كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 29 سبتمبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (3)


تمسك يدي، كانت عمتي وسمية تمسك يدي عندما أخذتني الى صديقتها طبيبة النساء والولادة اللبنانية في أحد العيادات الفارهة. لا أذكر المرة الأولى التي أمسكت بها وسمية يدي، ولكنها قالت لي يوما أنها كانت يافعة عندما قدمت للدنيا، بكت عندما رأتني لأول مرة، وضعك يدي في يدها قالت لي انها لحظتها تذكرت عندما كانت طفلة تقطف زهرة نوّير صفراء وتضعها على راحة يدها. كانت يدي نوّيرتها في ذلك اليوم وقررت بينها وبين نفسها أنها - مهما حصل - لن تتركني أذبل.
تملكني رعب عندما أخبرتني أنها تريد ان تتأكد من الحمل، لم تصدق نتائج فحوصات الحمل المنزلية، بللت أربعة عصي صغيرة بماء روحي، اشترتها لي وخبئتها في حمام بيتها الى ان اصل. على الأربعة ارتسم خطّان ولم يرأف بحالي واحد منهم ليعطيني ولو وهما مزيفا أن كل الإشارات مخطئة. فقط مجرد امل ولو لدقيقة واحدة يعيد لي بعض من قوتي التي تبخرت عرقا ودم الى السماء. عندما ارتسم الخطّان في الفحص الأول شهقت وسمية وكأنها للمرة الأولى تعلم أن في أحشائي طفل! الخطّان في الفحص الثاني جعلا وجهها يحتقن، احمر خداها اكتسبا حرارة وبدأت مطرات من عرق تنزلق على جبينها. الفحص الثالث كتمت عمتي وسمية نشيجها بعيدا عنّي، طالعت العصي الصغيرة واشاحت بوجهها عنّي. الفحص الرابع، جلسنا على ارض الحمّام .. انا وهي ننتحب .

ضمتني، يالله .. ما الخير الذي فعلته بدنياي لكي تهديني عمّة تضمني بكل غفران العالم عندما تأكد لها أربع عصي أنني أحمل داخلي فضيحة؟ كنت حزينة وخائفة وخجلة، ولكني في داخلي كنت سعيدة لمجرد الفكرة انها في حياتي.
رفعت رأسها ورفعت بيدها رأسي من على الأرض، مسحت بكفها دموعي: نويرة راحت البر .. تجيب العيش الأحمر .. تحطه بالصواني .. على جيّة خوالي ..

عندما كنت صغيرة، كانت تغني لي وسمية " نويرة راحت البر" كلما رأتني عائدة من المدرسة. قلت لها غاضبة أن في مدرستي طفلة اسمها سارة، وأنها تعايرنا أن لها أغنية خاصة بها! كنت اريد اغنيتي.. عنّت لي وسمية نفس الأغنية بإسمي اصبح " نور" "نويره" هكذا بكل بساطة الحب حلّت لي وسمية مشكلتي. منذ ذلك الوقت هي تغني، وأنا ألفح بشعري يمينا وشمالا بينما هي تصفق وتكمل الأغنية.
حتى في تلك اللحظة الموجعة، لم تنس عمتي وسمية ان تغني لي أغنية كانت ميثاق حبنا الأول.

أنا وهي كيف بدأنا؟
كان والدي يسكن الطابق العلوي من بيت جدتي أول عشر سنين تزوج والدتي، ولإن العلوي واسع قررت جدتي ان تنتقل وسمية للسكنى معنا، كانت هناك غرفة فارغة فاحتلتها وسمية بوساداتها الوردية وفراشاتها الستان الكبيرة التي كانت تعلقها لتتدلى رونقا سحريا في زوايا غرفتها. أول ما أتذكر منها فترة شبابها عندما تشكل وعي الدنيا برأسي، كانت غرفتها تقابل غرفتي، أنا الصغيرة القصيرة أتطلع لجمالها وشبابها وشعرها الكثيف الناعم المنسدل. كانت أجمل امرأة في نظري، عندما اكبر أريد ان أكونها.

- اتصلي بأمج وقولي لها انج بتتغدين عندي اليوم

تسحب نفسها من أرضية الحمام، تخرج الى الغرفة وترفع سماعة هاتفها وتحادث صديقتها. تأخذ منها موعدا بعد انتهاء فترة عملها، بعد ان تغادر النساء المحشوات بالسعادة والرجال المنفوخين بفخر الأخبار السعيدة. لم تكن ترغب عمتي في أن يراني أي مخلوق في عيادة الدكتورة غادة، فلا أنا محشوة بسعادة ولا هي منفوخة بفخر!

0000

تتناحر وسمية مع عثمان، أخوها وعمي الصغير الذي يكبرها بخمس سنوات، هي تحت السلم المؤدي الى بوابة الخلاص وهو فوقه، أقف بقامتي التي لا تتعدي ركبتها وعيناي معقوفتان الى الأعلى. صراخهم الاثنين يكاد يصمني فإن احتدت المجادلة ارفع يداي واقفل بهما مغارتي أذني.

- أمي قالت أروح .. كم مرة أقول لك لا تتدخل!

منذ كبرت وسمية وتماوجت التضاريس على جسدها وأخوتها خصوصا عمي عثمان يسقيها جحيم ثمن الحرية الضئيلة التي كانت تصبو إليها. لا صديقات، لا أسواق، لا سينمات. تساءلت بينها وبين نفسها مرة وهي تبكي بغرفتها " لمَ اذن اشتروا لها سيارة وعلموها القيادة"؟ من خلف بابها المتطرف إلا من شق يمكنني من متابعة حزنها أسمها وأجري الى جدتي.
- يمّا ليش عطيتو عميمة وسمية سيارة إذا كل ساع ما تخلونها تطلع؟

تزفر جدتي وتعتدل بجلستها، ترفع رجليها المتخشبة دائما، المتنملة الى الأبد وهي تعوي كأنثى ذئب موجوعة:
- عشان تروح الجامعة يمّا، البنية السنعة مو كل يوم راكبة سيارتها تهايل بالشوارع.

تبرق عيني، افرح لحصولي على إجابة تمنتها وسمية عندما كانت تناجي خلوتها، تشكوها همومها. أصعد الدرجات على طرف أصابعي، احفظ السلم عن ظهر غيب، ادفع باب غرفتها فتتنبه لي، تمسح دموعها وتهلّي بي، كانت دائما ترحب بي حتى في أصعب سقطات قلبها:
- هلا حبيبتي ..

اقترب ..
- لا تبجين .. عطوج السيارة عشان تروحين الجامعة، البنية السنعة ما تركب سيارتها كل يوم وتحايل بالشوارع!

تتبدد غيمة الحزن من عينيها البراقتين، تبتسم، ثم تضحك عاليا وبعمق دمعات القهر التي للتو ذرفتها. تضرب رأسي بواحدة من وسادتها الناعمة:
- تهايل مو تحايل يا هبله

تضمني في صدرها، تقبل مفرقي وتنتظر بضع ساعات الى أن يخرج عمّي عثمان .. تمسك مفتاحها وتأخذني لتشتري لي آيس كريم وعصير وبطاطا مقلية، تأخذني معها رغم كل شيء.. نهايل بسيارتها الجديدة.
يتبع يوم غد ..

ليست هناك تعليقات:

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت