كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 20 يوليو، 2009

أنا و "غدن" .. وحديقة "ماري آن"

" بيت ماري آن "
آلاف الأميال بعيدا عن البيوت التي أعرفها، اعرف بيتا آخر ..
مختلف بيت خالتي أم زوجي " ماري آن"، صغير ودافئ وتحيطه الرمال الخضراء من كل صوب. أضع أثقال السفر على الأرض، كان ليلا، العتمة تملئ المكان وتنير قلوبنا فرحتها بنا عندما وصلنا قرب منتصف الليل الى "هيوستن". كانت الرحلة مفاجأة، لم تعلم خالتي أننا في الطريق إليها، لم تعلم أننا طرنا اثني وعشرون ساعة لنجتاح عليها نومها. إتصل بها زوجي وأخبرها أنه أرسل لها طردا مع صديق .. لكي تنطلي عليها الحيلة فتفتح الباب وتكتشفنا.

" افتحي الباب أمي .. اخرجي وسوف تجدين سيارة صاحبي، سيعطيكِ طردا منّي"

في الكرسي المجاور أكاد اسمع رعب صوتها، لا تريد أن تخرج في هذه الساعة المتأخرة من الليل! أمريكا ليست مثل الكويت. هناك جرائم وقتل واغتصاب وخطف وسرقة. هناك جثث ملقاه في وسط العشب يكتشفها المارة احيانا وتغدو واحدة من حكاويهم اليومية! تظهر في الأخبار، يقبضون على الجاني وتنتهي القصة الى أن يجدوا جثة أخرى في أحد النواصي البعيدة عن أعين المارة أو القريبة جدا منهم!

أسمعها تقول له أنها خائفة، وأسمعه يقول لها أنها ستكون بخير. أكتم ضحكة وأكمم فم ابنتي لكي لا تخرج صوتا فتضيع المفاجأة. في بجامتها خالتي تقف بعيدا عن الباب الداخلي للكراج، تضغط على زر يفتح الباب الحديدي أوتوماتيكيا وتقول لإبنها على الهاتف أنها ترى سيارة غريبة وأنها خائفة .. تلمح الناس في السيارة فتعاود اغلاق الباب الحديدي وتقول لإبنها أن يقول لصاحبه أن يأتي لتسليمها الطرد غدا في الصباح!

يفرط عقد ضحك زوجي ويخبرها انها ستكون بخير :
" افتحي الباب أمي .. اقسم أنك ستكونين بخير" تفتح الباب من جديد فيترجل زوجي وأتبعه أنا بحضني ابنتي وحفيدتها التي تتمنى رؤيتها بإستمرار. تصرخ من عند الباب فيشق صوتها المحشور عباب الظلام:

" Oh my god!! What are you doing here ??"

لا نتمالك أنفسنا فنضحك رغم أطنان التعب وقلة النوم والوهن الذي اصابتنا به مقاعد الطائرة المتخشبة، صلبنا أنا وهو ونحن على تلك المقاعد، ذهبنا لمقاصلنا بأرجلنا وبيدينا طفلة انبطحت على كرسيها بكل راحة وأخذت جزءا من كرسيي وكرسيه. كنت اجلس على جابني الأيسر وهو يجلس على جانبه الأيمن، إلى ان فقدنا لإحساس بجانبينا.

ضمت ابنها وجرت نحوي .. ضمتني الى صدرها وأخذت الطفلة الى قلبها، شمتها ولمستها وأبقتها هناك في صدرها الى ما لا نهاية، ضحكت في منتصف ليل "هيوستن" من كل قلبها، واتصلت بأختها المتواطئة معنا لتخبرها عن المفاجأة .. كانت تلك اللحظة بداية مشوار علمني الكثير عن نفسي ..

اصحو على دقات ساعة بيولوجية غير منتظمة، ابنتي لم تبت معي، أخذتها جدتها الى فراشها وأنامتها بجانبها .. كم كنت سعيدة لهذه الإيماءة .. فبالكاد نمت ساعتين طوال الرحلة! في الصباح تتركنا خالتي وتذهب للعمل.

هل تعلمون أن الأمريكان يحضون بإسبوعين عطلة سنوية في السنة؟ اسبوعين فقط لا ثالث ولا رابع لهما؟!

أواجه الحقيقة الجديدة بقلب من حديد، انا حامل في أشهري الأولى، في مدينة بعيدا جدا عن وطن أسرف في تدليلي، خادمتي ليست معي ولا مربية إبنتي .. بإختصار قد اصبحت من تلك اللحظة الأم والزوجة والخادمة والمربية وكل شيء! شهيق وزفير .. لم أعتد على المالتي تاسكنغ!! شربة هواء باردة أدخلها قسرا الى صدري، أسر له بمخاوفي فيخبرني أنني لست وحدي:

" أمي ستكون هنا لتساعدنا .. وانا هنا لأساعدكِ .. لا تقلقي "

أعلم انه أهلا للثقة، فتجاربي السابقة معه كانت كلها ناجحة .. عندما يخبرني أنه سيساعدني، دائما يفي بوعده!

مغامرة جديدة العبها مع نفسي، تحدي عميق بيني وين أمومتي .. ابنتي بدأت تتعلق بي أكثر، تطلب مني كل شيء وتغدو بين ليلة وضحاها رفيقتي في كل شيء! المشكلة لا تكمن بقصوري الفطري عن تلبية احتايجات صغيرتي، ولكنها كلها تنصب في معضلة أنني لن أعتد يوما على أن أكون لها كل شيء .. أو أن اكون بجانبها كل دقيقة من كل يوم! كيف لي أن اعتاد في ليلة؟
أفكر أحيانا في سهولة الرحلة ويسرها إن كنا تركناها عند أمي .. ويضع ضميري الأصفاد في يدي عندما تزورني مثل تلك الخواطر. لماذا لا افتح لها نفسي؟ لماذا لا اتخيلها صديقتي ورفيقة دربي؟ لماذا لا اعتبرها توأمي؟ أنا أمها وهي ابنتي وعلاقتي بها يجب أن لا تكون مقتصرة على اللعب والمرح والتسوق وشراء العاب جديدة لها بين فترة وأخرى ..
فككت زرار قميصي وشمرت عن ساعدني لإنني – وفي امريكا – قررت أن اختبر كيف هي الأمومة الحقيقية؟!

***
في حديقة " ماري آن" شجرة صغيرة تصل الى نصف قامتي، ترعاها خالتي كل يوم وتسقيها ماءا وسماد .. تريد من تلك الشجرة ان تكبر وأن تغدوا مع الأيام جميلة وشابة كإبنتي. قالت لي يوما أن الشجيرة تذكرها بـ "غدن" فهما تقريبا بنفس العمر!

في تلك الشجرة، بين الأغصان اكتشفنا أنا وزوجي عش صغير، في العش أودعت أم عصفورة اربعة من أطيارها الصغار .. بلا جنحان ولا ريش!
كل يوم في الصباح عندما آخذ "غدن" خارجا الى حديقة البيت المسورة أجد الماما بيرد في شقاء. تطير بعيدا وتعود بعد دقائق وفي فمها دودة. تقف الماما بيرد – كما يسميها زوجي – على حافة سور الحديقة ولا تقترب إلا عندما ندخل للبيت، تخاف منا العصفورة الأم، تعتقد أننا لن ندعها تكمل إفطار عصافيرها. كلما رأيت تلك العصفورة الأم ضممت الى صدري ابنتي وحمدت ربي.

أنا لست الأم الوحيدة في هذا الكون، أنا لست المرأة الوحيدة التي تشقى لتعطي أطيارها غذاءا طازجا في الصباح، لست وحدي من يقتطع جزء من قلبي ليحبهم، ويقتص ثكنة من وقتي لأحميهم. كلما رأيت تلك الماما بيرد في الصباح تذكرت أن أقلي بيضة لأطعم أبنتي. كانت العصفورة صديقتي، الأم التي تريني كيف أحب الوقت الذي اقضيه في عين ابنتي، أحادثها وأكلمها وأتفاهم معها في كل الأشياء التي تهمها وتهمني.

من فمي اعطيها قبلة كل دقيقة تبتسم فيها بوجهي .. تماما كما تعطي العصفورة صغارها دودة من فمها ..



***
لم تأخذ أعيننا وقتا طويلا لتتعود على منظر العشب الأخضر في الصباح، رائحة الندى المتدلي من ورقات الشجر، وذلك الشعور الغامر بالدفئ عندما تحتبس حبات المطر وبخار الأرض بين سيقان العشب وتتبخر صباحا عطرا ارضيا استثنائيا. أحببت أنا وغدن أن نمسك يد بعضنا ونخرج للحديقة ما ان نفتح عينينا كل صباح، نتمرغ باللون الأخضر ونستنشق رائحة جديدة للصباح.

لكن مع جمال الخضرة، ورونق اللون الدافئ تأتي آلاف الحشرات الكبيرة والصغيرة التي لا نراها فتسكن فينا دون ان نعلم. الصراصير النباتية، ضفادع خضراء، خنافس حمراء .. أشياء تطير في السماء وأشياء تزحف على الأرض، مخلوقات نلمحها ومخلوقات لا ترى بالعين المجردة! أنا وهي في توخي دائم من المتطفللين. يضحك زوجي ويخبرني أنهم مع الوقت اعتادوا وجود الحشرات في بيوتهم. حشراتهم طازجة ونظيفة تأتي من تراب الأرض وتتغذى على العشب، لا تأتي من بواليع الشوارع مثلنا!

كل حشرة بالنسبة لإبنتي "نملة"، وكل مخلوق يطير في السماء " بيردي" من هنا، قررت أن أكون مثلها، كل الحشرات وديعة وبريئة ومحترمة مثل النمل، وما يطير منها أحولها في خيالي الى عصافير جميلة فلا أخاف منها ولا أصرخ بعيدا عنها لكي لا يضحك عليّ سكّان أمريكا.

في أحد زوايا البيت اكتشفنا عنكبوت كبيرة تتدلى من شبكتها، أخبرت زوجي عنها، وأريتها ابنتي لأعلمها عن اسمها، بعد إلحاح أخذ زوجي رشاش المبيدات الحشرية لكي يقتلها ..

حاول اقناعي أنها لن تؤذينا طالما أننا بعيدين عنها .. ولكني أصريت : " يا آنا .. يا إهي في البيت"

رش زوجي سم الموت على العنكبوت السوداء، اهتزت في مكانها ولفظت انفاسها الأخيرة .. ولكنها قبل أن تموت ألقت على الأرض بأطفالها الذين كانت تحملهم على ظهرها .. عناكب صغيرة جدا تناثرت على الأرض وماتت بلحظتها. أخبرني زوجي أنها ألقتهم املا منها ان ينجو من المبيد، ألقتهم لكي تحميهم من الموت الذي فاجأها .. ولكنهم ماتوا فورا تماما مثل أمهم.

جلست لوحدي بعدها بدقيقة، اضم ابنتي الى صدري وأقنع نفسي ان ما فعلت عين الصواب! أنا أم مثلها .. همّي وغايتي أن أحمي طفلتي وأبعدها عن أي خطر .. كيف لي أن أقتل أم وأطفالها؟ لو علمت انها تحمل أطفالها على كتفها مثلما "غدونة" لما أصريت على قتلها!

لجثتها المدلاة فوق منثور أطفالها بعثت سلاما خالصا من قلبي، طلبت من روحها أن تسامحني، وأصريت أن لا يلقيها زوجي في القمامة بل سندفنها هي وأطفالها في حديقة خالتي .. تكريما لأمومتها الصادقة.





***



في أمريكا بعيدا عن كل ما تعودت عليه أتعلم من نفسي، من زوجي، من خالتي ومن ابنتي وكل من حولي دروسا صغيرة جدا في الحياة .. تسير خلف بعضها كطوابير النمل الخلاق، وكدبابير الأزهار المورقة. أنا وغدن والطبيعة التي لم نعتد عليها، انا وصفعات الأمومة الحقيقية، أبحث عن نفسي وعن الأشياء المفقودة داخلي .. التي ضاعت مني مع إنشغالي بالأشياء الاخرى التي اتخيلها لا تنتظر!

تعلمت ان طفولة ابنتي لا تنتظر، لمرة واحدة في حياتها وفي حياتي سيكون عمرها سنة ونصف، لمرة واحدة في حياتها وفي حياتي ستنطق كلمة "مامي" للمرة الأولى .. ولمرة واحدة في حياتها وفي حياتي سنجد انا معها لأول مرة ضفدعا على طرف الأصيص! لأول مرة سأشاهد ردة فعلها الأولى وهي تشم زهرة، ولمرة واحدة فقط سأرى في عينيها البريق الأول عندما تتعلم معلومة جديدة عن الشجر.

في أمريكا تعلمت كم هو جميل وممتع أن تحكي لي "غدن" دون أن تعلم قصة مخصصة .. فقط للكبار!

هناك 12 تعليقًا:

ARTFUL يقول...

والله شي جميييل ما تستانسين وانتي تقرين كتاباتج؟؟ :)

الله يخليها ولج ويخليج لها ويخليكم حق بعض ويجعل أيامكم كلها خير وسعاده وفرح

:)

أحلى شي بالدنيا وانت تشوف عيالك يتعلمون جدامك

جم عمرها غدونه؟؟

jonoon 3aqel يقول...

رجعتوا امريكا مره ثانيه!! اتمنى يكون السبب خير..و اقامة سعيدة و آمنة و تردون سالمين غانمين...

صراحة موقف العنكبوته اثر فيني واايد.. بس يالله..نتعلم منه..

الله يبلغك في غدونه و اخوانها و خواتها و تفرحين فيهم ان شاء الله

تحياتي

star يقول...

الله يحفظها ويحميها

سلم قلب البنيات الي صارو رفيجات امهم

والله لا يحرمكم من اليمعه مع اهلج و اهل زوجج

~ هند ~ يقول...

=)

أحس بابتسامة الفرح لكم .. تخرج من حلقي ولا أعرف كيف تخرج الإبتسامة من الحلق :)
فقد أحسست بها :)

*Being One يقول...

شعور الأمومة وايد حلو الله لا يحرمج منها :)

The.One يقول...

ربـي يحظفلـج غدن وتكبـر بين أحظانـج آميـن :)

سبحـان الله بالطبيعـه الواحـد يتعلـم أشياء ولا مرة اخطرت على بالـه


عـاد على هالجو الحلو , والخضـرة الي تريـح العيـن روحيلج جذي park قرّيب وألفـي حـق قرائـج كتاب حلوو

ولامانستاهـل :) ؟

سبمبوت يقول...

Artful

استانس أكثر وآنا اكتبهم .. وأكثر وأكثر لما انتو تستانسون على كتاباتي.

أجمل شي في الدنيا عندما ألمح الحماس والإثارة في عينيها عندما أريها شيء جديد في الحياة .. أقول لها اسمه فتردده بعدي.



جنون عاقل

ما رجعناأمريكا .. شيرجعنا!! .. هذي الصور والقصص من سفرتي الأخيرة توني اتفرغ وأكتبها ..

حرام والله العنكبوتة كسرت خاطري.





Star

اكتشفت أن صداقتي معها أجمل صداقة بالدنيا .. الله يسلمكم كلكم على الدعاوي الحلوة .. تغمرني وتثلج صدري.






هند

لا يشعر بالفرح الصادق للآخرين إلا القلب المغمور بالطيبة والإنسانية.. شكرا لك حبيبتي على مشارعرك الصادقة

فعلا تغمرني أحاسيسكم بشعور رائع أنني دوما سأكون بخير.





Being One

مخيف .. بس من أجمل المشاعر التي تغمر القلب بألف فراشة. عقبالكم كلكم ان شاء الله..

بس هااااا ترى حدها الأمومة صعبة والمسؤولية فعلا تكسر الظهر.





The one

والله تستاهلون .. في صدد طباعة قصصي القصيرة في كتاب .. خايفة من الخطوة وايد .. بس الطلبات زادت والعروض ما شاء الله كثيرة .. أفكر جديا في إتخاذ الخطوة والتوكل على الله.

الحــــٌر يقول...

تتربى بظلكم ويخليها لج ربي ويحفظها

دمتم بخير
:)

Nora .. يقول...

كم هي جميلة .. رشيقة و لذيذة حروفك
وقفاتك و لقطاتك ..

سلمت الأنامل اللي لبست غدونة هالمايوه
و كتبت لنا هذه السطور ..

بوسيها لي بليـــــز :*

ReLaaaX يقول...

اخترعت من صورة العنكبوته :/

والله ماتنلامين اشنع شي عقب الزهيويه العناكب :p


والله يخلي لج غدونه ويخليج لها ولايحرمكم من بعض ياربي

xname يقول...

اللــــه رووعه

أحب كتاباتج ...

أحساسي بكل كلمه لها ركيزه ثابته
إذا شلتها يختل توازن الكلام ...


ربي يحفظلج غدون ويخليها لكم :*

حَافِـيَةُ الَقَدمَيّـنْ ولِبَاسِي المَطـرْ يقول...

سبمبوت !!
اول شي عيني عليج بارده
ثاني شي
بتظلمين نفسج إذا ما نزلتيلج كتاب
ياخي عندج سحر وانتي تكتبين !
احس الإسلوب سلس وبسيط وواقعي
مشالله علييج :*
والله يخليلج هالبنوته إنشالله
وتتربى بعزج انتي وابوها
ناطرينج :)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت