كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأربعاء، 20 أكتوبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (12)


الى اليوم لا اعلم لماذا كانت عمتي تحادثني أكثر من الكبار التي كانت تنتمي اليهم، أكاد أجزم حتى وانا في تلك المرحلة الخضراء من طفولة أنها كانت تقول لي جزءا كبيرا من أسرارها، تشرح لي أحاسيسها الدفينة، كانت تعري روحها أمامي وتبكي بحضني بينما نحن جالستان على الطرف الأيسر من سريرها. عمتي كانت تشكي ما يحزنها لطفلة لم تتعدّى السابعة ربما لإنني كنت لا أفهم أغلب الحديث، فلا أردده لأي مخلوق حولي.


عندما عادت وسمية من بيت حسين الى الأبد شدد عليها اخوتها الثلاثة خناقا حادا، تعاليم والدتها كانت واضحة وبينة. المطلقة قنبلة موقوتة لابد وان يأتي اليوم الذي تشهر فيه أنوثتها سمّا يدمر اسم العائلة. كانت جدتي تخاف على وسمية من الرجال وتخاف منها! وسمية صغيرة وجميلة ومكتنزة .. ومطلقة!

امرأة بلا أختام ولا شمع احمر يدل الراغب القادم على طهرها، وسمية الآن وبعد طلاقها شابة سهلة المنال، ناقصة عقل ودين لا يردعها صك عذريتها ولا تطهر سمعتها صابونة مسك. بقي لوسمية سنة أخيرة لتنتهي من دراستها الجامعية، تقرر العجوز ان يأخذها عامر للجامعة قبل عمله ويرجعها عثمان بعد الظهر ما إن يستيقظ من النوم. بقي عثمان مدة طويلة بلا عمل خصوصا بعدما أقفلت الوزارات أبوابها بوجهه. لم تكن وسمية تخرج مع صديقاتها ولم تعطى لها مفاتيح سيارتها إلا عندما ترغب والدتها في ان توصلها عمتي لوجهتها. كان أبي متفقا مع كل ما يحدث لوسمية، مقتنعا أنها الطريقة المثلى للمحافظة على فتاة أصبحت بين ليلة وضحاها مطمع سائغ للرجال. يشمت عثمان بها ما أن تواتيه فرصة سانحة ليزيد عليها مصابها :
- عشان تعرفين مرّة ثانية إن اختيارج مثل ويهج.


يقذف الجملة المحفزة قهرا في وجهها كلما فتحت فمها بمطلب او سؤال. لكي تخرج بعيدا عن البيت، كانت تسترجي والدتي أحيانا للخروج معنا أنا وهي. أو ان تأخذ والدتي معها لجلسة صاحبات في مقهى بعيد. كانت والدتي دائما ترفض لإنها لا تفعل شيئا من دون علم والدي. أحاول بسنيني السبعة مساعدتها، فتح الأبواب المغلقة في وجهها حتى لو مسافة متطرفة لتستنشق وسمية هواءا مسروقا من جيب ظروفها. أحاول ان استعمل تأثيري المجدي في أغلب الأحيان، بالغ التأثير على أبي لكي يسمح لوسمية ان تأخذني لمكان ما، كان يرفض غالبا ويأخذني بنفسه أحيانا أخرى فأجر وسمية معي لنخرج معا لنشرب عصيرا من دكانها المفضل او نشتري كعكتها المسطحة ذات السكر الوردي.


وعلى الرغم من ذكائها المتقد وعنادها الأبدي إلا أن وسمية بدت بمنتهى الخضوع، وكأن شيئا داخلها قد كسر. في تلك الفترة أهملت دراستها وأخذت بالتغيب عن فصولها. تركت أشغالها الفنية التي كانت تحبها، لم تعد تصنع ربطات الشعر وتيجان الرأس المزينة بالترتر وتراب المنثور اللامع. لم تعد لتزيين غرفتها بفراشات جديدة. بدت ساهمة وبعيدة وكأن حسين قد أخذ منها ذلك الدافع للدفاع عن حقوقها المكتسبة بالحياة.


في تلك الفترة أيضا صامت وسمية عن سيرة الرجال، حتى جلساتها الماجنة مع هناك ونبيلة ابنتا خالتها لم تعد مسلية ولم أعد أراهن يضحكن حتى تدمع أعينهن لنكتة قذرة او قصة جنسية عجيبة. لم تعد وسمية ترغب بسماع المزيد عن سيرة الحب والزواج، تنصحانها هناء ونبيلة أن تنسى ما حصل وتركز على المستقبل.


أي مستقبل ذلك الذي سينتشل وسمية من قعر النبذ الذي مارسه حسين على أنوثتها؟ أول زواج إن صحّ وتكافئ من شأنه أن يُكمل المرأة لتصبح بمقاييس الروح كاملة، فينزح كمالها، يأز للخارج لتنتج وتبدع وتنجح في مختلف اهتماماتها. حسين أطبق عليها بشذوذه فأصبحت بنظر نفسها نصف امرأة، لا تستطيع ملئ رجل. كان يجب ان تشاطرها امرأة أخرى سريرها مع زوجها لتحظى بتلك الأجزاء من الثانية التي يعيرها فيها حسين شيئا من شبقه.


حتى بعد زواجها لم تتأكد وسمية أنها جميلة، مغرية وكاملة الأنوثة، فعادت لبيتها كسيرة وشاردة.
- تبين تتزوجين خالي عبدالوهاب؟


أسألها وأنا عند خاصرتها، تنظر للأسفل وتحدق بعيني اللامعتين بمقتطفات أخبار مهمّة سمعتها من حديث والدتي مع جدتي على الهاتف. عبدالوهاب خالي الأصغر الذي يكبر وسمية بأربع سنوات، أعتقد انهما كانا يلعبان في حوش بيت جدتي لأمي عندما كانت عمتي الكبرى – صديقة والدتي في المدرسة – تزور أمي قبل زواجها من والدي.

أخبرني عبدالوهاب يوما قصة أنه كان يلاحق وسمية عندما كانوا صغارا ويشد شعرها. أذكر ايضا أنه سألني وقتها ..
- لمّا الحين شعرها ناعم وطويل؟


عندما أخبرت وسمية بسؤاله في ذلك الوقت لمعت عيناها وضحكت، القت على مسامعي كلمات اعجاب وتحبب لصالح عبدالوهاب وأضنها كانت تتمنى بقرارة نفسها أن أنقلها إليه .. ففعلت :
- قالت وسمية ياحليله عبدالوهاب كان شيطان، بس ألحين رَّيال قول وفعل.


يبتسم عبدالوهاب، وأشعر من موقعي الذي كان يصل لصدره بينما يضمني وهو جالس على كرسي مكتبه ان هناك فراشات شقية بدأن ترفرف داخله.



0000



أختار ان اتصل بنهى، لم اعد استلطف الإنقطاع الكلي عن أخبار الشلة. اشعر بحاجة ماسّة لأعرف شيئا عن عمر، خبر واحد، ملاحظة عابرة واتمنى من كل قلبي ان تكون نشرة أخبار مطولة. تعلم نهى مسبقا أنني في ورطة، أخبرتها أنني اعاني من مشكلة عائلية شائكة، لم أبح بالكثير من التفاصيل فتركت لها حرية الإستنتاج. نهى تعرف كيف تحيك قصصا من أحداث متناثرة.
- بس آنا ماني فاهمة ليش ما تقدمين امتحانات الميد تيرم! شنو علاقة طلاق أمج وابوج بموضوع دراستج؟


ابتسم في داخلي، كنت على صواب. قررت نهى أن مشكلتي تكمن بوالداي. أخبرها أنني لا أطيق النظر في الكتب، نفسيتي المنهكة لا تسمح لي حتى بقراءة سطرين. لم أكن أحبذ الكذب على نهى، في النهاية هي صديقتي الوحيدة التي من الممكن أن أبوح لها بهمومي ولكن هذا الهم أكبر منّي ومن نهى. أسألها عن عمر فتصمت ..
- بعيد نورة .. وايد بعيد !


لم يعد يجالس الشلة، لم يعد يقضي وقتا اضافيا في الكلية ولم يعد يمارس الرياضة التي يلعبها مع فريق الجامعة. سأل عني للخمس أيام الماضية وقال انه ذهب لبيتي ولم يجد سيارتي. اخبرته نهى أنها لا تعرف شيئا عنّي وأنني اتصلت بها مرة واحدة وأخبرتها أن لدي الكثير من المشاكل في البيت. استنتجت بيني وبين نفسي من كل ملاحظات نهى أن عمر لم يعلم عن حملي، والداه لم يبلغاه بالموضوع وآثرا ان تنتهي حكايتي بإختفائي كليا من حياته.
- لازم تتصلين فيه نورة، إذا ما تبينه عطيه أسبابج عشان يرتاح .. حرام عليج!


حرام؟ مزعجة كلمة الحرام عندما تلتصق بي وتنتزع بنهائية مطلقة عن الأشخاص الذين يقترفون الحرام! لماذا لا يكون الحرام على عمر، الشريك النصفي الذي تساوى ذنبه بذنبي. عمر الذي تسبب بفجيعتي عندما قرر أنه لا يستطيع السيطرة على سوائله؟ متساويان نحن بالذنب ومتناقضات بالعقاب. أنا أتسول حياة جديدة على مشارف جريمة قتل وهو فقط، لم يعد يلعب الرياضة التي كان يمارسها!


لماذا لا يكون الحرام على آسيا التي تحكم على أطفال خطيئة أبنائها بالموت لان ذكورها صغار ولا تريد هدم مستقبلهم! ماذا عن مستقبلي أنا؟ لماذا لا يكون الحرام على سعدون والد عمر الذي لم يكلف نفسه النظر في وجه عمتي التي لبست روب محاماة لا يليق بها، التي لملمت كرامتها المدلاة من سقف الفضيحة وذهبت لتقبض ثمن مهمتها الأخيرة في وأد طفلي من على صينية يحملها فرّاش المكتب! حرام علي أنا التائهة في كابوس الحرام الحقيقي الذي يريدونني اعتناقه عندما يقدمون لي خيار واحد في طبق من فضة، أن أميت ما بأحشائي او أن ندفن أنا وهو في قبر واحد!


احقد على عمر، لأول مرّة أحس نبرة كره في صوتي عندما أتحدث مع نفسي عنه. ربما كانت غيرة!

أحقد على عمر لإنه يفتقد فتاة كان يحبها اختفت من عالمه الى حين، هذا كل ما يواجه عمر من حزن. أنا المعجونة في فراش الفجيعة، الموصومة بالعار، الموعودة بالموت أيا كان شكله. انا المجبولة على الذنب الأبدي وتأنيب الضمير عندما أقرر أخيرا ان أتخلص من الكائن البريء الذي تتكون ملامحه داخلي.

أنا المغتربة التي تنام في بيت غير بيتها، وفراش غير فراشها وتتلوى بجسد غير جسدها. لماذا لم يعرف عمر الى الآن؟ حتى وإن لم أقل له بنفسي، لماذا لم يفتح والده فمه بمحاضرة شرف وأخلاق يلقيها على مسامعه ليتعلم أن لا يجتاح مرّة أخرى جسد امرأة؟ لماذا لم يعاقبه على فعلته؟ لماذا لم يسحب بساط الأمان من تحت أقدامه؟ لماذا ينام عمر هانئا وأنا أحترق بفرن لوعتي؟ أتساءل بيني وبين نفسي كيف ستكون ردة فعل عمر!

هل سيمسك يدي ويأخذاني لوالديه ليزوجاننا فأسترجع حياتي وأكتب لطفلي ميلادا جديدا؟


أقرر بيني وبين نفسي، أن عمر لابد أن يعرف.



يتبع ...

هناك تعليق واحد:

ARTFUL يقول...

مساء الخير

يعطيج العافيه

(:

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت