كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 31 أغسطس، 2009

الدقائق الأخيرة قبل صوت الخط ..


بيديها المضطربتين تعصر سماعة الهاتف فيخنقها السلك اللولبي، يلتف حول رقبتها ويثني تلك الأنفاس الأخيرة من الطيران خارج القفص. في الفتحات الصغيرة تبث املها الباهت، بالكاد تتكلم من بين الدموع .. وهو بالكاد يُسمع صوته من الجانب الآخر!

- أنت تدري أني وايد أحبك!

يدري .. بل على يقين أن المرأة التي تحادثه من بعيد كانت في يوم من الأيام أقرب له من روحه، أدفئ من اللحاف الذي يتدثر به في ليالي الشتاء، وأحن عليه من نفسه. منذ خمس ساعات وهما على طرفين نقيضين من مأساة على وشك الإندلاع. اتصلت به في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل .. قالت له انها تريد وداعا لائقا بالسنوات الحلوة التي قضياها معا! وداعا حارقا صاخبا يحمل في يديه اسواطا سوداء تزغرد حزنا مضاعفا على ظهريهما .. ولا وقت للصراخ ولا مجال للأنين. لملم صوته، وبواقي الرجولة التي تعلقت في كيانه:

- كانت الخمس سنوات الأخيررة حلوة .. رغم كل إللي صار!

شهقت لمسمع صوت التاريخ الذي جمعهما، خمس سنوات ليست قصيرة من عمر زوجين شابين، نشقت:

- حلوة .. ومرّة !

أنة ثقيلة كسرت حدة الصمت، أخرجها من جوفه:

- الله يكتب إللي فيه الخير

عصرت السماعة أكثر وبكت .. بحرارة الزيت الذي حرق يدها وهي تطبخ له أول لقمة زوجية في مطبخ شقتهم الصغيرة، بمرارة الليالي التي عاشتها وحيدة عندما غادرها لحضور الدورة الأولى في لندن، بعمق الجرح الذي خلفه ولادة ابنهم الأول بعد العملية القيصرية، وبوفرة الدم الذي نزفته عندما اجهضت بعد الإرهاق ابنهم الثاني دون ان تعلم انها كانت حامل. بكت بكل الظروف والذكريات والأحداث التي لازمت الإلتحام في الخمس سنين الماضية.

- عمرها هوشاتنا ما وصلت هالدرجة !
رد بسرعة وبصوت أقوى:
- هاذي مو هوشة .. رهام .. هاذا مبدأ وكرامة!

السنة الماضية كانت صعبة، يسافر من دورة الى دورة ويتركها في البلد مع ولد بلا خادمة وبيت ومسئولية. بدا شغوفا بمستقبله أكثر من شغفه بها، مشغولا بدراسته ودوراته أكثر من انشغاله بما تريده وما تحتاجه من زيجة أحبا فيها بعضهما بعد عقد القران. قال لها يوما ( احنا تعلمنا نحب بعضنا مع العشرة، حبنا أقوى من غيرنا .. آنا أحمد ربي إني ما تزوجت عن حب، عشان ما انصدم بالإنسانة لما تختلف عني بعد الزواج!)

ساعتها رأت في منطقه تناقض غريب، خصوصا بعد معرفتها بفشل تجربته العاطفية الأولى التي لم يكتب لها النجاح لرفض أهل الفتاة تزويجها لشخص غير جامعي. تساءلت: كيف حكم على حبه القديم بالفشل لمجرد أن ضاع الامل!

السنة الماضية كانت تنام لوحدها، تتحدث في الحمام وفي السيارة في حوارات مختلقة لوحدها، تلقي نكته على نفسها، وتتبختر في الملابس الجديدة التي كانت تشتريها في غرفتها لوحدها .. تريها للمرآة ولنفسها. افتقدته، وأحسّت بغربة الوحدة رغم وجود اهلها من حولها! كانت تشتهي الصحبة بينما هو في باريس يدرس لمدة سنة كاملة بلا انقطاع. كانت هذه الدورة الرابعة الطويلة المدى التي يتركها من أجلها ويسافر. ترجته وارتحمت لديه أن يأخذها وأبنه معه في اسفاره الطويلة .. شرحت له بخجل المرأة أنها لا تقوى على فراقه، أنها خاوية من دونه، وكئيبة من غيره!

ملئ أذنيه قطنا ناعما ولم يسمعها .. الى أن وجدت شخصا آخر يسمعها!

عرفته في العمل .. مختص نفساني شاب رائع، يراجع مكتبها للحصول على تراخيص افتتاح عيادته الخاصة. عينيه دافئتين وأنفاسه رائقة. منطقه ناضج وكلماته تنضح بشيء غريب من الثقة والتمكن. حدثها أول مرّة بينما هو ينتظر في مكتبها عن تكاثر المسؤوليات على المرأة الكويتية وانحسارها عن الرجل. وحدثها في المرة الثانية عن الأمومة وروعتها وكيف ان المرأة جبلت عليها طبقا لنظرية التعشيش. فالمرأة لا تشعر أنها كاملة أنثويا إلا عندما تبني عشا لها ولأولادها.

وفي المرة الثالثة حدثته عن فراق الزوج، وصعوبة الأيام ووحدة الليالي .. لم تقل له أنها هي من تحترق بلوعة الفراق، ولكنه من خبرته عرف وعلم .. انها امرأة وحيدة، غريبة بين أهلها لإن الأهل الحقيقي يرزح في مكان بعيد، يجري خلف هدف ثانوي مهملا الهدف الأول والأهم.

مع الأيام أحاديث المكتب تحولت الى أحاديث هاتف، وزيارات العمل تحولت الى خروجات عشاءات مقتطعة وفنجان قهوة وقطعة كيكية. لم تتخيل يوما أنها على علاقة مشبوهة مع رجل غير زوحها، كانت فعلا حواراتهم واحاديثهم بمنتهى الإحترام تنصب بالآلام المدفونة والأحزان المخفية. لم يلمسها يوما ولم تنوي يوما ان تتوطد العلاقة لأكثر من صداقة.

رجع هو بعد السنة، لازال شغوفا بعمله، مشغولا بمستقبله .. واستمرت هي دون ارادة منها في علاقتها مع صديقها الإختصاصي الذي يعرف تماما كيف يسمع لأنثى تجد في اذني زوجها قطن ناعم يسد مجرى الحورات الجادة بينهما.

في ليلة كانا متجاورين على اريكة المنزل، يشاهدان في حضن بعضهما مسلسل يتابعانه، رن جرس هاتفها وفتحت الرسالة .. كانت الرسالة تقول: ((وينك)) ؟

اضطربت واقفلت الصفحة .. أخفت الرسالة ودسّت الهاتف بحركة عشوائية داخل شق الأريكة .. ولكنه سمع الجرس، ولمح الرسالة ورأى الهاتف.
سألها عن المرسل فكذبت، استفسر فدارت حول الموضوع، أصر فأصرت على الدوران النكران الى أن استفحل الشك وقُطع باليقين!

من بيت والدها وفي حضنها ابنها الصغير نائم، وفي غرفته القديمة في بيت والده وفي حضنه خاطره المكسور ودمعة رجل فارق وخسر .. اجابت:

- ما اقدر اشرح ولا اتندم اكثر .. آنا خلاص ما عادت فيني دموع!

- وآنا ما اقدر اغفر ولا اسامح .. انتي عزيزة وغالية وبتظلين ام ولدي، لكن نستمر في الحياة .. ما اقدر!

عصرت آخر قطرة كرامة فيها، بعد تلك الزيارة التي اقتنصتها من وقته المزدحم. دخلت عليه غرفته وقبلت رجليه ويديه وسقطت مغشيا عليها ندما وحسرة عليه. بعد كل هذا لازال فيها قطرة رجاء أخيرة ..

- فهد .. آنا وايد أحبك
نشق .. وبكى .. وانهار ..
- وآنا بعد أحبج !

كانت هذه الدقائق الأخيرة قبل اقفال السماعة وقبل أن يتوجه في الصباح للمحكمة لإنهاء اجراءات الطلاق!

هناك 18 تعليقًا:

حَافِـيَةُ الَقَدمَيّـنْ ولِبَاسِي المَطـرْ يقول...

:'(
تعور القلب

7osen يقول...

هذي الحكاية نموذج لحاجة الإنسان للأخر .

هناك شخصيات لا يمكنها ان تهنأ بالعيش دون طرف أخر يسمع لها ويشاركها الحياة ..

شخصية الرجل هنا برأيي غير منطقية لأن من يحب لهذه الدرجة التي نقلتها لنا المكالمة الوداعية لا يمكنه أن يترك من يحب كل هذا الوقت لوحدها رغم علمه بأنها تحتاجه كثيراً جداً ...


الوداع دائماً يحمل موجات من الوجع لايمكن أن تمر بسهولة بل تظل تحفر بالروح أخاديد من الالم والحسرة لوقت طووويل ....

نص رائع شكراً لابداعك .....

jonoon 3aqel يقول...

احيانا الكبرياء يكون مشكلة..
و يعمي العين عن رؤية من المخطئ..و أين الخطأ...

الله يوفق بين الازواج و يسعدهم..ويعين كل طرف في اداء واجباته..

دمتي بخير
تحياتي

Yang يقول...

كفو يا فهد

:)


تحياتي

t.q8 يقول...

شي يعور ان الانسان يحس ان وحيد
واهو غلطان بعد

ARTFUL يقول...

الله يبعدنا عن هالسوالف

قصه جميلة بس حزينه

يعطيج الف عافيه يا رب

:)

aL-NooR . يقول...

شي يعور حيـــل
الله يكافينا و يبعدنا من كل هالامور
لان تفاصيلها تدخل داخل اعماق القلب


*******************

Angel Orchid يقول...

أصعب شي في الدنيا الخيانة

حتى لو كان السبب تقصير من احد الطرفين

الله يبعد عنا الخيانة

قصة رائعه

الزين يقول...

هو الملام



وقبل لا يلومها خل يدور على السبب الحقيقي اللي خلاها تسلك هالدرب


بعده ... وجوعها لقرب رجل يشبع وجودها كأنثى وكانسانه هو السبب


خلص الدراسه باقي الوظيفه والإرتقاء بالسلم الوظيفي وتحقيق طموحه

وايامها تتسرب من بين يديها
وتكبر
وتتسع المساحات بينهم
تتعود غيابه
وتبحث عن من يؤكد لها انها لازالت مرغوبه
وفاكهة لا تمل

ولا توضع على الرف الى حين
وبين يقول ليييش؟؟

:)

ياسلام ... كان يملك من الأنانية القدر الكافي اللي خلاه يبتعد سنه كامله عنها

سنه يالظالم قادر تخليها والحين ياي تلومها

والمصيبه تقول انك تحبها

بهالسنه تتتغير امور كثيره
وتستجد امور اكثر

هذا مو عذر للخيانه
بس هذا سبب من اسبابها


القصه مؤلمة وواقعية جدا

//

مشكوره يا ساره
ودمت بكل الخير محاطه بمن تحبين

:*

سلة ميوّه يقول...

مساءك سُكر..


العلاقات بعيدة المدى
دائماً ما تخلق حواجز مخفيه
بين الطرفين حتى لو لم تكن خيانه فعليه....
حتى لو كانت خيانه بالخيال فقط....

اعجبني ماقرأت ....

دام نبضك

محبتي

chandal/danchal!! يقول...

رهام غلطانة بس يا كافي مالها غفارية؟... مبين ان فهد اناني وياهل عود


انزين لو منقلبة السالفة وفهد اللي غلط هالغلطة بسبة اهمال رهام وانشغالها بدراستها... شكنا بنقول؟

LoliPOPsicle يقول...

الله، وايد حلوة، و وايد تصير :"(

تذكرت قصة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سأل ابنته حفصة كم تصبر المرأة على فراق زوجها، فقالت له 6 أشهر.
فأصدر أمر بألا يغيب رجل عن أهله أكثر من 6 أشهر!

أميرةُ أبِي , يقول...

ااااااخ .!
عورت قلبي =(
قصه مؤلمة بس واقعية جداً وحلوه ,
يعطيج الف عافيه

Yang يقول...

همممم

عادة انا ما اعلق مرة ثانية, بس هالمرة استثنائية :)

مهما تكون المشاكل بين الزوجين ما توصل لدرجة ان الزوجة أو الزوج يلجأون لشخص آخر لسد احتياجاتهم.

هذا مختصر مفيد, والسموحة من الجميع.


تحياتي

monshg | مُنْشَق يقول...

موقف المسج على طريقة الأندلسي :

هيهات لا تخفى علامات الهوى ... كاد المريب بأن يقول خذوني !



لو افترضنا حدوث الموقف بصوره "معاكسه" و كان المسج منها إليه، فما ردة فعل "زوجة" هذا الصديق الإختصاصي الذي يعرف كيف يسمع لأنثى ؟؟

الوتيــــــــــن يقول...

سبحان الله
عندما تهمل المرأة نفسها رغما عنها في أوقات الحمل والنفاس واضطرابات مابعد الولاده يجدها الرجل فرصة سانحه للاحتجاج في الزواج بأخرى .. ويجد التصفيق الحار
لكن عندما تقرر المرأة المثقلة بالهموم اللجوء إلى بديل ليس جذري ولكنه كالمهدئ للتخفيف فقط فإنها تتلقى الصفعات المتتاليه

الخيانه هي الخيانه ليس لها مسمى آخر .. لكن الفرق بين الرجل الشرقي والغربي أنه يحصر كرامة الإنسان عامة بكرامة الرجل وكأن المرأة قطعة أثاث عديمة الكرامة

القصة جميلة بتفاصيلها وعباراتها مؤلمة بمضمونها .. تسلم ايدج ياسمبوسه

بس عندي سؤال : يغلب الطابع الحزين المأساوي على قصصك... لماذا؟ هل لأنها أقرب إلى المشاعر

SHAHAD يقول...

الكل ملام
هو وهي والرجل الآخر أيضا !
وتبقى الخيانة هي الخيانة
كسرت خااطري حييل :(

عبـدالله يقول...

كالعادة انتي روعة .. تكتبين باحاسيس حقيقية ..

غلطته هو ومش غلطتها .. كسرت خاطري البنية مادري ليش : (

هئ هئ هئ انبطت جبدي لازم تكتبين جزئ ثاني وتزوجينهم مرة ثانية .. بلييييييز

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت