كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 3 أغسطس، 2009

أربع حوارات .. وطلقة !



(2)
منذ ثلاث سنوات وطئت قدمي أرض الخيمة البرتقالية الصغيرة لأول مرة، كانت واحدة من الهدايا التي يسبغها والد ضاري عليه كلما عاد من سفرية "بيزنس" كما كان يسميها.
كان ضاري يبتسم ويرفع يديه بعلامة "بين قوسين" الساخرة دائما عندنا يتكلم عن سفريات والده "البيزنس".
لم يكن ضاري غبيا ولا أختيه ولا والدته التي رضيت بالأمر الواقع وسمحت لهدايا ثمينة تنزل عليها من سماء الطائرات الفارهة أن تشتري كرامتها وسكوتها. كما كان المرجح أن امه ايضا كانت تستمتع بحياتها كيفما شاءت، تصاحب من تصاحب، وتقضي ليالي طويلة خارج المنزل في حفلات صاخبة وصداقات مشبوهة.
كنّا كلنا نعلم .. ولكننا نؤثر السكوت.
رغم عمرنا الصغير علمنا ان والد ضاري سمسار نخاسة، وشركة العمالة المنزلية التي كانت تغطيه بالأموال والجاه والثراء الفاحش لم تكن فقط شركة مجردة لعمالة منزلية آسيوية. رغم عمرنا الصغير علمنا أن جيوب دشاديش والد ضاري تفوح برائحة نتنة!

الخيمة التي نقطنها ليلا وتسكننا لساعات متأخرة من الليل مصنوعة من الجلد الطبيعي، برتقالي شاحب. في أحد تجلياته قال ضاري أننا إذا عزلنا مالا نستطيع بيع هذه الخيمة الصغيرة بما يقارب الخمسة آلاف دينار. ضحكنا عليه في البداية ولكن مع تقادم الوعي بطبيعة هدايا والد ضاري، علمنا انها ليست خيمة عادية.

حوار جانبي من داخل الخيمة يصل الى مسامعي رغما عني بينما كنت خارجها، يخبر فيه ناصر عبداللطيف ان لا يسمح لأخته مروى بزيارة بيت ضاري، فوالده أحيانا يكون هناك. وعلى الرغم من ان اختي ضاري أكبر من مروة بمراحل، إلا أنهما يحبانها كأخت صغرى، يدللانها ويسبغون عليها بالهدايا واللعب.
كانت مروى الصغيرة تحب الذهاب لأختي ضاري، إلا أن البيت موبوء بوجود والد ضاري الذي قلل بصورة مطردة من أسفارة
" البيزنس" هذه الأيام خوفا من العيون التي بدأت تتفتح عليه! كما يعج البيت ايضا بأصدقاء أم ضاري من الرجال الذين تجالسهم حتى بوجود زوجها. فسّر ناصر أن بيئة بيت ضاري غريبة، فلا خطوط حمراء ولا حدود! كنّا صغارا وقتها .. في أولى سنين المراهقة، ولكننا كنّا نعي بالضبط ما يدور حولنا في عالم الكبار.

اضطربت وأنا أسمع خطوات ضاري يقترب من باب الخيمة، كان ضاري في الحمّام الذي بنيناه بسواعدنا من طابوق منوّع واسمنت طيني، عشرة امتار او أكثر بعيدا عن الخيمة. كنت احب ضاري على الرغم من مساوئه وسواد تاريخ أسرته. سمعة والده ومن اين يأتي بأمواله لم تشكل يوما سببا مقنعا لي لإبعاد ضاري عن دائرة الصداقة الحيمية التي جمعتني معه. في الخيمة لم نكن نعير الخلفيات الأسرية أهمية، كنا نحن الخمسة داخلها مقطوعين من الحبال التي تربطنا في أرض الواقع.

يتقدم ضاري نحوي أكثر، فأصرخ بحماس انادي اسمه ليسمع القابعان في الداخل ويكفان عن الحديث الذي من الممكن ان يجرح صديقنا، أسمع ناصر بحدة يقول : " اذا لم تخبره انت .. سأخبره انا"! أبلع ريقي وأبدأ حوارا خارجيا مع ضاري عن أي شيء!

في الخيمة نجلس نحن الخمسة بعد وجبة ما بعد منتصف الليل، توستتين من الخبز الأبيض الطري، جبن قلاص "كرافت" وبطاطا ليز المملحة منثورة داخلها ومضغوطة بين الشطيرتين الى أن أسلمت روحها. كانت العادة ان نأكل سندويشاتنا المعتادة على إعادة يومية لمسرحية "مدرسة المشاغبين"، ولكن جهاز العرض لم يعمل ذلك اليوم، فأمتعنا نوّاف بنكت غبية يقتنصها من الحفلات الكوميدية المصرية. كان نواف يروي النكتة وناصر يردد بفمه صوت الموسيقى الذي يتبع النكت. كانت النكت سمجة وغبية ولا تمت لمجتمعنا ولا لخلفياتنا البورجوازية بصلة، ولكننا كنّا نسكر ضحكا كلنا ونستلقي على ظهورنا متعلقين بأي نسمة هواء اضافية.

الساعة الواحدة عادة ما تتلاشى خيوط الصحبة ويبدأ فينا النعاس، عادة ما يستلقي نواف في زاوية الخيمة اليمنى ويغفو، وعادة ما أزور بدوري "المختلى" كما كنّا نسميه بعد نوبة ضحك عاتية. لم أستوعب وقتها أن ضاري وعبداللطيف وناصر كانوا منفردين وإلا لما تركت المكان وسمحت لنقاش مسموم أن يأخذ مكانا في الخيمة الجميلة.

أخرج من الحمّام لأجد الثلاثة خارج الخيمة وقد علت نبرة أصواتهم، ضاري وناصر متقابلين كغريمين قديمين وعبداللطيف في بقعة ضائعة في المنتصف لا يعرف الى اي الجهات يميل. أسمع صوت ناصر يستهزء بشيئ من التثاقل بقيم ضاري، برخص كرامة والدته التي لازالت مستقرة في بيت قذر مبني على أموال الحرام والدعارة، لازالت نائمة في فراش رجل تمرغ جلده بالعيب والعار والفضيحة. وصل ناصر الى مرحلة متقدمة من العداء لضروف ضاري القسرية، كان الأخير يقف بإنتصاب يستمع بهدوء. ولكنه اهتز وارتعد عندما تنبأ ناصر أن الدور في الضياع قادم لا محالة الى أخوات ضاري اللاتي يحبهن أكثر من الدنيا وما فيها. أسمع ناصر يتفوه بتصريحات موجعة:

" سيبيع والدك أخواتك لرجال أثرياء مثلما يبيع آسيوياته"

هنا انتفض ضاري، ووقف عبداللطيف ببنيته العريضة حاجزا في الوسط بين اللوم وعدم الحيلة. في عمر الثالثة عشر ماذا عسانا أن نفعل لنغير ديناميكية حياة آباؤنا، او امبراطورية بنوها ذوينا؟ كيف بيدنا ان نزحزح اطباعهم؟ أن نغير نظرتهم للحياة وللخطأ والصواب؟ كيف لضاري وعبداللطيف وناصر ونواف وحتى أنا في أن نحيد عن الطريق المرسوم مسبقا لنا، المدبوغة عليه أسماءنا وتفاصيل مستقبلنا؟

ضاري في ذهول، عبداللطيف في الوسط، ناصر تقفز على محياه بدايات ندم .. وأنا من بعيد أراقب الحوار الرابع من هذا النوع على مدى ثلاث سنوات من التآلف الروحي الذي جمعنا. لماذا تظهر أفعى الخلاف دائما على ما ليس لنا يد فيه؟ نعاير بعضنا من فترة وأخرى!
نضحك على أنفسنا، نتواري خلف قناعات غير مكتملة عندما نقول " هذا انا .. ليس هذا أبي" كم أنشدنا هذه المقولة في نهاية صولات نقاشاتنا .. نتفق عليها ثم ما نلبث ان ننساها ونعود مرّة أخرى الى نفث سموم "ما قبل وجودنا" على نفس الطاولة التي نأكل عليها خبزنا وملحنا! أصرخ من مكاني:

" كفى"

تتقابل عيني وعبداللطيف في منتصف المسافة، المح ألما في عينيه ويلمح داخلي خيبة .. كنت بمثابة أختهم، صديقتهم وأميرتهم المدللة التي كان تواجدها منذ البداية مهم جدا لكبح جماح التوستوسترون الرجولي الذي يملئ أجسادهم رغبة عارمة في القتال. جئت انا وجلبت شيئا من الرقة واللطف والعقل معي. كانوا جميعهم يعلمون أنني بدأت اضيق ذرعا بهكذا امور!

لملمت حاجياتي بسرعة، وسرت بإتجاه البيت دون ان أكلم أحدا، أسمع خطوات ناصر يغادر ايضا، ضاري يوقض نواف ليذهب هو الآخر للبيت. وعبداللطيف دون أن اراه أعلم أنه يسير خلفي .. يتأكد أنني وصلت لغرفتي بسلام ويذهب هو الآخر لبيته.

في الصباح .. نسمع خبر موت ضاري من خالتي أم عبدالطيف، قتل نفسه بطلقة رصاصة واحدة في سيارة والده .. جالسا على الكرسي الذي يقود فيه أبوه مسيرته، مات بعد أن غطّى المرآة العاكسة الامامية بقماش أسود .. ربما لإنه لا يريد أن يرى نفسه بعد اليوم!

المسدس الذي استخدمه كان هو الآخر هدية من واحده من اسفاره "البيزنس"!
يتبع ...

هناك 15 تعليقًا:

Angel Orchid يقول...

الصراحة ماعندي تعليق :)
اندمجت اندماجة مو طبيعية

ناطرينج على احر من الجمر ;*

ARTFUL يقول...

@@

متابع

ZooZ "3grbgr" يقول...

بجيت بالدوام

كان يمثلي الامل بتغيير المستقبل

بالحضن الحنون للاخوات

موته يمثل الخوف

:/

نون النساء يقول...

بعض الكلام أشدّ على الإنسان من طلقة في الرأس..

أتيت متاخرة يقول...

كنت ماخذه وعد من أمس اني ما اعلق الا لما تخلص اجزاء القصة بس عورني قلبي على ضاري

حرام يحاسب الولد بذنب أبوه

اهو في مرحلة مراهقة (13 ) سنة ثورة في كل شي بحياته
أحسه ان مواجهته بواقع ابوه حتى لو اهوا يعرفها صعبت الامور اكثر

كملي القصة

Sweet Revenge يقول...

:( امه وابوه جنوا عليه ,ظنيت انها نهاية الحكاية ,في الانتظار لباقي الاصحاب

~ هند ~ يقول...

لاااااااا

=(

aL-NooR . يقول...

متــــــــــــابعة
D:


******************

*Being One يقول...

مسكييين شذنبه اهوا !!!
ناطرين التكمله

الزين يقول...

انا قاعدة

اصيح

....


الله يسامحج

esTeKaNa يقول...

نغيب
وتبتعد المساافات مابين قراءة وقراءة
ونعود
لنراك ما زلتي سمبموت المبدعه
المتفرده في نقل الصورة ومجريات الأحداث
أم غدن
دمتي رائعه دائما
:)
كيف حال صحتك وصحه البيبي القادم؟
وطمنيني عن غدن الجميلة وابو غدن؟
اتمنى انك بخير انتي وكل من تحبين
:))
وبانتظار البقية

غير معرف يقول...

حرااام

:"(

حَافِـيَةُ الَقَدمَيّـنْ ولِبَاسِي المَطـرْ يقول...

احح !!
هذي نتيجة فعايل الأبهات
محد ياكلها غير هالمساكين
ناطرين الباجي

سبمبوت يقول...

Angel Orchid


الجاي أحلى .. راح أحاول ما ابجيكم.



Artful


دائما متابع ما شاء الله عليك .. ما ادري ليش حاسة نفسي شهرزاد :)


زوز عقربقر

لا تبجين حبيبتي .. أحيانا لا تستوعب العقول الغضة مقدار الألم فتقرر الرحيل. ربما هو أكثر راحة الآن.



نون النساء

صدقتي



أتيت متأخرة
وايد ناس قالوا لي انهم ما راح يعلقون إلا لما تنتهي السلسلة .. بس قاموا يخدعون نفسهم ما يعلقون بالمدونة بس يطيحوله اتصالات ومسجات لووووول .. وايد احبكم لما تندمجون لدرجة يستعصي فيها السكوت.



Sweet revenge

لم تنتهي القصة .. باقي اربع أجزاء.



هند

هونيها وتهون



النور

سعيدة بمتابعتك



Being one

التكلمة قادمة



الزين

لا تصيحين إنتي في اجازة .. لا تقرين الباجي إلا لما توصلين الكويت .. ما نبي دراما ببريطانيا !!



استكانة

توة ما نورت الكويت يا استكانتنا الغالية .. أنا بخير، توها الكرة تبين على بطني والبيبي في غاية الشطانة .. توني حتى ما دخلت الخامس وأحس فيه / فيها طايحله ترفس.
غدن تكبر بصورة سريعة جدا أكاد لا استطيع اللحاق بها. صديقتي وحبيبتي وبيدها ضحكتي وابتسامتي .. عسى الله يخليها ويوفقها يا رب.
أبونا صار له عشرة أيام في الكويت بسبب خلل في فيزة العمل التابعة للسعودية .. وإحنا الكشرة من هني لي هني .. أبدا مو مستعجلين على الفيزا:)


غير معرف

ما قدر يستمر .. " ما يعرفه أكثر بكثير مما يعرفه الناس ويتهامسون عليه".



حافية القدمين

عسى وعسى موته يكون في عبرة للأب.

الوتيــــــــــن يقول...

ياقلبي عليك يا ضاري ... تألم مرتين ..

قلبي عورني

متابعه ....

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت