كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 6 يوليو، 2009

أنا وجدتي .. والأشياء التي لم تعد منطقية!



لم تعد الأمور منطقية!


في البيت الكبير الذي عشت فيه منذ طفولتي، ذو الحوش الواسع والسبع نخلات العاليات .. لم تعد الأمور منطقية!

عندما كنت في السابعة لم أفهم البيت ولا شخصيته، كان المطبخ الخارجي وغرفة الطعام متلاصقان في ملحق خلف البيت، عندما يناديني والدي للغداء كنت اخرج من البوابة في الوسط وآخذ يمينا، دورة كاملة فأجد نفسي عند الملحق! والدي وعمي الصغير دائما هناك قبلي، ولكنهم لم يأتو من نفس الجهة ولم يمشوا في نفس الطريق! كيف وصلوا؟

فكرت مليّا بإحتمالية كونهما ساحران!


بعد فترة عرفت أن هناك طريق آخر، من البوابة هناك احتمالان .. آخذ يمينا او شمالا كلها تؤدي الى روما الملحق وغرفة الطعام والمطبخ الخارجي الذي تطبخ فيه جدتي مجابيسها اللذيذة وتخبز فيه خبزها التنور الذي تعجنه بنفسها. كنت مولعة بمنظر العجين، الكور المصفوفة في صينية الصين الدائرية، كور كبيرة متخمرة قاعدة على الشط! انتظر بفارغ الصبر أن تنتشلها جدتي من مكانها، تضربها بيديها من الصوبين "طراقات" مدروسة ..

تتحول الكرة الى دائرة مسطحة، تضعها على الدائرة القمشاية التي تمسكها، تمدد جدتي العجينة وتجرجرها حتى الأطراف. كأنها أنا عندما تجرجر جدتي تنورتي القصيرة الى ما تحت ركبتي درءا "للفهارة" وقلة الحيا!


" البنت السنعة ما تطلع اركيباتها وافخيذاتها "


لم اكن أفهم لماذا تتبدل الكلمات وتعجن المفاهيم في فم جدتي كلما تكلمت عني أنا بالذات! فالفخذ يتحول الى فخيذ، والركبة الى ركيبة .. حتى رغيف الخبز الذي تخبزه لي خصيصا، صغير وسميك متروس عجين كما أحبه يتحور بقدرة قادر الى " خبيزة سارة"!

لا يهمني، فقد كانت لذيذة، وبمنتهى الطراوة، أطرافها المكتنزة "براطم العبد" كما تسميها جدتي ألذ ما فيها.

في الحوش الكبير الفاره الذي كانت تتربع في احدى زواياه نافورة عطلانه استخدمناه لاحقا – أنا وأخي _ كحمام سباحة وعزمنا أبناء وبنات اعمامنا عليه، كانت جدتي تفرش حصيرة، عند الباب وتمد رجليها. في صدر عصاري شهر نوفمبر او ديسمبر تحلى جلسات تكسير "النقل".

أنا وأمي، أخي وجدتي وكيس جمعية مليئ بالنقل لعينيه الواسعة، كلنا يمسك بطل "سفن أب" خالي، يضع حبة النقل على الأرض .. وطرباااااااااااااااااااخ .. يتصدع رأس المسكينة وتتفلش جمجمتها لتخرج من بين الأطلال بذرة لذيذة. كنت من هؤلاء الأطفال الذين يجمعون مؤونة البيات الشتوي ليأكلونها كلها مرة واحدة في نهاية المشوار! أجمع حبّاتي واحدة تلوى الأخرى بينما هم يأكلون كل واحدة بعد كسرها ..

عندما تغيب الشمس ويمسك مؤذن المسجد أذانه يكونون قد شبعوا، وأكون أنا في بداية وليمتي، أحيانا آكلها واحدة واحدة " مقشرة وجاهزة"، واحيانا أجمع البذور في قبضتي والقيها في فمي كلها مرة واحدة .. فيغدو الطعم مضاعفا والنكهة جبّارة الوجود.

منزل جدتي تغير، تبدل مع تبدل أحوال صاحبته!

بعد أن كان بيتي ومنزلي أصبح شيئا أشبه بالسجن الإنفرادي. مع الأيام، والعمر، واختلاف المسالك وتذبذب العواطف ..

مع دورة الحياة التي تصنع فينا شخصيات من الممكن أن لا يرضاها ولا يتقبلها اللآخرين!

مع الدنيا التي جعلتني انسانة أنضح بهدف الوصول للحرية المطلقة، المساواة الكاملة مع أخي ونظيري الرجل، مع النقاشات التي استشف منها قناعة أزلية في عقلها أن " البنت ما يجي وراها إلا عوار الراس" ..


قناعة تحمل احتمالية مطردة أنني " جلابة فضايح" وأنني قنبلة موقوتة من تمرد على العادات والتقاليد والسنع المصطنع، أنا قابلة للإنفجار بوجه العائلة في أي وقت، فأسقط للحضيض فتسقط العائلة معي لبالوعة الخزي والعار!


بدأت الأمور تبدو غير منطقية بيني وبينها، عندما بدأت في مشوار البحث عن نفسي: مع جماعة متدينة أرتدي العباءة وأذهب للدروس الإيمانية، أقيم الليل في غرفتي واتطوع بوقتي، لا يعجبها لإن " الدينين اهما إللي ينخاف منهم"!


مع صديقات يحلمن بمهنة مرضية للذات، غد باهر، وظيفة ومستقبل مشرق، مع هؤلاء الطموحات بالتغيير، الذين يأخذون الحقوق كاملة لإنهم آمنوا فيها وطالبوا بها، الذين يسعون الى مجاراة تطورات الحياة والوصول الى قمة العطاء .. لا يعجبها لإن
" البنت الهايتة إللي تركض وراء الخرابيط ما يجيلها النصيب ويكثر عليها القيل والقال"!


عندما أدافع عن حقي في استغلال فرصتي الذهبية لبعثتي الدراسية، حقي في إختيار دراسة الإعلام والعلاقات العامة، حقي في العمل بالقطاع الخاص بدلا من الإندثار والإنقراض في القطاع الحكومي، حقي في الحب والتجربة الزواج ممن أريد، حقي في أن تكون لي سيارة، في أن يكون لي تلفون، في أن ارتدي قميص أحمر ان اردت، في ان اضع حجابا ملونا ان شئت !


عندما بدأت في النضال، سقطت من حسبة عاطفتها، وغدوت فتاة " مسجل خطر" في قمة القائمة السوداء التي تضعها في تجوريها الحديدي الأسود القديم مع كل المضاعد والمقمشات التي يوما في طفولتي وضعتها في حضني وأخبرتني أنني سأرتديها في يوم عرسي ...


المفارقة أنها لم تحضر يوم عرسي .. !


لا أعرف كيف بدأ العداء، ولا أعرف متى بدأت الأمور تطل بلا منطقيتها في وجوهنا عندما نلمح في بيت الأقارب بعضنا .. تستقبلني بتكشيرة وجه، وأقابلها بقبلة ثقيلة منافقة على طرف رأسها فقط إرضاءا لشيبة لوالدي !

ربما أيقنت أنها ليست صديقتي في الحياة عندما أيقنت أنها واحدة من هؤلاء النساء الذين ولدوا في مرحلة سوداء، كُسرت القُلّة من وراء انوثتهن .. تدربن على كره وجودهن كإناث، وتعملن منذ الصغر " ان المرة السنعة تكون دوّاسة عند عتبة باب بيت زوجها"..
من المفترض أن لا تخبئ بين جناحيها حلم، ولا أن تسمح لجنين الطموح لأن يكبر في أحشائها ..

ربما ظُلمت جدتي في حياتها كثيرا، ربما أستبيحت بإسم "السنع"، وربما هُضمت حقوقها البدائية كإنسانة وإمرأة في وقت مبكر من وجودها في هذه الحياة ..

وربما .. هي لم تعرف معنى آخر للمعاملة غير الذي تسقيها لحفيداتها البنات، ولم تتعلم مفهوم جميل اسمه " الصفح والغفران"!

إن صدقت "الربمات" .. ربما الآن ستبدو الأمور أكثر منطقية .. !

هناك 12 تعليقًا:

esTeKaNa يقول...

في البداية:
عند البنت السنعه ما تطلع اركيباتها...
تشرقدت من الضحك وحدي
اول مرة اقهقه بصمت
ببساطة،جدتك كجدتي ام امي اضيفي علي الجمله قرصة أو فرصه كما تحب ان تسميها تترك علامتها حتى لا تنسيها
:)
في المنتصف:
شعرت بأنك قريبة
او ربما اني أقرأ امتداد لاستكانة ان كتبت واستمرت تكتب نفسها عبر سنوات
في الختام:
حزنت
فطفلة تقشر النقل دون ان تأكله مباشره تملك بعد نظر
وطفلة تراقب ما حولها ذكية ،ترسم بكلماتها عمر يمر
كانت تود لو انها لبستك المضاعد ،واختارت لك الطريق التي تود
ولكن اختيارك لأي طريق اخر يمثل لها صدمة العمر
المشكله:
الاعتقاد اننا اذا لم نكن نسخة منهم ولن نختار طريقهم فقد ضيعنا العمر
!!
ايا كان الاختلاف
يبقى اني حزنت
على خبز التنور
والنقل
والمجابيس
والنصائح
والعمر
كل هذا كان لابد ان يشفع في قلبيكما اختلاف الطرق والحياة
قد يكون بالنسبه لك سهل وان كان مؤلم
ولكن المشكلة بالنسبه لجدة بمثل حياتها وعمرها صعب ان تتقبل ان ساره تركت الخبيزه واختارت طريق آخر


الله يحفظها ويطيل عمرها
ويرزقك رضاها
ويسعدك

نون النساء يقول...

وربما لأننا لا نقبل بما يريدونه على حسب مقاساتهم فنصبح مغضوبا علينا..


الكثير من الأمور غير منطقية بالنسبة لي كذلك
ولازلت أحاول تفكيك رموزها الهيروغليفية ..



.
.


اشتهيت خبز التنور
أمي لازالت تخبزه لنا وخصوصا أيام الشتوية
على المشتهاة ..


إلا أن " الطراقات المدروسة " تحتاج ليدين قويتيين لا أملكها أنا لأفعل ما تفعل
اللهم إلا للرسم

:P

الزين يقول...

:**


لي عودة

قراءة هالبوست لمرة واحدة لم تكفيني ولن اكتفي بها


لي من الحديث ما يطول


الى حين

...

Nikon 8 يقول...

تصدقين إني حزنت على الجفاء الذي يغلف علاقتك بجدتك
تتلمسين لها الأعذار ... تذكرين لحظاتك الحلوة معها .... وتستغربين تغير نكهة بيت ذكريات الطفولة ...الآن وبعد أن حددت مسار حياتك ربما بشكل لم يكن مرضي للجدة !
نحن صح وجداتنا صح ولكن ما بين الصحين فجوة كبيرة تحتاج لتقارب .
الله يكون بعونك
أحييك على الصرحة المطلقة للتعبير عن مشاعرك تجاه موضوع حساس كهذا .

غير معرف يقول...

بالعنوان بدتي بنفسج بعدين يدتج عرفتي شنو أقصد؟؟ معناته انج اخترتي ترضين نفسج ولم تختارين ترضينها لج العذر طبعا فهي حياتج وليست حياتها بس تظل اليده لها مكانه خاصه وكبييييييييرة ما تنوصف ولما تنفقد ما تنتعوض بأي شعور ثاني ... الله يخليها لج وترجعون لبعض مثل قبل .. الله يرحم يدي و يدتي ويغمد أرواحهم الجنه

:: بـوح الصمـت :: يقول...

أح !
عورّني البوست حـييل !


أعتقد إن المفارقات من الممكن أن تصغر بالمجارات والتنازل عن بعض الأشـياء ..

إحساس الحنين مؤلم جداً .. وأنا متيقنة أنكِ لا زلت في شوق ويلفكِ الحنين لها ولحضنها ولشعور الأمان بجانبها ولكل التفاصـيل ..!

عودي يا سارة فهي ما زالت تنتظر طيوف الماضي وإبنتها سارة ويمزقها الحنين بلا شـك .. عودي فأحضانها تنتظركِ إبنة وحبيبة !
عودي فهي تحن لرؤية شقاوة الطفولة بين عينيكِ ..!!

قدمي بعض التنازلات حتى ولو كانت غير حقيقية لمجرد المسايرة فقط !!

الدنيا قصيرة كمد البصـر فلا نضيعها بالفراق فمن لنا بقلب أحن من قلب جداتنا !

ولو قست لإنها تحمل فكراً مغلفاً بعادات تلقنتها دون أن تفكر بها يوماً !
فإنها تحمـل بداخلها قلب قـلب يحـب ويـحن بـلا حـدود !

حبيت البـوست جـداً رغـم وقعه المـؤلم عـليّ !
ربي يشرح صدركم ويفتح عليكم ويردكم نفس أول وأحـسن يـارب :)

أعـتذر إن ضايقج ردي .. بـس والله عـن تجربة مـا ورى عزة النفس والجفـا إلا الـندم =( !!

الزين يقول...

انتي تحبينها

بس خاطرج مكسور منها
تعشقين تفاصيل الأمس معها

طفولتك
طباخها
بيتها
ذهبها
خاطر المجبور معها بذيج الأيام
خبزتج المخبوزة بحنانها
الأمسيات اللي قاعدة تلعبين حواليها واهي مشغولة عنج بافكارها


لا تلومينها
هي لازالت تعيش الماضي
وماضيهم غير
كل شي فيه غير
دروبهم تختلف
مرصفة بنسق مختلف

اتخذي لها العذر
كسري حاجز الصمت
جربي تلمينها لما تشوفينها
والمره اللي عقب لميها وقولي لها ولهانه عليج
والمره الثالثه دخلي عليها على غفله انتي وغدونه
والمره الرابعه هاديها

كسري حاجز الصمت
فتحي باب الحوار معاها

الجدة يا سبمبوت غالية
لها احساس مختلف
وعبق آخر يطيب حياتنا

مو بالضرورة يكونون راضين عنا
بس على الأقل يدرون شكثر احنا نحبهم

:**

انا لما الحين اذكر ايامي مع جدتي الله يرحمها
كان لها دور كبير بتربيتي
وتوفت بعد الغزو

افتقدتها واااايد
ريحة ثوبها المطيب والمبخر
غرفتها اللي كنت احس تحمل الكثير من الأسرار والعجائب
البيض المفوح من الصبح
ودوة الفحم
والحليب المهيل
وحزاية تالي الليل

:)

اسلوب السرد كان رائع كالعادة

:**

ARTFUL يقول...

جميل جدا رغم الحزن اللي فيه

ذكر التفاصيل جميل جدا


الله يحفظكم ويسعدكم ويجمعكم بحب وسعاده ولا يفرقكم


:)

~ هند ~ يقول...

عاد من أمس وأنا أفكر بمعنى كلمه مكتوبة بالبوست ..
أفكر وأفكر .. ما عرفت
واليوم أفكر.. يمكن باللهجة الكويتيه خل أسأل فلانه :)

هند: شنو يعني "الربمات"؟

صديقتي: Madriiiii

Jm3 rbmaa
      
هند: شنو يعني ربمه !!
     
إن صدقت "الربمات" .. ربما الآن ستبدو الأمور أكثر منطقية .. !


صديقتي: Eeeeh

Jm3 rbmaaa
      
هند: فلااااااااااااااانه
شنو يعني .. :(

هااااااااااااااااااااا
      
الحين فهمت خ خ خ خ خ خ خ خ خ خ

صديقتي: ربما ربما = ربمات
      
هند: ومن أمس وانا أفكرررررررررررررر
      
اويييييييييييييييييه .. شنو هذااا .. عقلي ويييييييييين
      
ههه ههه ههه ههه ههه
      
يا إلهي ..

--------------

ما عندي كلام أكثر من اللي قالوه الأخوات ^_^

الله يوفقج :)

الحــــٌر يقول...

مساء الخير

في نظري الانسان كالعجينة ففي باديء الامر تكون العجينة لينه طريه يسهل تشكيلها حسبما تريد ومع مرور الوقت من الطبيعي ان يكون الامر في تشكيلها اصعب فأصعب فأصعب ..
جدتك الله يطول في عمرها عاشت هذه الحياة وتشكلت على عادات وتقاليد واخلاق وصفات الخ.. فهي الان من الصعب ان تفهم ماتقومين به ليس لانه خطأ ولا لأنها لاتحبك ولا لأن نظرتها ناقصة بالحياة فمن الممكن ان تصيبي انتي وتصيب هي

أما انت فلا زلت في طور التشكيل الذي سيصعب مع مرور الوقت فيمكن ان تتشكلي بما يرضيها وليس معنى هذا ان تكوني مثلها وبل كوني كما تريدين ولكن في محتوى ما عجنت عليه وليس خارج ذلك فمن الممكن وضع قطعة بداخل الاخرى والقطعة التي في الداخل لا تشبه تماما القطعة التي تحتضنها

أختي العزيزه في النهاية تذكري ان هذه الجدة ضيفة عندك في الدنيا فأبائنا واجدادنا هم ضيوف عند ابنائهم فكسبي رضاها

تقبلي مروري
دمتي بخير

jonoon 3aqel يقول...

بحان الله..
اولا لكل زمن دولة و رجال..

زمن الجدة الله يعطيها العافية غير عن هذا الزمن..
لكن ما يمنع انها تبي تحافظ على معتقد و مبدأ من مبادئها..

و عشان اكون صريح معاك اختي...موضوع التحرر...حتى اللي بحدود يكون شئ مقلق للي حول المرأة..خاصة الرجال اللي حولها...
طبعا الامر اللي راح يتم فيه التحرر عيب او لا هذا شي ثاني...

الموضوع كبير..و باين انك تتكلمين من موضوع مزعجك جدا...

لي عودة ان شاء الله

سبمبوت يقول...

شكرا أحبابي على تفاعلكم مع القضية ..


هند


ضحكتيني .. شكلج حسبالج "الربمات" وربات وإلا لقيمات وإلا شي ينوكل !!
بس مايخالف سامحيني مرات خيالي الأدبي يشطح بكلمات جديدة وألفاظ ليست بالمعجم :) عاد أنتو طوفوها.

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت