كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الثلاثاء، 4 أغسطس، 2009

ثلاث اعتبارات .. وفرضية !




(3)
بعد سنة من وفاة ضاري توقفنا عن الحديث عنه، خفّت حدة نظرات اللوم والعتاب المكتومة التي تعلو وجوهنا في وجه ناصر كلما ذكر أحدنا اسمه في حكاية او ذكرى، ونضبت لوعة الذنب التي كانت تزهر بصدق على جبينه.
كلنا يعلم أنه لم ينهي حياته لمجرد النقاش الذي دار في تلك الليلة، كانت مخلفات الدمار النفسي تأخذ مجراها في دهاليز ضاري بحدة يوما بعد يوم. الشكل النهائي للأسرة التي يعيش داخلها بات يأخذ منحى آخر لم يتقبله ضاري ولا أختيه. الداخل كان أكثر ظلاما مما ما يراه الناس ويتهامسون عنه، ضاري كان يعلم ويرى أشياء أكثر بكثير مما كنّا نعرف ونرى. هو وأختيه في النهاية آثروا العذاب بصمت على أن ينسفوا الوحدة الظاهرية للعائلة "الكريمة".

انتهى موضوع ضاري وأفلت سيرته عندما دفنا له صورة في فناء خلف الخيمة، وقررنا أن لا نتحدث في موضوع عائلته الذي كان يوجعه طوال حياتنا. مع الصورة دفنا سكين السويس آرمي التي لم تفارقه يوما، وفوق قبر الصورة شاهدا على المدفن غرسنا وتدا اضافيا من أوتاد خيمته .. خيمتنا.

بعد السنة ايضا التحقنا كلنا في المرحلة الثانوية، أنا في مدرستي الخاصة ثنائية اللغة بريطانية الصرامة، عبداللطيف في مدرسته الامريكية، ناصر في مدرسته الخاصة ذات النهج الإسلامي المعتدل، ونواف انتقل الى مدرسة حكومية جديده عمّه هو مديرها. كانت بداية العالم الدراسي تعج بالكثير من التطلعات، تطورت أحاديثنا وأصبحت أكثر نضوجا وأحلامنا أكثر واقعية. بدأنا فعلا نفكر في بوادر مستقبلنا وما الذي نريده من السنوات القريبة القادمة! وكلنا صعقنا عندما علمنا من لا شيء ان نواف يحب بنتا!!

الحب .. مفهوم شهير جديد علينا، على الرغم من انحشار طبيعة حياتنا في دائرة التحرر – عدا ناصر – إلا أننا لم نطرق أبواب العواطف الغرامية داخلنا، لازالت موصدة هذه الأبواب ولم يدخل قلوبنا الى الآن حتى بدايات متواضعة لإعجاب ضمني في أي من الأصدقاء والزملاء الموجدين في حياتنا. حتى وجودي بينهم الأربعة، الفتاة الوحيدة الملتصقة بصباهم ونشأة العواطف فيهم، لم يخلق يوما ميلا غراميا ولا حسيّا إتجاهي من قبلهم، أو تفضيلا من جهتي لأي منهم على أسس غير الصداقة المتينة التي جمعتنا!

أن يبدأ نواف بقصة حب بيننا كان امرا غاية في الطرافة وفي الجدية في آن.

أم نواف "هيبي" كويتية! تعشق الطبيعة، لا تأكل اللحوم ولا الحيوانات، تبكي لمرآى الأشجار الجافة المهملة على قارعة طرقات الكويت، وتحبس نفسها لأيام إن دهست قطا في الشارع عن طريق الخطأ. كان دائما لنواف جانبا من جنون أمه ولكنه لم يكن بحدة تطرفها.
نواف هو من يقوم بزراعة الزهور في البراحة أمام الخيمة أيام الربيع، وهو من ينبهنا ان لا ندوس على طابور النمل في طريق عودتنا الى منازلنا. وهو أيضا من يعلمنا بعضا من حركات اليوغا والتأمل التي يتعلمها بدوره من أمه وصديقاتها غريبات الأطوار من كل جنسية عالمية.
نضحك كثيرا وهو يحكي لنا عن طرائفهن عندما يتحلقن حول عشبة نادرة ميكروسكوبية لا ترى بالعين المجردة، يمسكون بأيدي يعضهن ويستمدّون طاقتها، الى أن جاء أخيه الصغير يوما الى وسط الدائرة فداسها وحملها معه دون ان يدري عندما التصقت في قدمه، فلم تعلم النساء السابحات في بحر التأمل أن العشبة اختفت، وأخذوا يستمدون لساعات طاقة من لا شيء. ونضحك أكثر عندما أخبرنا أن امه قررت أنها ولمدة ثلاث أيام ستمتنع عن الأكل لإنها ستأخذ غذائها اليومي من أشعة الشمس!!
انتهى المطاف بوالدته البيضاء في المستشفى من أثر حروق جلدية من الساعات الطويلة التي قضتها في وجه شمس الكويت، وحالة مستعصية من الوهن الجسدي نتيجة المجاعة والجفاف ! كانت فعلا غريبة الأطوار، ولكنها طيبة مبتسمة سعيدة دائما، تتحدث بصوت خافت جدا وتدعو الى الحب والسلام والتآلف والإرتباط الروحي. تعصر لنا أعشابها الخضراء لنشرب رحيق الأرض فتتبارك أجسادنا بتاريخ الأرض وقوتها الأزلية!

يرن جرس هاتف نواف عند منتصف الليل بينما نحن في إندماج مستعصي مع مسرحية "وجهة نظر"، ينقطع سكون ليل الخيمة برنين الجهاز ودقات قلبه، يضطرب ويقفز من موقعه خارج الخيمة، نصمت جميعنا وننظر لبعضنا، ثواني ونخرج إليه.. نتحلق حول نواف الذي جلس على واحد من الكراسي التي وضعناها في البراحة .. يحب ويناجي، ونحن له منصتون!

كانت اللمسة الأولى لبوادر العشق التي اعترت صديقنا "إبن الطبيعة" كما يسميه عبداللطيف رقيقة ولطيفة الى أبعد الحدود. لمستنا نعومة المشاعر الصادقة فيها، رقة الهمسات الذهبية المتلألأة كالنجوم في سماء الروح. كان نوّاف إنسانا يقدر المشاعر الإنسانية ولا يستهزأ بها مهما كانت، لذلك أيقنّا في وقت مبكر جدا أن مشاعره لهذه الفتاة صادقة وأنه فعلا يسبح في بحر لم نخض فيه من قبل.
صداقتنا هي الأخرى وحميميتنا لعبت دورا في فتح الشبابيك المغلقة على اعتبارات جديدة علينا، كنّا قريبين جدا الى درجة انه لم يرفض يوما جلوسنا حوله وهو يحادثها، كلن يسمح لنا في الإستماع الى نبض قلبه، في الإستمتاع في ذلك المشهد الحقيقي من مسرحية واقعية تلامسنا وتربت بحنان على قلوبنا. لم يحادثنا يوما بشأنها، ونحن لم نكن نسأل ..
ولكنه كان أكبرنا، يسبقنا في مضمار الحياة بسنة، فلم نكن نحن لنعارضه على الطريق الجميل الذي انتقاه لقلبه.

تمر الأيام في الخمية قصيرة وسريعة، ليالينا تتكاثر في الشتاء، في هذه المرحلة أصبحت الخيمة بيتنا الثاني ومأوانا الليلي الذي يضمنا في حضنه لنعيش عالما مختلفا عن عوالمنا التي في بيوتنا.

أذكر كانت ليلة أربعاء، البرد كان قاسيا والخيمة الصغيرة أشبه ببيت اسكيمو ثلجي من الداخل. ناصر وأنا نلعب لعبة فيديو عتيدة، وعبداللطيف يجلس يحل واجباته المدرسية التي أرجأها لوقت متأخر من الليل كعادته. دخل نواف وفي يديه علبة مسطحة مليئة بالفطاير الحارة، كانت فطيرة الجبنة الذائبة والزعتر المنثور بالضبط ما أردناه في هكذا ليلة. تحلقنا حول الطعام وبدأنا كعادتنا في حوار رائق مليئ بإعتبارات شجية :
" ماذا لو تزوجت رجلا من غير جنسيتي؟"..
"ماذا لو رسب عبداللطيف هذه السنة؟" ..
"ماذا لو تطرف ناصر فجأة وأصبح إرهابيا" !!

نضحك عادة على تلك الإعتبارات الفرضية، ونحيك فيها ومنها الكثير من القصص الطريفة التي تمتد الى ما لا نهاية! سكتنا قليلا وتكلم نواف: " ماذا لو قلت لكم أنني سأتزوج"؟

توقفت أفواهنا عن المضغ فجأة، وتكدست نضراتنا الثاقبة على نواف بإنتظار المزيد. لم يكن ما قاله نواف اعتبارا فرضيا مشابه لتخاريفنا، كان تصريحه نظرية قائمة قابلة للتطبيق لحقيقة إكتمال جوانبها .. حتى وإن كانت بعيدة عن الواقع!

على الرغم من كل الضحكات النزقة التي تلت التصريح، إلا أن تلك الليلة كانت من آخر الليالي التي يقضي فيها نواف أمسية اعتيادية بالخيمة بروح كاملة.
بعد أربع شهور تزوج نواف من بدور وهو في السادسة عشر من عمره وهي في الخامسة عشرة بمباركة والدته التي ساندت حبه وفتحت له الأبواب الموصدة بأموالها وإسم أسرتها. كانت دائما تدعو للحب والتآلف والترابط الروحي .. فلم تبخل في مبادئها على ابنها على الرغم من صغر سنّه، حققت حلمة المبكر جدا بالزواج من الفتاة التي يحب ..

غاب نواف عن الخيمة الى الأبد .. لإنه بعد أقل من سنة .. أصبح أبا وهو في السابعة عشرة!
يتبع ...

هناك 6 تعليقات:

ARTFUL يقول...

حلو متابع


أكيد مهي حقيقية عدل؟؟

Angel Orchid يقول...

أحببت صداقتهم رغم اختلاف الجنس والتكوين والتفكير والبيئة...

بدعتي صج صج بدعتي ؛)

بانتظار الجزء الرابع ...

ZooZ "3grbgr" يقول...

تحلقنا حول الطعام وبدأنا كعادتنا في حوار رائق مليئ بإعتبارات شجية :

" ماذا لو تزوجت رجلا من غير جنسيتي؟"..

"ماذا لو رسب عبداللطيف هذه السنة؟" ..

"ماذا لو تطرف ناصر فجأة وأصبح إرهابيا" !!

إرهابياً ؟؟؟؟؟

ما بدت الكلمة تتداول إلا في 2001 بعد احداث 11 سبتمبر

شكلها كانت كلمة ثانيه أعرفها هههههههه


أدري شقاعده تقولين

هذي اللي ما بجيتها هالمره قامت تناشبني باللي أكتبه

~~p:

أحبج شسوي

:")

~ هند ~ يقول...

=)

لما قريت أصبح أباً .. "فرحت"
مادري ليش؟



ومتابعه،،

xname يقول...

قاعده أقرى الأجزاء مره ومرتين
وثلاث ..!

انتي قاعده تعلميني درس الصبر
وآنا كلش مو صبوووره

بانتظااار التكمله ...

مطعم على الطاير يقول...

http://laziiz14.blogspot.com/2009/06/blog-post_4894.html

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت