كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 2 أغسطس 2009

كنا خمسة .. وكانت خيمة


(1)
كل الأشياء الموجودة خلف الباب كنت احفظها عن ظهر غيب، كل الأحاديث التي كان يقولها في جوف الليل سرا أسمعها في وقتها، وكل الحركات الغبية التي كان يقوم بها لوحدة امام مرآته المعلقة اعرفها جيدا.
على الرغم من ان عمره كان 10 سنوات عندما اشترى والداه المنزل الملاصق لمنزلنا إلا أن العلاقة التي تكونت بصمت بيني وبينه كانت جديرة بالإهتمام.

عندما سكنوا المنزل الجديد، وعندما فتحت للمرة الأولى شباك غرفتي ورأيت للمرة الأولى سريره المقابل للنافذة اغتضت، كان عمري وقتها 9 سنوات وكنّا أول القاطنين في المنطقة. وحيدة بلا صديقات ولا جيران تمنيت ان يكون للجيران الجدد بنتا بعمري، ولكنهم بدلا من الفتاة جاءوا لي بولد مولع بالكرة وأبطال النينجا. عرفت ذلك من بطانبة النوم التي استلقت برخاء على فراشه مزركشة برسومات صبيانية بحتة. زفرت وأغلقت الستارة وقررت أنني لن العب معه ولن اكون صديقته.

تعارفنا في منزلهم للمرة الأولى عندما اصحبتني والدتي للترحيب بالجيران الجدد في المنطقة، أمي صفحة مخلوعة من كتاب أجنبي ليس له موقع من الإعراب في مجتمعنا العربي البحت، عاشت هي وأبي ومن ثم انا وأخي في أمريكا التسع سنين الأخيرة، هو يدرس في جامعة فيلاديفيا للتكنولوجيا العسكرية، وهي تتعلم كل ما يحلو لها. بدأت في دروس اللغة الإنجليزية، ثم الأسبانية عندما أتقنتها. سئمت اللغات فإنتقلت كالفراشة الرائقة الى فصول التجميل والأناقة لتتعلم فنون تصفيف الشعر والماكياج. ومنها الى فصول مكثفة في الطبخ والمطبخ العالمي.
أمي ربة منزل متحضرة الى أبعد الحدود. في قعر بقعة حديثة جدا من منطقة قرطبة، خبزت سلة من الكوكيز والمافن وسحبتني بلا موعد ولا سابق تخطيط معها للترحيب بالجيران الجدد الذين هو الآخرين قدموا من مكان ما، حاملين في جعبتهم خواطر واردة لصداقة جديدة.

بإبتسامة عريضة استقبلت صاحبة المنزل الجديد أمي التي كانت تحمل سلتها في يد وتسحبني في اليد الأخرى، قابلتها والدتي بإبتسامة أعرض وسلمت عليها بحرارة. للحظة اعتقدت انهما صديقتان قديمتان قد جمعتهما الأيام بعد طول فراق، ولكن مع احتدام الحوار اكتشفت انهن في طور حقيقي للتعارف المبدئي وفي خضم احتمالية كبيرة لإنشاء صداقة طويلة المدى!

قرصت خالتي الجديدة خدي ومررت أصابعها في شعري وسألتني عن إسمي، لم أرد وآثرت الجلوس بدوامة الملل التي لاكتني في فمها ولم تترك لي فرصة حتى للتذمر خفية في عين والدتي. تقطع خالتي الجديدة حديثها الصاخب مع والدتي لتلتفت علي وتخبرني أن ابنتها " مروة" عند عمتها. أسكرني الخبر وفي محض ثانية أنشأت بيني وبين نفسي ومروة صداقة هي الأخرى تعج بحفلات الشاي، وزيارات الى منزل باربي وكين الكبير الذي اشتريته من لندن، وغيرها من الخطط المستقبلية باهرة الطلة. ولكن خالتي الجديدة أبت إلا أن تخبرني الحقيقة المرة أن مروة لا يتعدّى عمرها الأربع سنوات، وأصرت رغما عني أنها ستغدو صديقتي!

في هذه اللحظة بالذات بينما على وجهي مليون خيبة أتى يقفز السلم الرخامي أعدادا زوجية! ذاته الصبي المولع بالكرة وسلاحف النينجا والسيوف البلاستيكية وألعاب الفيديو، عرفت لحظتها ان اسمه " عبداللطيف" وأنه أكبر منّي بسنة واحدة. شكل "عبداللطيف" عادي جدا ولكنه حتما من ذلك النوع من الأولاد الذي يهتم بشعره أكثر من اللازم ولا يخرج من غرفته إلا وقد أوقفه منتصبا بأطنان جل وواكس وغيرها من الأشياء المصاحبة للمفهوم المبدئي للوسامة !

مد يده ليسلم علي ولكني مرة أخرى امتنع من الشروع بأي ايماءة اجتماعية تدل على تقبلي الضمني للجيران الجدد، فقد أتوا محملين بكل ما لا أريد.

في غرفتي أحنق على الحظ الذي لا يواتي، في بيتنا الكبير أخي وأنا، وفي بيتهم الملاصق هو وأخته التي لا تمت لعمر نشأتي وتطلعاتي بصلة! أخبرت أمي عن اضطرابي وعمق حزني، واجهتها بالحقيقة المرة أنني لا أجد في هذه المنطقة الجديدة ما يسعدني، المدرسة الجديدة مليئة بفتيات غريبات الأطوار الذين لا يشبهونني بأي شكل. أخبرتها أنني أريد الرجوع لمدرستي القديمة، بين صديقاتي اللاتي احفظهن عن ظهر غيب، طيبة ودلال ونور ودانة كلهم يعرفونني، يجعلونني اضحك ملئ قلبي، ويجلبون لي هدايا في عيد ميلادي لإنهم ببساطة يعرفون متى يوم ميلادي.

لم اكن اعلم ان قرب المنزلين متطرف الى هذه الدرجة، مُلحقي منازلنا أنا وهو متلاصقان، وغرفتينا مصادفة وقعتا فوق الملحقين! كان الأمر مزعجا في البداية أن أسمع صوته وهو يتحدث في الهاتف، أو صوت الموسيقى التي تصدح من غرفته. كنت أسمع كل شيء، حتى صوت أمه الحاد وهي تناديه للغداء، وصوت والده المخيف وهو يصحيه للمدرسة في الصباح! اسراره تدريجيا باتت تقفز في حضن غرفتي، تلك الفتاة التي يكلمها بالهاتف عندما يزوره صديقه الأسمر، ضحكاتهم المكتومة خلف السماعة، وكل الأكاذيب التي يقولانها لها المسكينة التي تصدق ودائما تعاود الإتصال.

لا أعلم إن كان هو الآخر يسمع ما أقوم به في خلوة غرفتي، كنت أبكي عادة وحدة البيت الجديد، أنام لساعات طويلة، اشاهد التلفاز وأحادث صديقاتي من الزمن الجميل. لا اعلم ان كان يتابعني ويتسلى في تفاصيل حياتي مثلما احيانا أفعل .. ولكن ستارته كانت دائما مفتوحة .. وستارتي كانت دائما مغلقة!

أنام في ليلة مبكرا جدا، التحف بالغطاء وأفكر بأشياء كنت أحبها وأحلام لابد أحققها في يوم، أغمض عيني وأغفو بسرعة. أصحو على دفئ يد تهزني، ولمحة من شعر يلمع في حلكة الظلمة. كان هو، يقف على تاج سريري ويبتسم، يناديني بإسمي ويسحبني من يدي، أقف ونصف نومة معلقة في عيني وعلامة استفهام حائرة مطبوعة على جبيني. يجري لخزانتي يفتحها ويجلب لي حذاء، يضعه عند قدمي ويدفعني داخله، ارتدي حذائي فيسحبني الى النافذة. تماما مثل بيتربان قفزنا انا وهو من النافذة الى سطح الملحق الملاصق، خفت في البداية وقفز قلبي من قفصه. من سطح الملحق الى السلم الخشبي المعلق، نزولا الى الأرض .. جرى وجريت خلفه. بعيدا عن المكان الذي اعرف .. بعيدا عن المنزل.

مشيا على الأقدام أمشي انا وهو، لازال يمسك بيدي، كان يرتدي بيجامة نوم ومعطف طويل أسود. لم أسأله أين نحن ذاهبان، ولم يتبرع هو لي بالإجابة. في صمت نمشي، وكأنني في فيلم سينمائي او عالم جاء لي في حلم، بين البيوت الغير مكتملة، النصف مبنية النصف مهدمة، بين الشوارع المهجورة والسيارات الرابضة. أعلم أن الوقت لم يكن متأخرا لإن لازالت أنوار البيوت مضاءة. انسحبت في غموض المغامرة وروعة الإحساس بالإثارة. لأول مرة أشعر أنني أثق به على الرغم من أنني لا أعرفه.

في طور البناء هناك بيت، دائري بلا زوايا. خلف البيت براحة رملية متوارية عن الأنظار، محاطة بشجيرات البيوت المجاورة وسيارات اصحابهم. في وسط البراحة خيمة صغيرة برتقالية مصقولة وبجانبها نار مشتعلة. داخل الخيمة كيانات تتحرك. لأول مرة أفتح فمي :
" من هؤلاء ؟"
ولأول مرة منذ خطفني يفلت يدي ويلتفت نحوي ويخبرني :
"أصدقاء".

في الخيمة ضاري ونواف وناصر، كلهم في مثل عمري، دخلنا أنا وعبداللطيف. داخل الخيمة تلفزيون صغير جدا ولعبة أتاري بدائية. قناني مشروبات غازية في صندوق ثلج أحمر. ضوء سراي قديم ينير الخيمة، ومأكولات سريعة شيبس وكيك وخبز وجبن "قلاص" .. داخل الخمية أنا وأربعة أولاد .. ومئة ألف حلم غزلناها على مدى تسع سنوات قادمة من التجمعات السرية اليومية ..
داخل الخيمة مليون ضحكة من القلب اختزلت كل الفروقات فيما بيننا فأصبح لنا خيمة، ومرج .. وتاريخ!
يتبع ...

هناك 12 تعليقًا:

Angel Orchid يقول...

بداية مشوقة كالعادة ..

انتظر التكملة بفارغ الصبر ...


بالتوفيق صديقتي :)

نون النساء يقول...

بإنتظار الـــ يتبع :)

ARTFUL يقول...

ناطرين الباجي؟؟

:)

شكلها حلوه

ممكن البنت ان تنتقل من قمة الخوف والملل الى التسليم الكامل للمجهول؟؟

Sweet Revenge يقول...

تذكرني بمغامراتنا واحنا صغار
ناطرين سبمبوت :)

chandal/danchal!! يقول...

باك تو ذا نيفيرلاند



بالانتظار

:)

~ هند ~ يقول...

مشوقة =)

~أنطر يتبع

الخيلاء يقول...

غصت في روعه التفاصيل

بالانتظار :)

*Being One يقول...

ﻧﺎاﻃﺮﻳﻴﻦ اﻟﺘﻜﻤﻠﻪ ﺑﺲ ﻣﻮ ﻃﻮﻟﻴﻦ ﻋﻠﻴﻨﺎ :)

Najmah يقول...

حدددي مندمجة

كملي
:**

انونيمس بالعربي يقول...

يعطيج العافية

تذكرت فيلم
the kite runner
بس اشوة هالقصة غير وماتعور القلب

وناسة :)) يالله متى التكملة؟ :))

حَافِـيَةُ الَقَدمَيّـنْ ولِبَاسِي المَطـرْ يقول...

مذهله حتى الآن
بإنتظارك :)

AseeL يقول...

الفروقـــــــــات..
لها أن تكون تخوما بعيدة
ولها تذوب إن عزمنا على ذلك

الاحتمال ضيف بهي..
في حضور السيد انسان

تبدو وكأنها مذكرات أكثر من كونها قصة
جميل هو سرد الطفولة على الورق

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت