كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 23 مايو، 2010

ورنيــــــــش ..


تتهادى على الطريق المخضبة برائحة رجالية شهيّة، مفتونة بخيط غير مرئي لحاسّة مخضرمة غامض مصدرها! ربما كانت رائحة الرجل الذي مشى على ذات المربعات التي تمشي عليها الآن. تتساءل وهي على نفس الطريق، عن حكمة تحريم العطر على المرأة وتحليله للرجل، من قال أن أنوفنا لا تشم ولا ننتهي الى استنتاجات شبقة تلتهم أنصاف عقولنا المكتنزة؟ تنفض رأسها وتفتح منخاريها وترتشف العطر العالق في السماء.



تتمادى على الوقت، ذلك الحد الفاصل بين أشياء لا نلمسها ولكننا نعرفها عن ظهر غيب، خطواتها يجب أن تكون اسرع، ورأسها يجب أن يكون مستقيما الى الأمام! ولكنها لم تكن يوما من هؤلاء الذين يعيرون اهتماما استثنائيا للوقت، لم يمهلها الوقت، لم يعطيها حقها في الشهرين الأخيرين من دورة استكمال النضوج الآدمي، ولدت بنت سبعة، فقضت وقتها الإضافي المسروق في صندوق دافئ في غرفة مستشفى باردة!





تتعدّى البوابة الرئيسية التي تفصل بين المكانين، الداخل والخارج نطاقين لهما دلالات فطرية. نحن لا ننتظر أن نتواجد في مكان إلا اذا دخلنا حيزه، فتحنا درفة الباب وتقدمنا على الخط اللامرئي خطوة. كانت منذ البداية - تلك الخطوة الأولى - الأصعب في حياتها. كل الخطوات الأولى عادة تدعوا للاحتفال. "نون" مثلا او كعكة خبزتها لها والدتها عندما عادت للمنزل من اليوم الأول للمدرسة، كان اليوم عصيبا والفراق صعب ولكن كيكة البرتقال أنستها غربة اليوم الأول، صفحت الصفحة وذهبت للمدرسة في اليوم التالي وهي تتوقع أن تكون في انتظارها كيكة أخرى او كيس حلوى وسكاكر!




تتردد في تجلس على الكرسي الجلدي الوثير، الغرفة هادئة والألوان التي صبغ بها الحائط تكاد تعطي انطباعا بديهيا بالأمان. الأضواء خافتة وهناك موسيقى تتسرب باستحياء من سماعات مغروسة في كبد السقف. بدى المكان أشبه بدعوة مفتوحة للبكاء، دعوة بأن تترك حارساها الوهميين خارج الباب، أحسّت أنها مستعدّة للدخول هذه المرّة لوحدها.
تضع حقيبتها على الطاولة المستديرة، لونها ليلكي فاتح وضعوا عليها مزهرية زجاجية نحيلة جدا انتصبت داخلها وردة صفراء وحيدة، بدت الوردة متألقة وجميلة ولكنها عندما أمعنت النظر فيها أكثر، عرفت أنها حزينة. يُفتح الباب فتجلس على الكرسي الجلدي، تضع ساقا فوق اختها، تأخذ نفسا عميقا ولا تطلقه.


- مرحبا .. كالعادة متأخرة! تعلمين أنك تضيعين الكثير من الوقت.


لا تجيب، تومئ بتعبير غير مبالِ وتلتفت نحو النافذة، هناك في صدرها الزجاجي البعيد تجد عادة مهربا منطقيا، مرتعا لمخاوفها. هو يريدها أن تتكلم وهي لا تريد، قررت منذ الزيارة الأولى أنه لن يضعها يوما في زاوية، تكره الزوايا وتحب الطرق الطويلة. تحدث لها عن يومه، عن الأشياء القديمة التي وجدها في خزانة والدته، قال لها ان تلك الكراكيب المبعثرة باتت تكشف عن جانب آخر من أمه لم يعرفه يوما. كانت والدته تحب الزخرفة. لم يعلم يوما أنها كانت ترسم على الزجاج. وجد في خزانتها قطع من زجاج قد رسمت عليها بأقلام الكحل ثم طلتها بورنيش، فبقى الرسم محفوظا!



في رأسها قالت: منذ متى كان لديكم الوقت لتتعرفوا على الجوانب الأخرى من حياة النساء حولكم؟ عادة ما يضع الرجال للمرأة دور في الحياة، صيغة واحدة، ويرتعبون من فكرة أن يكون لها دور آخر او صيغة الأعماق.
قطع حبل أفكارها: لم أكن أعلم أن لأمي اهتمامات فنية، كنت أحسبها امرأة مشغولة جدا في أمور أكثر أهمية.
صمتت، فغيّر نبرة صوته وأبدى ثناءا مصطنعا على فستانها، قال أنه يحب الألوان الصيفية. رددت برأسها أن البنفسجي لم يكن أبدا لونا صيفيا!



هذه السنة الثالثة على التوالي التي تواصل فيها زيارات منتظمة لهذه العيادة، مع ذات الدكتور الذي تزوره من سنين. وجدها يوما وأقنعها أنها بحاجة لعلاج نفسي مكثف إثر تعرضها لحادث ما. هي لا تعلم ولا تتذكر، ولكنها رأت في عيني الدكتور الشاب شيئا أراحها. على الرغم من انها يوما لم تثق بالرجال، إلا أنها وجدت نفسها بعد فترة تتوجه لعيادته، ربما لإنه الوحيد من بين العديد من الرجال الذين عرفتهم لم يملي عليها ما يجب ان تفعل. هو فقط دخل غرفة المشفى الذي كان يرعاها، سلّم عليها ووضع في يدها ورقة تعريفية بإسمه ومجاله في علم النفس الإكلينيكي، وقال لها أنه – من كل قلبه – يريد أن يساعدها. تجاهلته شهورا طويلة، ولكنها كانت في لحظات وحدتها تتذكر عينيه عندما جاء لرؤيتها، كان فيهما بريقا مختلفا دفعها دون أن تشعر لأن تقرر يوما أن تزور عيادته.
يسألها:


- هل انتهيت من قراءة الكتاب الذي أعرته لك؟



أجابت بالإيجاب، قالت له أنها قرأت القصة من قبل ولكنها لا تعلم متى! تناقشا حول الرواية، كان اسمها " وسمية تخرج من البحر" وأخبرها أن "سعاد عبدالله" نفذت الرواية فيلما تلفزيونيا شيقا. وعدها أن يجلب لها نسخة مسجلة من الفيلم وابتسمت.



نظر الى ساعته، فنظرت الى ساعتها. كانت تعرف أن الوقت معه قد انتهى، تحب عندما ينتهي الوقت ولكنها في كل نهاية زيارة تشعر بوخز طفيف في قلبها. لا تحب الدكتور، لا تريد ان تراه ولكنها دوما تعود. وقفت وسحبت حقيبتها من على الطاولة الصغيرة. ولكنها قبل أن تغادر أخرج من علبة صغيرة قطع زجاجية ملونة بأقلام كحل، مطلية بالورنيش.
أعطاها واحدة، سألها إن كانت تعجبها؟ هزت رأسها بالنفي وألقت القطعة الزجاجية في العلبة وخرجت ..



ودعها، واتصل بالسكرتيرة التي تجلس في المكتب الخارجي:
- لو سمحتي ضعي موعدا جديدا يوم الأربعاء القادم لأمّي.

هناك تعليق واحد:

7osen يقول...

جميلة جدا القصة

أعجبتني كثيراً

احببت هذا المقطع

الأضواء خافتة وهناك موسيقى تتسرب باستحياء من سماعات مغروسة في كبد السقف. بدى المكان أشبه بدعوة مفتوحة للبكاء.

فعلا أحيانا اجواء معينة تكون دعوة مفتوحة للبكاء خصوصا إن كان هناك موسيقى.

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت