كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 7 يونيو، 2009

ليل هيوستن مختلف !



لم اكن أنام!

عتقدت في البداية أن الزائر الجديد في فندق أحشائي قد عادى النوم وجعل منّي قرية صغيرة تحيي الليل وتميت النهار تماما مثل لاس فيغاس. أطرق أبواب النوم متسولة حفنة رقاد وأردد على جانبي الأيمن دعاء تعلمته خصيصا لهذه المناسبة:


(( اللهم جاء الليل وغارت النجوم .. وأنت الحي القيوم، فأرح جفني وأنم عيني ))


على بساط السرير أفرش نفسي، اتمدد واتقلب على جانبي، أغمض عيني بقسوة حتى تؤلمني جفوني، أعصرها، أعاندها وتعاندني فأفتحها لأجلس في عتمة الليل لوحدي. في "هيوستن" يبقى للحظات الوحدة طعم مختلف!

أنبش الصناديق المكدسة في رفوف نفسي، واحد تلوى الآخر لعلي أجد السر الصغير الذي يجعلني لا أنام!


على نغمات أنفاس حبيبي، موسيقاي الليلية التي تؤنس وحدتي عندما تأبى الصور في عيني أن تزول! انا وصناديقي الخشبية المزخرفة أحيانا والمملة المربعة أحيانا أخرى أجد الكثير من الذكريات. صور قديمة لفتاة كنتها، مراهقة كرهتها، وانثى على عتبات النضوج تخطو خطوة وتتردد عشرا!! يا الله كم كان شكلها مضحكا. أسنانها متراكبة وحاجباها ثمانيتان مدببتان تستقران في قمة جبينها. تلك الفتاة كانت تحلم كثيرا، تكتب كثيرا وتكذب كثيرا!


لعل الكذب كان الطريقة الوحيدة التي تعرفها للمس العالم الذي تريد صناعته لنفسها. أوراق صغيرة جدا مطوية في أحد الصناديق، مئات الورقات سوداء وبيضاء كتبت فيها كل الكذبات التي أطلقتها في سماء ضميرها.

(( سيكون بيتنا الجديد غير عن كل البيوت، كل شيئ سيعمل على الكهرياء اذا بغيت أدخل، أطق دقمة وينفتح الباب، حتى الكراسي تنزل وتصعد بدقمة !!))
لا أعلم لماذا كنت مهووسة بالأزرار والدقم !!


(( سنسافر هذا الصيف الى لندن )) (( سيشتريلي والدي سيارة مرسيدس جديدة )) (( جدتي لوالدي ستورثني كل ذهبها )).


كلما كبرت الفتاة .. كبرت الكذبات وأصبحت أكثر قتامة. كلما غمست يدي أكثر في صندوق الكذب كلما اختفى اللون الأبيض الى بحر عميق من السواد! أقراْ الورقات السوداء وأشم نتانتها. تغير المتلقي الأكبر من صديقاتي وبنات خالاتي الى أمي! لماذا كنت أكذب على والدتي؟


ربما لإنها كانت تريدني أن أعيش تحت دراعتها الفضفاضة، ارتدي حجابها، اقتني قناعتها، وأرى الأشياء مستقيمة محددة كمنظورها .. أمي لم تفهم يوما أنني وإياها شخصان مختلفان تماما عن بعضنا. أنا أحب كل شيء وأحصل على ما أريد حتى بالطرق الملتوية الثعبانية. أمي كانت ولازالت ذلك النوع من البشر الذي يسعد بكل ما يجده صدفة بطريقه. كذبت عليها لإنني أريد .. وهي لم تكن تريدني أن أريد! لون الأوراق التي احتوت كذباتي على والدتي ورائحتها كانت مختلفة .. كانت أغمق، وكانت انتن!


ليل "هيوستن" يختلف عن ليل الكويت، يبدوا طويلا وممتدا الى ما لا نهاية، لكنه في الحقيقة أقصر مما يبدو عليه. صوت صراصير العشب خارج حديقة بيت "ماري آن" ام زوجي. رائحة العشب الأخضر المبلل ببقيا دموع النهار. صوت القطار البعيد المتواري الذي يمر بجانب البيت في الساعة الثالثة تمام من فجر كل يوم! ربما أنا لا أنام لإنني لم أعتد بعد على ليل "هيوستن"!


أغمض عيني وأعود الى الصناديق المكدسة، لازلت أفكر في فلسفة عمري، في الأسباب الذي كانت تجعلني أكذب! وعن الأسباب التي جعلتني أغادر فجأة ذلك التل العالي من حياة ملئتها دون أن أعلم بفرضيات امنياتي لحياة لم تكن لي! كان الكذب فعلا العالم الخاص الذي أتمناه وأعلم أنني لن أحصل عليه .. او الشخص الذي أتمنى ان أكونه ولم يكن مسموحا لي أن أكونه! وعندما انتهى كل شيء، وهربت بجلدي من ضغوطات عالمي والناس من حولي الى عالم يقول لي " كوني انتي" توقفت فجأة عن الكذب على الناس من حولي .. وكنت نفسي!


في صندوق متواري وجدت كذبة صغيرة مأرخة بتاريخ صباح اليوم! سألني زوجي ان كنت أكلت عندما تركني لمشوار طال مع والدته. كنت غاضبة وحانقة لإنه تأخر كثيرا ولم يببلغني، قلت له أنني لم آكل شيئا داعية ضميرة الى حفلة تأنيب طويلة.

لماذا كذبت من جديد!!


وسط نومة عميقة سبحت في عيناه وجدت يدي تمسح على رأسه، قبلت جببينه ليفتح عيناه وينظر لي.

(( فقط أردت ان اقول لك أنني كذبت عليك اليوم عندما سألتني ان كنت قد أكلت في الصباح. أكلت سندويشة جبنة مشوية، بينما قلت لك أنني لم أفعل ))
ابتسم رغم النوم الذي كسى جفنيه .. سألته:
هل تسامحني؟

طبعا حبيبتي .. تصبحين على خير!


طبعت قبله على جبينه الذي سرح من جديد في ليل "هيوستن"
أغمضت عيني .. ولم افق إلا في الصباح.

هناك 4 تعليقات:

jonoon 3aqel يقول...

جميل الإحساس بالذنب بعد عمل شئ خاطئ..

و الأجمل أن لا نعاود فعله..

الله يتمم عليك كل خير ..
و يسعدك انتي و أهلك..

تحياتي

الزين يقول...

ليل هيوستن يذكرني بليالي امضيتها هناك

اتقلب على نار الشوق

:)

اشتاقه هو واشتقاهم معه

واسمعها بجانبي تبحث عن السبات بين مخاوف الغد وهواجس المرض وحرقة الكيمو


صوت صراصير العشب خارج حديقة بيت "ماري آن" ام زوجي. رائحة العشب الأخضر المبلل ببقيا دموع النهار. صوت القطار البعيد المتواري

:)

في لحظه وجدت نفسي هناك مع كلماتك
وتذكرت كذبتي وكذبتها
:)

زيون انتي زينه؟
ابتسم
انا زينه ... انتي زينة؟؟
تخفي عينيها بثياب العتمه ثم تجيب بهمس

وايد زينه



تركي عنج سوالفي

انتي شلونج
فاقدتج من غير شر
وشمسوية مع النساة
وشلون غدونه وابوها

:*
ديري بالج على حالج حبيبتي

عين الصقر يقول...

أكاذيب الطفولة ما هي إلا أمنيات متخيلة , والتفكير بها وكتابتها تدفع نحو تحققها بشكل تلقائي ، مثلاً أكيد أنك سافرت إلى لندن في السنوات اللاحقة أو استطعت الحصول على سيارة مرسيدس . أما كذبة عدم تناول الطعام في غياب زوجك مع والدته فأعتقد بأنها غيرة من الحماة !! والله أعلم.

الوتيــــــــــن يقول...

فعلا لماذا الأم دائما تريد ابنتها طبق الاصل منها؟

اعتقد ان الملكية تنتهي عند حد ما... لكنهم لا يدركون هذه الحقيقه .. ولا يدركون تماما الفجوه بين هذه الاجيال

كلمات جميله .. عشت في جوها الهاديء المظلم ..

متابعه للمزيد منك يا سمبوسه

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت