كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 11 أكتوبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (11)

تحذير
يحتوي هذا الجزء على كلمات وتفاصيل صالحة فقط للكبار ..
لا أنصح القراءة لذوي الإحساس المرهف او الحساسية المفرطة اتجاه الجرأة في الطرح.


لم أحادثه منذ اربع أيام، تمسك يدي هاتفي مئة مرة. تقفز أصابعي على أرقامه بنزق، أعقف أصابعي وأصفع الحنين الذي يخنقني ويختنق فيني. طلبت مني وسمية أن أختفي، أن أهمل امتحاناتي النهائية، أن لا أذهب للجامعة وأن لا أريه وجهي. كانت تريد ان تعرف أولا رأي عائلته. تخاف وسمية من الرجال بقدر قوتها عليهم، تؤمن أن السر إذا خرج عن اثنين شاع وانتشر، كل ما كان يهمها الآن أن يبقى السر في قلبي ورأسها الى أن تستبصر شأن آسيا وتعرف موقفها.

في بيتها الرخامي البارد، في صالة معيشة لعب فيها عمر وكبر. تنتظر وسمية قدوم آسيا، أخبرتني عندما عادت أنها لم تتخيل آسيا صغيرة وجميلة الى هذه الدرجة. بيضاء صافية بشعر فاتح وملامح ناعمة. شعرت وسمية بالأمان عندما رأتها لأول مرّة، بدا لها الأمر منتهيا ميسرا. الإنطباع الأول الذي يرتسم عنوان لمظروف تختبئ فيه آسيا أنها رائقة وحضارية الى أبعد الحدود!

بهدوء نزلت آسيا سلم بيتها وسلمت على عمتي بود. جلستا، وأخذت المرأتان بحديث شيق حول أمور العمل والحياة. كلتا الأنثيين تمسكان صرّة شغف، عمتي صرتها تلف مصيبتي وآسيا صرتها تشع برونقها، فنها وحياتها المرفهة.
- آسيا آنا أسفة .. بس آنا لا صحفية ولا طلبت مقابلتج عشان نتكلم عن اللوحات والفن.

صمت، تكمل عمتي:
- آنا عمة نورة

تسأل آسيا :
- نورة رفيجة عمر ؟

تحتبس أنفاس وسمية ..
- نورة وعمر في مشكلة .. وآنا زرتج عشان نشوف شلون نحل مشكلتهم ..

تغمض آسيا عينيها ..
- لا تكملين

يقف نبض وسمية ..
- آنا مستعدة إني أدفع كل تكاليف العملية، حتى لو كانت برّة الكويت..

تحبس وسمية أنفاسها :
- كنت تدرين؟
- لا .. بس كنت متوقعة ! المعادلة ما تحتاج ذكاء .. واحد زائد واحد يساوي اثنين.
- العملية إحنا مو بحاجة مصاريفها لو كانت الحل الوحيد ..لكن المبدأ مرفوض.
- وسمية لا تفهميني غلط، آنا أحب نورة، بنت حلوة ولطيفة ومؤدبة. المشكلة انك ما تعرفين عمر، هو بعد لطيف ومؤدب، بس اهما أطفال تمادوا في لعبة فطرة والزواج عمره ما يحل المشكلة.

تقف عمتي وترتعش
- ولا الإجهاض راح يحل المشكلة، شلون بتعيش نورة وهي شايله ذنب روح؟ شلون بيكمل عمر شبابه وهو ساعد في هالجريمة؟
- الوقت ينسّي كل شي ..
- اسمحيلي آسيا .. أنا ألومج، انتِ كنت جزء من السبب!

- ليش؟ لإني فتحت بيتي لولدي؟ لإني سمحت أنه يستضيف حبيبته في بيتي وتحت عيني؟ لإني ما كنت اتدخل في خلوتهم؟ في بيتي، وعلى شراشفي النظيفة أحسن من شراشف الشقق المفروشة والفنادق المشبوهة. كنت أحذر نورة بطرق غير مباشرة، انا ماني أمها أنصحها وأدبها وأفتح معاها مواضيع الجنس والجسد! أمها وين؟
- بس انتِ ام عمر !!

- انصحه وأوجهه وأرشده، وأقول له عن طرق تجنبه هالمواقف. وإذا غلط من واجبي إني أصلح خطأه الى ان يصير رجل مسؤول ومؤهل عمريا أن يصلح أخطاءه بنفسه. لكن إني افرض على ولدي زواج وهو ما كمل الواحد والعشرين! هذا هدم لمستقبله وتدخل بمراحل نضوجه.

أخبرتها عمتي إنني لم أفقد بكارتي وأن الحمل حدث من فوق ملابسي، أخبرتها أنني وعمر اقترفنا ربع خطأ، خطأ صادق! وأنني إن لم أتزوج سأدفع حياتي كلها ثمنا لهذا الخطأ. أخبرتها عمتي إنني لن أستطيع العيش متوافقة مع نفسي إن قتلت الكائن في أحشائي، وانها لن تستطيع النظر الى أولاد عمر في المستقبل دون أن تتذكر طفله الأول الذي حكمت عليه بعدم أهليته للحياة! شرحت لها عن طهر روحي، وبراءة نواياي وصدق دخيلتي، أنني لن انجو من سياط الذنب وآلام الضمير إن أزهقت مبادئ الروح التي تسبح بنهرها داخلي. كانت آسيا تسمع بملامح منصهرة بشيء من الملل، وكأنها تستمع لأغنية قديمة او اسطوانة معادة! عرفت عمتي أن آسيا لن توافق على ما جاءت لها به ..
- إذا هذا آخر الكلام فأنا مضطرة لمقابلة بو منصور.

- صدقيني .. ما راح تكون ردة فعله أحسن من ردة فعلي .. أنا اقترح أنج تاخذين البنت برّة وتسترين عليها، غير هالكلام ما عندي.

وقفت آسيا ..
- والحين .. تحبين تشوفين لوحاتي؟

على مقعدها، في سيارتها بكت وسمية. تسربت دموع القهر من عينيها رغما عنها. بكت وهي التي قالت لي أن لا أبكي، وحرصت على أن لا أقهر. حارت وسمية بشوارع حيها قبل أن تدخل منزلها الخالي إلا من أسيرة انتظار. ربما لم تعرف ماذا تقول لي، كيف تزف لي خبر أن أموت او أن أميت طفلي؟ كيف ستحشرني بين عذابين، خيار السقوط من على وجه الأرض او السقوط من على وجه الإنسانية! كيف سنجتمع أنا وهي ومشرط مسنون بيدينا، نمزق النطفة إربا ونشرب على روحها نخب خلاصنا! كيف سنغادر المكان وفي نفوسنا نية واحدة .. هي إفراغي من بشريتي تماما كالبالون المنفوخ.


0000


وقعت الصدمة على رأسي وضفيرتاي فالتوت فكرتي وتعقدت آمالي، بعد خمس أيام عادت وسمية الى غرفتها الفارغة وهي تحمل معها حقيبة ملابس صغيرة مليئة بالدموع! أسأل والدتي لمَ وسمية حزينة وهي العروس التي تزوجت من تريد. تجيبني والدتي بخوفها الأزلي على دنياي الوردية أنها مريضة وجاءت بيتنا للراحة.

أدير عيني واقطب حاجباي وأترك والدتي على سريرها تمسك بيدها قصاصة من صحيفة قديمة احتفظت بها لتتعلم " كيف تفغرين فاه زوجك؟" كانت ولازالت أمي متأخرة بكل شيء، طريقة ملابسها، تبرجها، تصفيفة شعرها، مفهوم الجمال عندها، مفهوم الإغراء وكل المفاهيم التي تجددت وتطورت مليون موضة بينما لازالت أمي ترتدي قميص "الململ" الخفيف تحسبا لليلة حمراء.

لم تعجبني الإجابة ولم يقنعني التبرير، على الرغم من عمري إلا أنني احفظ وسمية عن ظهر غيب. وسمية لا تبكي ولا تعجن ملامحها بآه عندما تكون مريضة. وسمية تنتمي الى ذلك النوع من الإناث الذين يجدون متسعا شاسعا للتفاؤل حتى في قعر المرض. كانت تطلي أظافري وأطلي له أظافرها أثناء نزلة برد. تملئ بانيو حمامها بماء بارد عندما تنخفض حرارتها، أسمعها على الرغم من الإعياء لازالت تغني وهي في حوضها، وأشم من خلف الباب رائحة زهور عطرية وزيوت شهية. حتى عندما دخلت المستشفى إثر اعتداء عثمان، داعبتني وسمية وضحكت معي! وسمية اليوم متجهمة، ذابلة وحزينة. وسمية خائرة القوى، مفرغة الروح، فاقدة لدافع الحب والحياة! ماذا حصل بنصف اسبوع أخذها فيهم حسين الى بيته؟ ماذا رأت هناك؟ اي لون من الأشباح؟ واي نوع من جنيات الليل؟

أدفع أذني ألصقها في الباب الذي فصلني عن جلسة عمتي وأمها وأخوتها، أسترق السمع وأتقاذف مع الباب هدنة تجسس. أسمع وسمية تبكي فيتكون غضب في صدري. أتوعد برأسي عثمان إن ضربها شرا، هذه المرة أنا سأنتقم.
- ما أقدر خالد .. ما أقدر أرجع له، ما أقدر استحمل.
- بس الرجال قال أنج على علم بموضوع زوجته الأولى، وانج وافقني ومنعتيه حتى أنه يقول لنا ..
- قال لي انهم منفصلين وانها تعيش في بين أهلها !! جذاب .. قاعدة معاه في نفس البيت.

يزفر عامر ..
- هذا قراراج وتدبيرج وانتي تتحملين إلي يصير لج، حتى لمّا خالد قال خلينا نروح نسأل عنّه فزيتي من مكانج وكليتينا بقشورنا ..

يتكلم عثمان ..
- عشان تعرفين إنا كنا ندور مصلحتج

تنكسر وسمية .. تخبئ بين ضلوعها رجاء ..
- شرطوا عليه يا إما يحط لي بيت بروحي وإلا يطلقني ..

تشهق العجوز بدورها، وتصفع نفسها وتضرب صدرها ..
- انتي ينيتي !؟ ما صار لكم شهر متزوجين تقولين طلاق ؟ ترجعين بيت ريلج ومشلوعة عينج

تصمت وسمية، وفي مساء اليوم التالي تحمل ذاتها الحقيبة الصغيرة المليئة بالدموع وترجع من حيث أتت!
لم يدم زواجها من حسين أكثر من ثلاث شهور. كان يرغمها على مشاركة الفراش معه وزوجته الأولى! كان السيد المحترم مولع بالجنس الثلاثي، عندما رفضت هددها بأن ينقل لأخوتها وأمها زورا أنها تخونه. تحدته لو يفعل ستفضح أمر شذوذه لوالدته المتدينة التي تحسبه مخلص الأمة من شقائها وربما المهدي المنتظر. بعد أيام غض طرفه عنها وحاول استمالتها للفراش، عندما غفت شعرت به يداعبها، تجاهلته ولكنها انتفضت عندما سمعت الأخرى تتأوه وتتلوى تحته .. كان يجامع زوجته الأولى، ام ولده في فراشها .. وهي نائمة عليه!



0000

اعترض على إلحاح والدتي للعودة للمنزل، بدت أكثر تطرفا في اتصالاتها عندما علمت أن داوود زوج عمتي وسمية قد عاد من السفر. أمي لا تحب داوود لإنه يعاقر الخمر. ألوم وسمية على فضح أمر زوجها أمام العائلة، العزاء الوحيد في داوود أن الخمر وبنات السوء قد استولين على ما تبقى من رجولته. لا صوت ولا فعل ولا شخصية، اسم رجل يحاول أن يكسو صورة جسده المتهالك بملابس واسعة وفضفاضة ليعوض قصر قامته ونحوله المخيف. اعتقد ان وسمية لازالت على ذمته لإن وجودة وعدمه واحد، لا يلحقها منه نفع ولا ضر. لا تشعر به إن كان موجودا مركونا في زاوية متهاوي على نفسه، ولا تفتقد وجوده بالأيام والليالي عندما يخبرها انه مسافر في رحلة عمل، وهي تعلم مسبقا أن لا عمل لديه سوى السهر مع شلل البواليع في المزارع البعيدة. كل ما تفعله وسمية لداوود أنها تتمنى له رحلة آمنة في الذهاب، وتتحمد له بالسلامة في الإياب.


يتصل بي والدي هذه المرة ويخبرني بضرورة عودتي للمنزل ..
- أمج تحاتيج ..
- قول لها لا تحاتيني .. أنا بخير ومرتاحة عند وسمية
- بس أمج مو مرتاحة
- يبا انت متى آخر مرة شفت داوود؟ انفخ عليه يطيح


تخطف وسمية التلفون من يدي وتقول لوالدي ما يريد سماعه ..
- بو محمد خلها عندي، تونسني بروحي بالليل ..


يحادثها والدي ..وترد عليه :
- لا خلاص، باسمع شورك واتطلق، ما عدت اقدر على هالعيشة. طردته من البيت وقلت له إن وطوط حشيت ريوله! خله يروح للزبالة إللي عايش فيها. استغفر الله مالي خلق قذارة وأمراض.


صمت ..


- لا صارلي عشر ايام ما شفته، خلاص أقول لك راح بشرّه خلّه يدمر روحه بروحه. عاد طلبتك انت وام محمد خلوها عندي خلاص، البيت كبير تونسني بهالعطلة .. خلاص الصيف قرّب. وإذا بسافر باخذها معاي عقب ما تخلص من الإمتحانات..


ابتسامة ..
- مشكور ما تقصر .. طول عمرك ذخر


تقفل وسمية الخط، وتلمع بعينيها فكرة السفر، ولأنني اعرف عمتي عن ظهر غيب فإنني اعلم ان في رحلة الصيف تلك ستقنع نفسها وتقنعني بالتخلص من الطفل. ركبت عمتي سحابة خفة، أضحت رشيقة ومتفائلة وهي تخطط مشوار الخطوات التالية. كانت مصممة على زواجي من عمر، وأنا مصممة على عدم زجنّا في معمعة الزواج. كان حبّي لعمر صادق وعميق، آخر ما أردته هو هدم الحلم الذي كنت أعيشه معه بإنذار زواج وإلا!


تضحك علي وسمية وعلى سذاجتي، تسميه "استهبال" الحب الأول الذي سيتلاشى ما إن يضع أبي سكينة المطبخ على رقبتي. عندما أخبرتني أنها ستتحدث مع والد عمر بكيت! لا أريد طرف ثالث أن يعلم. دعي مصيبتي فيني أتجرعها مُرا لوحدي، أتقيئها بسريري وأنام على قيئي، أحلم بها كل مساء كابوسا مليئا بالأفاعي، تقرصني لوحدي تعصرني الى أن أتوارى وأموت. ليتني أموت وينتهي كابوسي.


أتوسل لوسمية أن تخلع درعها وتعيد سيفها في غمده، تلك المعركة التي قررت أن تخوضها من أجلي باتت باردة وسمجة وحقيرة. أخجل منها لأنها تجردني من كرامتي التي تتسول لها وسمية عطفا عند باب مكتب والد عمر. في شركته ذات الثمانية والثلاثين طابق، ومكتبه الذي يطل على أفق الكويت. خلف أدراج سكرتيراته الثلاث وبعد الممر الطويل الذي تمشيه وسمية بانكسار. قالت لي أنها كلما مشت خطوة أحست بضآلتها وتفاهة مطلبها! كيف ستطلب سيدة مثل وسمية إعادة كيان وإحقاق حق لإنسان لم يخلق بعد جاء نتيجة خطئ غير مقصود من ابنه !


تماما عند باب مكتب والد عمر يقف موظف آسيوي بهندامه النظيف وقميصه المنشى، يحمل في يده صينية عليها فنجان قهوة وكأس ماء، يوقفها الرجل عن التقدم ويناولها بدلا من الضيافة ظرف ابيض. تفتحه وسمية لتجد داخله شيك بإسمي خط على صفحته مبلغ مبالغفيه .. وتذكرتي سفر الى تايلند!






يتبع يوم غد ..



ليست هناك تعليقات:

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت