كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 25 يناير، 2009

صداقة الألم والغفران ..

(( قصة حقيقية ))
شهرين من الفراق:
قضيت في بيت والدتي ما يقارب الستين يوما فترة نفاس متعبة وشاقة. كنت محاطة بأهلي وأطفالي الأولاد الثلاثة الى ان جاء اليوم الذي قررت فيه الرجوع لمنزلي، ذهبت مع اختي للسوق لشراء ملابس أنيقة أرتديها لزوجي كعروس جديدة. كم انتظرت هذا اليوم لأعود الى بيتي بعد طول غياب، فنستأنف – أنا وزوجي - ما توّقفنا عنده، و نكمل ما بدأناه معا.
كان زوجي *جاسم بمنتهى السعادة، فقد أخذ على عاتقه تنظيف المنزل وتجهيزه احتفالا بعودتي. أتذكر انه اخبرني " أنه قد سأم المنزل من دوني، وانني من يجعل هذه الشقة الصغيرة جنّته في الدنيا". احمّر وجهي خجلا وأنا اسمع كلماته العذبة و مشاعره الصادقة.
وصلت منزلي بعد اكثر شهرين من الفراق، رائحة البيت الذي انشأناه معا لازالت ذاتها الرائحة المعجونة بالحب والسعادة. كان جاسم بإستقبالي ساعتها، أخذني من يدي وأجلسني على الأريكة، أخذ طفلنا الجديد ودار به في ارجاء المنزل يعرفه بطريقة كوميدية على المكان!

اللون:
في الصباح قبلني جاسم وابتسم قائلا: "أحبك"، لبس ملابسه الأنيقة ورحل للعمل. استيقضت بعد حين لأصلح كل ما قد اهمله جاسم عندما لم أكن هنا. ذهبت لغرفة أولادي الثلاثة الكبار لأجدهم في أسرّتهم نائمين، ابتسمت وتوّجهت لغرفة الغسيل لأقوم بفرز أكوام الملابس التي تركها زوجي تلّة كبيرة على الأرض. كتمتُ نفسا حارا فرّ من أنفي، فتحت عيناي اكثر على بقعة اللون الترابية التي تحدق فيني بلا توقف، قربت قميصه من أنفي علّه يعطيني تفسيرا منطقيا آخر! شممت القميص لتتأكد جوارحي ان البقعة ما هي إلا "كريم أساس"، والرائحة ما هي إلا عطر نسائي معروف.


الطعم:
سقطتُ على الأرض و انا أمسك نبض قلبي بيدي، لازال القميص بيدي و العطر يزكم أنفي. زحفت لكومة ملابسه مرّة اخرى و تفحصتها قطعة قطعة، اجتاحتني الدموع فلم اعد استطيع رؤية تفاصيل البقع على ملابسه و لكنّي استمريت في النبش و التنقيب الى ان وجدت قميصا آخر يحمل بصمة اكبر! قميص ازرق فاتح قد تلطّخ ببقعة باهتة بلون الدم، مسحتها بأصبعي، شممتها لأعرف يقينا انها أحمر شفاه!
طعم غريب وجدته يعتريني، مزيج متناقض من المرارة و القهر و الذل و الحسرة. استلقيت على الأرض الباردة و بكيت طويلا الى ان سمعت صوت صدى بكائي يأتي من غرفة نومي البعيدة. كان طفلي الصغير يبكي طلبا لرضعته. سحبت نفسي لأقف وامشي نحوه كالخيال التائه. اذكر أنني في طريقي اليه كنت أتساءل: هل سيكون طعم حليبي مُرّا علقما كطعم الألم الذي اجتاحني؟

الصوت:
بعدما ارضعت طفلي قررت ان الملم شتات نفسي واحفظ توازني من أجل أطفالي. استلقيتُ على فراشي تلعب بي الأفكار كورقة خريف يلقيها الهواء على ناصية الطريق. جاء ابني البكر *أحمد – 10 سنوات- قبلني وضمني بقوّة، وددت لو ابكي على كتفه، لو اخبره بهمّي فينصحني. ولكني آثرت الصمت حفاظا على روحه البريئة.
بعدما تركني فكرّت به وبإخوته الصغار و طفلي الجديد، أربع أولاد بعمر الطفولة الجميل و الأحلام التي لا يوقفها الواقع عند حد. من أكون انا لأهدمها لهم بمطرقة "الخيانة" التي يفوق وقعها طفولتهم عمرا وعُمقا؟
مرّ الوقت يزحف بكدر حتى تعب تفكيري من الدوران حول احجية الحل الضائع، فتركت المسألة بلا حلول.
دخل جاسم قبيل المساء، قبلني وحمل طفله يداعبه، و أنا انظر اليه .. ولا ابتسم!

في الليل عندما نام زوجي أخذت هاتفه النقّال واختبئت في حمّام غرفة الأطفال، فتحت صندوق الرسائل وإذا بعشرات الرسائل من رقم هاتف لا يصاحبه اسم! رسائل حب وهيام، رسائل شوق ووله، رسائل ملؤها الأمل وانتظار الغد الموعود! رسائل تقطر احلاما بلم الشمل تحت سقف واحد. رسائل تنتظر لحظة اللقاء في بيت الزوجية وتنتظر أطفالا بأسماء متفق عليها مسبقا! قرأت الرسائل كلها وبكيت حظّي العاثر وحظهّا! بكيت على نفسي وعليها! لأول مرّة أجد نفسي في موضع مليئ بالمتناقضات، كان يجب ان اكرهها، ان احقد عليها واتمنى موتها، ولكني كلمّا قرأت رسالة يتأكد ظنّي أنها مثلي تماما .. ضحية!

من رسائها عرفت أنها في الجامعة، فتاة صغيرة مليئة بالحياة كالزهور الربيعية. كلماتها مليئة بالعفوية والطيبة والرقي. رسائلها تنم عن شفافية واضحة وأخلاق عالية. أدعية جميلة له بالتوفيق والحفظ من كل مكروه والسلامة من كل شر! رسائلها تشير الى روحها المسالمة وحلمها الفطري بالحب والزواج من شاب كان من الواضح عندها انه غير متزوّج و غير مرتبط بأي ارتباطات مسبقة. جلستُ في الحمّام و بكيتُها، وخرجت .. وأنا على استعداد لمحاربة زوجي لأجلي ولأجلها!

الرائحة:
يقولون أن للكذب رائحة .. وأنا قد شممت عفنها حتى قبل ان يفتح فمه!
في الصباح الباكر استيقض كعادته وذهب للعمل، أخذت ابنائي الثلاثة الكبار في الظهيرة الى بيت والدتي ورجعت لمنزلي قبل موعد وصوله بدقائق. جلستُ انتظره الى دخل يرتدي ابتسامته الواثقة المعتادة. أخذت القميصين بكلتا يداي وأريته بقع الألوان، فحدّق بعيناه و صمت!
خطفتُ هاتفه من يده و أريته الرسائل واحدة تلوى الأخرى ففغر فاهه و صمت! سقط على قدماي بدون مقدمات، يقبلها و يرجو منّي ما تبقّى في جعبتي من سماح و غفران. أخبرني انها كانت نزوة، وأنني ما ان رجعت المنزل من بعد فترة نفاسي تركها. هو لم يتصل بها منذ ذلك اليوم ولا ينوي الإتصال! قال انه كان يشعر بالوحدة من دوني، قال انني كنت مشغولة عنه بالزيارات وبالأطفال وبجروحي وآلام ما بعد الولادة! قال انه يحتاجني ويحبني ولا يحب أحد غيري!
قال أنه انهى الموضوع معها فأخبرها كذبا ان أهله قد عارضوا زواجه منها لصغر سنها، و أنهم قد علموا بأمرها فاشتعلت نار الخلاف في العائلة. قال للمسكينة أن آمالها يجب ان تُدفن، وأحلامها بالستر والزواج والأولاد والأسرة يجب ان توأد حتى قبل ان تولد!
أكّد مرارا انه لا يحبها، فهي كانت تملئ فراغا شاغرا خلّفه غيابي، وقد انسته عودتي كل الذي كان. طلب منّي الصفح و الغفران، ووعدني أنها المرّة الأولى والأخيرة!
ليلتها نمت في غرفة أولادي .. و أنا اعتزم ان ارى الفتاة غدا ما ان يخرج هو للعمل.

انهم ابناء جاسم .. و أنا زوجته!
خرج للعمل بعد ان طبع قبلة ندم على جبيني، لم افتح عيناي لأرى وجهه هذه المرّة، ولم ابتسم له مودعة. انتظرت حتى الساعة التاسعة لأتصل على رقم هاتفها الذي أخذته خلسة من هاتفه. رد الصوت ناعما ونقي. لا اعلم كيف .. ولكني اخبرتها أنني ابنة عم جاسم و أنني احمل رسالة منه لها. تهللت أساريرها ولمحت في صوتها اضطراب وفرح. اتفقنا ان نرى بعضنا في الواحدة ظهرا في المقهى القريب من بيتي .. فوافقت!

جاءت الساعة الواحدة لأجد نفسي أجلس في الكرسي المقابل لبوابة المقهى، لم اكن أعلم من انتظر ولكني كنت متأكدة انني سأعرفها. في الواحدة و ثلاث دقائق دخلت فتاة نحيلة، ناعمة الملامح وأنيقة الملبس. كان التعب يتكدس لونا غامقا تحت عينيها وكأنها لم تنم منذ أيام. نظرت نحوي فابتسمتُ وابتسمت، صافحتني بيد مرتعشة وجلست بالكرسي المقابل. مرّة أخرى وددت لو اكرهها فلم استطع. كان في ملامحها طيبة من نوع فريد، وفي عينيها صفاء واضح. ما ان جلست حتى سألتني عنه. أخبرتها أنني لا أحمل لها رسالة منه ولكني جئت لها ببادرة شخصية منّي.

اعتذرتُ مقدما عمّا سأقوله لها، وأخبرتها أنني فعلا أشعر بألمها و معاناتها. أخبرتها أن ليس هناك في عائلة جاسم خلاف او نزاع بسببها! والداه أصلا لا يعلمان شيئا عنها! نظرت في عيناي بتعجب .. وتطلعت للمزيد.
أخرجتُ من حقيبتي ثلاث بطاقات مدنيّة ووضعتها أمامها، نزلت دمعة من عينني وأخبرتها أنني آسفة. نظرت الى البطاقات أمامها، حملت واحدة وقرأتها. أسم ابني الرباعي، اسمه ثم اسم والده و جده وكنية عائلته. حملت البطاقة الثانية لتقرأ اسم ابني الثاني، فالثالث! رفعت رأسها اليّ و سألت: من هؤلاء؟
أخبرتها انهم ابناء جاسم .. و أنني زوجته!

ضحكت .. ثم بكت .. ثم ضحكت و بكت في نفس الوقت، لم أتمالك نفسي فبكيت وضحكت معها. أخبرتها الحقيقة الكاملة بلا زيادة او نقصان. أخبرتها عن الماكياج الذي وجدته على ملابسه فبكت بحرقة وأخبرتني انه لم يلمسها يوما، علمنا معا ان هناك ضحيّة ثالثة وقعت في شباك نزواته.
أخبرتني كيف اصطادها عند بوّابة جامعتها عندما رأته يقف مع مجموعة من الشباب. عن الليالي التي كان يقضيها يحدثها بالهاتف عن أحلامه في الزواج منها، عن المسرحية الدرامية السمجة التي مثلها عليها عندما علم ان رجل ما قد تقدّم لخطبتها! عن أسماء أطفاله معها، موقع منزل الزوجية الذي سيعيشان فيه! عن يوم عيد ميلاده المزيّف الذي اهدته فيه هديّة ثمينة استرجعها و أخذ ثمنها!

في تلك الجلسة الطويلة عرفت ُعن زوجي جانبه الحقير المظلم، وهي عرفت عن الرجل الذي ارادت ان تتزوجه اشياءا وفرّت عليها وجعا مثل وجعي.

اعترف انني احببتها، فتحتُ لها قلبي المليئ بالمرارة فوضعت عليه بلسم أخلاقها العالية وغفرانها. و فتحت لي قلبها المكسور لأجبره لها بجبيرة الحقيقة و القلب الذي عرف وعفى.
أنا لازلت أعيش مع زوجي في بيت واحد، لدّي منه الآن خمسة اولاد، يعيشون في حضن والدين قد احترفا الإبتسامات المزيفة. أما هي .. فقد تزوجت من رجل يحبها و يحترمها.

ولازلنا – أنا وهي - نتواصل من حين الى حين.

هناك 3 تعليقات:

أبو لطيف يقول...

كم من هذه القصة في الواقع ؟

واقع ماساوي سيستمر طالما انعدم الوازع الديني

ماذا لو كان الامر بصورة معاكسه

هل كان الرجل سيتخذ نفس الموقف ؟

طبعا مستحيل

الم يكن من الاجدر ان يضع ذلك في اعتباره ؟

اتمنى ان تكون عبرة لمن يعتبر

جزاك الله خير

حفظك الله ورعاك

نون النساء يقول...

القلوب المليئة بهذا النوع من الألم كثُر ..

والتواصل معها أقل بكثير ..



القصة واقعٌ موجع ..

الوتيــــــــــن يقول...

واقع حاصل بالفعل

شكرا على هذه القصة الممتعه الاليمه

حفزتيني اشري جريدة الاوان ياختيتي

متابعه كالعاده :)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت