كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الثلاثاء، 25 مايو 2010

بندانـــــــة ..



في بواكير مراهقتنا، تماما عند الباب الضيق الذي ندخل فيه الى عالم الأنوثة المطلقة، اخترعنا أنا وأختي لعبة غبية لعبت دورا هاما في كل مقتضيات نبضات قلوبنا. كل اسبوع " وترك" تحب واحدة منّا فتى جديدا، كانت أمي في غاية الإنفتاح وأبي في غاية الإهمال! عرفنا لاحقا أنها توليفة مميتة خصوصا عندما تتجرعها فتيات في مثل أعمارنا.

والدتي كانت من هؤلاء الذين يؤمنون بالرومانسية الى حد اليأس، تزوجت صغيرة جدا قبل أن تفتح عيناها على اختيارات متعددة لطريقة أو أكثر تجد من خلالها فتى الأحلام. كان أبي وقتها قد طرق الباب وتمت الزيجة بلا مقدمات، وجدت نفسها عروس جميلة وزوجة غارقة بالتعب!

ربما لهذا السبب قررت أن لا تضعنا في ذات خانة المتزوجات من غير مقدمات. فتحت لنا والدتنا اعيننا العسلية مبكرا جدا، أخبرتنا ان الحب هو اعظم شيء في الدنيا، وأنها تريدنا أنا و" بهجة" أن نعرف الرجل، ندرسه، نتمرغ في تواجده الذكوري المطلق قبل أن نفكر يوما في الزواج. قالت لنا: إن كان "هو" سيعطيكم الله إشارة!
ناكفتها حينها: لمَ لم يعطيك الله إشارة عندما تزوجتِ والدي؟
ابتسمت بسخرية معهودة مصاحبة دائما لسيرة زواجها من والدي: لإنني كنت " قطة مغمضة " لم ارَ الإشارة !!





والدي سارح في عالمه الخاص وحياته الأخرى، عندما يكون هناك ينسى أننا متواجدون في حياته. كان يريد ولدا ولم يأتِ، فغمر نفسه بحياة المراهقين في نهاية الأربعينيات من عمره، يقود دراجة نارية "هارلي" يرتدي بنطلونات الجلد الأسود وجاكيتات العصابات الرائجة! بندانة والدي التي يضعها على رأسه لازالت معلقة على علاقة الملابس في غرفة النوم. تندرت يوما عليها والدتي:

" هكذا هي حياتي .. بدلا من أن تتدلّى على علاقة ملابسنا غترة منشاة .. تتدلى بندانة حمراء"

قالت بها "بهجة " وقتها: ربما لهذا الله لم يعطك ولدا .. لإنه يعلم ان زوجك سيتحول الى مراهق أبدي"
ضحكت والدتي وقرصت خدّها .. كانت تحبنا عندما نتحاذق ..



تلك الإشارة التي أخبرتنا عنها أمنا كانت شغلنا الشاغل، أبناء الجيران كانوا أول اختلاط عن قرب بيننا وبين صبية ليسوا من عائلتنا. تعيدنا مرحلة الطفولة التي أحببنا فيها أبناء أقاربنا، ابن خالتي وابن عمي كانوا أول من طبقنا عليهم اللعبة التي اخترعناها جريا وراء إشارة الحب التي حدثتنا عنها والدتي.


وقتها كنت قد وقعت في حب ابن عمتي "سلمان" كانت عيناه كبيرتان لامعتان كأنه يبكي، ربما أحببته لإن عينيه أعطت انطباعا أوليا بضعف ذكوري محبب. صرحت لبهجة عن حبّي فسألتني بغباء طفولي إن كنت قد وجدت الإشارة، فكرت حينها ولكني لم أجد في جيب الظروف شيئا! ترى ماذا ستكون؟ قوس قزح يسطع في السماء عندما تلتقي عيوننا؟ هل سيهرشني أنفي؟ موسيقى في رأسي؟ لاحظت بهجة تشابه الحرف الأول من إسمينا، ظهرت في رأسها "لمبة"، قالت لي:
- لا اعتقد ان علاقتكم ستنجح، الحرف الأول من اسميكم واحد .. موجب وموجب يساوي سالب، لن يحبك الى الأبد!


نحن رضعنا فكرة أن يستمر الحب الى الأبد مع حليب والدتي الحلو على الرغم من المرارة التي تسكن صدرها، كانن غايتها أن يكون حظنا في الحب أوفر من حظها، وكانت غايتنا أن نثبت لها أننا حفضنا الدرس عن ظهر غيب وأحسنا الإختيار. الإشارة التي حدثتنا عنها كانت الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المنشودة.

شغفنا بالفكرة، الحرف الأول من اسم الفتاة + الحرف الأول من اسم الفتى = التفسير الأول الذي يطرأ على رؤوسنا. تكشف لنا الكلمات المصدرية المكونة من حرفين سر مستقبل العلاقة، إن كانت سنتجح ام سيكتب لها الإختناق. كبرنا وكبرت معنا لعبتنا، تطورت الى استنتاجات جدية وتفسيرات غاية في الأهمية. انتشرت اللعبة واشتهرت في مدرستنا، اصبحنا الأختين السحريتين اللاتي يستطعن التنبؤ بمصير علاقات الحب المبدئية. نستطيع أن نقول لكل زميلة إن كانت ستستمر، ستثمر أم انها في منزلق الى بأر القلوب الكسيرة.

شيماء ورائد – اسم الفتاة يجب ان يكون اولا ( الكلمة) التفسير ثم يقلب، اسم الولد ( الكلمة) التفسير ثم التوليفة.
تسر شيماء في أذن بهجة اسم حبيبها، تفكر بهجة قليلا ثم تقول لها أمام الفتيات المجتمعات حولنا يتطلعن بأعين قلقة، تحدق بهجة في شيماء وتخبرها:
- ( شر ) والعياذ بالله ( رش) همممم
تفكر بهجة ..
- اسمعيني شيماء .. ستستمر العلاقة فقط في حالة واحدة، إن جاء لخطبتك عليك "رش" ماء مقري في وجهه ما إن يخطو خطوته الأولى داخل بيتكم. الـ (الرش) سيبطل مفعول الـ ( الشر) المقدر لعلاقتكما الزوجية. إن رششت الماء ستعيشين في غاية السعادة الى الأبد.
تدمع عيني شيماء من سعادتها الغامرة، وتجري في ساحة المدرسة كأنها فراشة للتو فرّت من شبكة صيّاد قميئ.

تسر فتاة أخرى في أذن بهجة:
أعرف وجه أختي .. احفظه عن ظهر غيب، هي الأخرى رومانسية يائسة لا تحب أن تكسر قلب أحد، ولكنها أيضا فتاة جميلة في مقتبل العمر، تحب وتكره. عندما تتقدم فتاة لا تحبها بهجة تلقائيا الفكرة الاولى التي تزور رأسها عند سماء الأسماء تكون سلبية:
تفكر قليلا عندما تسمع الاسمين:
- ( مخ ) – ( خم ) لا اعتقد ان العلاقة ستنجح ابدا، انتِ تفكرين بعقلك كثيرا، وهو لا يفكر أبدا لإن ليس لديه مخ اصلا. اتركيه ستجدين شخصا آخر افضل منه!


على الرغم من أننا كنّا نأخذ اللعبة بجدية متناهية، إلا اننا صدمنا فعلا من حقيقة أن بعض الفتيات قد تركن أحبائهن استنادا على نتائج تفسيرات بهجة. ربما لعبت الصدفة مرة او مرتين مفارقات طريفة أكدّت نبوءات بهجة، ولكن اللعبة بدأت تأخذ منحى آخر عندما بدأت بعض الفتيات يقدمن لبهجة لهدايا، وآخرين قد عرضوا عليها مبالغ طفيفة من النقود عندما كانت ترفض – تمنعا عبقريا – من أن تقدم لهم تفسيرا متقنا.

اسمعها على أحد طاولات الكافتيريا المدرسية تقول:
- ( صل ) – ( لص ) هممم هذه صعبة، انتما متناقضين كثيرا، لا اعرف اي منكم الصالح الذي يمثل الصلاة، ولا اعلم من هو الشرير الذي يمثل اللص واللصوصية. ولكني انصحك بالإبتعاد، لإنكم – انتِ وهو – غير متكافئين روحيا!


اعجب بتفسيرات أختي المنطقية يوما بعد يوم، استبشر من تلقائيتها وسرعة بديتها في اقناع الآخرين بما لا يقتنع به عاقل، وأسعد من الشهرة الواسعة والسيطرة الخارقة التي باتت تمتلكها في كل ارجار مدرستنا ومدارس المنطقة المحيطة بنا. اصبحت الإستشارة الواحدة من بهجة أشبه بفرصة عمر نادرة الوجود لمعرفة مصير الحب الذي تغلغل بالقلوب.

أما أنا فكانت بهجة ترعاني بقلبها وبإستشاراتها ايضا، لإنها الوحيدة – ربما- التي كانت تعلم بلا لا يدعو للشك أن ما تقوله خرافات صرفه، كانت تدعمني في حبّي عندما تراني في غاية السعادة مع فتى ما، تفسيراتها لحرفي اسمينا ايجابية ومحببة. وكانت تصفعني بتفسير عبقري عندما كانت تشعر بحزني او عدم سعادتي مع فتى آخر. كانت بهجة دائما بقربي.

الى أن جاء اليوم، الذي نبض قلبها الباهج لشاب عرفته في دورة لتعليم الرسم بالألوان الزيتية، كان اسمه "حامد"، لأول مرة ارى أختي تطير على غيمة شفافة كلما تذكرته، كانت تتحدث معي في كل شيء، ولكنها عندما تبدأ في الحديث عنه تلقائيا يخفت صوتها ويصبح ناعما ورقيقا كصوت الأطفال. كانت بهجة تلقائيا تحبه.

تعارفا أكثر، وأخذ الوقت دوره في توطيد العلاقة وبناء جسر مرصوف بالورود بينه وبينها، أمي باركت المبادرة لإنها ببساطة كانت ترى فراشات ملونة تسبح في عيني بهجة. تقدم لخطبتها وطارت من الفرح. الى أن رأته يوما يقف بدرجاته الهوائية يتظرها. كان " حامد" يرتدي بنطالا جلديا وجاكيت أسود، كان يضع على رأسه بندانة ونظارات شمية سوداء. امتقعت بهجة وعادت للبيت على الأرض هذه المرة بعدنا ترجلت عن سحابتها.

بكت بحضني وقتها، قالت لي أنها لم تفسر اسميهما صوابا ( حب ) – ( بح ) :
- اسمينا مكتوب عليهما الفراق، سيكون الحب في البداية ولكنه سيختفي .. حبنا سيكون ( بح ) الى الأبد.


تركته بهجة عندما استعادت شيئا من قواها الخارقة وبصيرتها السحرية، تركته لإنه لا يمكن أن يرتدي لباس المهمل، ان يقود دراجة الخائن، وأن يضع بندانة الكاذب ولا يكون مهمل وخائن وكذّاب! حاول حامد ان يسترجعها، أن يردها الى قلبه، أن يضعها من جديد على غيمته ويطير بها الى السماء، ولكنها اقفلت أبواب الجنة بمفتاح الخيبة التي اعطاه لها والدي، وقفل الإشارة التي تركتها تحت مخدتنا والدتي دون ان تعلم. لم تعد بهجة سعيدة، كانت بمنتهى السواد، كانت تحبه ولكنها لم تكن مستعدة للزواج بعد الإشارة القاهرة.

أخبرت أمي عن السر عندما استعطفتني أن اتكلم، أخبرتها فثارت بغضبة جديدة علينا وعلى أمي، تلك المرأة التي لم تلوعها خيانات والدي المتكررة، لم تستثرها غياباته الغير مبررة، ولم تؤلمها الى هذا الحد كل السكاكين التي غرسها على مر الأيام بظهرها. ثارت أمي لإنها كانت سببا في خلق إعاقة ذهنية لكلتينا، نحن فهمنا الحب منها بفكرة واحدة سطحية وغبية، واختزلناه بإشارة. خلقنا لأنفسنا عقدة الرجل ذو الملابس الجلدية السوداء الذي آلم أمنا ولم يكن يوما والدنا، بررنا كرهنا له بدرجاته الهوائية وبندانته الحمراء المزركشة .. منذ متى كانت القشور حكما نهائيا على الأعماق؟

أخذت أمي بهجة الى بيت حامد، سألته ان لا يكون موجود في بيته واستأذنت والدته بأن تفتح لهما غرفته. لم تزر والدتي يوما مكان حامد ولكنها كانت متيقنة أنها ستجد دلائل دامغة تناقض إشارة بهجة. في حيز حامد دفء رائق، على مكتبته كتب في الحب والطبخ والهندسة والطيران. على فراشة مخدة نظيفة، وفوق منضدته صورة لبهجة.

تحدثتا طويلا أمي وبهجة .. أخذت الأخيرة وقتها لتعاود حساب الإشارة .. تزوجت بعد شهور ..

قالت لي في ليلة عرسها .. أنها وجدت على علاقة ملابسه، غترة منشّاه، كاب بيسبول، خوذة المهندسين .. ولا أثر لبندانة!

هناك 8 تعليقات:

أحمد الحيدر يقول...

لهذا .. لا أحب زيارة هذه المدونة إلا مع مزاج رائق جدا .. فقراءة مثل هذه القصص متناهية الحبكة تحتاج مزاجا قلما يحظى به صاحب الذهن المشغول ..

لا أملك سوى إبداء الإعجاب والتحية .. وإن كنت تمنعت عن التأييد وانتقلت إلى خانة معارضة بعض الأفكار خلال القصة .. إلا أني عدت بقوة إلى صفوف الموالاة مع نهايتها .. واكتمال بدرها

دمت بتألق .. وإلى الأمام دائما

تحياتي ..

Towtor يقول...

u colored my day with pink ,i read yr story with love story music track in the background , my little brother said that it was written " Bahga " on my face.
Meshmesha

7osen يقول...

أحييك
روعة

أستمتع هنا كثيراً

كوني بخير دائماً

aL-NooR . يقول...

واو
سبمبوت
تفاصيل القصة اتحفتني !!
اصابتني بالذهول ..ما شاء الله
انتي مبدعة جداا ..

تصدقين لو شوي جان صدقت
هذي التعويذة
p;

*********************

~ هند ~ يقول...

هند دائماً هنا ..
وإن كان وجودي بـ صمت إعجاب :)

سلة ميوّة يقول...

...




....



.......



وقفت..صفقت..وابتسممت


كوني بخير

غير معرف يقول...

im always listening to Relaxing Music while reading ur blog.. a3esh jaw el qe9a

i like it.. Perfect as always

-Eman

ARTFUL يقول...

كيف حالج اختي


عندج واجب ما عليج امر


http://artful-artful.blogspot.com/2010/05/artful-royal-crown.html

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت