كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 18 مايو، 2009

Delivery



مدام .. مدام !!

تناديها الخادمة الجديدة النيبالية القادمة من بلاد بعيدة، " مدام " اول كلمة مشتركة تتعلمها منذ خطّت أولى خطواتها في المنزل. تؤشر نحو الباب بينما المدام تتحدث في الهاتف النقال، أقفلت المكالمة وبدأت مشوار جديد مضني في محاولة مستميتة للفهم!
بعد إشارات وقفزات وأصوات غريبة فهمت المدام أن هناك شيء ما ينتظرها عند الباب ..

من الشباك ترى رجلين واقفين بجانب شاحنة كبيرة كتب عليها اسم محل مفروشات معروف، قفزت من مكانها وبدأت في حوار ميتافيزيقي آخر مع الشغالة الجديدة. بعد اربع دقائق ونصف فهمت الخادمة أنها يجب أن تُدخل الرجال بما يحملون الى غرفة تبديل ملابس المدام، يضعون القطعة في مكان محدد أشارت لها عليه المدام ودارت فيه دورتين.

في الحمّام المجاور اختبأت المدام، ورأت من فتحة متطرفة في الباب أن " رينا " النيبالية ذات الإبتسامة العالمية استطاعت أن تنفذ المهمة حرفيا .. بلا كلمات.

خرج الرجال، وجاءت "رينا" تفتح الباب على المدام وتخبرها بإبتسامتها وهزتين من رأسها أن كل شيئ على ما يرام. شكرتها المدام بعينيها، وأشارت لها بيديها أنها الآن تستطيع الخروج. "رينا" وقفت في المنتصف، تعتريها بلاغة شف خجولة! ودّت لو أزاحت المدام عن ذلك الشيء الجديد الواقف الطويل الغطاء فتعرف ما هو وترتاح. دفعتها المدام بلطف لكي تخرج وهي تربت على كتفها ..
أشارت الينا : يالله "رينا" انتي الحين روحي نامي الظهر ..
ذاتها العينين المجرورتين الى مالا نهاية تتساءل وتنتثر منهما عشرات من علامات الإستفهام ..
تعيد المدام: سليب .. نامي .. ارتاحي .. قيلي .. ريست !!!
أخيرا لصقت كفيها ببعضهما، وضعتهما تحت خدها، اغمضت المدام عينها وشخرت ..
" رينا " ابتسمت .. وذهبت الى المطبخ!

في الغرفة لوحدها، هي وذلك الشيء الطويل الملتحف تحت دثار مخملي كحلي طرز عليه اسم المحل الفاخر، وجها لوجه مع الشبح الذي أرعبها لأكثر من ثمان سنين ..
وحدها هي والذكريات، جسدها الجديد، والواقف الطويل في المنتصف.

منذ ان ولدت ابنها الأول وهي تعاني من سمنة مفرطة، زاد وزنها 80 كيلوغراما ليتعدى وزنها الإجمالي المئة والخمسين! كانت دائما تعلم انها قصيرة وضئيلة .. أي كيلوغرام زائد من الممكن أن يؤثر كثيرا على شكلها. مع مضاعفات الحمل، مع سفر زوجها للدراسة في الخارج، مع اكتئاب ما بعد الولادة لم تجد سوى الأكل. هي والطعام أصبحا صديقين لا يفترقان. الطعام لا يؤذيها، لا يصرخ عليها ولا يهرب منها عندما تحتاج أنيسا لوحدتها.
البطاطا المقلية لا تناقشها في أي الأفلام تشاهد، جوانح الدجاج والبيتزا الببروني لا تنشغلان عنها بعمل وزوح وأولا مثلما تفعل صديقاتها .. والآيس كريم في آخر الليل على فراشها، لا يتجاهلها ولا يسرق الغطاء عنها بينما هي نائمة.
هي فعلا وجدت أصدقاء يستمعون لها بلا مقاطعة!

أمام الشبح الطويل من جديد، واقفة تتذكر وتتألم وترتجف.
على يمينها على الحائط صورة مأطرة لبنطلون جينز كانت ترتديه عندما كانت أكبر من الألم في داخلها، وعلى يسارها "تريدمل" تلك الآلة المتوحشة التي جعلتها تمشي الى خلاصها رغما عنها .. وقفت التريدميل فوق رأسها طوال السنتين الماضيين، اما أن تتكسر الآلة تحت قدميها أو تموت هي من التعب، او الغرق في عرقها او من قلة الهواء الدافق من والى صدرها ..
على هذا الشريط المطاطي الأسود الطويل، رأت رحلة بلا نهاية، مشتها لوحدها في صحراء جافة جدا بحثا عن كيانها الذي ضاع مع الزمن.

عندما عاد زوجها لم يعجبه ما رأى، حاول مساعدتها، حاول أن يطبق كفيه على رقبة الوحش الذي يسكن داخلها. ذلك القبيح النهم الذي أقنعها أنها ستجد السعادة في الطعام .. يجب أن يموت!
حاول أن يمنعها، ان يقفل الثلاجة بالمفتاح، أن لا يترك في المنزل إلا كل ما هو صحي ومقبول ..
حاول كثيرا فلم يستطع .. لإنها قررت أنه يريد أن يقتلها جوعا، فتركت المنزل بمن فيه وطلبت منه ورقة الطلاق..
في البداية، اعتقدت انها لا تريد رجل ديكتاتوري يتحكم حتى في أكلها!

لمست القماش الذي يغطي وجه الشبح .. أحست بدغدغة طفيفة في صدرها .. هل هذا هو اليوم؟
توجهت للتريدمل وطافت في رحابها، لمست مكان يديها عندما تثبت بأطراف حياتها .. شمت رائحة الألم والعرق والدم والتعب وضيق الأنفاس وهي على غارقة في عالم البدانة. شغلت الجهاز وقفزت فوقه، مشت لدقيقتين، وجرت لدقيقتين وابتسمت عندما لم تشعر بالضيق لا بالثقل ولا بالتعب. نزلت وهي على وجهها علامة كبيرة من انتصار.

امام الواقف المغطى بالمخمل الطويل، خلعت كل ملابسها .. رفعت شعرها، ووقفت أمامه ..
مدّت يدها وأزاحت الغطاء بسرعة البرق .. تكاد تقسم أنها سمعت صوت قرع طبول الترقب تضرب داخل صدرها ..
أمامها تماما وقفت تلك المرآة الطويلة التي لا تهمل شيئا في تفاصيلها ..
قبل ثلاث سنوات كسرتها عندما لمحت نفسها أكبر من الأريكة الجلدية الضخمة المجاورة ..

وبعد 99 كيلو نزفتهم في دهاليز غربتها ..
أعادتها للمحل الفاخر .. ليعيد اصلاحها من جديد ..
واليوم للتو .. وصلت !

هناك 9 تعليقات:

~ هند ~ يقول...

إرادة ..
همة..
و بلوغ للهدف :)

أحمد الحيدر يقول...

الحمد لله على سلامتها ..

المهم أنها عادت ولو بعد حين ..

وهكذا الإرادة تصنع المعجزات .. أو لنقل تذلل الصعوبات التي يعتبرها البعض معجزات ..

تحياتي للإطعامنا وجبة لذيذة تشبع جوعنا الذهني المفتقد للإبداع منذ فترة :)

Yang يقول...

في شي بكتاباتك جميل, يمكن ذكرياتي سابقا (ايام الشباب) يوم كنت اقرا لـ ليلى أحمد ؟!؟!؟!؟


لك اسلوب مميز
استمتع بقرائتي لبوستاتك


الله يحفظك, وبالتوفيق يا اختي


تحياتي

lawyer يقول...

تسوين من السالفه قصه مبدعه

تبهريني في لعبك بالمصطلحاات




:)))

jonoon 3aqel يقول...

جميل ما شاء الله..

و عجبني بالأخص وصفك لطريقة تفاهمها مع الخادمة..

أتمنى لك كل توفيق و نجاح

تقبلي تحياتي

wife يقول...

انا متابعه صانته لمدونتك من فتره
القصه دى حلوة اوى هزتنى من جوه
بس ياترى القصه دى حقيقيه؟

عين الصقر يقول...

العزيزة سارة
أطلقت مدونتي منذ وقت قريب ، وأردت أن أسألك عن الطريقة التي أستطيع فيها أن أعلن عن المدونة وأستقطب أكبر عدد من القراء ، مع الرجاء أن أستفيد من خبرتك في هذا المجال ، وخاصة وإنك ما شاء الله لك الكثير من القراء المتابعين . أعتقد بأنني أحتاج إلى نوعية من القراء الجادين ومن فئة عمرية ناضجة ومثقفة ، وتلك صفة نادرة في مدونات اليوم ! بماذا تنصحينني ؟ مع رجائي بزيارة موقعي على العنوان المذكور للاطلاع أو مراسلتي على : ainsaqr@yahoo.com
هذا ولك تمنياتي بالتوفيق علماً بأنني من متابعي عمودك الأسبوعي في أوان وأحييك على طرحك المختلف .

سبمبوت يقول...

هند

دائما نبلغ الهدف اذا عرفناه جيدا

++++++++++++

أحمد الحيدر

مبروك طلعتك من جحر الإنتخابات .. من طول الغيبات ياب الغنايم. اشتقنا لزياراتك وتعليقاتك.

++++++++++++

Yang

أشعر السعادة عندما أعلم أن من قرائي رجال .. دائما اعتبر كتاباتي مطلقة الأنثوية لا يحبها الرجال !! ولكنك هنا .. فأنا فعلا غلطانة.

++++++++++++

Lawyer

ما اللغة إلا لعبة جميلة كبرت وانا اتدرب عليها .. أصبحت الأن مع المزاولة والحب والعمر حوار يومي جميل غير متكلف .. بيني وبين القلم والورقة.

++++++++++++

Jnoon 3aqel

أؤمن ايمان مطلق بالكارما .. كل ما افعله سوف يعود لي .. لهذا حتى في القصص أحاول أن أكون بمنتهى اللطف مع الأشخاص الأقل مني حظا بالحياة :)
أتشرف بزيارتك ..

++++++++++++


Wife

مرحبا بك وبتعليقك الأول في مدونتي .. القصة لم تحدث لي شخصيا ولكنني متأكدة أنها حدثت للآلاف من النساء والرجال ايضا الذين فقدوا نفسهم واجسامهم في دهليز مظلم. كلنا نعود في النهاية .. يجب ان نعود ونجد انفسنا في النهاية.

chــاي أخضر يقول...

أسجل اعجابي

بـ نمط تفكيرك .. وصياغة كلماتك .. وبساطة حروفك ..

وروحك البراقة

(F)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت