كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 4 فبراير 2009

كُبب الطين المحشوة بالحصم :)

هجوووووووووووووووووووووووووووووووم ..

يقولها عزيز فنهجم، كور الطين المصفوفة على أحد الطاولات الخشبية العتيقة في الباحة الرملية خلف منزل جدتي كانت السلاح الأول. كنت صغيرة لا اعرف متى بدأت الحرب مع جيش بيت الجيران ولكني اعلم انهم الخطر القادم الى الشرق ولابد من الإبادة الكاملة.
بيت ام سعد الجارة التي تحبها جدتي هو نفسه بيت "أفراح وأشواق" كما كنا نسميه نسبة الى البنات اللاتي كنا نكرههم، ربما لإن شعرهم ناعم وطويل خلافا عن شعورنا. لأم سعد عدد كبير من الأولاد والبنات وقد فقدنا الإهتمام بالعد بعد الطفل السابع او الثامن، كانت الصعوبة تكمن في معرفة الشخصيات وحفظ الأسماء خصوصا ابناءها وبناتها الكبار المتزوجين سلفا والغير موجودين في صفوف جيش الأعداء.
نحن فعلا لا نعرف من بدأ العداء، ولكن اغلب فترات طفولتنها قضيناها في البراحة الخلفية ونحن نتراشق معهم بالحصم!

في أحد الصباحات قالت أفراح لمي بنت خالي أنها "عبده" وتطاولت على شعرها الكيرلي وقالت "أم كشة أم كشة طاحت عليها العشة"، مي جاءت واشتكت ..
عزيز ابن خالتي والقائد الأعلى للقوات الأرضية والجوية والبحرية المسلحة يجمعنا بدائرة ويخبرنا بخطة الهجوم.
كرات الطين لم تعد تنفع لإنها أحيانا لا تصلهم وان وصلت لا تؤلمهم. فكرنا، اشتط خالد ابن خالي واقترح ان نصنع خندق حول منزلهم، نغطيه بسعف النخل وعندما يأتون للتهجم علينا سيسقطون كالذباب واحد تلو الآخر حينها نباغتهم وهم في الحفرة بوابل من قنابل الطين.
عزيز بحنكته استبعد الفكرة . . أنا حينها لم اكن اعلم ما هو الخندق!
ولكني تحمست لفكرة انهم في حفرة ونحن نمطرهم قصفا بالحجر والتفاف.
قفزت فكرة أخرى من عبقري آخر، نصنع منجنيق .. ف
نقذف عليهم الحصم وكرات الطين من مكان سرّي فتأتيهم القنابل من حيث لا يعلمون ..
حك عزيز مؤخرة رأسه واستبعد الفكرة لإن المنجنيق سيأخذ وقتا طويلا في الصناعة والعدو سيهجم في اي وقت.
أنا وقتها لأول مرّة اسمع كلمة منجنيق!
فكر القائد اكثر ونظر الينا نحن البنات مصطفين في جانب محايد من الدائرة ووبخنا " وانتو بس قاعدين ومبطلين عيونكم .. فكروا بشي يخلينا نغلبهم!"
لأول مرّة احس بشيء غريب في صدري ..
بعد سنين من القراءة في مكتبة المدرسة اكتشفت انه الفوقية الجنسية والعنصرية ضد الأنثى والاستخفاف بقدراتها العقلية والجسدية.

تحدثت فاطمة بنت خالتي على استحياء خوفا من زفّة اخرى " احنا لازم نخلي كور الطين توصل وتعورهم صح؟"
قال عزيز "صح" وتأفف، فلا وقت للقائد للتضييع في اسأله بديهية سخيفة.
قالت " اذا حطينا صخر داخل كور الطين وخليناهم ينشفون تحت الشمس راح تصير الكرة اقوى واثقل، راح توصلهم وتعورهم"
نظر اليها عزيز مخفيا صرخة "وجدتها وجدتها" وصرخ فينا بعد ان اخمد اشتطاطه لكي لا تهتز صورة القائد
" يالله .. قومو .. شتنطرون!!"
تقافزنا ودرنا حول انفسنا لا نعرف من اين نبدأ..
الأولاد يغرفون اكوام الرمل بالمغارف البلاستيكية الصغيرة ويضعونها في اكياس..
مجموعة اخرى تنقل الرمل الى شبرة الخشب التي تخلط فيها الفتيات الرمل بالماء.
كنت واحدة من هؤلاء الذين يضعون الحجر في كومة طين ويكورونه بأيديهم على هيئة كرة، كنّا نسميها "كبّة "حتى في الحرب النساء تكبب وتطبخ"!
ولكن عزيز استبعدني بعد ان رأى كراتي صغيرة على قد ايدي. كان يريدها كبيرة وموجعة.
اعطاني مهمة البحث عن احجار جيدة لدسها في انف الكرة.
اعترضت .. " لالالالالالا مع اليهالووووووووووو!!؟؟؟"
كانت المهمة دنيئة وقد اوكلها مسبقا للأطفال الذين يصغروننا سنا..
مددت بوزي شبرين وكتفت يدي وجلست على حافة سور الحديقة.
حقرني .. ولكنه جاء بعد قليل واخبرني انني سأكون رئيسة ملتقطي الحجر فمهمتي ليس الإلتقاط بل متابعة جودة الأحجار وتنقيحها بما ينفع وما لا ينفع.
(( وما صدقت خبر))، كل الأطفال تحت امرتي، وأنا اصرخ وآمر واوبخ واعاقب كل هؤلاء الذين يأتون بحصم غير صالح للإستعمال.
لاحظ شدّة المراقبة وفرد العظلات وبالتالي قلة المنتوج
، (( ما سوت عليه!!))
أخذني تحت الشجرة الكبيرة وقال لي أنني شديدة على العمّال وليس هناك متسع من الوقت للتأمر، فالعدو يستعد، والحرب لابد قادمة.
خفضت من حدّة اشتراطاتي ومرّت احجار كثيرة ليست بالمستوى المطلوب من تحت انفي.

في ذلك اليوم صنعت الفتيات 243 كبّة، وجمع الأولاد 11 عصاية خشبية من سيقان الأشجار كأسلحة ضرب وتعذيب الأسرى،
وقررنا المبادرة بالهجوم صباح اليوم التالي.
نمنا بعد يوم مضني من العمل، كنّا في العطلة الصيفية ننام كلنا في بيت الجدة بغرفتين منفصلتين واحدة للبنات واخرى للأولاد.
نتسلل احيانا لغرف بعضنا لنبدأ جولة جديدة من مجموعة الألعاب الليلية مثل "خمّام السفرة" او "خاموش".

جاء اليوم الموعود، في الصباح وحتى قبل الفطور، ركضنا للشبرة الصغيرة للتأكد من أن الكُبب نضجت ويبست..
وقد كانت بالفعل من أفضل خطوط الإنتاج الى يومنا هذا.
تفطرنا، ولبسنا لبس الحروب وهو عادة اسوء شيء في خزاناتنا وجلسنا كلنا خلف سور الحديقة العشبي والذي يطل على بيت ام سعد مباشرة. كانت الكُبب الطينية متأهبة للرمي والانقضاض على رؤوس افراح واشواق واخوتهم.
بعد اقل من نصف ساعة أطل رأس صغير من فوق سور حديقتهم، امسك عزيز كفه عاليا ليقف الجنود على أهبة الاستعداد للرمي والنيشان، لم يكن يريد ذلك الطفل، كان يريد الكبار.
لم يظهر أحد، سوى اخيهم الذي لا يتعدّى الخمس سنوات..
تعبنا من الإنتظار وتصببنا عرقا اذاب كور الطين بأيدينا.
قالت الشريرة أمينة بنت خالتي " عزيز .. احذف عليه القنبلة"
رد عزيز بغطرسة " لا .. احنا رجال ما نطق يهال !!"
أمينة من جديد " ما طلعوا الكبار، ويمكن ما راح يطلعون"
قال محمد بهمس " وشنو الفايدة من حذف الياهل"
امينة ينفذ صبرها من غباؤهم " أووووووف اذا طقينا الياهل راح يدخل البيت يبكي ويناديهم .. ونكون احنا جاهزين لهم"
لمعت تسع ازواج عيون شقية بالاضافة لعينا عزيز ..عشرة، أخذ كرة الطين من الطاولة ورماها بأقوى ما عنده، اخفق.
أخذ كرة ثانية .. رماها فأصاب الطفل في مقتل، على اسفل ظهره، التفت الطفل بجزع وجرى للداخل يصيح وينتحب.

استعدينا وعدينا: واحد .. اثنين .. ثلاثة .. اربعة .. خمسة .. وصلنا سبعتعش
فخرجت الكتيبة كلها كاملة ..
هجوووووووووووووووووووووووم .. صرخ عزيز
واحنا ما صدقنا خبر .. رمينا بكل قوتنا، بكل جهدنا، بكل ما اوتينا من عزم .. بكل ما عندنا من شكيمة ..

تفاجئوا واخذوا يتقهقرون للوراء، رمينا الى ان ادخلناهم بيتهم وخلف سور حديقتهم نسمعهم يتصايحون.

صرخنا من قمة روسنا " هاذا جزاء إللي يعيب علينا " وصرخت مي " الحين تعالي قولي ام كشة يالله قولي ام كشّة يالجبانة .. "
لحظة صمت .. ويرد عليها صوت من خلف السور " أم كشة .. ام كشة طاحت عليها العشة .. الف وخمسمية كشة".

.. خرست مي، جلست على الأرض ولمّت شعرها بشباصة مشدودة فوق رأسها..

هناك تعليقان (2):

الزين يقول...

دائما تلتهمين صباحي بحكاية ابتسم بنهايتها

مستمتة ومفكرة

عجيبة ام كشه

وينها الحين؟


وصباحك سكر يا صديقة صباحاتي

سبمبوت يقول...

موجودة .. وتحب كشتها اكثر من اي وقت مضى :)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت