كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 6 أغسطس، 2009

عيدين .. لا ثالث لهما !



(4)
في العشرين كبرنا على أنفسنا نحن الثلاثة ولكننا لم نكبر على خيمتنا، لم الاحظ يوما كيف تغيرت ملامح صاحباي ولا كيف تحوّل الصبية الذين نشأت بين عيونهم الى رجالا طويلي القامة مكتملي الرجولة!
ولم يهتما هما كثيرا في التغييرات الكثيرة التي حصلت في دائرتي الإنثوية.

حوادث من المفروض أن تكون محرجة مثل بروز مفاجئ لأشيائهم التي تختبئ في بناطيلهم بينما هم نائمين، بقعة الدم التي التصقت خلفي في فترات أهملت فيها نفسي، ظهور الخيط الاول من شواربهم وشعر وجوههم، تغير أصواتهم وبروز نهداي كانت كلها من الممكن أن تكون مثار نقاشات غير مريحة. ولكن بيننا لم يكن هناك شيئا يختبئ ولم يكن هناك ما يحرج! نعلم اننا في طور النمو، ونعلم اننا سنتغير كل في طريقته الخاصة. تواجدت بعض التلميحات الطريفة على ناصية النضوج، ولكنها لم تكن يوما دنيئة .. كنّا فعلا أصدقاء.
وعندما تذمرت من حاجتي الى سلة قمامة في الحمّام .. احضروها لي بلا نقاش .. كانوا يعلمون .. وكانوا يقدرون !

إكتشفت والدة ناصر في ليلة أن ابنها يكذب عليها، كانت حجته للخروج من المنزل في أول الليل من كل يوم والعودة في آخره هي ديوانية واحد من الأصدقاء الذين تعرف والدته أنه من جماعة المسجد التي نشأ ناصر في احضانها. بالمصادفة، رأت أم ناصر الصديق في رحلة عمرة بينما كانت للتو قد تخابرت مع ناصر وأخبرها أنه سيعود ديوانية "عبدالعزيز" كما يفعل كل ليلة.
سألت عبدالعزيز وهما في رحاب الحرم فأخبرها أنه لم ير ناصر منذ سنين في ديوانيته!
عادت وواجهت ناصر، فأخبرها بكل شيء إلا حقيقة صغيرة بيضاء أخفاها في جيبه الصغير : ان الخيمة التي يزورها كل يوم .. هي خيمة خاصة بالشباب".

صدّقت والدته في البداية، ولكنها وعلى الرغم من أنه أراها الموقع في احد الصباحات وأدخلها الى الخيمة، إلا أنها قررت ان تذهب مع والده ليلا لتتأكد أن هؤلاء الشباب الذين يجتمع معهم ابنها طوال هذه السنين لم يكونو شلة سوء. في ساعة متأخرة من ليلة هادئة صدقت نبوءة الأم .. لم يكونو الشباب شلة سوء، في كبستها المدبرة عليهم لم تجد خمور ولا مخدرات ولا أفلام خلاعية، ولكن بالنسبة لها وجدت ما هو اعظم تأثيرا وأشد فتكا .. وجدت أم ناصر ذات النهج الملتزم جدا .. داخل الخيمة .. فتاة!

في مشهد أشبه ما يكون بالأفلام المصرية الحديثة صفع والد ناصر خد ابنه أمامنا وتفّ بوجهه حتى تخضبت لحيته ببقايا لعابه المتطاير. كلمات كبيرة درامية تطايرت ايضا في وجه صديقنا مثل "فاسق وزنديق ومجالس المنكرات و مُصاحب المتبرجات .. انتهاءا بكاذب وخائن"! أم ناصر كانت في الزاوية تبكي، ووالده كان في قمة انشغاله يؤدب الولد الحائد عن الطريق الصويب!

لم نكن نعي أنا وعبداللطيف وحتى نواف وضاري عندما كانوا بيننا مدى تطرف عائلة ناصر، كنّا نعلم أنه ملزم بحضور حلقات الذكر وحفظ القرآن في المسجد المجاور منذ كان عمره خمس سنوات، كنّا نعلم انه يجب أن يصلي كل فروضه بالمسجد وأن والده يجب أن يراه هناك، كنّا نعلم أنه ممنوع من السفر الى بلدان مثل دبي والبحرين وتايلند وأمريكا لوحده أو مع اصحابه. ولكننا لم نتصور يوما مدى ضيق القبضة الأخلاقية والدينية التي حُشر بها ناصر. لم يخبرنا يوما عن قوانين منزله، لم يتحدث يوما عن تزمت والده وجديته المبالغ فيها بفرض الأحكام الدينية وغيرها من المعتقدات والأفكار عليه.
ربما لم نتخيل الأمر لإن نشأتنا أنا وعبداللطيف وحتى الإثنان الآخران كانت أبعد ما يكون عن هذا المقدار من الإلتزام!

ذهب ناصر مع والديه، واتصل على عبداللطيف في وقت متأخر من تلك الليلة بجهاز نقال مختلف يخبره أنه لن يستطيع رؤيتنا لفترة حتى تهدأ النفوس وتبرد الحكاية. طوال تلك الليلة جلسنا أنا وعبداللطيف في دوامة التفكير فيما كان ولازال يواجهه ناصر في المنزل! كل الحكايا والظروف العائلية التي كان يتحجج بها عندما نقرر الذهاب الى الخيران مع أسرة احدنا، عندما نشتري تذاكر لمسرحية في العيد، عندما نهم بحضور حفلة غناء لفنان نحبه أثناء احتفالات هلا فبراير!

كان ناصر يلقي بحجة ظروف عائلية على الطاولة ولا يفسر أكثر حتى بتنا لا نسأل. أخبرته يوما أنني سأساعد قدر استطاعتي إن أراد مني ذلك، كانت يدي الممدودة مضطربة وحائرة، لم أكن أعلم كيف ستكون طبيعة عوني .. ولكنه نفى .. وانتهى الموضوع.
استرجعنا الحسابات القديمة والحوادث الطاعنة انا وعبداللطيف: لهذا كانت حالة عائلة ضاري شغل نواف الشاغل، لهذا هو لم يستطع السكوت عن الموضوع ولم يقوى على اهماله! لهذا كان ناصر يزور قبر ضاري لشهور طويلة .. يبكي ويصلي ويطلب له الرحمة والغفران! لهذا كان ناصر الوحيد الذي يحرص على صيام كل شهر رمضان عندما كنّا صغارا، ولهذا هو يحمل في طياته تناقضات متطرفة في كلا الإتجاهين! فتارة متحرر ومتفتح الى أبعد الحدود، وتارة مغلق ومتزمت بصورة غريبة وفجائية!
بدأت الرؤية تتضح لنا الآن، وبدأنا فعلا نخاف على صاحبنا من الإقدام على أمر لا تحمد عقباه.

في الصباح تطرق علي والدتي باب غرفتي فأفتح، تجلس بالكرسي المقابل لسريري وتخبرني أن اتصالا هاتفيا من والدة ناصر قد جاءها اليوم محملا بأطنان من لوم وعتاب و تحقير وسخرية. قالت لها ام ناصر أنني كنت الفتاة الوحيدة في خيمة مشبوهة بين مجموعة من الشباب! ضحكت أمي وسألتها عن شبهة الخيمة؟

الخيمة والليل والشباب والفتاة كلها ظروف وقتية تواجدت ابنتها في وسطها بعد إتخاذ قرار ذاتي بالموافقة على هذه الظروف .. سألتها والدتي إن كنا في الخيمة عراة ؟ إن كنا في الخيمة في وضع مخل بالأدب؟ إن كنا نسبح في دائرة من دخان الحشيش او الماريوانا؟ إن كنا في الخيمة نمارس طقوس عبدة الشيطان؟ فأجابت والدة ناصر أننا كنا في الخيمة مجتمعين حول مسرحية " سك على بناتك" .. نشرب مشروبات غازية!

اقفلت أمي السماعة بعد أن أخبرت والدة ناصر أنها لن تمنعني من الخيمة ولا من أصدقائي لإنها تعرف كيف ربتني، كيف علمتني ان احافظ على نفسي، وكيف أكوّن علاقات انسانية ضاربة بالعمق والحميمية دون أن تشوبها تقاليد بالية بشوائب مرتكزة على الرغبة الحيوانية في الإنقضاض على أجساد بعضنا. أخبرتها والدتي أننا الخمسة أصدقاء اوفياء منذ كنا في العاشرة، وأن هذا الوقت كفيل في جعل مفهوم جديد عليها من صداقة حقيقة يينع في قلوبنا بستان صفاء.

بكيت وقتها بينما أمي تنهي حديثها، بكيت لإنني كنت من هؤلاء البشر الذين ملكوا حرية قرارتهم فلم تفرض عليهم طريقة حياة ولا سبيل للتعامل مع الناس من حولهم، كنت من هؤلاء الإناث اللاتي لم تسلم لهم عند أعتاب البلوغ كتيبات ارشادية اجبارية في كيفية عيش الحياة ضمن إطار المجتمع والعادات والتقاليد. كنت من هؤلاء النساء اللاتي لم تفرض حريتي المكبوتة علي أن أحيا حياتين، أن ارتدي وجهين .. وأبتسم في عين مرايتي ابتسامتين .. واحدة للصباحات النيرة واخرى لعتمة الليل وظلمة المصير.

زارنا ناصر في الخيمة ليلة عيد الفطر مرة واحدة ثم تخّلف بعدها، زارنا ايضا ليلة عيد الأضحى ثم لم نره من جديد!

اختفى ناصر عن الخيمة ولم يعاود القدوم .. علمنا بعد فترة أنه مُنع من محادثتنا أو التخابر معنا نحن البشر الموغلين بالظلمات، الموعودين بنار جهنم وبإس المصير .. وعلمنا ايضا أنه سافر الى الأردن للإلتحاق بجامعة جديدة بعيدا عنّا .. وبعيدا عن الخيمة!
يتبع ...

هناك 9 تعليقات:

Angel Orchid يقول...

ضاق خلقي عليهم :(

أغلب الأهل يفهمون الصداقة بين الفتاة والشاب مفهوم خاطئ ... ليس عندهم علم بأنها قد تكون أقوى من الصداقة بين الجنس المطابق ...

قواج الله ناطرين الجزء الياااي

لا تطولين علينا :)

ZooZ "3grbgr" يقول...

:")

ARTFUL يقول...

متابع

:)

جميل جدا

الزين يقول...

رائعة انت

بروعة الصباح الربيعي


:**


حبيت القصة


واللي قريتها لهم حبوها اكثر

:**

~ هند ~ يقول...

وبقـي
"2"
من
"5"
،،

aL-NooR . يقول...

انا بالانتظــــــــــار

D:

*********************

New Bride يقول...

كان ودي ان المجتمع يتقبل الصداقة بين البنت و الولد

في منزلي كان الوضع عادي بس المجتمع كانت نظرنه غير

لا تطولين علينا حدي متشوقة

jonoon 3aqel يقول...

صراحة..

أنا ضد الصداقة بين المرأة و الرجل..
على الأقل مو بهذا السن...

أختي انتي و لو كنتي تكتبين هذا الكلام...لكن اعتقد ان هذا محض خيال في النهاية..
مو واقع نعيشه..

لا امانع زمالة..ربما اتصالات تخص العمل او تخص دورات تدريبيه..
ربما علاقة اخوية بين مدونين..
في النهاية نحن بشر..

لكني لا أرى الصداقة بمعنى الصداقة اللي انا فاهمها تطبق هنا..اني اقول لها سر من اسراري..او تطلع معانا نتعشى..طلعة شباب..لا..انا ضد هذا..

معليش..يمكن يكون رأيي متعصب برأي البعض...او معقول في رأي البعض الأخر..

بالنسبة لي..كنت راح أمنع بنتي تطلع في وقت مثل هذا (بالليل) و ترافق 3 شباب و هم في سن ال15 و ال16
و كنت راح امنع ابني كذلك..

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية :)

مازلت متابع

دمتي بخير

الوتيــــــــــن يقول...

متابعه ....

احزنتيني على ناصر لأنج ذكرتيني بفتره من حياتي كانت بهذه الصوره

الله يخليلج الوالده ياسمبوستنا :)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت