كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الجمعة، 3 أبريل، 2009

يوم اختفت مبسم !!


لم تكن مبسم حاملا ولكن ..
فاحت رائحة الفضيحة بسرعة في ارجاء المكان. الكل بات يعرف ان سعد ابن سليم تسرّى بمبسم بنت خلدون!

لا اعرف كيف انتشر الخبر، وكيف عرف سر الشبق بين اثنان متحابان سرقاه خلسة من جيب الظلام، فذابا حبا وهياما الى ان روي النبع تحت قدميهما بماء البكارة؟ ولكن اعرف أن الجو كان معبقا بأشياء كثيرة من بينها الحرج والنميمة والغضب.
لم يكن والدي سويا في ذلك الوقت! فقد التحق منذ بضع شهور بمجموعة الراشد سلطان الذي جاءنا من "النجارين" القرية الملاصقة لقريتنا والتي تبعد عنّا مشيا يومان ونصف. كانت المجموعة غريبة الأطوار، لم يكن الدين غايتهم، بل كان التطرف بمفهومه المجرد واعتناقه الصرف بحجة تطهير الروح واعدادها ليوم العذاب العظيم.

كان أبي غريبا جدا اختلفت ملامحه، واهترأت ملابسه لإنه يأبى ان يغيرها أو يغتسل. كما تعددت الأشياء في يديه!
كان يدخل علينا عندما ينتصف الليل كل يوم وقد مسك في يده عصى يستدل بها على الطريق على الرغم من انه بصير يرى كل شيء أمامه بوضوح!

دخل علينا مرة وهو يربط نفسه بحبل طويل خشن، قد شدّه على خصره ورقبته حتى برزت عروقه واسودت اوصاله من شدة الإحتقان! كان أبي يعذب نفسه تحت راية الجماعة الجديدة التي كان من اهم معتقداتها ان الرجال لا يصنعهم إلا الشدائد، ولا يقويهم إلا العذاب، ولا يعلي ارواحهم إلا التقشف والألم!
كان أبي يأكل اللحم نيئا، ويشرب البيض نيئا، ولا ينظف شعره ولا ملابسه حتى ارفته أمي وانتقلت للنوم معي في غرفتي. كانت رائحته نتنة لا تطاق ..
ولكنه بدا سعيدا جدا وراضيا رغم كل شيء!
حتى تواصله معنا انتهى، لا يكلمنا ولا يمزح معنا أنا وسعد مثلما كان يفعل.

يحدق بوجوهنا من وقت الى آخر فتفقأ نظراته الغريبة آخر ما تبقى من طمأنينة فينا. عادة لا نعرف ماذا نقول وكيف نتصرف في حضرته. فنؤثر مغادرة المكان وتركه لوحده يمارس طقوسه الغريبة في التنقل بين ارجاء المنزل مغمض العينين صامت!
حاولت أمي محادثته مرّات عديدة ولكنه كان يحدجها بنظرات غاضبة، يدفعها عنه بعنف فتسقط على الأرض ويجري هو الى الخارج ولا يعود إلا عندما ينتصف الليل!

بدا الوضع غريبا مقرفا محيرا الى ابعد الحدود، ولكننا لم نكن لوحدنا!
أكثر من ربع المنازل في قريتنا أوت من أهل بيتها أخا او ابا او صهرا او زوجا قد تبع الراشد سلطان وانقبت موازينه رأسا على عقب. وكلمّا زاد تابعوه من رجال القرية كلمّا اضحى الوضع أكثر طبيعية وتقبلا في البيوتات المغلقة.
لم تتوقف نساء القرية عن مناقشة الموضوع بشدة في جلساتهن الاستثنائية التي كانت بمثابة المتنفس الوحيد في ظل غياب الرجال الى وجهتهم المجهولة طوال اليوم.
ولكن بعد فترة أفل الموضوع واصبح واحدا من المسلمات التي جُبلت النساء على تقبلها والتعايش معها ..

سعد – أخي الذي يصغرني بسنتين – كان مختلفا ..
هو وسنينه الخمس عشرة بدت أكبر وانضج من سنين هؤلاء الرجال الذين تخطوا الخمسين والستين احيانا. كان سعد شاعرا ومثقفا. كثيرا ما غاب لوحدة لأيام وأتى من قرية النجارين أو المهبورة أو القاسمية بكتب ومراجع يقرأ فيها الى ان ينهيها. لم نتعلم أنا وأمي القراءة حيث كان التعليم مقتصرا على الرجال - الجيل الجديد منهم على وجه الخصوص- لهذا كان يحرص أيضا على شراء كتب تشبهنا أنا وأمي وقصص ألف ليلة وليلة يقرءها لنا فيسلينا ويبعد الهلع عنّا!
كان يقول أن الراشد سلطان وباء مثل السل والطاعون، سيمتص قوة القرية الكائنة في رجالها الذين باتوا يتناثرون كالذباب حوله، يهشهم وينشهم ويأمرهم بخسّة اين يذهبون وكيف يفعلون. كان يعتقد سعد أن الراشد سلطان أتى من أحد القرى المجاورة - يرجح أنها المهبورة - بأمر من أحد رؤسائها ليدس سمّه في قدورنا، ويجير رؤوسنا، وينخر أساسات القوة في عروقنا، فيضعفنا ويجردنا من عقلائنا ورجالاتنا، ليأتون هم بجيشهم الجرار من آلاف الرجال الأشداء ويحتلون قريتنا بلا تعب ولا مقاومة تذكر.
سمعه بعض رجالات قريتنا الذين لم يتبعوا المعتوه سلطان الذي كان يكني نفسه "الراشد سلطان" فذهبوا الى القرى المجاورة ليسألوا اهلها عنه. في النجارين وحدها وجدوا بعض الأخبار المبتورة:
قالوا أنه جاء الى قريتهم قبل عقد من الزمن. كان شابا يافعا غريب الاطوار قال لهم انه أتى من الشمال! نام في صحرائهم، واكل من بلحهم وشرب من ماء ترعتهم .. الى ان صحى يوما يدعو الناس الى تطهير انفسهم من غضب الرب الذي لا محال آت ليقتص عقابه من بطن كل آثم. فإمتنع هو اولا عن الاغتسال والأكل والشرب إلا فيما ندر. قلّ كلامه وزادت آلامه التي كان يسببها لنفسه. فيحرق جلده بنفسه، ويرش الملح على جراحه، يطعن رجليه ويكسر عظامه، وينتف شعر لحيته ..
حتى انه بات يسمع أنينه كل يوم عندما يأخذه التعب الى حضن الإعياء فيخر نائما صريعا فاقد الوعي تحت نخلة أسموها الناس في النجارين نخلة السلطان!
في ظلام الليل عندما يمر المسافرين بجانب النخلة كانوا يقسمون ان النخلة كانت تأن وتنوح! لم يكن الظلام يمكنهم من رؤية سلطان مغمى عليه تحت رجليها، فاعتقدوا أن داخل النخلة يسكنها جني ملبوس بالألم !!
طردت نجارين الراشد سلطان بعدما اخاف الأطفال بمظهره المقزز، وأرعب النساء بنظراته الحارقة الحاقدة في آن والراغبة المحرومة في آن آخر. وعندما تبعه بعض الرجال من القرية، قرر أميرهم ان يطرده هو وتابعوه جميعهم الى غير رجعة.

جاء الراشد سلطان الى قريتنا "السيمانا" محاطا بأكثر من تسعة عشر رجلا، شعورهم منكوشة، وعوراتهم مكشوفة. يأز الدم من جروحهم وترتجف أجسادهم النحيلة الضئيلة من التعب والجوع والإعياء. قبلتهم ملكتنا "السي رحمانا" التي سميت قريتنا "السيمانا" بإسمها حيث تعني كلمة "السي" بلغتنا الملكة او الأميرة و"مانا" جاء اختصارا لإسمها "رحمانا" بعدما تحوّل مع مرور الأيام وسرعة النطق الى "مانا". وعندما رفضوا ان يداويهم ويغسلهم خدمها تركتهم لوحدهم يلوثون في شوارعنا وينشرون سمهّم وروائحهم الكريهة في أرجاء القرية.
شيئا فشيئا .. كبرت دائرة العشرين رجلا الى ضعفها، تغذت الجماعة من لحوم رجالنا فأصبحوا قوة لا يستهان بها.

لم يكن العنف ضد الآخرين منهجهم، ربما لإنهم خائري القوى ضائعي العقل في اغلب الأحيان.
ولكنهم حتما كانوا عنيفين جدا على والى انفسهم!

انتشر الخبر أكثر ممّا يجب!

أنا رأيت سعد في حضن مبسم ابنة العم خلدون الذي كان يعاقر الشراب بلا هوادة. والدها من أشهر سكارى البلاد وأكثرهم تهريجا وطرافة .. كانت مبسم تكره والدها ولا تحترمه. وكنت دائما أقول لها انه ألف مرّة أفضل من والدي الذي اسكره الألم وعشعشت آلاف الحشرات في شعره وجلده.
أحب سعد مبسم كثيرا، وكان يقرأ لها قبل ان يقرأ لنا انا وأمي على سطح منزلنا تارة وعلى سطح منزلها تارة أخرى. كنت احب مشاهدتهم يذوبون في عيني بعضهما. تدوم قبلتهم شهرا كاملا كلمّا أخذهم الوقت نزلا كل الى حجرته. وعندما يلتقيان من جديد يكملان حديث القلوب من حيث انتهى.
قبل ثلاث أيام دار في القرية نبأ "دم مبسم" الذي أخذه سعد ابن سليم!
الكل كان يتحدث عن الفضيحة ولا أحد يعلم كيف عرف السر وفاحت رائحة الخبر!
قامت الدنيا ولم تقعد .. خاف سعد على مبسم فذهب ليخبر والدها أنه يريدها زوجة له. كان والدها بمنتهى التفهم والروية!

احيانا يدهشني هذا السكيّر أكثر من غيره.

لم نر والدي لثلاث شهور كان غائبا على غير عادته ..
ولكنه عندما بان من بعيد يجر قطيع اصحابه معه وقف في الوسط، تماما بين بيتنا وبيت خلدون جارنا اللصيق وأخذ يصرخ بملئ حنجرته ..
"التطهير .. التطهير"
أكثر من اربعين رجلا من جماعته يصرخون خلفه ..
" التطهير .. التطهير"
خرج لهم سعد في وسط الباحة أمام الناس اجمع، يسأل والدي ماذا يريد؟ كيف له أن يأتي يخبرنا ماذا نفعل وكيف نصلح أخطائنا وهو لم يكلمنا ولم يعبه لأمرنا لأكثر من سنة؟؟
قال والدي بصوت بدا غريب علينا مخاطبا سعد والعم خلدون ..
" الخطأ الأكبر والفضيحة والعار متجسدين فيه وفيها .. التطهير وإلا غضب السماء يكوي القرية بمن فيها"
قال خلدون وقد لف السكر لسانه:
" الخطأ الأكبر يتصلح، والفضيحة تطمس بإعلان القران، والعار يلجم بالزواج!"
قال والدي صارخا بوجه خلدون:
" من يتزوج بنت العار يا خلدون؟"
قال سعد بلا تردد:
" انا"
التفت والدي نحو سعد، اقترب منه بطيئا وهو يتكأ على عكازة لا تكاد تحمل ثقله:
" ولكنك لن تكون هنا"

في لحظتها التف الأربعون رجلا حول سعد، واخذوه معهم ..
كان من بينهم الراشد سلطان، يحملق بالجموع، ويأمر الرجال المعتوهين بنظرة عين لا أكثر ..
أخذوا سعد الى باحة السوق، جردوه ملابسه، وانهالوا عليه بعشرات العصي، ضربوه حتى لم يسمع له صوتا ولم يرى في جسمه حركة ..
تركوه عاريا هناك وتوجهوا الى منزل خلدون ليأخذو مبسم الى مصيرها المحتوم ..
كنت ووالدتي نختبئ خلف السور الذي يفصل البيوت عن السوق، وما ان تركوه حتى تجردنا من طبقات ملابسنا وركضنا نحوه، لفته والدتي بشالها ومسحت عنه الدم بقميصها، غسلته بدموعها، وحملته بأنين قلبها على كتفها الى البيت. كانت أمي تجري ولم استطع اللحاق بها!

مكوما أخي على ظهرها لا يتحرك ولا يأن! حسبته ميتا، فأخذت طوال الطريق في نشيج مكتوم.

عند بين خلدون تجمهرت زمرة الوباء طلبا للضحية الجديدة ..
دفعوه بعيدا عن باب بيته فخر على الأرض بعد ان ترنح وسقط، هاجموا البيت ودخلوا على الحريم بالغرف ..
مبسم لم تكن موجودة ..
اختفت ولم يعد لها أثر ..
سألوا خلدون اين الفتاة؟
فتفل بوجوههم الكالحة، ضربوه هو الآخر وأخذوا يعيثون بالقرية بحثا عنها ..
كان الراشد سلطان يشير نحو الأزقة فيغتصبوها كالكلاب الضالة شبرا شبرا..

يبحثون في المنازل بعد تهديد اصحابها بمصير سعد وخلدون.
يشير الراشد سلطان الى المحال والشوارع الضيقة فيقلبوها رأسا على عقب الى ان انتصف النهار وحملقت الشمس شزرا في رؤوسهم العارية فلم يستطيعوا الاستمرار باجتياح الأماكن وانتهاك الحرمات.

اختفوا بعيدا الى حيزهم النتن. أطلال بيت هجر من سنين في أطراف القرية، اتخذوه مأوى ومقرا للشيطان سلطان – كما كانت تسميه أمي - يأكل ما تبقى من عقولهم وينهش لحما عفنا من هُزالة أجسادهم.

لا أحد يعرف اين ذهبت مبسم!
عندما أسأل والدها يخبرني أنها بخير تعيش حياة آمنة في قرية مجاورة مع بعض الأقارب. أسّر لي يوما انها عملت في محل حياكة، ثم همس بأذني يوما آخر انها تزوجت ..
سعد الآخر تشافى من جراحه، ولكنه لازال يمشي أعوجا تنطوي الأرض تحت قدميه فلا يستطيع التوازن.

أصبح أخي الصغير أعرج الرجل وأعرج القلب ..
بحث عن عنها في كل مكان، أرسل في أثرها لإنه لم يكن يقوى على السفر .. رسله كانوا يرجعون اليه محملين بالخيبة ..
علمت "السيمانا" بحادثة الصبي الذي ضرب بالسوق بلا محاكمة، لا نعرف من قال لها أنه كان على استعداد للزواج من الحبيبة ولكنه أخذ بجريرة الإثم بلا هوادة .. فطارت كرامته ممرغة في تراب السوق تماما مثلما طارت حمامته الى سماء أخرى.

قابلته "السيمانا" ووعدته أنها ستبحث عن مبسم وتعيدها لقلبه، لتداوي جراحه وتسنده بدفئها عندما يمشي متأرجحا على الأرض المنبسطة.
لم اخبره ما عرفت من العم خلدون بخصوص خبر زواجها .. أنا أؤمن بقوة الأمل الخارقة التي تدفعنا دون ان نعلم الى التطلع قدما لما سوف يأتي.

داهم رجال "السيمانا" وكر الراشد سلطان وجماعته، أصبحت أطلالهم سجنا لهم، سوروه وسيجوه حولهم كل في زنزانة منفصلة. والراشد سلطان نفسه جُلد امام الجميع وأعيد الى سجنه ليقضي ما تبقى من جسده نحبه مؤجلا.
أبي كان ايضا هناك .. عاد الى رشده بعد ان أكلته سنين السجن بمرارتها، كان سعد يزوره من حين الى آخر ويعطيه ما ارسلت والدتي له من حاجيات. لم تكن ترغب برؤيته، أخرجته تماما من حسابات حضنها.

عمل أخي مساعدا في حديقة قصر الملكة، عطفت عليه واسبغته برضاها ..
كان لا يزال يتذكر مبسم كلما حل الربيع مرتديا حلّة جديدة من زهور ملونه ..
كان الخضار وتيجان الأشجار تذكره بها .. كانت تحب الزهور، وترتدي رائحة الطبيعة ولا تخجل من بقع الطين على فستانها الأخضر عندما تزرع حديقة منزلهم الصغيرة.
لم يعرف سعد ابدا اين ذهبت مبسم .. وماذا حل بها ..
ولكنه كل عيد من كل سنة، يتلقى كتابا يحمل بين طياته قصة عن حب ما، أمل وعرفان ..
يصله الكتاب من مرسل مجهول ..
آتٍ من مكان بعيد ..

ليست هناك تعليقات:

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت