كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 28 سبتمبر، 2009

قائمة أم عدنان .. ( الجزء الثاني )


أم عدنان ..
خالتي بتفخيم اللام كما ننطقها هنا في الكويت، وأحيانا صديقتي المسنة التي أجد متعة في إخبارها أسراري النابعة من شبوبيتي والمتناقضة مع شيخوختها. أرى اللهفة في عينيها عندما أخبرها عن إعجابي بالشاب الذي يدرس معي في الجامعة، وألمح دائما تلك الابتسامة المتوارية خلف مفهومها البدائي للعيب والحرام والسنع والمنع .. عندما أخبرها أنه اليوم تقدم نحوي وكلمني بأمور الفصل والدراسة!

أم عدنان ذكية ولمّاحة، شاهدت نصيبها في هذه الدنيا من أفلام شادية وفاتن حمامة، لا تتوانى عن انتهاز كل فرصة أتغابى بها عليها لتضربني على كتفي وتقول لي بروح مراهقتها البعيدة " أنه ربما هو الآخر معجب بي" وأن الحديث عن الدراسة ما هو إلا لفتح طريق الولوج الى قلبي!

أضحك معها وعليها كثيرا، وكم تعلم انني وهي امرأتان متناقضتان مختلفتان في كل شيئ، إلا غريزة نسائية بدائية في التحدث بأصواتنا الخافتة جدا عن الرجال، حتى وإن علمنا أن لا أحد يسمعنا!

أخبرتني يوما عن أبو عدنان، كان شابا وسيما يبيع الأقمشة الهندية المستوردة التي ينتقيها بنفسه من أسواق الهند مع والده ويطرحها على طاولة خشبية ضخمة في أحد محلات السوق القديم، تغمض عينيها وتصر ملامحها كأنها قضمت ليمونة حامضة لتتذكر ملامح وجهه وتصفها لي بدقة. كانت تذهب مع أمها وخالتها للتسوق أربع مرات في السنة. للشتاء والصيف وللعيدين فقط، وكلما دخلت النسوة الى محل الشاب الوسيم رفعت أم عدنان غطوتها وقرصت خداها ليتوردا.

كان يُرعي اهتماما مبالغا لأمها، وكان بالطبع يقتنص نظرات خفية لوجهها الأبيض وخدودها الحمراء. كانت أمها تحرص على شراء ألوان الأقمشة التي تظهر بياض بشرتها وتؤجج الدم في وجنتيها، البنفجسي الغامق "البدياني" والأحمر القاني والأخضر الحشيشي الذي يزيدها توهجا ونداوة، وكان الشاب يحرص على أن يعطيها من "طاقة الخام" اكثر بقليل مما دفعت والدتها ثمنه.
الى أن جاء اليوم، ودلف والد الشاب الوسيم بيت والدها ليطلبها بعباءتها لإبنه!

تتنهد وتقول لي أن الحب على ايامها كان مجرد نظرة ودقة قلب وزيادة مسروقة من طول طاقة خام! تربت على كتفي وكأنني يتيمة في هذا الزمان "الأغبر" كما تسميه، كأنني مسكينة ضحية وقتي وتخبرني عن شقاء أيامي وأيام من بعدي. تلك الأيام التي لا يقتنص الرجل نظرات مقتضبة في وجوه النساء، بل يغتصبنهن التهاما صارخا لكل شيء إلا الوجه. هذا الزمان التي تقرص الفتيات نحورهن احمرارا ونهودهن نفورا بدلا من الخدود! تلعن ام عدنان جيلي " إللي ما يستحي ولا ينتخي" ولكنها في قرارة نفسها تحبنا، تعطف علينا وترأف بحالنا كلنا بلا استثناء.

أمام الباب الخشبي الموصد بقفل ومفتاح أقف ببلاهة، أقفز لأطل من النافذة الزجاجية الصغيرة التي تعلو الباب فلا ألمح إلا صناديق مكدسة فوق بعضها، خرق ملفوفة على نفسها، خزنة تجوري من العصور الغابرة وسرير في الزاوية! كانت الغرفة منام احدهم، قالت لي يوما أن والدها كانت تنام هناّ ! وددت لو أشم رائحة والدة ام عدنان على الوسادة اللينة التي أسلمت روحها منذ زمن. الغرفة نفسها توقف الوقت داخلها فلا ساعة المنبة البدائية تتحرك ولا الشمس تدخل. ظلام وملل وشيء من الغموض المرعب يلف المكان.

اسمع صوتها من الركن المقابل تتنحنح، واسمع صوت لاكشمي تخبرها أن الماء في الحمام جاهز، اسمع ايضا لاكشمي تساعدها على خلع ملابسها لتأخذ ام عدنان حمامها الأسبوعي الذي يأخذ ساعة كاملة على الأقل. تتحمم أم عدنان مرة واحدة في الأسبوع، ولكنها دوما عطرة وطيبة الرائحة.

تتوجه ام عدنان يتبعها جلدها المترهل الى الحمام، تتبعها لاكشمي التي اعتادت على ان تساعدها على أخذ حمامها كاملا بكافة الطقوس إياها التي اعتادت عليها العجوز منذ سنين. تمسك لاكشمي في يدها سلة بلاستيكية عتيقة، وضعت فيها صابونة رقي خضراء ثقيلة، ليفة هرتها الأيام، قنينة من بودرة التلك البيضاء، قطعة من المسك الأبيض، مشط خشبي وزجاجة من زيت الخروع. شخصيا لا اعرف ماذا تفعل ام عدنان بنصف هذه الأشياء في حمّامها ولم أفكر يوما أن أسأل.

دخلت غرفتها بعدما اقفل عليها باب حمامها، لأول مرة أجد نفسي بغرفتها بدونها، رائحتها فعلا تملئ المكان، ذلك المزيج الغريب بين الحنة التي تخضب شعرها، والمسك الأبيض الذي تفرك به العجوز منحنيات جسمها. كيانها معلق على الجدران، ذكرياتها تنام بجانب رأسها، فراشها الذي لم تغيره منذ هجرها الزوج الأول وتزوجت الثاني ومات. صور أولادها توقفت عند الزمن الذي أحبتهم به، أطفالا لم يكمل الأكبر العاشرة. وسادة صغيرة من التفتة الوردية ربما مثلت حلمها في انجاب بنت!
على الأرض اجد قشورها مكومة، طبقات متواترة من الباطن الى الخارج: سروال قطني فضفاض وطويل، شلحة ململ بيضاء مشققة، دراعة قطنية مزركشة، ثوب اسود خفيف، طرحة رأسها، صدرية ترتديها تحت فستانها .. وخيط بني عتيق يتدلى منه مفتاح!

التفت الى الحمام ولازالت لاكشمي تتحدث، أعلم أن لاكشمي وأم عدنان يتحدثان بلا انقطاع طالما انها لازالت في البانيو..
أسحب الخيط من الأنقاض وأتوجه بهدوء الى الغرفة..
اضع المفتاح بالقفل واديره ..
يفتح القفل..
احمله ..
افتح الباب..
ادفعه..
وأدخل ..
يتبع ...

هناك 7 تعليقات:

الزين يقول...

:)

وكلي شوق لمعرفة المخبوء داخل الغرفه

ليش حسيت انج داخلة مغارة علي بابا

وراح تلقين كنز

!!

هممم

ذكرتيني بشعوري وانا طفلة

لما كانت امي تقفل عنا غرفة معينه وما ادري ليش
وكنت دايما افكر ان هالغرفة تحمل اسرار

وياما حاولت اعرف هالأسرار

لغاية ما كبرت

وعرفت ان الأسرار لا تخبأ بغرف

ولكن بالصدور


:)


متابعة

يالله كملي

aL-NooR . يقول...

واااااااااي لما صار الموضوع حامي ..و اندمجت و نزلت راسي جني انا اللي بدش الدار ..عشت الجو P;


ناطرة
D:
*****************

غير معرف يقول...

الله وناسه بندش الغرفه =)

ناطره ,, ناطره


~هند~

سكون يقول...

"تلك الأيام التي لا يقتنص الرجل نظرات مقتضبة في وجوه النساء، بل يغتصبنهن التهاما صارخا لكل شيء إلا الوجه. هذا الزمان التي تقرص الفتيات نحورهن احمرارا ونهودهن نفورا بدلا من الخدود!"


جميلة أنتِ :)

t.q8 يقول...

تشوقينا مثل المسلسلات ماتنتهي القصه الا عند المقطع المهم


بس شخصية ام عدنان تذكرني بشخصية جدتي الله يحفظها

alala يقول...

أسلوبج يشوق ...


و انا عن نفسي حبيت ام عدنان احسها امرأة من الزمن الجميل و ترى احنا صج في وقت يعور القلب و نكسر الخاطر (وعليّـه علينا)

الله المستعان ...

بانتظار البقية :)

البوم تامر حسنى 2011 يقول...

اسلوبك حلو استمري

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت