كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 17





كتبت أحد الصحف خبرا مقتضبا عن قضية محمد حبيب مريم، قال الخبر أنه تم القبض على مواطن يتاجر بالمخدرات. كمّا أكّد الخبرعن وجود كميات كبيرة من حبات الهلوسة وبودرة الكوكايين في شقته الكائنة في بنيد القار. وقد تمت أحالة (  م.ق ) الى النيابة العامة وهو الآن بانتظار المحاكمة.

مريم التي احترقت عندما اصبحت جنتها مرتعا لإيواء المخدرات، كانت تعرف أن القضية ملفقة، والمضبوطات ما هي إلا حيلة استخدمها اخيها الضابط في الداخلية للتخلص منه الى الأبد دون ان تتوسخ الأيادي بدمه. بالنسبة لعقلية أخوانها العسكرية المتطرفة، كانت هذه الوسيلة الوحيدة لتلقينه درسا لن ينساه. لم يكن هدفهم الأول ايلامه او قتله، كانوا يريدون اختصار حياته، عمرة وشبابه ليعيش ويتعفن في زنزانة معتمة في سجن طلحة.

علمت مريم من مصادرها الخاصة أن جلسته الأولى أمام القضاء ستكون في الأسبوع الأول من الشهر القادم، يصادف يوم الأربعاء في الساعة الثامنة والنصف صباحا. أخذت سيارة صديقتها وحامت حول المبنى يومين قبل موعد المحاكمة. لم تكن تعلم ماذا ستفعل، ولكنها حتما ارادت ان تعرف المكان الذي سيقرر مصيره.

تساءلت إن كان قد أخبر المحققين ومحاميه الحقيقة؟ هل قال لهم أنه كان على علاقة بها، وأن اخوانها قد ضبطوهم متلبسين بحالة عشق في مرتع غرامهما، فكسراها ولفقا له تهمة شنيعة بهدف الإنتقام؟ تمنت لو يفتح فمه ويقول الحقيقة .. تمنت لو يدافع عن نفسه، وعن حبهما ويخبر العالم أن ما هو الآن فيه نتيجة علاقة عاطفية ضربت أعماق الأعراف. بغض النظر من صحة الفعل او خطأه، كان الحدث بين عاشقين، وأصبح الآن يحوم كالغراب الأسود في قاعة المحكمة، في مذكرات المحامين، وبين مطرقة القاضي وسندانه!

تمنت لو يقول، فهي لم تعد تخشى الفضيحة، اخوتها واسرتها يخافونها، ولا يريدون لإسمها أن يحوم هو الآخر في الألسن والحناجر.

ولكن فات الأوان .. وانتهت القضية بالنسبة لها.

في يوم الأربعاء الموعود استيقضت في السادسة، تحممت ولبست فستانا اسود. بدت نحيلة ومتعبة ولكنها ايضا بانت بمنتهى الرقة والجمال. اتصلت على سلمانة في السابعة وسألتها ان كانت ستذهب معها لقضاء مشوار ضروري. اعتذرت الأخيرة معلله أنها وعدت والدتها ان تأخذها الى الصالون. أحسّـت سلمانة بتفاهة حجتها رغما عن صدقها. اغلقت الهاتف واستوعبت معضلة مريم، ولكنها اطمأنت عندما اقفلت مريم السماعة وهي تؤكد انها تتفهم ظروفها. بدت مريم هادئة على الهاتف، رائقة وكأن حمامة بيضاء قد رفّت بحنان داخل قلبها.

في الساعة الثامنة اوقفت مريم سيارتها في صف السيارات التي تقف تنتظر المصير، جلست هناك الى ان رأت أبواب المحكمة تفتح والناس يدخلون. لأول مرة في حياتها تجد نفسها في مكان مثل هذا، كانت علاقتها بالمرافق الحكومية طفيفة، فمنذ صغرها ورجال العائلة هم من يقومون بكافة الإجراءات الحكومية المتعلقة بنساءهم كأن النساء عيبا اعترفت به الحكومة رغما عن انوفهم.

فتحت درفة المرآة أمامها وحدقت بوججها الذي بدى مختلفا عن كل يوم، تساءلت بصوت خافت لا يسمعه إلا هي: ماذا افعل؟

اغلقت المرآة وحدقت بالشارع لتراهم .. يتقدمون كجنود الحصون  المنيعة الى بوابة المحكمة. ارتعدت اوصالها وشعرت بحريق ما داخل صدرها. اخوتها الثلاثة بدشاديشهم البيضاء وقلوبهم السوداء، كالطواويس العجولة منتشين بانتصاراتهم المشرووعة دفاعا عن الإسم والشرف.

ما حكاية الأسماء عند العرب؟ الأسماء عناوين دالّة على كيانات من المفروض ان تكون موغلة في العمق. ولكن في احيان كثيرة، يكبر العنوان فيغدوا اعظم من القصة التي تأتي بعده. ولا ينفك قارئ العنوان .. الباحث عن حقيقة تاريخه من تلقي صفعات الخيبة عندما يفتح عمق الناس ليجدهم بمنتهى الخواء، خلافا عن فحوى اسماءهم.

تلاشت في كرسيها خوفا من ان يروها، ابرق الخوف في رأسها فانخفضت تحت نفسها، كادت أنفاسها تقطعها بحدتها وصدرها المنتفض يفضحها من هول العويل.

أحست بألم عندما انقطع الهواء عن رأتيها، نظرت لحالها فوجدت نفسها لازالت في الأسفل، لم تتوقف يوما من الشعور انها في الحضيض كلمّا واجهت اخوتها الذكور. فطلباتها يوما لم تكن مهمة، احلامها لم تكن ذات معنى، وأمانيها – حسب رأيهم – يجب ان تكون محصورة بالبيت وانتظار القدر الذي سيجلب لها النصيب ويجلب لهم الخلاص.

انتفضت وعلّت رأسها، كانت تريد ان تتأكد أن الفوارس لم تعد بالسماء، استنشقت هواءا عليلا ذكرها بالحرية. فجأة رأت شمسا في الأفق غير التي كانت تعرفها. سقف السماء بانت واسعة وكبيرة وشهية تتسع للجميع. رفعت نفسها وجلست مستقيمة لإنها لم تكن يوما عوجاء او مائلة. هي فتاة جميلة وذكية وقادرة على اتخاذ القرارات وارتكاب الأخطاء وتحمل المسؤوليات مهما كانت. هي امرأة قادرة على وضع النقط على الحروف الصامتة، وقادرة على اسكات كل الأفواه التي تشوي جلدها وتعلك لحمها.

الساعة الثامنة وخمس وثلاثون دقيقة، ترجلت من سيارتها وصفعت الباب خلفها. دخلت البوابة الكبيرة وسألت عن موقع قاعة المحاكمة، ارشدوها ولم تسمع اي شيء آخر غير رقم القاعة.



***

فكرة فتح درفة الباب الأولى ليدخل قليلا من نور قلبها الى عيني والدتها كانت بمنتهى السريالية، ذلك الشق الصغير جدا الذي من المفروض أن تدخل منه نسمة من روحها وخطة مستقبلية خطيرة. ان تسمح لامها ان تطل بعينيها الثاقبتين من الشق على ما يدور في الأيام الراهنة داخل حديقة رأسها تكاد تسقطها من طولها. لماذا نخاف مما نريد؟ وإن كان فعلا الوضع الذي أوجدت نفسها فيه ضربا من خيال، لماذا سمحت له ان يكبر ويتطور ويتقدم خطوات كبيرة في ارض واقعها؟ أن تحب رجل فعل تلام عليه الفتيات وإن كان امتعاضا هادئا وتقطيب جبين، ولكن أن تحب رجلا أجنبي  – خصوصا في عائلتها – بمنتهى الجنون.

على ضفاف الأريكة المستطيلة، جسدها يتطرف ويتدلى تكاد تقع على الأرض تماما مثل ما تبقى من شجاعتها. أمها تقشر الفستق الحلبي وترتشف رحيق الشاي كعادة أمسياتها، على أصوات متناثرة من مسلسل سوري، لكنتهم الممطوطة الى خارج حدود الكلام، ومصطلحاتهم الرائقة، تفكر أي الكلمات أنسب للبداية:

-        يمّا .. جم عمرك لما تزوجتي؟

-         اثنين و عشرين

-        حبّيتي قبل لا تتزوجين؟

تنتشل عينيها من على شاشة التلفاز .. وترمقها:

-        ما حبيت .. بس كان ودّي

ابتسمت ..

-        وما لقيتي أحد تحبينه؟

-        لا .. بس كنت أفكر إني اذا حبيت راح أجيب عوار القلب لنفسي، وعوار الراس لأهلي!

-        ليش؟

-        ما كنت اتصور أني مؤهلة للإختيار، كانوا كل البنات من حولي يتزوجون عن طريق الأهل أو الخطابات.

-        يعني كنت تعتقدين إنك إذا حبيتي شخص واخترتيه للزواج أهلك ما راح يوافقون عليه؟

-        طبعا ما راح يوافقون .. شلون يوافقون وآنا إللي اخترته، كنت بنت صغيرة وحبي لشخص راح ينبني على أساس ضعيف: شكل، سيارة وطول وعرض! الأهل ما تهمهم هالأشياء كثر ما يهم مخبر الريّال مو منظره.

-        قوليلي الصج .. كان فيه واحد .. صح؟

تضحك نجلاء برقة ندر ما عرفتها سلمانة:

-        منو فينا ما حب ابن الجيران؟!

في تلك اللحظة بالذات، وجدت سلمانة في والدتها خيطا يربطها بها، أمها ايضا كانت فتاة في مثل سنها يوما من الأيام، تحيط حول معصمها سوارا من أحلام الحب والغزل والجمال. قصص سندريلا وسنو وايت وريبانزل ذات الشعر المتدلي من اعلى البرج الى اسفله، تلك التي يتسلق أميرها خصلات شعرها ليصل لها .. عشعشت في قلب أمها التي تزوجت وأنجبت ودارت بها الحياة لتتبدل القصص الاسطورية  بقصص أخرى تحيكها لها ام مشاري، وام ناصر وام راكان!

تضع نجلة استكانها في الصينية، تلتفت لسلمانة .. وتسألها بعينين لامعتين:

-        وانتي .. ما حبيتي؟

لو ضعفت سلمانة أمام عيني والدتها اللاتي ذابتا في وجهها لقالت لها "نعم" لأكدت لها أن الحب لا يعرف المستحيل، والتوافق الروحي لا يطرق الأبواب وينتظر تواقيع الوفاق من المجتمع ولا العادات ولا التقاليد. لو ضعفت سلمانة في تلك اللحظة، لو تحرك لسانها يلفظ ما يقوله لها قلبها لانفجرت كل المعارك والحروب التي كانت ستخوضها مع بداية شهر أكتوبر .. الآن!


يتبع ....

الاثنين، 26 سبتمبر 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 16



شهقت سلمانة في صباح اليوم التالي عندما دخلت عليها مريم في مكتبها، كانت الساعة مبكرة جدّا وقد تعمدت سلمانة أن تحضر قبل الجميع لتنهي جداول العرض للإجتماع الذي سيعقد في الساعة الثامنة والنصف. جاءت مريم وقد لوّن وجهها الصافي بندبات تعب، هالات سوداء غامقة تحت عينيها، وملابس تكاد لا تناسب بعضها. تغيّرت الفتاة التي كانت واحدة من أجمل البنات في الجامعة وأكثرهم اهتماما بالموضة والمظهر. تغيّرت كثيرا حتى بدت أما لأربع اولاد او اكثر تجري ورائهم ليل نهار فتنسى ان تأكل وأن تضع حجاب رأسها بالطريقة الصحيحية.

عانقتها سلمانة، صافحت يدها المهترأة وقبلتها على خديها، هناك حريق ما في جوف هذه الفتاة، لهيب من حسرة وألم وربما جبال من ندم سقطت على الكيان الذي ضاعت ألوانه. لم تكن مريم في مزاج معتدل، فقد تلقت للتو حسبما قالت خبر تدهور حالة والدتها الصحية من ابنة خالتها. اتصلت بها لترجوها خلسة أن تذهب لترى والدتها، فسحبت خالتها الهاتف من يد ابنتها وأسمعتها كل الكلمات النابية والشتيمة الجارحة في القاموس العّامي. اتهمتها خالتها بأنها السبب في مرض امها، وانها فعلا لا تستحق الحياة " ليتهم نجحوا في حرقك مثل الكلبة المجذومة"، قالتها بإصرار .. واقفلت السماعة وانتهى الصراخ .. اصبحت حياتها مليئة بالصراخ، رأسها يوجعها باستمرار ولا تنفك الأصوات الغريبة تغزوها كلمّا أحست بشيء من الهدوء:

-        حتى الدوام يا سلمانة ما سلمت منّه، نظرات الناس، الموظفات الزميلات إللي معاي، ما كان أحد يستجري يكلمني وإلا يسلّم عليّ. ما يبوني اقعد معاهم، اكلمهم، آكل وياهم! أنا ما كنت ادري ان سالفتي انتشرت وانشهرت لي هالدرجة. حتى نيفين المسكينة انسحبت عليها فضيحتي لإني ساكنة عندها! فقامت ما تتكلم عنّي وما تقول إني ساكنة معاها. أمها ارفضت انّي اترك بيتهم، ولولا اصرارها كنت تركت بيتهم عشان سمعتهم ما تتوسخ.

-        مريم ماكنت ادري انك قاعدة تواجهين كل هذا!

-        هذا ولا شي سلمانة، الدوام يهون .. ناس ما تربطني معاهم قرابة ولا دم. أهلي مستعرين منّي، خالاتي وعماتي وجدتي إللي كانت تموت عليّ، ارفضت إني اسكن عندها. اختي الوحيدة ما عادت تحاول تكلمني ولا تساعدني.

-        لا مريم، اختج في وضع صعب وايد، ما تطلع بدون الوالدة، واخذو منها التلفون، اختج محبوسة بين اربع طوّف عشان ما يبون اصير فيها إللي حصل معاج.

تنتحب:

-        مسكينة منال

-        بس اهي دقّت عليّ وعطتني اوراقك الثبوتية بعرس هديل، خذتهم من غرفة الوالدة بدون لا احد يدري، وسلمتني اياهم عشان اعطيج الأمانة.

استأذنت سلمانة وذهبت لسيارتها لتجلب الظرف الذي تركته هناك تحسبا لكل الظروف. عادت بسرعة وأعطت مجموعة من الأوراق طويت في ظرف صغير. أخذتها مريم وهي لا تزال تصارع الدموع. فتحت الظرف لتجد اكثر بكثير مما توقعت.

شهادة ميلادها، بطاقتها المدنية، جواز سفرها، بطاقة الجنسية، الشهادة الجامعية، بطاقة البنك والبطاقة الإئتمانية، صورة ملونة للعائلة عندما كانوا صغارا يتجمعون حول والديهم تملؤهم حيوية الطفولة وبهجة البراءة. واخيرا وجدت مريم ورقة رسمية من محكمة الأحوال الأسرية، تقر هذه الورقة بتوقيع الأخوة الثلاثة تبرؤهم الرسمي من اختهم مريم. تعتبر هذه الورقة بمثابة الإقرار الرسمي من الأخوة الثلاثة بإخلاء مسؤوليتهم القانونية عنها، وانهاء صلة قرابتهم عن المدعوّة مريم.

 نزفت مريم شهيقا عندما قرأت الورقة، وانتحبت اكثر عندما نبهتها سلمانة أن امها واختها لم  توقعا على الورقة. فلا زال هناك أمل في صفاء القلوب ولم الشمل يوما ما.

في تلك الزيارة المفاجأة لمدرسة جميلة يدرس فيها الاطفال ويمرحون انشقت مريم من عائلتها الى الأبد، فهم قد اخطروا الدولة بقرار التخلي عنها بعدما فشلوا في قتلها. رسميا ارسل الأخوة الثلاثة اختهم مريم الى منفاها الأخير.

ضمتها سلمانة الى صدرها فابتعدت مريم، قالت انها لا تريد شفقة من أحد، قد ملّت النظرات من الناس، فخلال السبعة شهور الماضية، لم تر سوى نظرات شفقة او نظرات احتقار. وهي قد ملَت الصَغار.

سألتها سلمانة ماذا ستفعل؟ فأخبرتها أن ليس لها اهل هنا! هي ستغادر بعدما تعيد الحق الى اصحابه، والعدل الى نصابه. بعد قراءة الورقة المشؤومة رأت سلمانة في عيني مريم نوعا جديدا الرغبة في الحياة، ذلك الضوء الذي يخرج فجأة من قعر الحفر الكبيرة المعتمة عندما ينفجر داخلها شيء خفي، ويقرر البركان مراسيم ثورته.


***

بدا جوناثان اكثر تحفضا من الأمريكين العاديين، كان الجميع يفتح قلبه ويحدث عمّا بجعبته كعادة الأجانب عندما يتآلفون. في الغالب تسقط أنصاف الأقنعة وتبقى البواقي معلقة على انصاف الوجوه، لا بد لهم ان يضمروا شيئا على الرغم من الإنفتاح الواضح في المشاعر والآراء، لابد أن يكون عند الأمريكان شيئا خارج عن نطاق البوح، لا يستحق ان يعرفه العرب.

على الرغم من العشرة والعيش والملح بينها وبينهم، على الرغم من الأوقات التي تقضيها معهم، على الرغم من المشاعر المفتوحة والبيوت المفتوحة. يخفي الأمريكان والأجانب بصورة عامة شيئا ما عن العرب.

ولكن جوناثن كان مختلفا، أحسّت سلمانة مع تقارب العلاقة المهنية أنه يتحدث اليها اكثر من الباقين، اصبحا صديقين بعد فترة وجيزة من قراءة الكتاب، فعندما اخبرته أنها أنهت قراءته بعد يومين من الإستلام ابدى بهجته بكونها قارئة سريعة. وعندما جلسا على طاولة واحدة يناقشان ما حدث في ثلاثات "موري"، شعر بتقارب اكثر خصوصا بعد ما عرف كم هي ماهرة ومتألقة بلغته. ابدى دهشته من لكنتها السريعة بلا أخطاء، وسعد حقا بتلقائية الكلمات التي تخرج من فمها جميلة ومنمقة بلا عناء. بدت وهي تحدثه قريبة جدا منه لا يفصلهما جدار الكلمات بل يقربهما من بعضهما. وعندما توطدت الصداقة أكثر، تبين له انها لا تجيد اللغة الإنجليزية فحسب، بل هي فتاة كويتية تعيش داخلها فتاة عالمية، تشمل ثقافتها رقعا كبيرة من العالم وخصوصا امريكا. هي فعلا تحاكيه بلغته، تتكلم معه عن المسلسلات التي عاش معها طفولته وكأنها كانت طفلة تجلس بجانبه وتشاهدها معه، مسلسل "روز آن" كان محور نقاشهما عن الست كوم الكلاسيكسة. يتحدثان ايضا عن "فريندز" المسلسل الشهير الذي اكتسح العالم بطرافته وتألق الأصدقاء الستة فيه. يضحكان كثيرا عندما تعيد ما أحبت من سطور الحوار ويذكران بعضهما بالمشاهد التي لا تنسى. مسلسل "فريزر" الذي عشقته وتابعه هو بدوره من البداية الى النهاية، كانت هي تعيده من جديد كلمّا أنتهت من مشاهدة الموسم. مسلسل "افري بودي لوفز ريموند"، مسلسل "افردوود" و "إد". صعقا عندما علما ان فلمهما المفضل مصادفة كان " As Good As Goods"، ولكنهما اختلفا على "Legends of the Fall" فهي احبته وهو لم يجد فيه اي تميز. عادا اخيرا والتقيا على "Brave Heart" و " Apocalypto" ملحمتين من اخراج الممثل ميل جبسون الذي يعتبره هو عبقريا كبيرا وتعتبره هي رجل يستحق الإحترام.

تفاجأت بعد شهرين عندما اقترح ان يوقضها هو كل صباح للذهاب للمدرسة، قال انه سيتصل بها في الساعة السادسة ليتأكد انها طردت النوم وأنها لن تتأخر، ابتسمت ووافقت وهي تحمل له الكثير من المحبة.

في صباح اليوم التالي فتحت عينيها قبل لحظة من اتصاله، كانت الساعة الخامسة وسبع وخمسون دقيقة، نادرا ما تستيقض لوحدها مبكرا ولكنها علمت منذ تلك اللحظة انها حتما بانتظاره. القت لمحة على الهاتف بجانبها وتساءلت ان كان سيخيب ضنها اذا نسي ولم يتصل، فعلا انزعجت، اشاحت بوجهها بعيدا عن الهاتف وغطّته بالوسادة. رن الهاتف، فمددت ابتسامتها المدفونة تحت المخدّة ورفعت الخط عندما رأت ان الساعة تشير الى السادسة بالضبط.

في ذلك الصباح في المدرسة، جاء الى مكتبها والقى التحية. كانت ابتسامته مختلفة وكان ردها مختلفا. لأول مرّة منذ رأت جوناثان تضع عينيها في عينيه ولا تبعدهما. لأول مرّة تعطي لنفسها الحق في التمعن اكثر بملامحه، عيناه بنيتان رائقتين بلون العسل تختبآن خلف نظارة طبية. ابتسامة رقيقة واسنان بيضاء مرتبة كرؤوس جنود الملكة اليزابيث. بنطاله جينز ازرق فاتح وقميصه ابيض ناصع. رجل امريكي تقليدي جدا جاء ممتطيا نجمته الوحيدة.

امتدت مكالمة الصحوة الموعودة الى اربع ساعات قبل موعد الإتصال، احيانا كان يبدأ حديثهما الساعة الثانية بعد منتصف الليل ويمتد حتى موعد اللقيا في المدرسة. كانت احيانا تتصل به او يتصل هو الساعة الثانية عشرة ليلا ولا ينامان. كانا يقولان كل شيء واي شيء، يضحكان كثيرا ويدهشان بعضهما عن طريق استعراض كم المعلومات التي يملكها كل منهما عن بلاد وتاريخ وتقاليد الآخر. فعلى الرغم من كونهما من عالمين مختلفين، إلا انهما وجدا في البحث عن جذور بعضهما متعة لا تضاهى. هي تحاكيه عن كيف انضمت تكساس الى الولايات المتحدة، وهو يخبرها عن معركة القصر الأحمر في الجهراء، وعن الإستقلال في أول سنة من الستينات على يد الشيخ عبدالله السالم. ولكن كانت متعتهما الأكبر، عندما يتوقف كل منهما عن محاولات اثارة دهشة الآخر بثقافته، ويبدآن في فتح الأبواب المغلقة على طفولتهما، عائليتهما، اخوتهما، بيتيهما الذان يبعدان آلاف الأميال بقرب مدهش.

كان يستمع كالطفل الصغير عندما تخبره عن العيد، عن فساتين طفولتها المنفوشة، نقش الحنة على شكل بجعة على راحة يدها، عن الكفوف الذهبية التي يمتد خاتمها من اصبعها الى معصمها. عن العيادي والهدايا، عن حب الطفولة لإبن خالتها. كان يضحك من كل قلبه ويحاول قدر المستطاع ان يفهم ويتفهم ما يصعب عليه استيعابه.

وهي .. كانت تنصت من الجانب الآخر لهدير انهار حياته الماضية، كانت امريكا بالنسبة لها دائما عالما مليئ بالجموح، بالرغبة في الطيران، والنضال ليعرف الشخص حلمه، يجد نفسه ويحقق امانيه. كانت تستمع عندما يخبرها عن امه التي تركته وحيدا وهو في التاسعة من عمره لتسعد مع صديقها. كيف انتقل للعيش مع خالته وكيف أحس أنه وجد اما ثانية بينما هو يعلم أن الحقيقية ترزح في حضن حبيبها في الولاية المجاورة، كيف عادت اليه، ثم غدرت بقلبه الصغير من جديد لتعود الى نفس الرجل. أحسّت باللوعة لأجله، ارادت ان تضمه لصدرها وتخبر الطفل بداخله انه لازال بخير. ولكنها تعود لتسعد عندما يخبرها أنه في النهاية انتصر، وهو الآن الرجل الوحيد في حياة والدته التي استوعبت في النهاية ان لا رجل اغلى من رجلها الصغير.

أحبت حكايا اعياد الميلاد وعيد الشكر والديك الرومي والشجرة المزينة بألف مصباح وألف كرة، وأرادت ملئ جوارحها ان ترسم بجسدها يوما ملاكا طائرا على الجليد.

كان هو الضد اللذيذ الذي احتاجته ليصحح بعض المسارات في حياتها، وكانت هي لمحة الواقع الجميل الذي بحث عنه مطولا بعيدا عن نماذج العلاقات المشبعة بروتين الحب الغربي الذي يشتعل ويخبوا بعيدا عن الأسس والمقدمات.

في المدرسة .. كان تقاربهما واضحا، لم تشعر يوما أنها يجب ان تخبئ ما تشعر به. الكل هنا لا يبالون ولا تشغلهم شؤون الآخرين.

 اقترب منها يوما وهي توبخ طفلا قد صفع زميلته وهددها بفقئ عينها اليسرى بالقلم، كانت مِس سلمانة تحادثه كرجل عاقل وتضع بين يديه دلائل قبح تصرفه وعدم حضاريته. وقف جوناثان ورائها وهي لا تعلم بوجوده، يرى ضهرها ويسمعها تحاضر، ولم تكن هي تراه. وقف عند الباب مبتسما.

عندما اذنت للطفل بالإنصراف، ركض الى جوناثان وضمه وبكى، حمله الأستاذ وأسرّ له أن فعلته لم تكن من شيمة الرجال، وأنه مهما حصل يجب ان لا يرفع يده على فتاة.

ناكفته بإنجليزية مشاغبة:

-        لا اصدق انك انت ايضا تعتبر ضرب الفتيات نقصا للرجولة لإنهن ضعيفات ومستضعفات!

-        من قال لك هذا؟

-        سمعت ما قلت له

-        أنا لا انكر

-        اذن .. الرجل عليه ان لا يضرب المرأة لإنها ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها! هل تتحداني؟ انا أخذت فصلين كاملين في دروس المارشال آرتس والدفاع عن النفس، بإمكاني دفنك هنا.

-        حقا؟

-        نعم

-        اذا دفتيني .. هل ستعودي حبيبتي الرقيقة وتنتشليني من تحت التراب؟

لم تعلق على كلمته الخطيرة على الرغم من تصاعد البرق في قلبها، اهملتها متعمدة وقالت:

-        لا سأنتظر حتى تخرج نفسك، ففي النهاية النساء ضعيفات ليس لديهن القوّة على انقاذ الرجال!

-        وانا لن اخرج إلا على يديكِ

ابتسمت:

-        لماذا تتحدث بلطف اكثر من اللازم اليوم؟

-        لإنني اتيت لأسألك ان كنت تريدين الخروج معي الليلة؟ أود ان ادعوك على العشاء

اضطربت:

-        لماذا؟

-        لإنني اريد ان ادعوك على العشاء .. Its a date!

ابتسمت:

-        نحن لا نحتاج الى مواعيد .. أنا اعلم تماما من انت بالنسبة لي

ذابت عيناه فيها، وابتسم ابتسامة ملؤها العبير .. وخرجت معه تلك الليلة الى مطعم "غاوتشو غريل"  مطعم ستيك ارجنتيني مشهور يقع في أحد منتجعات منطقة البدع.   


يتبع ...

الأحد، 25 سبتمبر 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 15



في مكتبها بعد الإستراحة، رفعت سماعة الهاتف واتصلت بالوزارة .. ردّت البدالة المخصصة بتحويل المكالمات الى الجهة المعنية، سألت عن نيفين، موظفة اسمها نيفين ولا تعرف كنيتها، اخبرتهم انها تعمل في ادارة التحقيقات. رنّ جرس الإنتظار مرتين ليرفع السمّاعة صوت رجل. سألته عن نيفين فأخبرها انها في اجازة. سألته ان كان يعرف رقم هاتفها المحمول، فرفض اعطائها احتراما لخصوصية زميلته. توسلت اليه ان يساعدها فهي في أمس الحاجة ان تحكي مع نيفين في امر بغاية الأهمية، أصّر على الرفض. فتوصلت الى اعطاءه رقم هاتفها الشخصي ليعطيه بدوره الى نيفين ويخبرها ان سلمانة تريدها حالا في أمر ضروري جدا.

اقفلت السماعة .. وانشغلت ببعض الأمور

بعد حولي الساعة والنصف عادت الى مكتبها لتجد مكالمة لم يرد عليها، اتصلت بالرقم الموجود ليرد عليها صوت نيفين. أخبرتها بإسمها وانها أرادت الحديث مع مريم. جاءت ردة فعل الصوت الحاني غريبة بعض الشيء، فقد انكرت معرفتها بالفتاة المطلوبة نهائيا ولم ترد استكمال الحديث فأقفلت السماعة قبل انتهاء الحوار!

أصرّت سلمانة على ابلاغ الرسالة، فكتبت رسالة قصيرة مفادها انها صديقة مريم، وان بحوزتها مجموعة من الأوراق الرسمية التي تهم مريم. كتبت سلمانة عنوان المدرسة التي تعمل فيها في الرسالة، رقم هاتف مكتبها، ومواعيد العمل.

انهت الرسالة برجاء حار ان تصل الرسالة الى مريم بأي طريقة.



***



من هناك .. وعلى مدى اكثر بقليل من خمس سنين. من المكان البعيد البارد ارسلت سبع رسالات بخط يدها الى الكويت، لم تكتب اسمها على الرسائل، كان المرسل بمنتهى الغموض ولكن من تلقّى لابد وقد عرف من الذي ارسل الوجع. هي فقط ارادت على الرغم من الفراق ان تتواصل ولو ببضع كلمات مع الوطن.

في الرسالة الأولى ارسلت فقرات من حنق وغضب، سطرت سطورا تعج بالخيبة، بالامل الذي انقضى ما ان غادرت المكان ولم توقفها يد البلاد! لم يناديها النشيد العتيد، ولم تمسك يدها وتسحبها للرجوع يد حانية، تربت على كتفها وتخبرها ان الإعصار لابد وأن ينجلي. اخبرت في الرسالة أنها وحيدة وحزينة، انها لا تجد من يحنو عليها ولا من يسأل عنها ان كانت بخير. في الرسالة الأولى قالت انها مرضت بعد ثلاث شهور من الرحيل، فلم تزر الطبيب ولم يعطيها أحد كوب ماء لتبلع الدواء. في الرسالة الاولى، كتبت بخط يدها انها لا تحب الكويت .. ولا تحب من يسكنها!

الرسالة الثانية جاءت بعد سنة وسبع شهور، ارسلتها من مكتب عملها في شركة لبيع احجار الديكور، كتب على الضرف اسم Market Materials Company ولا شيء سواه. كتبت في الرسالة الثانية أنها لازالت بخير، ولكن عينيها لازالتا حتى بعد كل هذا الوقت تبكيان قبل النوم، مرارا حاولت ان توقف المطر داخلها من الهطول، ولكن لن يقف المطر إلا عندما تنجلي من صدرها كل الغيوم، فلم تنجلي الغيوم.

قالت في الرسالة الثانية انها تعمل كثيرا لكي تعيش، صار لديها صديقة كريمة قد شاركتها بيتا صغيرا في احدى الضواحي اللطيفة. تحسنت أحوالها قليلا عندما لمحت تقاطيع جديدة باتت تتشكل في حياتها. ولكنها ايضا كتبت انها لاتزال حزينة ووحيدة، ان الماضي لازال يطارها، وان الوطن في نومها ويقضتها لازال يناديها. ختمت في رسالتها الثانية ايضا انها لازالت لا تحب الكويت .. ولا تحب من يسكنها.

ارسلت الرسالة الثالثة في بطاقة جميلة من ماليزيا، قالت انها الآن في آسيا مع بعض الأصدقاء، فبعد سنتين واربع شهور من العمل، قررت ان تسافر لترى رقعة ثالثة من وجه العالم. جميلة ماليزيا، كتبت في اعلى البطاقة، ولكنها غريبة بعض الشيء. ففيها التطور والتمدن والعمران ولكنهم – ربما متعمدين – ابقوا على جزر بدائية لازالت تعيش فيها اكواخ القش والقصب جيرانا لأفخم واكبر الفنادق والقصور! من جزيرة لانكاوي قالت انها بدأت ترى الغيوم تنجلي، تنام على الأقل ليلتين في الأسبوع بلا ان تترقرق عينيها بدموع الغربة. قالت انها تعرفت على المزيد من الأصدقاء، هم أصدقائها لإنهم يتقبلونها كما هي ولا يشعرون أنها لا تنتمي للنسق العام من البشر. تداركت الموقف سريعا، وكتبت انها لازالت تشتاق الوطن ولكنها لا تريد الرجوع. فهي تحب الكويت ولكن لا تحب من يسكنها.

بعد تسعة شهور ارسلت برسالتين، واحدة في عيد الفطر وواحدة في عيد الأضحى، باركت للعين التي تقرأ، واخبرتهم انها لم تنسى الأضحية، قالت أنها دفعت ثمن اضحيتين لتذبحا في أي بلاد عربية، ارسلت نقودها من هناك عبر التحويل المصرفي، واصرت ان يوزع اللحم في بقعة منكوبة من بلدان هذه الأمة. لا تعرف لماذا، ولكنها آثرت ان لا تكتب كثيرا عن مشاعرها في رسالتي العيد. لم تشتم الظروف، والماضي، والاحداث هذه المرّة. بدت في رسالتيها بمنتهى الهدوء وكأن سحابة من نسيم ابدلت الغيوم السوداء التي لا تنجلي.

قالت انها بخير، وقد انتقلت الى العيش في بيت اكبر من الذي كانت تسكن فيه، قالت انها متعبة قليلا، أن قدماها متورمتان من كثرة العمل! ولكنها سعيدة وراضية. أبدت تطورا نفسيا ملحوظا في رسالتيها وكأنها اعتادت حياة الغربة، او انها وجدت وطنا آخر بعيدا عن حدود الكويت!

في بداية السنة الخامسة ارسلت رسالة قالت فيها انها تزوجت وانجبت أميرة صغيرة اسمتها سارة، كم جميلة تلك الطفلة، وكم هي غالية. قالت ان سارة تملئ الآن جل وقتها فلا وقت لديها بعد الآن للقهر والأحزان. استعادت مع طفلتها كل ما غاب عنها من حب وأمل. هي الآن لا تشعر بالحزن ولا بالوحدة. فبيتها وزوجها وطفلتها، عملها ومستقبلها وحياتها اجتمعت سوية ليرسموا في كراستها خريطة لمفهوم جديد للوطن. كتبت انها لا تكره احد، ولا تلوم أحد، وانها قد غفرت وسامحت كل ما كان في الماضي! هي الآن لا تفكر في الماضي .. بل باتت تفكر كيف تدعو حاضرها الى الإقتران بمستقبل سعيد لا يحمل في جوفه ذرة وجع. قالت أنها ودعت الأحزان وبدأت في التعرف على الحياة من جديد. في نهاية الرسالة، قالت انها تحب الكويت .. وتحب من يسكنها.

في آخر شهر من السنة الخامسة وهي لازالت معلقة هناك بين الأرض والسماء، ارسلت رسالتها الأخيرة كتبت فيها .. انها عائدة للكويت!









يتبع ...

الخميس، 22 سبتمبر 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 14




انخطبت هديل !!

جاء الخبر كالصاعقة على نجلة والدة سلمانة، هديل صديقة ابنتها المقربة ذات النسب الأقل قدرا ومكانة من نسب ابنتها، تخطب وتتزوج قبل سلمانة؟! كيف واين ومتى ولماذا يلعب النصيب لعبة مهلكة مع اللأمهات اللاتي كبرن منذ الصغر على مفهوم واحد للأفضلية، " من سبق من في الزواج! "

تلقت سلمانة الخبر فأحست بجناحين من سعادة يحملانها من على الأرض. تحملت هديل الكثير من المآسي في منزل تحكمه زوجة أب تافهة لا تعرف ولن تعرف كيف تفرق الجد عن اللعب. تتغابى زوجة والدها الشابة التي تكبرها ببضع سنين لتوقع هديل وأخيها في أشد انواع العقاب، والوالد المخدوع يصدق ويفعل ما تمليه عليه أميرته المدللة. تتضاحك في النهاية، معلنة أنها ربحت المعركة!

خطب هديل شاب اسمه جاسم، موظف محترم كان ولازال يعمل معها في نفس الوزارة، توطدت علاقة صداقة عملية متبادلة بينهما الى ان احضر والدته الى بيتها وطلب يدها بدون مقدمات. ألفته هديل منذ البداية، فقد كان واحدا من هؤلاء الرجال البسطاء الذين يشعرون جليسهم باالدفئ والأمان. ترددت العروس في البداية خوفا مما سيقوله عنهم الناس وخصوصا الموظفين معهم في الإدارة، ولكنها نفضت كل المخاوف السخيفة من رأسها، استخارت الله ووافقت.

لم تكن هديل يوما مثار شغب، ولا صاحبة متاعب، لكن بخطبتها – دون ان تعلم – فتحت نارا في صدر أم سلمانة التي لم تستوعب بعد ان ابنتها لازالت ضمن العانسات! لا تقوى أم سلمانة على رمي الكلمة الأعنف بوجه ابنتها، ولكن سلمانة تراها تتراقص بثقل في عيني والدتها التي رفضت الذهاب الى حفلة زفاف هديل متحججة بالوقت الذي لا يناسب مع ارتباطاتها المسبقة. وعندما تركت سلمانة الغرفة وعادت بعد ساعات، وجدت بطاقة الدعوة مفصولة الى نصفين وملقاة في سلة المهملات.

عادة ما تبتسم سلمانة عندما تبدأ نوبة هيجان والدتها على موضوع الزواج، ولكنها في الآونة الأخيرة أحسّت ان الأمر بدأ يتعدى حدود احتمالها ويتخطى ما بقى عندها من صبر!

ببساطة تعتقد نجلة أن هناك علّة ما في ابنتها، فقد اكملت الخامسة والعشرين ولازالت بغير زوج! زارها وابل من العرسان عندما تخرجت من الجامعة ثم توقف الغيث لتدور والدتها حول النار معلنة حداد من نوع جديد! بدأت في قراءة آيات من القرآن الكريم على ابنتها علّها تفك سحر الحاقدين، وشرعت في نثر ماء الثوم على شعر ابنتها بين فترة واخرى لتغادرها عيون الحاسدين! كما ذبحت اربع دجاجات على عتبة غرفة ابنتها لتبارك دمائها مخدع البكر التي فاتها القطار.

وعندما خُطبت هديل، تحوّل هوس نجلة الى شكوك بدأت تنخر في قمة رأسها: لعلها البنت لم تتزوج لإنها سيئة السمعة! او لإنها تقدم على افعال مشينة وهي ووالدها لا يعلمان عنها شيئا، لم يكن النصيب ومشيئة الرب سبب منطقي قابل للمناقشة في مجالس حوار الأم السرية مع نفسها. منذ تلك اللحظة وحياة سلمانة قد تحولت الى شيء يشبه الجحيم بعد ان ارتأت الأم ان من واجبها حل لغز النصيب الذي حمل حقائبه وسافر مع القطار!

في الفترة ما بين استلام دعوة عرس هديل وموعد حفل زفافها المتواضع ثلاثة اسابيع كاملة، حرصت نجلة خلالها على ان تتسلل خلسة الى غرفة ابنتها تفتش عن دليل الإدانة. تتنصت من وراء الباب على مكالمات سلمانة الهاتفية، وتعبث في هاتفها النقال، دفاترها ومذكراتها تقرأ كل ما تقع عليه عينيها. وفي يوم عندما استعدت سلمانة للذهاب للعمل، ودعتها الدتها ثم لحقتها متخفية في سيارتها لتتأكد بنفسها أن البنت ذاهبة الى مقر عملها، لا مكان آخر.

كانت تعلم سلمانة ان والدتها قد وصلت لمرحلة متقدمة من الهوس، ولكنها آثرت الصمت لكي لا تزيد عذابات الأم المكلومة بمصيبة تأخر زواج ابنتها شجارا ومجادلة. تلك كانت الفترة الوحيدة في تاريخهما الطويل التي كانت المرأتان تسكنان في بيت واحد لا في قلوب بعضيهما.

غدا موعد الزفاف، سلمانة وهديل تستلقيان متجاورتين في سبا صحي مترف، هديل تحضى بدلال العروس، وسلمانة تتلقف بعضا من دلالها. رن جرس الهاتف النقال فلم ترد سلمانة، خمس دقائق ويرن جرس الهاتف من جديد، استفاقت الاثنتان من استرخاء لذيذ تحت يدي المدلكات، لتنتشل سلمانة هاتفها وترد:

-        ألو

-        السلام عليكم سلمانة .. أنا منار اخت مريم

-        اهلين .. هلا منار .. خير .. مريم فيها شي؟

-        أنا إللي داقة اسألج، اهي كلمتج؟

-        أنا شفتها مرة وحدة بس، قالت لي انها قاعدة في بيت ..

يقاطعها الصوت:

-        أنا ما ابي اعرف اهي وين

-        عيل شتبين؟ قولي شلون اقدر اساعدج؟

-        أنا اخذت اوراق مريم بدون لا أحد يدري من غرفة أمي، بطاقتها المدنية، جنسيتها وجواز سفرها، اباعطيج اياهم توصلين لها كل شي، ادري انها راح تحتاجهم.

-        آنا حاضرة .. بس آنا ما اعرف رقم تلفونها

-        آنا بسوي إللي علي واعطيج الأوراق في عرس هديل. أمي راح تكون معاي بس راح اسلمهم لج أمانة لمّا نكون بروحنا .. بدون ما تشوفنا. الله يسلمج سلمانة، دوريها وعطيها اغراضها، ترى اختي ما عندها شي يثبت انها موجودة.

-        ان شاء الله منار، راح اسوّي إللي اقدر عليه

-        مشكورة

اغلقت منار سماعة الهاتف بعد ان لهجت بالشكر الجزيل، اغلقت السماعة وفتحت على سلمانة باب جديد من التحديات. كيف ستجد مريم؟ ومتى ستراها لتعطيها حقها في الوجود.

في حفلة العرس التي لم تحضرها نجلة درءا لشبهة عينيها التي لا تكتمان اللوعة، سلمت منار لسلمانة ظرف صغير متخم بما في داخله، وعندما ودعت هديل صديقتها العزباء الى عش الزوجية، كشفت هديل عن ركبتيها ووضعت يد سلمانة عليها، طلبت من سلمانة ان تقرصها بقوّة علّها تلحق بقطارها العامر. ابتسمت وغادرت المكان.

في طريق العودة بعدما أخذها والدها في سيارته في ساعة شبه متأخرة من الليل، مسكت سلمانة هاتفها تبحث عن الرقم الذي طلبتها من خلاله مريم في ذلك اليوم، فلم تجده. لم تنم طوال اليوم الى ان توصلت لفكرة!


***

على مائدة الطعام الصغيرة في كافتيريا المدرسة جلس جوناثان لوحدة، عادة يجلس يقرأ كتاب ما، يتلقف تحيات الأصدقاء والزملاء بين فترة واخرى ويعيد رأسه للكتاب. على طاولة بعيدة جلست سلمانة ولولوة ومشيرة السكرتيرة المصرية العجوز. كثيرا ما يجلس الثلاثة يتسامرن وقت استراحة الغداء. تجد مشيرة في سلمانة ولولوة لمحة من شبابها الغائب عندما كانت نحيلة وجميلة مثلما دوما تقول. وتجد الفتاتان فيها من خبرة الحياة وخفة الدم ودماثة الطباع ما يجعل جبال اعمالهن تخف وتختفي.

تعمل لولوة في دائرة شئون الموظفين التي تعني بكل ما يتعلق بالعاملين في المدرسة من المديرة الى اصغر فرّاش. فتعرف من خلال طبيعة عملها كل ما خفي عن هيئة التدريس والعاملين في الإدارة والذي دائما ما يكون الحديث عن خصوصايتهم موضوعا سريا شيقا بين الثلاثة.

اما مشيرة فهي سكرتيرة مديرة المدرسة، امرأة بأول الستينيات، قضت اغلب سنين عمرها مع زوجها الذي كان يعمل في الاباما في الولايات المتحدة، فأخذت منهم كل ما هو جيد من شئون العمل، ونست ان تأخذ ولو القليل من أمور الأناقة والهندام العملي والألوان والموديلات المناسبة لجو العمل.

ترتدي مشيرة تنورة قصيرة وضيقة رغم عظم عجزها وترهل فخذاها، كما انها لا تتوانى عن ارتداء قميص شيفون ملون بكافة الوان قوس قزح، ولإن القميص شفاف، فإنها ترتدي تحته بلوزة سوداء لا تمت للموضوع بأي صلة. شعرها مموج على طريقة الإطارات الدائرية، وغالبا ما تزينه بشريط تلفه حول رأسها على طريقة بنت البلد الشرقية. نهداها كبيران الى ما لانهاية، والألوان التي تضعها على وجهها تتطلب من معاهد التجميل دراسة جادّة للظاهرة. ولكن ما ان تفتح مشيرة فمها، حتى يجد المتلقي عذوبة في الكلام وسلاسة في النطق واختيار موفق للألفاظ. كما ان للسان مشيرة لكنة امريكية فوق الممتازة تعلمتها بالطريقة الصعبة عندما عاشت في امريكا لوحدها، حيث كان زوجها يعمل من الساعة السابعة صباحا وحتى السابعة ليلا تاركا وراءه على جبال الاباما دبدوبة غير ناطقة بلغة أهل البلد كما  كانت تسمي نفسها.

تعلمت مشيرة التي تحبذ ان يناديها الأجانب بـ"شيريل" لغة الأجانب من عمق المعمعة التي وجدت نفسها في وسطها عندما قررت العمل في أحد متاجر السوبرماركت لتقضي وقت فراغها بشيء مفيد. فانتقلت في غضون شهور قليلة من لغة الإشارات الصامتة مع الزبائن، الى يس – نو، ثم الى بلبل وكروان يغرد على المسامع ويمتع السامعين.

عندما كبرت ابنتها الوحيدة نيرمين، تزوجت من شاب مصري قرر ترك امريكا والسفر للعمل في الكويت. فأخذت مشيرة مجموعتها الموسمية من ملابس ورباطات شعر ولحقت بإبنتها تاركة ورائها هذه المرة دب عجوز في الاباما.

تقول أنها ملّـت العيش في بلاد لا تسمع فيها صوت الأذان، والمفارقة، أن شهيرة مسلمة غير ممارسة، أي انها لا تصلي!

لولوة وشهيرة لا تفترقان، ومؤخرا اضيفت سلمانة الى المجموعة فأصبحوا الثري سكوليتيرز كما اطلقت عليهم مسز كاندنس اللقب نسبة الى المسلسل الأمريكي الذي تحول فيلم شهير "الثري موسكتيرز" او الفرسان الثلاثة الذين كانوا يتصفون بالطرافة والغباء.

 لولوة فتاة كويتية من عائلة مرموقة، والدها كان ولازال دبلوماسي في احدى سفارات الكويت في الخارج لهذا عاشت لولوة اغلب سنين عمرها في عدد من الدول العربية والأوروبية والأفريقية، وعندما قررت ان تكمل دراستها الجامعية خارج الكويت، اختارت هولندا، البلد الأجمل والأكثر تحررا وانفاتحا في القارة الاوروبية. درست لولوة علم الإدارة وتخصصت في الموارد البشرية وشئون الموظفين. الى الآن لا تدري لماذا اختارت هذا التخصص!

تتمتع لولوة بقامة طويلة ونحلية جدا كعارضات الأزياء، شعرها داكن مموج قصير يصل الى نهاية رقبتها، خصرها نحيل جدا ونهداها مكتنزان ثقيلان. كثيرا ما تذّكر لولوة الرجال بفتاة احلامهم، جميلة وجذابة يستحضرونها دائما في جلسات اللذة مع انفسهم، ولكنهم عادة ما يخافون من الإقتراب منها متصورين أنها أجمل بكثير من مستوى طموحاتهم. تعرف لولوة تأثيرها على الرجال، لهذا هي دائما في المقدمة، بكشلها وذكائها وحيويتها تستطيع ان تملك كل ما تريد، وتستطيع ان تصل الى أي قلب.

في استراحة الغداء، تجتمع الثلاثة كل يوم على نفس المائدة في الجهة اليمنى من الغرفة المخصصة لأكل موظفي الإدارة وهيئة التدريس. في الكثير من الأحيان تختلط الجهتين في حوارات مطولة وشيقة تنصب اكثرها على انطباعات وتعليقات وانتقادات المدرسين الأجانب الذين يزورون الكويت لأول مرّة. وكثيرا ما تتولى سلمانة ولولوة الرد على اغرب الأسئلة واكثرها تعقيدا.

في يوم سأل مدرس اللغة الإنجيزية الأمريكي الستيني مستر دانيال عن السر وراء كثرة الوافدين الآسيوين في البلاد. واستفسر عن وجود هؤلاء العمّال الصغار بلباسهم الأصفر في كل مكان يسألون الناس اعطاءهم ولو القليل من النقود! سأل اين هي الجهة التي وظفتهم؟ وكم تعطيهم من مال؟ وما هي حقوقهم وواجباتهم المنوطة بهم ما ان تتم الموافقة على استقدامهم؟ واين هي الجهة المعنية بالمطالبة في حقوقهم المسلوبة؟

 وفي مرّة أخرى اعربت مدرسة الجغرافيا مس فيفيان عن حيرتها عندما قرأت في أحد محلات بيع الكتب والمطبوعات لافتة صغيرة مكتوبة باللغة الأنجليزية تحذر الغير مسلمين من لمس القرآن! استفسرت .. ماذا اذا كان غير المسلم يرغب بقراءة القرآن طلبا في العلم والمعرفة وربما اعتناق الدين الجديد! واضافت .. قد تعطي تلك اللافتة انطباعا بالتعالي والإحتقار لكل من هو غير مسلم!

تنطلق عادة حوارات ومناقشات كبيرة في تلك الغرفة، عادة ما تستمتع فيها سلمانة لإنها في النهاية تشارك أناسا حوارا بمنتهى الرقي، عرفوا متى يسكتون .. ومتى يتحدثون. وقد تعلمت هي بنفسها ان ترفع يدها عندما ترغب في زيادة نقطة او طرح المزيد من التوضيحات.

في ذلك اليوم بالذات الذي لم يطرح فيه اي سؤال .. تقدّم نحوها جوناثان بهدوء وسألها ان كانت تحب القراءة! أجابت بالإيجاب:

-        نعم .. أنا أقرأ كثيرا

-        بالعربية فقط؟

-        لا .. أقرأ بالإنجليزية ايضا

-        هل قرأت Tuesdays with Morrie ؟

-        لا

قطّب جبينه ونظر اليها:

-        يجب ان تقرأيه .. هو اجمل ما قرأت الى الآن

-        هل ستعيرني الكتاب؟

-        نعم .. عندما يصل!

-        يصل؟ اين ذهب؟

ابتسم ..

-        تركته في الوطن .. ولكني قلت لوالدتي ان ترسله لي

-        لماذا ؟ هل افتقدته؟

ابتسامة اكبر:

-        لا .. لكي تقرأيه

-        شكرا

-        اشكريني عندما تقرأين الكتاب .. فهو فعلا يستحق القراءة

اخبرها جوناثان عن "ميتش آلبوم" مؤلف الكتاب واستاذه موري، يعتبر كتاب ميتش هذا من اشهر كتب السيرة الذاتية في امريكا واكثرها مبيعا. صدر الكتاب عام  1997 ولازال الناس يتهافتون على قراءته. يحكي الكتاب بأسلوب رائع عن طالب تخرج من الجامعة تاركا وراءه استاذه المفضل. يعيش الطالب حياة سريعة مزدحمة بكل الأحلام التي يريد ان يحققها في العمل والمستقبل المهني. الى ان يعرف بالصدفة وعن طريق التلفاز ان استاذه الجليل قد يموت بأي لحظة جرّاء مرض خطير بات يفتك فيه ببطئ. فيقرر الطالب الذي اصبح صحفي رياضي أن ناجح ان يعود الى حياة استاذه ذو الشخصية الإستثنائية، يزوره في بيته كل ثلاثاء فيتعلم منه باقي الدروس التي لم يأخذها في فصول الجامعة.

يتبع ...

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت