كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 21 أكتوبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (13)




- شفيها بنت أخوج؟
اسمع داوود في غرفة وسمية يفح بأسئلة لا تعنيه! بات الشك يساوره بعد أن دار حولي سبع مرّات يشم رائحة سر دفين. سألني يوما بينما آكل فطوري وأتعرّق من الغثيان الذي بات يزورني بكثرة، إن كنت مريضة؟ نظرت اليه وأخبرته أنني أعاني من نزلة معوية. نظر لي بتردد وانزلقت نظراته الوقحة الى بطني، وقف أمامي ووضع كفه على بطنه وربت على كرشه الصغيرة ..
- سلامتج ما تشوفين شر !
كيف لا أرى الشر وهو أمامي كل يوم، يطوقني بنظرات محمومة ويحاول ان يفتح معي مواضيع باردة! لم أحب داوود منذ ان تزوجته وسمية قبل أربع سنوات. بعد موت عبدالوهاب بثمانية سنوات قررت وسمية أن يكون لها زوجا لتحظى بتلك المكانة الاجتماعية التي تحتاجها كل امرأة بعد أن تفقد رجل.
تهب فيه وسمية :
- ما فيها شي .. وإياني وإياك تأذيها بكلمة، البنت مريضة وبحاجة للراحة.
- ما شفتكم ولا مرّة تروحون الطبيب! هذا اي مرض إللي يتعالج بالبيت؟
- نفسي .. ما سمعت عن الضغوط النفسية والكآبة؟
- كآبة؟ وهذي ما كملت خمسة وعشرين وكآبة ؟؟ عيّل لا امتنت وعيّزت مثلج شبيصير فيها؟؟
تصمت عمتي، اعلم حتى وأنا استرق السمع أنها تفكر ..
- شرايك تسافر جم شهر؟ أنا ادفع لك ثمن تذكرك، روج لبنان صيّف هناك اقعد بشقة أمك ودردع بهالمشروب لين تموت.
- ما عوزج .. تبين الفكّة ! ماني متحرك من هني إلا لمّا اعرف شفيها نورو ..
أحس بانقباض في معدتي. يخيفني شبح الرجل الدنيء الذي يختبئ في هيكل داوود، أعلم أن للرجل سوابق في القفز ليلا على الخادمات اللاتي كانت وسمية تجلبهن لخدمتها. لم تسلم حتى " تراجي" الخادمة الأثيوبية ذات الستة وخمسين عام من شره عندما قرر ليلا أن يزور فراشها بدلا من فراش زوجته، صرخت بأعلى صوتها وألقمته ضربات متكررة بأبجورتها على رأسه حتى شجّت جبينه، خافت عندما شاهدت الدم فهربت في نفس الليلة. استيقظت وسمية لتراه ممدا عند فراش "تراجي" ينزف من رأسه. أخذته للطبيب ليخيط جرحه وحذرته إن فتح فمه أو فكّر في تبليغ الشرطة عن "تراجي" ستشهد معها ضده وتخبرهم أنها ليست المرّة الأولى التي يطغي فيها على مخدع خادمه.
تخدم وسمية الآن "أنزوما" خادمة نيبالية عريضة البنية، عمرها 35 ثلاثين وذات صحة ممتازة، بضربة واحدة منها من الممكن ان تكسر داوود نصفين. تضحكني وسمية عندما تهدده بها فيخاف ويرتعد.




0000



يزورني سعد في بيت عمتي، يجلب لي ملابسي واللابتوب الخاص بي وبعض الأشياء التي اوصيته أن يجلبها من البيت. يجلس على طرف فراشي في الغرفة التي خصصتها عمتي لنومي، كانت ملاصقة لغرفتها، فيها نافذة كبيرة تطل على الشارع الخلفي الذي يختبئ خلف بيت داوود الذي كتبه بإسم وسمية لتقبل الزواج منه. تملك وسمية الآن البيت بكامله ولا تتوانى عادة من تهديد داوود بطرده كليّا من البيت فيعض على اصابعه ويتحسر على اليوم الذي وثق فيها وكتب لها البيت بإسمها بيع وشراء.
يداعبني سعد ويخبرني أن البيت أجمل بدوني، حتى أخي الصغير الذي لازال يشق طريقة نحو مبادئ المراهقة يفتقدني. يسألني عن سبب البعد عن البيت:
- هذي اول مرّة تنامين اسبوع كامل في بين عميمة وسمية ؟ نورة أحّد مضايقج في البيت؟
لا أعلم ماذا اقول له، أحب سعد لإنه كان الهدية التي حصلت عليها بعد عشر سنوات من كوني بنت شاطرة وفتاة مطيعة! كان والدي يخبرني انني سأحصل على أخ او أخت عندما اسمع كلام والدتي ولا اضايقها. بعد سنين من العمل الدءوب على تميزي واعتدالي جاء سعد ليخرجني من دائرة الوحدة ويعطيني الله به هدية لطالما انتظرتها. أحب سعد ايضا لإن بعده تغيرت والدتي، خفت هلعها واختفت علامات الجزع التي كانت ترتسم على وجهها عندما كانت تسألها العجوز عن حملها المنتظر:
- بعد هذا حق! إذا ما حملتي بزوج خالد مرّة تترس لنا البيت عيال. هذا ولدي الكبير ما راح أخلي ذريته بنت وحدة!
ترتبك والدتي ويحمر وجهها، تكتم لوعتها بقلبها وتتوجه لتتسول حلولا من أطباء وحواجين. لم يبق عشبة قميئة إلا ونقعتها وشربتها على الريق، لم يبق ابرة إلا وغرستها في افخاذها كل مساء، ولم يبق دعاءا إلا وتضرعت به الى الله لوحدها في ليلها عندما كانت تستيقظ قبل الفجر لتصلي ركعتين قيام وتبكي رجائها خالصا من روحها ترسله دموعها الى سابع سماء. بعد مرور تسع سنوات من ولادتي يئست أمي وتوجهت لوالدي تعطيه صرّة رضاها على موضوع الزوجة الثانية. دنى منها والدي وأخبرها انه لا ينسى العشرة، وأنني – أنا – نعمة من الله الذي أنعم عليه بإبنة بينما حرم منها الكثيرين. قال لها ان لا تستمع لتلميحات أمه، هي امرأة عجوز نشأت على مفهوم واحد للأنوثة، لا تعتبر المرأة كاملة في منظور جدتي إلا عندما تنجب قدر المستطاع، بنينا تفخر بهم وبنات يخدمونها ويرعونها عندما تكبر.
عاش والدي في كنف والديه أكثر من أخوته، هو الأول الذي كبر ونضج مبكرا ليشهد حوادث كثيرة تؤلمه ذكرياتها الى اليوم. حتى مع سلاطة لسان العجوز وتدخلها في شئونه الخاصة لا زال يشفق عليها ويرحمها. يقول أنها تجرعت من أبيه ذلا وهوانا لم يسمع به أحد.
- مو مضايقني أحد سعّود .. بس الإمتحانات صعبة وآنا ماني قادرة أركز في البيت.
- إي أدري، دانة ودلال وايد مزعجين ..
ابتسم وأسأله ..
- تحبهم ؟
- إي بس شياطين كلّه ألاقيهم بداري، ياكلون حلاوي ويخربون أغراضي ..
- ما يخالف .. يهال
نتسامر أنا وسعد، نقابل بعضنا ونقتسم بيتزا بيباروني دافئة. نسترجع حكايانا القديمة وذكريات أخوتنا..
حملت والدتي مرة أخرى بعد ولادة سعد بتسع سنين، الى الآن لا أحد يعلم لمَ يحتاج جسد والدتي لمدة طويلة ليستضيف جنينا آخر. تموت وتحيى أمي طوال فترة المحاولة والانتظار، تسمع ما لا يسرها كل يوم تقريبا وتصمت لتتدثر آخر الليل بثوب صلاتها وتنام على سجادتها بعد أن أنهكتها صلاة الحاجة. حملت بالتوأم دانة ودلال وفرحت ملئ مهجتها عندما علمت ان في أحشائها دليلا مزدوجا على خصوبتها، صمتت العجوز لفترة الحمل كاملة وعندما علمت أنهما بنتين بدأت تعلك من جديد سيرة كنتها المعطوبة التي بالكاد تحمل بالبنين. بعد دانة ودلال أخذنا والدي لبيت جديد، فرفعت والدتي راية سلام على رأسها، في بيتها الذي لا يعايرها فيه أحد.
- متى بترجعين؟ يسألني سعد ..
وأقول له أنني لن ارجع إلا عندما انهي امتحاناتي وأسافر مع عمتي لقضاء الصيف خارج البلاد ..
- بروح معاكم
اربت على رأسه وأحزن عندما قلت له ..
- لا حبيبي .. ما راح تستانس!




0000



ارتدي فستانا..
لا أذكر متى آخر مرة ارتديت فيها فستان أنثوي مثل هذا. أمشط شعري ناعما منسدلا الى نصف ظهري واضع على رأسي طوق اسود بشريطة ستان. بدوت كفتيات المدارس الأجنبية، بريئات ومرتبات. انتظرت وسمية تخرج لعملها فأخذت مفاتيح سيارتي وتوجهت هكذا بلا إنذار مسبق صباحا باكرا الى منزل عمر.



يتبع ...

هناك 4 تعليقات:

sa5er يقول...

على قولة - المرحوم- المفيدي في درب الزلق : "يااااااو" ..

ما احب القراءة الطويله !

ARTFUL يقول...

يتبع غدا؟؟

سبمبوت يقول...

آرتفل

أحلى شي انك قاعدلي عالوحدة .. وهلني يا ريّــال !!!

(14) بالطريق .. مسألة صف وإخراج ليس إلا :)

ARTFUL يقول...

علشان ما تبردين

p;

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت