كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 8 يوليو، 2009

(( مطبّق ذكريات ))


يرسل له الوالد رسالة نصية " لا يطوفك الغدا اليوم .. مطبق سمج على كيف كيفك"!

في المحاضرة بين صراخ الدكتور على عدم إلتزام طلبة الدراسات العليا في تسليم الأساينمت، تينع على وجهه ابتسامة! يقلب الأوراق بين يديه ويشعر بسعادة إلتزامة بالمطلوب. "المهمة المستحيلة" كما يسميها أصحابه في الفصل، كتابة تقرير عن الوجهات والأماكن المجردة التي لعبت دورا في حياتنا، شكلت تاريخ مسيرتنا، عجنت معها طفولتنا. كيف هي الأن في عيوننا؟ أين هي الآن في قلوبنا؟ .. وما المشاعر التي نكنها داخلنا إتجاهها بعد كل تلك السنين من الهجران؟ وهل من الممكن أن تشكل زيارة مقتطعة لها، نقطة تستدعي الإبداع داخلنا؟

إختار الحدائق العامة في المناطق السكنية، تلك المربعات الساقطة من جيب حسبة الناس، البقع المنسية على اعتاب الطفولة والصبا الجميل.
كان المطلوب (5000) كلمة، هو كتب أكثر. كيف لا، وقد كانت حديقة جمال عبدالناصر بجلالة قدرها "واحد من الربع" كما أطلقوا عليها شلة المراهقة. في الأمسيات الشتوية الجميلة كان التجمع يتم هناك، بين طيّات الحديقة، في مواقفها الواسعة وعلى كراسيها الخشبية قضى وهو ستة من صحبه أجمل سنين الطفولة والمراهقة.

كتب في تقريره فصلا كاملا عن "جوفندرا" بائع الساندويشات الهندي الذي كانت سندويشة النقائق والبطاط من أشهر الأطباق الموجودة لديه. لا يعلم أين "جوفندرا" الآن بعد أن هجر الأطفال حديقة جمال عبدالناصر، سأل عنه يوما، وصف شكله للعاملين في الحديقة:
" رجال هندي قصير .. في كرشة كبير .. شعر مال هوه كله دهن يلمع .. في خاتم كبير أخضر في مال هوه صبع "

قالوا له الرجال أنهم لا يعرفونه فعاد الى المنزل بقلب مثقل وذنب كبير نحو شخصية لعبت في ذكرياته الجميلة دور البطولة الثانوية، كان قد وعده يوما أنه سيجلب له مطبّق ربيان من طبخ منزله، وطافت السنين ولم يوفي بوعده!

كتب فصلا آخر عن مسارات الحديقة، البلاطات الإسمنتية التي صفت طوابير في حضن بعضها ليمشي عليها المارة متنقلين من أماكن العشب الأخضر الذي كانت تقرش عليه أمه وخالته "مدة" الخوص. الطرق المؤدية الى موقع الألعاب والمراجيح.
تلك البلاطات المرصوفة لها تاريخ في قلبه .. واحدة واحدة لا ينساها.

" لا تدبه قبلي .. انطرني يبا جاي الساعة وحدة ونص .. انطرني، ادري فيك بطيني "

جاوب رسالة والده وتلك الإبتسامة لا تزال تتأرجح على شفتيه. ناداه الدكتور بإسمه ليتكلم قليلا عن الموضوع الذي اختاره بعد تسليم الملف، النبذة التي طرحها على زملائه كانت جميلة وصادقة خارجة من القلب، تلك الأماكن التي احتوت ذكريات العمر هي أقرب ما يكون لحاضرنا من واقعية، الطموحات التي رأيناها بين الشجر، والاحلام المستحيلة في أن أكون يوما دبّابة حربية أو إشارة مرور! أي نوع من الأطفال كنّا لنتمى أن نصبح حين نكبر نوع ما من جمادات صامتة؟ الحديقة لم تكن يوما جمادا بالنسبة لنا، كانت إسما جبارا ومكانا نجد فيه أشياءنا الضائعة.
" لهذا قررت أن يكون بحثي عن الحدائق العامة في المناطق السكنية، لإنها شكلت لنا جميعا محورا دارت عليه يوم من الأيام حياتنا"

خرج من الفصل الى السيارة بإتجاه البيت، ولكنه قبل الوصول الى المنزل، قرر أن يلتقي بالحديقة العتيدة، ذلك السور الوردي على مشارف منطقة الروضة، الأشجار الباهتة الي تطل برأسها في الأفق، والمساحة الكبيرة الخالية التي كانت تمتلئ أحيانا بسيارات الزائرين!
حتى البيوت المقابلة للحديقة، عرفوا أصحابها وأسماء أبناءها ومن باع ومن بقى ..
كانت الحديقة فعلا واحد من الربع ..

من سنين لم يدخل السور ولم يلمح البلاطات التي كان يقفز عليها ليصل، داخل السور جلست عجوز تعبه اضناها الزمن وامتد بها العمر واعياها النسيان، هجرها أبنائها ولم يجلبوا لها أجيالهم الجديدة التي خلفوها إمتدادا لطفولتهم. صرير الباب الحديدي، فراغ الساحة المؤدية للداخل، وفضاء العشب الذي اصفر من الشمس. العواميد الأسمنتية تماما كما هي .. المراجيح اختلفت قليلا فأصبحت ملونة ومزركشة وحديدية. كشك "جوفندرا" لم يعد في مكانه، ابدلوه بعربة ذرة ونفيش وناتشوز!

خطوات أكبر الى الداخل، الساحة الترابية في المنتصف، تتحلق حولها الكراسي الخشبية ..
في يوم كان في الساحة عرض ساحر، جلسوا الأطفال حوله وأخذ يجر من آذانهم مناديل ملونة.
نفخ في وجوههم فقاقيع الصابون، ووضع على رؤوسهم أرانب بيضاء.

في الساحة كانت يوما فرقة موسيقية ومهرج، تذكر انه ضحك كثيرا عندما سقط المهرج في سطل الماء، تذكر أنه ضحك الى أن فقد إتزانه ومال الى الوراء وانبطح على الأرض وهو يمسك حزامه!

في الساحة كانت هناك يوما امرأة سورية عجوز، تمسك كتابا ملونا وتجلس في الوسط، تحلقت حولها الفتيات وأخذت تقص عليهم قصة سندريلا وسنو وايت والجميلة والوحش، كم كان يود الجلوس والإستماع ولكن سنّه المضطرب ما بين الطفولة والصبى أبى أن يسمح له بالإستماع لقصص الأطفال مع البنات!

البنات .. في تلك الفترة كنّ مخلوقات وحشية مقززة يشمئز منها ويبتعد عنها لكي لا يتسخ ببحر أنوثتهن الدبق، تلك الملابس الوردية والتنانير المنفوشة .. الإبتسامة المتواية بين حلقين في الأذن وقلادة على الرقبة .. وووووع .. ما أبشع البنات!

في الحديقة ذاتها، وعلى غصن شجرة عريض اكتشف صاحبه أول حبة شباب ظهرت على وجهه، ومسك هو متباهيا أول شعرة شارب ضئيلة نبتت فوق شفتيه، وفي الحديقة ذاتها تحولت تلك النظرة المتواطئة على البنات الى ميل وإنجذاب وتوّدد. لم يعدن بشعات، ولم تعد ملابسهم الوردية مقرفة، ولم تعد الأقراط والقلادات من توافه الأمور.

في الحديقة ذاتها .. رآها .. وكلمها .. وأخبرها أنه يحبها، ابتسمت في وجهه ابتسامة شمس، واطبقت على يديه بحنان وأخبرته هي الأخرى تحبه .. في الحديقة ذاتها بدأ تاريخ الحب الأول، ونظرات الوله المقتطفة من بساتين الوجوه. من بعيد كان حوارهما، بين الأصحاب ووسط الأهل، كل على بساطه الممدود في موقع محدد من الساحة العشبية. هي هناك وهو هنا .. وبينها حمامة زاجلة ورسائل معلقة هديلا حانيا في أذنيهما!
في الحديقة ذاتها مسك لأول مرة يديها ومشيا على البلاطات المرصوفة ..
في الحديقة اشترى لها من مصروفه أول عصير وساندويش نقانق.
وفي الحديقة أهدته محفضة جلدية هدية عيد ميلاده ..
وفي الحديقة جلسا متقابلين على جذع الشجرة .
وفي الحديقة ذاتها اختفت .. ولم تعد تأتي .

في تلك الأثناء اعتقد أنه سيموت، أنه سيسقط مغشيا عليه ولن يستيقض من هول الحزن. كان فتيا مراهقا ضربته عصى الحب لأول مرة، فتحت الضربة رأسه وملئته بألف حلم . سأل عنها آنذاك الحارس، الأطفال، جوفندرا، اصحابها .. وتجرأ مرة وسأل عنها أمها .. يتذكر جيدا أنها قالت له أنها كبرت .. ولم تعد تحب المجيء للحديقة ..
بعد ذلك اليوم بيوم، أتى لوحده مع والده للحديقة في الليل بعد أن استعار من ابيه "درنفيس" مدبب وجلس فوق الجذع إياه ونحت لها على صدره رسالة:
" وينج .. ولهان عليج .. الحديقة مو حلوة ولا خضرة بدونج .. ارجوج .. لا تكبرين علي ولا على الحديقة - م.ح 1992"

لازال يتذكر الرسالة، ولازال يتذكر حبات العرق التي كانت تتساقط من جبينه على يده وهو يمزق كلماته على الغصن، لازال يتذكر ألم عسقات الخشب الصغيرة وهي تتطاير بعينه وتغرس في اصابعه، ولازال يشم رائحة الخشب المنشقق وهو يحفر قلب الجذع بقلبه .. لازال يتذكر كيف عاد لسيارة والده، وكيف ضمّه أبوه الى قلبه .. فبكى!

ابتسم عندما إلتفت الى مكان الشجرة فرآها لازالت في مكانها، أغراه الفضول ليعرف إن كانت رسالته هي الأخرى في مكانها .. على مسارات البلاطات الإسمنتية قفز نحوها، نادته بحفيف اوراقها وسلمت عليه بسعادة .. دار حولها وتسلق الجذع الكبير ..
بحث عن رسالته .. فرأى منها بقايا كلمات حفرت منذ زمن .. ورأى تحت كلماته:
" عدُت ولم أجدك .. تسلقت الشجرة مع ابني ورأيت كلماتك .. كم غريبة هذه الصدفة .. غ.ن – 2003"

عاد الى سيارته .. مسك المقود .. وأخذ يضحك .. الى أن سقط ومال للوراء .. وانبطح وهو يمسك حزامه!

هناك 16 تعليقًا:

~ هند ~ يقول...

واااااااااااااي يا سبمبوت ..

القصه رووووووووعه ..
مفرحه واااايد وفيها حنين..
بس بالأخير يتني قشعريرة.. مادري من عبارتها والا لأنها خلصت :(

تسلمين وحلوه الدخلات اللي بالمسجات..
علاقة حلوة بين الشاب وأبوه..

إلا بسألج اهو متزوج :q~


> شنو يعني " وربات " ؟؟
:$
مسموحه بالحـِل =)

غير معرف يقول...

حبيت ابوه


:)


الوجوه الساكنه

سبمبوت يقول...

هند


العفو حبيبتي .. كله من فيضكم..
الوربات عبارة عن نوع مدلقم من الحلو المغموس بالعسل او ما شابه ذلك.

لا .. ترى مو متزوج !! يالله دوريه وضبطيه لووووووووووووووووووول :)



الوجوه الساكنة

حتى آنا وايد حبيت أبوه .. العلاقة فيما بينهم بمنتهى الروعة.

ARTFUL يقول...

ماشالله عليييييييييييج

ترا حرام انتي ما تكتبين قصص والله وناسه

واتوقع كل قصه تكتبينها اما تنطبق على احد القرّاء بشكل كامل او انها تصادف موقف من مواقف القصة مع كل قارئ!!!!

جميل جدا

الله يحفظج

:)

~ هند ~ يقول...

Loooool

P:

jonoon 3aqel يقول...

الله..

كم تبدو الاشياء بشعة في وقتها..لكن بعد انقضاء الأزمة..و لسبب ما..ترسم ابتسامة حين نتذكرها

تحياتي

~ هند ~ يقول...

آسفه اني كل شوي ناطه لج بتعليق :$

بس عندي سؤال..
طريقة انه تكررين جملة أو جزء من جملة انذكرت خلال القصه وتتكرر بآخر القصه؟

هذا فن :)

أتوقع لازم يكون في اسم أو وصف لجمال هذا الأسلوب في سرد القصه..

شي ثاني الأخ "البطل" شنو يدرس عشان يطلب منه يكتب في مثل هذا الموضوع..
صحافة مثلاً!!
مادري بس هالسؤال طرا على بالي وأنا أقراالقصه ..
كان ذكي في اختيار الموضوع اللي ممكن يكتب عنه بعدد الكلمات المطلوبه وأكثر..
موضوع طويل .. جميل.. شيق.. وممكن يكون فيه خيال وتأليف :q

ترا للحين بس قاريتها مره من الموبايل أول ما صحيت .. ولي نيه أقراها مره ثانيه.. بس أخاف تطلع أسئلة ثانية !!

و مو بس :)

حَافِـيَةُ الَقَدمَيّـنْ ولِبَاسِي المَطـرْ يقول...

مخيلتكِ الواسعه هبه من الله
والأجمل إنكِ تسردينْ القصه بشكل سلس جداً , حتى أظن أنها حقيقه وأكثر من الحقيقه !
.....
مشالله عليييج
صج عندج اسلوب يشوق ويجبر الواحد يكمل لي الآخر , وهالشي نادر ما يمتلكونه البشر
حافظي عليه
حافظج الله :*

Hope يقول...

الله .. ايام والله حديقة جمال عبدالناصر
ذكرتيني بأيام الطفوله يا سبمبوت
تسلم اناملج على هالقصه الروعه

The.One يقول...

قصـة ماتمر عالبـال

ماشاءالله عليـج ..

مـاعندي شي أزيده على الأخوان من مـدح و ثنـاء ..


غيـر ربـي يحفظلج هالموهبه

سبمبوت يقول...

هند

ضحكتيني بإندماجك الجميل مع القصة، أفخر حين أجد القارئ يبحبش أكثر عن معلومات مخبوءة.

حبيبتي تعلمين أن البطل غير موجود، هو من نسج الخيال، لا وجود له في الواقع.. إنتي وخيالك .. دراسته من الممكن أن تكون اعلام وصحافة، من الممكن أن تكون أدب عربي أو كتابة ابداعية Creative Writing ، من الممكن انه يدرس إخراج سينمائي ومسرحي فيطلب منهم الدكتور ان يكتبوا عن ذكرياتهم ليستخرج بذرة الإبداع فيهم ويرى كيف يرون الأمور من منظور السيناريو والإخراج.


نعم هناك إسم لهذا الأسلوب على ما اعتقد ولكنني لست متأكدة من مسماه. القصة القصيرة بشكل خاص يجب أن تحضى بإهتمام مكثف في القيادة السردية للحدث. لإنها قصيرة ومن المفروض ان تنتهي بسرعة، يجب أن يكون هناك روابط فنية تبقي القارئ في مكانه وعينه على الورقة بلا إملال.
أحيانا تخدم الروابط هدف ثانوي - كما حدث في هذه القصة - وهو جعل القصة مترابطة جماليا دون خدمة المعنى القصصي. يعني إن لم أضع السطر الأخير ( وهو يمسك حزامه ) لن يختلف معني القصة ولن ينقص منها شيء. الربط فقط خدم هدف واحد وهو جعل القصة مترابطة جماليا " Cohesive ".

أما في قصص أخرى فالربط يخدم المعنى بصورة كبيرة، ولا تبقى القصة كما هي سواء بصورتها الإبداعية او الرسالة من ورائها إلا من خلال هذا الربط.

أتمنى ان أكون أجبت على الأسئلة، إن شاء الله سيكون هناك بوست يتكلم عن كتابة القصة القصيرة " من وجهة نظري وتجربتي الشخصية" وكل الأساسيات التي يجب ان يعرفها الكاتب المبتدأ" من وجهة نظري ايضا"

دمتي بخير

~ هند ~ يقول...

شكراً عزيزتي على الشرح الجميل :)

>>ترا بعد القراءة الثانية.. لقيت كلمه ما أعرف معناها "درنفيس" بس سألت صديقتي وقالت لي..
نحن نسميه "سكروب"
:)

أنطر البوست ^^

وأيضاً
دمتي بخير..

Nikon 8 يقول...

أولا إستمتعت بالقصة كما إستمتعت بالمقابلة بمجلة ماري كلير
مبروك وتستاهلين النجاح :)
ثانيا : عن إذنك إبي أوضح للإخت هند ما هي الوربات
الوربات هي نوع من الحلويات الشامية تصنع من رقائق عجينة الجلاش وتحشى بالقشطة وتسقى بالقطر أو الشيرة بعد خبزها بالفرن
طعمها لذيذ وغني بمذاق القشطة المحلاة بالشيرة ولا يختلف عن طعم زنود الست ولكن الوربات تأخذ الشكل المثلث بدلا من شكل زند الست المعروف !!!

bent el deera يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
~ هند ~ يقول...

شكراً ع التوضيح يا شيخة بنات دار عزيزة..
:)
عاد أنا ما كنت ادري انها هذي وما لها اسم بقاموسي
أوصفها عشان يعرفونها

:q
-------
ومبروووووك سبمبوت ع المقابله .. واذا فيه لينك للمجله أبي..
دورت وما لقيت :(

Nikon 8 يقول...

العفو يا هند
وشكرا لسبمبوت لسماحها لنا بالمشاركة :)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت