم بمنتهى الحيادية .. ثلاثة رقم بمنتهى المطاطية، لا يتوانى عن اعطائنا عدد الخيارات الأنسب. قال لي الدكتور أنه من الصحي أن آكل قطعة واحدة يوميا من أي نوع شوكولاته أحب .. ولكن كيس الثلاث قطع من فريرو روشيه مسبقا أخذ القرار لي وتركني بلا حيرة ..

آكل الثلاثة .. الواحدة تلوى الأخرى.

القطعة الأولى تذوب في فمي .. وأنتشي كلما وجدت البندقة الموضوعة بإستراتيجية مدروسة في الوسط. اقرمشها وانتهل منها شيئا جديدا لم أجده فيها من قبل. ربما كانت فكرة الوحدة تقلقني .. ولكنها لن تجعلني مُرّة ولا حزينة .. استطيع أن أكون وحدي من يجلس في منتصف دائرتي .. وسأبقى لذيذة وطرية ومقرمشة .. تماما كالبندقة.

آكل الثلاثة .. احتفظ بالقصدير الذهبي .. أكتبها وأكورها .. وأضع الكرات الثلاث كل في مكانها ..
احمل نفسي .. وأترك المكان!

وأعلم انه عندما يعود سيجد عند الباب في وسط الأرض كرة فريرو روشيه، عندما يفتحها لن يجد الشيكولاته ولا البندقة .. سيجد الورقة الأولى بعد أن يقشر غلافها الذهبي .. وضعتها له بيدي .. متوارية مكوّرة مكتوب فيها
" أحب الكاكاو الرخيص " ..

سييمشي قليلا وهو ينادي على اسمي .. سترتسم على شفتيه ابتسامة ترقّب استثنائية عندما يجد الكرة الذهبية الثانية في وسط طاولة الطعام .. سيعتقد أنها واحدة من شقاواتي التي كنت ابتدعها لعينيه .. سيفتحها بشغف ويقرأ

" ولا أحب الرجل الرخيص " ..

سييقطب جبينه ويلوي شفتيه ويعقف حاجباه .. وسيتوجه مباشرة الى غرفة النوم متوقعا ان يجدني أتجمل على الميز تواليت .. لن يجدني .. ولن يجد أشيائي .. ولكنه سيجد في وسط فراشنا الكرة الثالثة .. سيفتحها بأصابع مضطربة ويقرأ

" اهنئ مع وفاءك .. لم تعد البندقة في وسط دائرتك"


الاثنين، 22 يونيو 2009

ثلاثية الفريرو روشيه ..

(2) المستطيلة ذات الطابقين
على الكرسي الخشبي المقابل للميز تواليت أجلس .. أضع رجلا على رجل وأحتفل بأحقيتي بالجمال! بيني وبين الطاولة "الأنتيك" التي اشتريتها من برشلونة علاقة وثيقة، صدرها رحب يسع كل أغراضي، والخشب الذي صنعت منه يحكي لي كل يوم حكاية. المرآة المعلقة ايضا صديقتي .. تقول لي كزوجة أب سندريلا أنني الأجمل دوما، ولكن المرأة في الحكاية الشهيرة شريرة تريد الهلاك لسيندريلا ..
وانا .. طيبة، أبتلى بوفاء ولا أحقد عليها .. لا ابعث الصياد ليقتلها.
أنا طيبة ابتلي بوفاء .. وأسامح!

مباشرة من العمل يدخل للغرفة ويراني على الكرسي الجلدي المدبوغ بعلامة جلد " كينغ رانش" الأصلي .. طلبناه خصيصا من الولايات المتحدة لإنني ببساطة أحب الأفضل في كل شيء. يبتسم بوجهي، يقترب نحوي ويطبع قبلة شغوفة بين عيناي. تعودت عليها فلم تعد تعنيني الأسباب الخفية ورائها ..

مثل كل يوم أسأله عن يومه بينما يغير ملابسه، يقشر نفسه من الدشداشة البيضاء الناصعة ويعلقها جامدة هامدة على علاقة الملابس الخارجية .. كأنه يشنقها وكأنها تستسلم!
انظر الى قطعة القماش المدلاة وأسأل نفسي إن كنت مثلها .. يلبسني ويخلعني، ثم يلبس وفاء ويخلعها .. ثم يشنقنا
على علاقة الحياة .. ونستسلم للأمر الواقع! ترى من منّا كانت القماشة الأغلى التي فصلّت دشداشته المفضلة؟

على طبيعته نزق، فرح ومتفائل ..
يخبرني كم كان يومه طويلا في الشركة، الصفقات الإستثمارية والمحافظ المالية لم تعد مثل السابق .. يختم حديث العمل بأنه " يجب ان يركز أكثر على العمل ".
وأقول في قلبي " آمين"!

ينتهي من رش الماء على وجهه، ينتهي من تعديل حواجبه بأصبعه، ينتهي من نعنشة الطيب الموجود اصلا في رقبته. يدنو منّي ومن الطاولة الأنتيك والكرسي الجلدي المدبوغ .. يضمني من الخلف ويبدأ معي نوبة شغف مفاجأة لم اعتد عليها منذ مدة.

يقولون ان الزوج الخائن لا يرتاح ضميره إلا عندما يتأكد أن من يخونه سعيد وراضي ! الهذا هو يضمني ويقبلني كمراهق؟ الهذا دس يده في جيبه وأخرج لي هدية ملفوفة بعلبة "تيفاني"؟ الهذا هو يلمح أنه يريد ان يحملني كالعرسان الجدد الى السرير؟

تدور مئة فكرة برأسي فتنتشلني من العسل الذي أنا فيه .. هل اذا استلقيت على السرير سيرى وجهي من وجهها؟ هل اذا فتح ازرار قميصي سيشم رائحتي ام رائحتها؟ وهل اذا قلت كلمة حنان .. سيسمع صوتي ام صوتها؟

لا مكان للأسئلة ولا وقت للذوبان!

دفعته عنّي بغنج وصنعت ابتسامة أنتيك على وجهي .. قلت له أنني لا استطيع لظروف نسائية دورية!
جلس على طرف السرير منهك الأنفاس وخائر القوى .. ينظر لي ويبتسم .. فتحت الجارور الأول من الميز تواليت، أخرجت العلبة المستطيلة من فريرو روشيه .. أخذت كرة ذهبية من الطابق الأول وقدمتها له:

" ربما ستشبعك هذه مؤقتا "

نظر اليها والى يدي الممدودة وتساءل كم احب هذه الشوكولاته الرخيصة! فتحتها له والقمتها فمه .. وقلت له:
" من تعوّد على الغالي .. دائما يحن الى شيء رخيص من فترة لفترة !"

سرح بعيدا عنّي .. وأعرف انه قال بقلبه ..

" آمين"!!


الأحد، 21 يونيو 2009

ثلاثية فريرو روشيه ..


(1) العلبة المسطحة
هناك شيء مختلف في شفتينا .. ربما كانت كلمة تعثرت قبل الخروح .. أو ربما هو الصمت !
لم نعتد على الجلوس طويلا مع بعضنا بلا كلام، ولم أتخيل يوم انني سأكون من هؤالء النساء الذين حتما كنت اليوم واحدة منهم !!

قبل أكثر من أسبوع فقدت اكثر من نصف قلبي! في ساعة ما أقل قليلا من منتصف الليل، وعلى شبه غفلة منه جاءته رسالة شبه متوارية على هاتفه النقال، رنّت فممدت يدي ببلاهة عشوائية وفتحت نصف الصفحة ..

كانت رسالة منها!!

هي من؟ لا أعلم! ولكنها كانت تقول له أنها اشتاقت اليه، وان علبة الكاكاو التي وصلتها منه أعجبتها! قالت له "شكرا" فهي لم تذق طعم الفريرو روشيه من قبل!
منذ ذلك اليوم وأنا لم أذق طعم غرامي المتأصل في الشوكولاته! لم تعد الأولواح البنية اللامعة تغريني. منذ ذلك اليوم وأنا أرى كور الفريرو روشيه الذهبية تقفز فوق رأسي، تناكفني، تمد السنتها الصغيرة وتسخر منّي! هل أهداها العلبة الكبيرة المسطحة؟ أم تلك العميقة ذات الطابقين؟ لا أعتقد أبدا أنه اهداها كيس الثلاث قطع ..!
كيف يسمح لنفسه أن يعطيها هدية مكتوب عليها اسمي؟ لم يجد إلا نوعي المفضل من الشوكولاته؟

زجتني الرسالة في سجن من نوع جديد .. هل أحكي له؟ هل أسأله؟ هل أواجه الشبح القبيح الجالس على صدري؟ هل أصرّح أنني مددت يدي ونبشت خصوصيته؟
كم أود لو أصرخ شرارا في وجهه، أن انتفض ملىء أنوثتي، ان اضعه في الزاوية وأرجمه بكل الأيام واللحظات التي قضيتها مخلصه لقلبه، أن أعدد له قائمة التضحيات، طابور الأمنيات التي تركتها، تخليت عنها ووأدتها على اعتاب مستقبلنا معا.

على فراش الألم أتقلب في زنزانتي، لن أقول له لكي لا ينكر .. طوال عمري أبحث عن الحقيقة، ولن أحصل عليها منه لإنه امتهن حرفة الكلام، وتدرب جليا على تكنيك اللف والدوران. هو من ذلك النوع من الرجال الذين اذا وقعوا في الفخ قلبوه على الصياد. عندما اجادله أحيانا أخرج أنا من النقاش آثمة ومخطئة. هكذا بقدرة قادر يستطيع أن يلبسني ثوب الذنب الضيق جدا .. الى أن أختنق وأبكي ..


من مصادري الخاصة عرفت اسمها (( وفاء )) ..
مفارقة .. ألا يتذكرني عندما ينطق اسمها؟ عندما يدللها ويقترب منها ويهدي لها علبة فريرو روشيه؟؟ عندما قالت له لأول مرة ان اسمها وفاء ألم يقفز قلبه هلعا لإن هناك زوجة في المنزل تنتظر وفاءه؟ ألا تعلم وفاء أنه زوج .. وقد كتب عليه الوفاء ضمنا عندما وضع يده في يد والدي..؟
لماذا لم تكن يدي؟ لماذا لا يسمح لنا نحن في المصافحة الأولى ؟ ونظرة الارتباط الأولى؟ لماذا ينوب عنّا رجل مثلهم لا يعرف بالضبط كيف يخلق نظرة البداية التي تعبّر عن كل ما قيل سالفا عن جدوى واهمية الإنطباع الأول؟

من أسمها ورقم هاتفها عرفت عملها، فتاة صغيرة تعمل في مكتب استقبال عيادة طبية خاصة ومعروفة .. وضعت واحد زائد واحد لتخرج الإثنانات نواتجا لا جدال فيها ..
منذ ذلك اليوم الذي زار فيه العيادة الشاملة لتنظيف اسنانه وهو يعود اليها دوما .. ساقه تؤلمه، يده إلتوت، عينه توجعه، معدته تحرقه، قلبه يدق بسرعة، عينه تزغلل، وابتسامته لا تفارق وجهه ..
مسكينة أنا .. كنت اعتقد أنه مريض، للتو أعرف أن زوجي .. مريض بلذة الذنب ونشوة العشق المسروق !

في مدخل العيادة أقف، شامخة وطويلة بحذائي العالي وفستان حريري باهض الثمن .. هل كنت أتحداها؟ أقول لها ضمنيا أنني أغنى منها؟ مسكينة انا، هي تعلم مسبقا انني أغنى منها، وأقوى منها، و ربما أجمل منها. ولكنها رغم كل هذا استطاعت بسنينها العشرين وعينيها الشقيتين أن تكعبل رجل زوجي. تلك الرجل التي ساقتني يوما الى ذات العيادة لمقابلة دكتورة النساء.
هل كان حقا ينتظرني خارج عيادة الدكتورة لوحده ؟

على مكتب الإستقبال الكبير جلست اربعة موظفات .. استبعدت الفلبينية من الحسبة، استبعدت العجوز، وبقيت اثنتان ..
الأولى طويلة ونحيلة، نظارات طبية، شعر طويل أسود ناعم وملامح صغيرة مقطقطة ..
الثانية أقصر منها، جسد نافر ونهود عالية، مكياج كثيف وشعر أصفر مصبوغ ..
لأول مرّة وأنا أقف بين هاتين الفتاتين أكتشف أنني لست واثقة من ذوق زوجي .. تراه من اختار؟

أتفادى المكتب الكبير وأجلس على كرسي متباعد، كأنه أنا .. كلانا ننأى لتنفيذ خطة ما !
أتصل على رقم هاتفها الذي حفظته في قائمة هاتفي، أراهم كلهم، وألمح ذات الشعر الأسود الطويل تلتقط حقيبتها من الأرض، تخرج هاتفها من كبد الحقيقة وتفتح الخط ..
آلو .. آلو .. آلو ..
أسمع صوتها، وأراها تكلمني ولا أرد! أقفل السماعة بوجهها فتنظر للشاشة وتتساءل ..
لماذا اقفلوا الخط بوجهي ؟
أتمنى أن اجيبها، ان أخطو نحوها وأخبرها من أنا ولماذا أقفلت الخط بوجهها .. أسرح، فتنتشلني رنة هاتفي ..
المح الرقم والمحها تتصل بي .. تريد أن تعرف من أتصل بها وأنهى حوارا من طرف واحد بلا مقدمات ! رن هاتفي الصامت منتفضا بيدي، تجاهلته وتجاهلتها ..

في مكاني، على الكرسي البعيد فكرت بالخطوة التالية، هل أواجهها ؟ هل أواجهه؟ هل اتركها؟ هل اتركه؟ هل أصرخ بوجهها؟ هل امزقه؟
من مكانها تحاول مرّة أخرى أن تعرف من المتصل .. لحوحة وبمنتهى اليأس هي، ألا تعرف أنها يجب أن لا تعيد الإتصال برقم غريب لا تعرفه حتى وإن هاتفها؟

أترك الكرسي وحيدا وأتوجه نحوها، أقف تماما مقابل وجهها وأسألها ..
من هي دكتورة الولادة وأمراض النساء في عيادتكم؟
ترد وابتسامة بريئة تلف وجهها: " دكتورة ليلى"
أسأل أكثر من سؤال وانتظر أكثر من جواب .. أسألها عن اسمها فتجيب بالإسم ذاته ولكن بمنطوق مختلف قالت "وفا".
وددت لو أسألها عن حبيبها، اين تقابله؟ ومتى؟ واين؟ كيف تعرفت عليه؟ وهل وعدها بالزواج؟ تمنيت لو تلفحها نسمة برقية من صداقة مجنونة معي، فتخبرني عن مغامراتها العاطفية كلها. أجلس معها على سرير وردي لا يصلح إلا لأسرار البنات، نجلس فيه لوحدنا، نضم كوشايات مخملية الى صدورنا.. ونفتح لبعضنا قلوبنا ..
انتظرت منّي سؤال آخر .. وعندما وجدتني شاردة ..

أخرجت من جارورها علبة فريرو روشيه الكبيرة المسطحة .. وقدمت لي واحدة!


الجمعة، 19 يونيو 2009

سبع لفافات ..!




أراها كل يوم ..
حاضرة و مواظبة كطالبة مجتهدة لا تفوت درسها، تجلس على واحد من المقاعد الأربعة على الطاولة الكبيرة التي تمددت أمامها على الحائط مرآة اكبر من جسدها و من جسد الطاولة. لا اعتقد انني رأيتها داخل المسبح، ولكني اعلم انها كانت داخله لإنها دائما تجلس هناك تجفف شعرها - او ما تبقى منه - من أثر المياه!

في البداية وبعد اسبوع من رؤيتي لها في نفس المكان كل يوم، تلتقي اعيننا فلا نجد ما نقوله لبعضنا سوى ابتسامة! بعض النساء يملكن نظرات حانية كالتي أراها في عيون جدتي، فلا أجد ردا عليها سوى ان أومئ برأسي و ابتسم، انشغل في تغيير ملابسي ووضع حاجياتي داخل الخزانة، ثم اخطف نظرة سريعة عليها. كل يوم تجلس على الكرسي أمام المرآة، تسحب كيسا قماشيا صغيرا من حقيبتها، تضعه أمامها على الطاولة وتخرجهم من بطنه واحدة واحدة، و عندما أدقق اكثر .. ارى شفتاها المتعرجتان تعدهم:
واحد .. اثنين .. ثلاثة .. اربعة .. الى ان تصل للسابعة.
تلمهم كأنهم اطفالها الصغار، توقفهم بانتصاب في طابور منظم امام عينيها ثم تبدأ يداها المدربتان بسرعة فائقة في التقاط الواحدة بعد الاخرى، تلفهم على شعرها .. او ما تبقّى من شعرها بسرعة محترفة. في يوم تحولت اللمحة المقتضبة التي تلقيها عيناي عليها الى حملقة غير مؤدبة، كنت أشاهدها دون توقف لا ادري لماذا! عزائي الوحيد انني كنت داخل غرفة التبديل انظر اليها من وراء ستارة، ربما كان تبريري الوحيد لغرابة ما فعلت .. انها لا تراني!

تدخل من الممر المؤدي الى حمام السباحة الى غرفة التبديل، تخلع لباس السباحة الطويل المحتشم الذي يغطي اكثر من ثلاثة ارباع جسدها المترهدل بعد ان ترتدي فوقه قماش بشكير واسع جدا، هي لا تحتاج الى غرفة تبديل، فروب ما بعد السباحة الخاص بها وحده غرفة تبديلها، يشبه الى حد ما ثوب الصلاة، ضيق من عند الرقبة .. فضفاض و منسدل يغطي الجسم بأكمله الى اخمص القدم، فتملك حرية كافية قي خلع وارتداء ما تريد دون ان يرى منها اي شيء، فكرة ممتازة خصوصا اذا لم يكن الوقت كافيا لانتظار غرف التبديل حتى تفرغ من قاطنيها.
لفت نظري طريقة البشكير الذي كانت تقتنيه، وعندما امعنت النظر اليها اكثر، شدّ انتباهي علاقتها الغريبة مع لفافات شعرها. لا زلت انظر اليها من شق بين ستارتي التبديل وهي لا تعلم، تجلس مثل كل يوم على الكرسي، تخرج حقيبة قماشية ملونة من حقيبتها الكبيرة، تنقل لفافات شعرها الزرق واحدة واحدة الى ان تصل الى اللفافة السابعة، توقفهم امام عينها بانتصاب، ثم تبدأ بلف خصلات شعرها القصير باحتراف متناهي. بيدها اليسرى تفرق شعراتها الصامدة الى سبع اجزاء متساوية، تلف الخصلة بلفافة أشك في ان تكون هي ذاتها المخصصة لهذا القسم من شعرها، تلفها باحكام وتنتقل للخصلة التالية، دقائق وقد انتهت من رص اللفافات السبع على الخصلات السبع، عندما تنتهي اكاد ارى فروة رأسها بيضاء ناصعة تكسر حدة سمار بشرتها، تمسك بمجفف الشعر المخصص من قبل النادي، تفتح فوهته الصاخبة على فروتها لتنفخ هواءا حارا بلا توقف. تحرك المجفف يمينا ثم الى اقصى اليمين، يسارا ثم الى اقصى اليسار للأمام .. المنتصف ثم الى الخلف، سبع اقسام .. سبع اتجاهات .. سبع لفافات.

ينفخ المجفف الى ان يحتال لون فروة رأسها الى الاحمر، تضغط على شعرها لتتأكد انه قد جف، فتعيد فك اللفافات بسرعة متقنة، و تضعهم داخل الحقيبة القماشية الصغيرة بعد ان تعد سبعتهم. فيغدو شعرها متناثرا دائريا قليل التعداد، فقد كبر العمر .. و جفّت الموارد .. فهاجر السكّان صحراءا قاحلة. ذلك اليوم، لا ادري لماذا استوقفتي تلك العجوز، ولا اعلم لماذا جلست اراقبها، اسرق منّي وقت رياضتي واسرق منها شيئا من خصوصيتها. فرغت، لبست حذائها، حملت حقيبتها وخرجت، ولكنها قبل ان تغادر التقتني في الممر فابتسمت كعادتها وابتسمت كعادتي.

بعد عدد من الأيام قررت فجأة انني لن اذهب للعمل، فقد كان يومي السابق طويلا و متعبا بعد ان مرض ابني و جلست اساهره طوال الليل. استقيضت من نومي مبكرا على ابتسامة من وجهه الجميل: "ماما بطني لا تؤلمني و رقبتي لم تعد مبتلة".
ضممته الى صدري وأخذته الى بيت والدتي ليلعب مع اولاد أخي وتوجهت للنادي. هذه المرة الأولى التي احضر النادي الرياضي صباحا منذ انضمامي، فقد كنت اعلم ان المسبح لن يكون مزدحما إن لم يكن لي وحدي. بسرعة غيرت ملابسي وغمرت ماءا حلوا على نفسي – من شروط استخدام المسبح ان تأخذ العضوة دوشا سريعا قبل السباحة - و بدأت في سباحتي اليومية جيئة وذهاب بلا توقف! دائما تساعدني السباحة على التركيز فهي بالنسبة لي الرياضة المفضلة ليس فقط لجسدي بل لعقلي ايضا.
دقائق .. وتدخل العجوز ذاتها، بلباس السباحة المحتشم وقبعة الرأس، تأخذ دوشا سريعا كما فعلت ولكنها لا تنزل في ماء المسبح! توجهت الى احد كراسي الراحة البلاستيكية وتمددت هناك، جلست لا تفعل شيئا غير التحديق بعيدا الى النهاية الأخرى للمبنى الكبير، ترد سلام من يسلم عليها وتغمض عينيها التي غالبهما النعاس. كنت اكمل رياضتي و لكني كنت القي نظرة فظولية على مكانها لأتأكد انها لازالت هناك، وقررت انني لن اخرج إلا عندما تتحرك. بعد ساعة ونصف تحركت، قامت من مقعدها، اخذت دوشا سريعا يشبه ما قبل استخدام المسبح، توجهت الى غرفة التبديل وارتدت بشكيرها الفضفاض، بدلت ملابسها، جلست على الكرسي امام الطاولة ذات المرآة و اخرجت كيسها القماشي الذي احتوى لفافاتها السبعة!

عدت مرة اخرى للمسبح وسألت احد المدربات هناك، لماذا لم تسبح المرأة التي جلست على هذا الكرسي؟
أجابت: لا دي بتخاف من الميّة .. عمرها ما نزلت الحمّام، دي طيبة و زي العسل، بتحب تيجي كل يوم، تاخد لها غفوة على الكرسي ده وتروح تغيّر .. تعمل شعرها و تتوكل .. و من بكره تلاقيها راجعة الصبح عادي لنفس الروتين!

استهوتني العجوز اكثر، وقررت ان آخذ ابتساماتي المتبادلة معها الى مرحلة اخرى من التواصل. توجهت الى غرفة التبديل وانا اعلم ان مجفف الشعر لازال يلهث على رأسها، تعمدت المرور بطريقها متوجهة الى احدى ستائر التبديل المتواجدة بجانبها، تلاقت عينانا فابتسمت، ابتسمت لها والقيت التحية، ردّت السلام وسحبت عيناها بسرعة وكأنها تنفي اي استمرار في الحوار، احسست بالخيبة ولكني بعد انتهائي من التبديل رجعت من نفس الطريق الذي يمر عليها، تلاقت عينانا ثانية فابتسمت، وقفت بجانبها وسألتها منذ متى اشتركت بالنادي؟ ردّت بتردد منذ ثلاث سنوات، ولكنها تجدده كل سنة. استغربت عندما اضافت: " ولكنّي انقطع عن المجيء في الصيف عندما نسافر انا وزوجي الى أوروبا ". سألتها عن الدولة الأوربية المفضلة لديها: ابتسمت بغنج وأجابت: " المغرب".
ابتسمت و نظرت في عينيها اكثر، ربما ستصلح الخطأ الجغرافي الذي اقترفته حالا، ولكنها صمتت بسعادة، كانت فعلا تعتقد ان المغرب دولة أوروبية!

كنت لا اريد للحوار ان ينقطع فسألتها بسرعة: " ومصر .. هل زرتِ القاهرة؟ "
قالت: " مرّة وحدة بس لمّا كنت صغيرة قبل لا اتزوج، بس الحين زوجي ما يحب القاهرة، يحب المغرب .. كلهم يحبون المغرب!"
قلت: "المغرب حلوة"..
ردّت بسرعة : " تقوليلي و الا تسأليني؟"
هززت رأسي: " عفوا لم افهم".
وضعت المجفف من يدها على الطاولة بعد ان اخرسته و سألتني من جديد: " انتِ قاعد تقوليلي ان المغرب حلوة و إلا تسأليني اذا كانت المغرب حلوة و إلا لاْ؟؟"
فجاوبتُ: " صراحة انا ولا مرّة رحت المغرب، بس سمعت انها حلوة" و استطرت:" انتِ الخبيرة .. انتِ إللي لازم تقوليلي عن المغرب". اتسعت عيناها قليلا وهي ترفع المجفف مرّة اخرى من على الطاولة و تشغّله من جديد، كان شكلها غريبا بعض الشيء وقد اختارت ان تقص لي عن المغرب و صوت هدير المجفف بيننا، فنبرة صوتها كانت عالية وكأنها تصرخ بوجهي:
" و الله الديرة حلوة، و ناسها طيبين .. مزايين بعد .. مزايين بالزاف". ضحكت و اكملت:" اكيد تعرفين يعني شنو "بالزاف" .. يعني "وايد وايد" بالمغربي، انا وزوجي نحب نروح نتريق بهالصباحيات، نسميها صباحيات لإن لمّا الحين نحس كل يوم إنا معاريس .. هالسنين إللي مرّت علينا ما غيرت فينا شيء .. لمّا الحين نموت على بعض، لمّا الحين يتغزل فيني وما يشوف وحدة غيري، حتى لمّا عيالنا كبروا و تزوجّوا و كل واحد و وحدة راحوا بحياتهم، لمّا الحين يموت عليّ، عمره ما فكّر يتزوج وحدة اصغر منّي ولا احلى منّي، و دايما يقول أنا اسوى طوايف سبعين مغربية. لمّا الحين يموت على شعري الطويل، و يستانس لمّا يشوفه ملفلف طايح على ظهري .. و اهي بس قاعدة تقلدني، الفلف شعري تلفلف شعرها، اشترك بنادي تشترك بنادي، اسوي رياضة تسوي رياضة، الحمدالله والشكر ما عندها حياة إلا بس تشوفني شسوي ووين اروح عشان تسوّي مثلي!".

وقفت امامها بلا ملامح، لازالت تنظر عميقا داخل عيناي بحثا عن قبول، و انا توقفت ملامحي عند اللحظة التي كان فيها حوارنا طبيعيا. نظرت داخلي اكثر فلم تر ما يرضيها فاستطردت: " اقول لج من كثر ما يحبني .. حطها بالملحق، كان بيطردها من البيت .. بس قلت له حرام هذي بنية صغيرة يبتها من ديرتها واهلها والحين بتطردها! لا .. آنا مرة اخاف ربّي، حطها بالملحق، الخدامة تييب لها اكلها كل يوم و تخدمها بعد، تدرين مع العمر بدت رويلاتها تعورها و يمكن فيها "دسك" بعد .. و حطلها سايق اييبها و يوديها لمراجعات الطبيب .. اهو الله مرهي عليه .. فما قصّر معاها بشيء، بس قاطع .. لا يروح لها .. و لا يسأل عنها .. و لا يزورها."

تضحك: " طول عمري ماخذه قلبه .. ذكيّة وصريحة وما عندي لف و دوران، اللف إللي عندي لف البراغ إللي يحبه .. و الدروران إللي عندي هاللفافات لمّا يدورون على شعري، و هو يموت على شعري و يموت على البراغ!"
صمتت وسألتني: " انتِ تحبين البراغ؟ أومئت برأسي بنعم باهتة، فبادرت:" وي مالت عليها ما تحب البراغ، حتى لمّا ادزه لها في الملحق ما تاكله .. ترده مثل ما اهوه. عاد لمّا اسمعت اني اشتركت بالنادي عشان احافظ على لياقتي، راحت اشتركت بنادي ثاني، بس مسكينة متعقدة من السباحة .. تخاف من الماي .. ما تعرف تسبح .. الحمدالله و الشكر .. يارب لا تبلينا. ..
لم يوقفها عن الحديث إلا ضحكة فرّت بنزق من فمها.
تمنيت لو تتوقف عن الكلام، فالقصة حزينة جدا، و الألم الذي ينبع من قلبها بات اكبر بكثير من ألم فروة رأسها تحترق تحت الهواء الساخن كل يوم، أملا في ان تسرق نظرة خاطفة من الزوج الذي باع سنين عشرتها بشعر فتاة مغربية أخذت قلبه و لم ترده. اردتها ان تصمت .. لم اشئ ان اسمع اكثر .. و لكنها لم تتوقف.

استمرت تحكي لي عن اسرار ملحقها معتقدة انها لفّت القصة عليّ باحكام مثلما تحكم لف ما تبقّى من شعرها على اللفافات الزرق .. لا زال فمها يتحرك .. يقلب القصة رأسا على عقب .. و انا لم اعد اريد ان اسمع إلا صوت هدير المجفف.




الأربعاء، 17 يونيو 2009

اليوم الثالث ..


قلت له يوما أنني متضايقة .. سألني فأجبت:
(( لم أكن اريد أن احبك الى هذه الدرجة .. فالحب يجعلنا في حالة غريبة من الضعف !! ))

في السيارة اوصلك للمطار وأبكي من تحت نظارتي السوداء، تقيني من الشمس ولا تقيني من الحزن الذي اجتاحني. أيادي صغيرة مدربة على العصر، تمتد الى داخل صدري وتمسك بقلبي وتعصره بين اصابعها الحديدية المدببة.

سألتك أختي قبل ساعة إن كنت ستبكي فقلت بها (( I don’t think so )) أحببت احتمالية أن فراقي سيدمع عينيك التي نادرا جدا ما تجود بأمطارها ..

في السيارة وانت بجانبي .. تمسك يدي وتسمع شهيقي .. تعصر عيونك ببعضها وتحاول ان تكتم النشيج الذي يعتري ملامحك .. لا تحاول كثيرا، فنظارتك طبية شفافة ليست سوداء كنظارتي .. أنا ارى أنك تبكي حتى لو لم التفت اليك.

في البيت قبل أن نركب السيارة لوحدنا واقفين قبيل باب الوداع .. اضمك الى صدري لأكثر من ست دقائق .. أقول لك أشياءا كثيرا لا اتذكرها .. تضمني الى صدرك .. لا يهمك قصر قامتي ولا انعطاف جسدك جنوبا نحوي .. تضمني بذراعيك ويلمس جبيني شعرك .. أشم رقبتك، العطر الذي نام عليها .. ولا أتوقف عن البكاء.

أودعك في المطار وأعود ادراجي الى السيارة .. اركبها واصرخ فيها كالمجنونة .. تخرج حشرات الحزن من فمي .. تتسلل خارج أنفي.. وتزحف ببطئ من اذناي. أتحرك بعد أكثر من نصف ساعة، أقود مركبتي بعيدا عن المكان الذي تركتك فيه لوحدك.
في طريق العودة تغزوني العناكب .. واحدة كبيرة تتسلل الى صدري وتجلس فوقه فلا اقوى على التنفس .. اركن سيارتي في حارة الأمان واتنشق الهواء .. أحاول ان ازجه عنوة الى رئتاي .. فلا يدخل. أصرخ من جديد .. فيدخل .. واهرب بجلدي من الإختناق.

أعود للمنزل الخالي إلا من بقاياك .. ملابسك المعلقة وحذائك الأسود عند الباب .. ارفسه بقدمي ليختفي وأجلس منهكة على الأريكة البيضاء التي اشتريناها معا ..
ما الذي أفعله؟ أحقا أحاول أن لا راه في البيت الذي بنيته معه؟ في الزوايا التي عشنا بها؟ بقعة الأرض الذي نضع في بيتزتنا المنصوفة .. لي الببروني ولك السوربريم؟ أحقا أحاول أن لا أجده في الكرسي الذي دوما نتشاجر عليه؟ في رف الصور الذي ملئته براويز اخترناها معا .. تحمل وجهي ووجهك؟
هل أنا غبية لهذه الدرجة ؟؟

أحمل نفسي وأسافر الى بيت أمي .. سيكون الوضع أفضل، فلن اجد اشياؤه هناك. أصل لتجري نحوي ابنتي تحمل على وجهها ملامحك! امسك اعصابي واخنق مشاعري .. تنظر خلفي وتسألني (( Wes daddy ? )).
افلت الآهة قسرا وابدأ من جديد في نوبة بكاء.

في بيتنا ..على فراشنا .. افرش نفسي .. الليلة الأولى .. الموتة الأولى

أحادثك بالهاتف فنبكي سويا على أشياء لا نعرفها .. تقول لي أن الفيلا التي اسكنوك فيها كبيرة وباردة لا يشاركك فيها أحد! تقول لي ان سريرك صغير .. ثلاجتك مليئة بقناني الماء واكياس البسكويت! تقول لي أنك تتألم لفراقي، وأنك على وشك الإنهيار!!
ابكي في حضن صوتك .. اعصر الهاتف الصغير .. امسح عليه وأقبله. اسمعك من بعيد تبكي .. فأنتحب !!
تمر ساعات الليل طويلة .. اتقلب في الفراش .. هو الآخر يبحث عنك! لا أنام
أتقلب اكثر .. اضم مخدتك .. وابكي .. هذا آخر شيء أتذكره من الليلة الأولى !!

اليوم الثاني لم يكن افضل من سابقه .. هاتفك النقال لا يعمل .. يبحث عن الشبكة فلا يجدها .. تتصل بي مرة واحدة في الصباح من هاتف غريب لتخبرني أن الهاتف لا يعمل. نبقى أنا معك طوال الوقت كمراهقين لم يسمح لهما بإقتناء هواتف شخصية بعد .. نتحادث عبر الماسنجر وعن طريق الإيميل .. تخبرني كم هي الدنيا صغيرة بعينيك .. وأخبرك كم هي الدنيا مظلمة بعيناي ..

على سجادة صلاتي افرش جرحي .. بين يدي الله وفي حضنه اسكب ما تبقى من دموعي .. أخبره أنني بحاجة الى احتواء جناحي رحمته .. أخبره أنني لن اهدأ إلا عندما يمسح بعطفه على صدري .. عندما يرسل لي يقينا من عنده اننا سنكون بخير!
أبلل السجادة بماء عيني .. أسجد وانتحب .. انتهي من الصلاة .. فأتقرفص مكاني .. اضم ارضي .. وانتحب!!

في حوار على الماسنجر ..نبكي أنا وأنت ..
أضعف .. وأقول لك ارجع!! رغم الفجوة المادية التي سنتوه داخلها ارجع .. رغم ضياع مستقبلك الباهر في الشركة العريقة ارجع .. رغم عقوبات الحنث بالعقد التي ستقع علينا ارجع .. رغم مستقبل بيتنا الذي ندخر له من نقودنا ارجع .. رغم مصير مدارس ابناءنا ارجع .. رغم حلمنا في السفر الى البلدان التي وضعناها معا على خريطة احلامنا .. ارجع.
توافقني الرأي .. وتخبرني أنك سترى ماذا يمكن أن نفعل .. اقفل السماعة .. ولا ابكي مرة أخرى.

اصحو في الصباح فأجد منك نسخة من حديثك مع صديقك مدير الموارد البشرية في الشركة .. تقول له أنك لا تستطيع ويقول لك اصبر .. فمستقبلك في أوجه ولا تضيع الفرصة الذهبية .. يتمناها الكثيرون. أجد في حواره ملامح صادقة وفي نصيحته حب وأخوّة ..

بيني وبين نفسي أفكر فينا .. في الطفل الجديد .. في البيت الجميل .. وفي وظيفتك المرموقة وراتبك الشاهق العلو .. في الطريق الذي بدأته لنفسك فجئت أنا بعواطفي الإنثوية الأنانية البحته .. وهرموناتي الهائجة لأفتته لك بيدي .. بطموحك العالي الذي مسكته من أنفه وانزلته الى الأرض! اي نوع من النساء أنا .. !!

ارسل لك ايميل اقول لك فيه أنك في مهمة .. ويجب ان نكون كلينا شجعانا لإتمام المهمة ..
لا أنا ولا أنت لنا الحق في لوي الخط المستقيم الذي خطيناه لحياتنا .. أعلم أنني نقطة ضعفك .. فأخبرك انك أنت بطلي .. والرجل الذي قبل ان يضحي لإجلي لأعيش في كنف الترف .. لأسافر اينما اشاء .. وارتدي ما اشاء .. واعيش مثل أميرة القصص الخرافية ! انت اميري الذي لا يخذلني ولا يتركني معلقة بين السماء والأرض انتظر الخلاص من قبضة المارد الشرير!

جاء جوابك:
(( هكذا اريدك ان تكوني .. قوية وراسخة .. أبية وواثقة .. نهري الذي اروي منه عطشي .. ونسيمي الذي استنشقه عندما احس بالإختناق )).
هكا نحن .. دائما على نفس الصفحة ..

اليوم نمت طويلا الى الثانية عشرة .. نامت ابنتي الى الواحدة والنصف .. وهو أخبرني بإيميل أنه بات يأكل افضل .. سيتأقلم مع الوقت .. وسيكون الوضع افضل.

اليوم قضيته مع صديقتي التي أخذتني بذكائها وحبها وصدقها وعطفها من حزني الى دنيا مليئة بالامل ..
تحدثنا طوال الظهيرة على طاولة لورنزينو .. ضحكت من كل قلبي .. وقلت لها كم كان هذا القلب موجوعا في اليومين الفائتين ..
سمعتني وشجعتني ومسحت بيدها على قلبي . فأحسست ان الدنيا لازالت بخير ..
شكرا تسنيم على كل شيء.
_____________________________________________________________
سافر زوجي للعمل في المشروع الجديد في السعودية منذ ثلاثة أيام ..

الاثنين، 15 يونيو 2009

عن أمريكا .. شيكا بيكا !!





للشجر الطويل الأخضر المتشعب الغصون هيبة كبيرة..
يقفون حراسا على الأرض فيذكرون الناس
أن الأرض كائن حي مثلهم تماما له طعم ولون ورائحة .. وشموخ


صغرت عيون الناس .. وكبرت صحونهم!

الحشرات الصغيرة كائنات مستحبة تقاسمنا المنزل..
لإن العشب الأخضر في مساحات البيوت الخلفية ضرورة قصوى مثل الكراج والحمّام.

حجم البيوت ربع بيوتنا ..
ولكن في كل زاوية تجد لمسة، وفي كل رف تجد حكاية.

الشمس تغيب متأخرة ..
ولكن عندما تذهب ينتهي العمل ويبدأ اليوم.

ليس هناك خدم ولا مربيات ..
الأطفال يشبهون أمهاتهم بصورة غريبة واستثنائية.

لا حدود للحوار .. وكل نكتة جائزة بإسم الضحكة.

هناك .. اكتشفت ان ابنتي انضج بكثير مما كنت اعتقد ..
وعرفت ثلاث أشياء جديدة عن زوجي.

للبعض العلاقات الإنسانية عندهم تاريخ انتهاء صلاحية.

اذا لم تكن تعمل .. قم بعرض حياتك في تلفزيون الواقع!

الأسواق مكتضة..
السيارات الجديدة تملئ الشوارع،عليك الإنتظار للحصول على طاولة في المطاعم ..
اين الأزمة الإقتصادية بالضبط؟

عندما يعتقد رجل أن امرأة ما جميلة ينظر لها مرّة واحدة ..
ويبتسم لها أكثر من مرة.

حتى في امريكا .. تنتظر أكثر من نصف ساعة عند طبيب الأسنان!

في الكويت ..
البائعة في شانيل ولويس فويتون تنظر اليك باستصغار اذا لم تكن على سنغة عشرة،
واستقبال المطاعم دائما يبتسمون لك لو شنو كنت لابس ..
في امريكا العكس تماما!

ابنتي نست ولعها في بارني وتيلي تبيز وهاندي ماني ..
وغدت مهووسة بالكلاب والبقر في المراعي والعشب الأخضر!

كل ما تفكر به موجود في وول مارت ..
حتى قناني الماء الخاصة بالأطفال التي تناسب حجم قبضات يدهم .. حسب العمر!

اذا قلت للمدير ان البائع او النادل كان لئيما معك .. سيعطيك وجبتك على حسابه!
اذا وضعت "سنت" واحد بقشيش بعد وجبة في مطعم
فهذا أكثر اهانة للنادل من أن لا تضع بقشيشا أبدا ..!

كل شيء قابل للإسترجاع خلال 14 يوم .. كل شيء!

يغرم سائق السيارة اذا لم يرتد حزام الأمان ..
ولكن لا يغرم سائق الطقطاقي (السيكل ) اذا لم يرتد خوذة!

الصباح ندي جدا ..
اليوم رطب جدا ..
والليل لا هذا ولا ذاك.

هناك فندق للكلاب، وسبا للكلاب، وحضانة للكلاب، وصالون للكلاب، ومطعم للكلاب ..
كلها كتبت على بابها لافتة تقول ( ممنوع دخول المتشردين )!

هناك لافتة رسمية في الشوارع تقول ( خفف السرعة، أطفال يلعبون )
هناك لافتة رسمية في أحد الطرق تقول ( منطقة سجون .. لا تقل غرباء الطريق في سيارتك )
هناك لافتة رسمية تقول ( انتبه .. سناجب شقية من الممكن ان تباغتك )
هناك لافتة رسمية تقول ( انتبة .. غزلان تتنزه )

الكاوبويات لازالوا على قيد الحياة .. ليسوا فقط في الأفلام!

يعتقد الكثير منهم أن الكويت جزء من أوروبا!

عندما اخبرتي ام زوجي في الزيارة السابقة أنها ستزرع شجرة تفاح لم استوعب الفكرة..
هذه المرة فهمت أن التفاح من الممكن ان ينمو على الشجر في باحة منزلك الخلفية .. طبيعي!

حتى الأمريكان مهووسين بالحش والنميمة !

الكثير من النساء هناك يملكون بيوتهم الخاصة فيأتي الزوج تباعا .. عكسنا تماما!

في موسم عيد الشكر تقل مبيعات البيكان الى اكثر من النصف ..
لإن الأشجار ترميها على الناس ..مجانا!

دعاية في التلفزيون لفتت نظري تقول " دعنا نأخذ عنك القرار "!!

فعلا فعلا اشمئزوا عندما قلت لهم أننا نملك هوزات في الحمام مخصصة لغسل مخلفاتنا ..
عفسوا وجوههم وقالوا لي:
(( ولكن التويلت بيبر يلتصق مع الماء ))!!

السبت، 13 يونيو 2009

امية ألف ترجية ..

أصحو وأغفو مئة مرة على كرسيي المتخشب والذي خشب ظهري معه طوال رحلة العشرين ساعة ..
في الطائرة الناس لا يطيقون بعضهم ..
وكلما طالت المدة .. ضاقت النفوس واختنقت الأمزجة ..
ربما هو ذلك الهواء الصناعي الذي يملئون به القمرة ..
فنستنشق شيئا لا يشبهما ..
فنكون أشياءا لا تشبهنا !!
ثلاث أفلام ..
اربع مسلسلات ..
رواية ..
خمس أكياس شيبس ..
ثلاث فريرو روشيه ..
عدد ا يحصى من العلوج ..
وعشرين زيارة لذلك المربع المخيف الذي يسمونه (( بيت الراحة ))!
أنا وغدن نغني .. نلون .. نأكل .. نتشاجر..
في النهاية تنام عني وتتركني لوحدي!
هو .. نائم م م م م م م م م م م م م م م
أنا وحيدة.
أثناء الغفوة تباغتني كوابيس غريبة ..
وأثناء الصحوة تجتاحني أفكار حزينة ..
ربما هو نواح الطائرة، أنين المحرك .. وشخير كل من حولي!
متى أصل للكويت ؟
متى اشم رائحة الرمال التي كبرت وهي تعلق برجلي عندما ارتدي حذاءا مفتوحا؟
صورة رجاء محمد بشعرها الطويل وبخنقها الملون تفتل وتغني (( الكويت الكويت .. آه يا الكويت ))
صوت أمي الدقيق بناديني من الأسفل للغداء ..
العلم الذي يرفرف .. وصورة بابا جابر على دفاتر المدرسة والكتب المكدسة فوق بعضها في اليوم الأول..
رائحتها وملمسها ..
تلك الشوارع التي نعرفها عن ظهر غيب .. والشوارع التي أجد نفسي تائهة فيها !!
لم أعد اخاف .. لإنني اعلم ضمنيا أنني سأجد الطريق الذي سيوصلني للمنزل.
الكويت بمنتهى الود معنا .. لا تبلعنا ولا تعضنا ولا تعصرنا
بل تربت علينا وتمسح على رؤوسنا وتجدل لنا ظفائرنا ..
أسأل نفسي مرة أخرى متى أصل للكويت .. وأغفو من جديد ..
أصحو على صوت الكابتن .. لا أسمعه .. أطل من النافذة وأرى رأس سيدة جميلة ترتدي امية ألف ترجية ..
تتدلى .. تتلئلئ تراجيها الذهبية فتخطف عيني ..
أتحسس اذني .. وأفتح عيني وأقفز من مكاني ..
أخيرا .. عدت للكويت !
ولهت عليكم .. مثل ما ولهت عليها

الأحد، 7 يونيو 2009

ليل هيوستن مختلف !



لم اكن أنام!

عتقدت في البداية أن الزائر الجديد في فندق أحشائي قد عادى النوم وجعل منّي قرية صغيرة تحيي الليل وتميت النهار تماما مثل لاس فيغاس. أطرق أبواب النوم متسولة حفنة رقاد وأردد على جانبي الأيمن دعاء تعلمته خصيصا لهذه المناسبة:


(( اللهم جاء الليل وغارت النجوم .. وأنت الحي القيوم، فأرح جفني وأنم عيني ))


على بساط السرير أفرش نفسي، اتمدد واتقلب على جانبي، أغمض عيني بقسوة حتى تؤلمني جفوني، أعصرها، أعاندها وتعاندني فأفتحها لأجلس في عتمة الليل لوحدي. في "هيوستن" يبقى للحظات الوحدة طعم مختلف!

أنبش الصناديق المكدسة في رفوف نفسي، واحد تلوى الآخر لعلي أجد السر الصغير الذي يجعلني لا أنام!


على نغمات أنفاس حبيبي، موسيقاي الليلية التي تؤنس وحدتي عندما تأبى الصور في عيني أن تزول! انا وصناديقي الخشبية المزخرفة أحيانا والمملة المربعة أحيانا أخرى أجد الكثير من الذكريات. صور قديمة لفتاة كنتها، مراهقة كرهتها، وانثى على عتبات النضوج تخطو خطوة وتتردد عشرا!! يا الله كم كان شكلها مضحكا. أسنانها متراكبة وحاجباها ثمانيتان مدببتان تستقران في قمة جبينها. تلك الفتاة كانت تحلم كثيرا، تكتب كثيرا وتكذب كثيرا!


لعل الكذب كان الطريقة الوحيدة التي تعرفها للمس العالم الذي تريد صناعته لنفسها. أوراق صغيرة جدا مطوية في أحد الصناديق، مئات الورقات سوداء وبيضاء كتبت فيها كل الكذبات التي أطلقتها في سماء ضميرها.

(( سيكون بيتنا الجديد غير عن كل البيوت، كل شيئ سيعمل على الكهرياء اذا بغيت أدخل، أطق دقمة وينفتح الباب، حتى الكراسي تنزل وتصعد بدقمة !!))
لا أعلم لماذا كنت مهووسة بالأزرار والدقم !!


(( سنسافر هذا الصيف الى لندن )) (( سيشتريلي والدي سيارة مرسيدس جديدة )) (( جدتي لوالدي ستورثني كل ذهبها )).


كلما كبرت الفتاة .. كبرت الكذبات وأصبحت أكثر قتامة. كلما غمست يدي أكثر في صندوق الكذب كلما اختفى اللون الأبيض الى بحر عميق من السواد! أقراْ الورقات السوداء وأشم نتانتها. تغير المتلقي الأكبر من صديقاتي وبنات خالاتي الى أمي! لماذا كنت أكذب على والدتي؟


ربما لإنها كانت تريدني أن أعيش تحت دراعتها الفضفاضة، ارتدي حجابها، اقتني قناعتها، وأرى الأشياء مستقيمة محددة كمنظورها .. أمي لم تفهم يوما أنني وإياها شخصان مختلفان تماما عن بعضنا. أنا أحب كل شيء وأحصل على ما أريد حتى بالطرق الملتوية الثعبانية. أمي كانت ولازالت ذلك النوع من البشر الذي يسعد بكل ما يجده صدفة بطريقه. كذبت عليها لإنني أريد .. وهي لم تكن تريدني أن أريد! لون الأوراق التي احتوت كذباتي على والدتي ورائحتها كانت مختلفة .. كانت أغمق، وكانت انتن!


ليل "هيوستن" يختلف عن ليل الكويت، يبدوا طويلا وممتدا الى ما لا نهاية، لكنه في الحقيقة أقصر مما يبدو عليه. صوت صراصير العشب خارج حديقة بيت "ماري آن" ام زوجي. رائحة العشب الأخضر المبلل ببقيا دموع النهار. صوت القطار البعيد المتواري الذي يمر بجانب البيت في الساعة الثالثة تمام من فجر كل يوم! ربما أنا لا أنام لإنني لم أعتد بعد على ليل "هيوستن"!


أغمض عيني وأعود الى الصناديق المكدسة، لازلت أفكر في فلسفة عمري، في الأسباب الذي كانت تجعلني أكذب! وعن الأسباب التي جعلتني أغادر فجأة ذلك التل العالي من حياة ملئتها دون أن أعلم بفرضيات امنياتي لحياة لم تكن لي! كان الكذب فعلا العالم الخاص الذي أتمناه وأعلم أنني لن أحصل عليه .. او الشخص الذي أتمنى ان أكونه ولم يكن مسموحا لي أن أكونه! وعندما انتهى كل شيء، وهربت بجلدي من ضغوطات عالمي والناس من حولي الى عالم يقول لي " كوني انتي" توقفت فجأة عن الكذب على الناس من حولي .. وكنت نفسي!


في صندوق متواري وجدت كذبة صغيرة مأرخة بتاريخ صباح اليوم! سألني زوجي ان كنت أكلت عندما تركني لمشوار طال مع والدته. كنت غاضبة وحانقة لإنه تأخر كثيرا ولم يببلغني، قلت له أنني لم آكل شيئا داعية ضميرة الى حفلة تأنيب طويلة.

لماذا كذبت من جديد!!


وسط نومة عميقة سبحت في عيناه وجدت يدي تمسح على رأسه، قبلت جببينه ليفتح عيناه وينظر لي.

(( فقط أردت ان اقول لك أنني كذبت عليك اليوم عندما سألتني ان كنت قد أكلت في الصباح. أكلت سندويشة جبنة مشوية، بينما قلت لك أنني لم أفعل ))
ابتسم رغم النوم الذي كسى جفنيه .. سألته:
هل تسامحني؟

طبعا حبيبتي .. تصبحين على خير!


طبعت قبله على جبينه الذي سرح من جديد في ليل "هيوستن"
أغمضت عيني .. ولم افق إلا في الصباح.

الاثنين، 1 يونيو 2009

على طبق من فضة

لم يكن ينتظر دراما وانهيار .. كانت الصدمة غايته.
نظر الى نفسه بالمرآة وانتفض، لأول مرّة يرى ملامحه ملونة، معجونة بتفاصيل بعضها ومرشوشة بسطح ابيض كالطحين.
لأول مرّة ايضا يجد نفسه وجها لوجه مع مقتنياتها، بخلوة شرعية مع قواريرها الكثيرة المصفوفة على الطاولة، انابيبها وعطورها .. عالم مختلف .. كل ما فيه صغير وبرّاق.

أخذ قلم الكحل الأسود ورسم خطا قاتما داخل عينيه، حرقته عينيه فأغمضهما وفكّر ان كانت البادرة صحيحة من الأساس..؟
ولكنه ملّ الاهمال وسأم الاختناق!
سمع صوت سيارتها ففتح عينيه، رأى رجولته كلها أمامه، ملطخة بمساحيق تجميل زوجته، شعره منكوش واجفانه بنفسجية فاقعه وشفاهه حمراء وخدوده وردية. يرتدي قميصها الأزرق الحرير ويضع عطرها بنكهة الفانيلا ..

كان في تلك الليلة نسخة قبيحة وغير متجانسة منها .. تماما مثلما اصبحت هي ..
جلس في صالة الاستقبال، يضع رجلا على رجل، يغطي رجليه المشعرة حريرها الناعم، ويلبس في رجليه الكبيرتين حذاءا ليليا مطوقا بالفراء.

اعلنت مفاتيحها بشائر قدومها، خفق قلبه .. فُتح الباب ففتح عينيه عليها.
" مساء الخير" قال ..
نظرت نحوه وشهقت، وضعت يدها على صدرها واغمضت عيناها علها تستوعب المشهد. حدّقت بزوجها وأكلتها حيرة هل تضحك ام تبكي! كان منظره مريعا وخارج عن حدود كل البراويز التي وضعته فيها قبل الزواج وبعده!

" انت جنيت؟؟" صرخت: " احمد .. شنو هذا؟؟"

قام من اريكته ففزعت اكثر، اعترتها لوعة من نوع خاص .. تلك التي تضعنا احيانا على شفا حفرة الإنهيار، تفقدنا كل رغبة بالتحليل او المقاومة.
اقترب منها فدنت للوراء، الصق وجهه بكل خربشاته بوجهها .. خافت وتاهت في الخطوط:

" كل يوم راح تشوفيني جذي يا هانم .. اذا مافي أحد في البيت راح يهتم فيني ويرعاني ويلبس لي .. آنا راح البس لنفسي! اذا ما تبين تصيرين حرمتي .. آنا راح اصير حرمة نفسي .. اذا ما تبين تشوفين هالخلقة الملخبطة مرّة ثانية .. قعدي في البيت ورتبي العلاقة المعفسّة."

قبل 6 سنين، وبعد 3 سنين من الزواج بلا اولاد اضاعت عنوان حديقة حبها له، أصبح هو مع الأيام شيئا يذكرها بعجزها، بهزيمتها أمام بنات اعمامها اللاتي تزوجن بعدها وانجبن قبلها. هو، لم يكن مهتما بالخلفة، مؤمنا بالقضاء والقدر، وموقنا بالإستجابة في يوم قريب كان او بعيد.
انجبت بعدها ابنتها الأولى، ولكنها مسبقا طارت بعيدا عن عشهّما معا، اصبح هو معلقا بين السماء والأرض، وهي تذهب عنه .. واحيانا لا تعود.
اهملته، نسته في فوضى حياتها الإجتماعية المندرجة تحت اسقف البيوتات العريقة والثرية في الكويت.
لم يعد يهمها، اصبح كل ما يهمها هو كيف تثبت نفسها في وسطها؟ وكيف تكون سيدة المجتمع الكاملة التي لا ينقصها زوج ولا سمعة ولا جاه ولا ولد!
كانت مبادرته، مجرد محاولة لازالة الغبار الذي اعترى عاطفتها، واذابة جليد قلبها من جديد.
فكّر بينه وبين نفسه عندما خطرت له الفكرة .. "المبادرة ستكون تماما مثل صدمة السيارة بتيار كهربائي لتعمل وتتحرك من جديد".

بعد ذلك اليوم لم تحادثه لثلاث أيام، كانت بعيدة وشاردة،" تفكّر" .. وهو استبشر خيرا.
في اليوم الثالث فتحت فمها وأخبرته انها ليست معه، عقلها وتفكيرها وروحها معلقة بحياة اجتماعية مرفهّة عن هذه الأمور. تريد أن تكون حرّة \ متزوجة بنفس الوقت. تريد ان يعلم الجميع أنها زوجة سعيدة وربّة بيت كاملة ولكنها في البيت تريد أن تكون لوحدها ..
لم يتكلم، كان يعلم مسبقا أنه سقط من حساباتها ..

أخرجت مذكرتها من حقيبتها وكتبت بورقة صغيرة أسم ورقم هاتف، سلمته الورقة ..
شرحت المقترح وخرجت من المنزل لتترك له فرصة للتفكير وإتخاذ القرار.

كان في الورقة اسم وهاتف واحدة من صديقاتها المقربات -على طبق من فضة – مستعدّة لمنحه كل ما لا تريد زوجته تقديمه له ..
كل ما يريد، كل ما يتمنّى .. وكل ما ينقص هذا الارتباط المقدّس .. من "قدسية"!
قطّع الورقة أشلاءا صغيرة والقمها فم القمامة ..
ونام وهو يعتزم الزواج عليها من فتاة تصغرها سنّا، وتفوقها جمال .. بكروت دعوة مطبوعة توزّع – على طبق من فضة - على كل من يهمّه الأمر، وفي صالة عرس قريبة جدا من بيت والدها.


إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت