كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010

نتلاشى للأمام .. (15)


ترتشف استكانة شاي بالنعناع الأخضر وتسألني إن كنت أرغب يوما بالزواج ..
- لا يمّا آنا ما أحب الرياييل ..
- هاو .. ليش؟
- ما ادري ..
أفكر قليلا ..
- لحيتهم تقزز

تضع استكانتها على الصينية الستيل وتضحك ملء قوامها المكتنز وشفتيها الغليظتين. يدخل والدي فتعيد عليه ما قلت ليلتقطني من الأرض ويبدأ بحك لحيته بخدّي! لا اعلم من أخبر والدي انها لعبتي المفضلة؟ كلما وجدني بمتطاول ذقنه بدأ معي نوبة الخدش حتى يحمر وجهي.

اشتكي لوسمية التي اعلنت مؤخرا خطبتها على عبدالوهاب، مشكلتي مع لحية والدي ..
- انحاشي .. ركضي حيل بسرعة عشان ما يصيدج
- بس اهو كبير وسريع ما اقدر انحاش منّه ..

تضحك وتخبرني عن ذكرياتها مع والدها، كان "بابا عود" رجلا معتدلا بكل شيء حتى بمعاملته لبناته الثلاث اللاتي كن يجدن دوما طرق جديدة للحصول منه على ما يردن. الى اليوم تتندر عماتي على الطريقة التي كان يغضب بها منهن، كان يخرج طرف لسانه ويعض عليه، ويبقى متوجعا متورما لأيام. وسمية الصغرى بين الفتيات كانت المفضلة لديه، يحبها ويدللها قدر استطاعته، وعلى قدر احتمال جدتي لدلاله لها إلا أنها كانت تتصرف حيال قربها من والدها بصورة غريبة. تؤمن عمتي أن جدتي التي لم تذق يوما هنيئا مع زوجها كانت تغار منها وتحاول قدر استطاعتها ان تبعد وسمية عن والدها. ربما لهذا قضت وسمية أكثر سنين طفولتها الأولى في بيت خالتها أم هناء ونبيله.

- أبوج وايد زين نورة .. بس يتأثر بسرعة
- يعني شنو يتأثر ؟
- يعني يسمع الكلام إللي يقولونه الناس ويصدقهم .. يتأثر فيهم
- يعني شلون؟
- يعني لمّا أحّد يقول له ان نورة بنية مو زينة وهي شيطانة ومو مأدبة يمكن يصدقهم ..
- وآنا .. ما راح يسألني ؟؟
- لا .. ما يبي يسألج .. عنده كلام الناس كافي

من الحوارات التي دارت بيني وبين وسمية ولا أزال أتذكرها، ربما لإنني الى يومنا هذا لا اعلم ما الذي كان يدور برأسها عندما قررت ان تحدثني عن والدي بكل تلك الحرقة. عرفت فيما بعد، بعد زمن وبعد ألم نبذة مقتضبة من تاريخ تطور رجولة والدي. كان في ريعان الشباب وفورة المراهقة عندما علم أن عمتي الكبرى رقية تحادث أحد الشبّان، كان يحبها ويتربص بها تحت ضل شجرة متوارية تبعد خطوات عن مدرستها. آثر أبي في ذلك الوقت ان يثبت للجميع أنه أصبح رجلا فداس على رأسها ووضع سكينا على رقبتها، كانت جدتي تبكي ووالده يصرخ ورقية سقطت بعدها في بؤرة سوداء من صمت، لم تتحدث لشهور بقت متوارية عن الدنيا الى ان جاء خاطبها " الولد ذاته" وأخذها بعبائتها السوداء وأخرجها من ظلامها. الى اليوم علاقة رقية بوالدي ضبابية، حتى بعد سنين طويلة لا تحادثه مباشرة وهو لا ينظر في عينها. أتساءل بعد معرفتي بالقصة .. ترى من فيهم الحاقد ومن النادم؟

كنت أعلم أن لأبي سوابق تصرفات غير مشرفة، كنت أعلم ان الحُلم الذي يسكنه قبع في أعماقه انعكاسا لتجارب مؤلمة، أخبرني يوما أنه تعلم دروسه جيدا لإنها جاءت من عمق الوجع، آلم أشخاص يحبهم فهجر قلوبهم الى الأبد ..
- الفاس يقلع شجر والأعصاب تقلع بشر
أخبرني يوما، هكذا بدون مقدمات. ضحك وقتها وقال لي انه مؤلف الحكمة!



0000



أرتجف، لا يكف جسمي عن الدوران في دوامة الغربة. اغترب لإن لا أحد يحبني ولا أحد يصدقني ولا أحد يرغب بسماع ما لدّي. وسمية الوحيدة التي فتحت لي حضنها لأرتجف وأدفئ وأهدئ بعد نوبة نشيج. أحكي لها ما حصل في بيت عمر فيحمر وجهها وتضرب بكفها فخذيها، صوت الضربات حاد ومؤلم. لأول مرة أرى عمتي تتعامل مع الأمور ببدائية نسائية لا تليق بها، تشق جيبها وتضرب نحرها وتولول كالمعجونات بالقهر على مدى الأزمان الغابرة. أعتب على نفسي لإنني نقلت لها ما قالته آسيا، لم تكن عمتي لتسمح لأي امرأة كانت ان تشكك بطهري، حتى وأنا حامل بدون زواج!
- آنا أواريج فيها ..

أخافها وأخاف عليها، اعلم ان تلك الجمرة التي وضعتها على قلبها لن تنطفئ إلا عندما تنفذ عمتي خطة انتقامها. أرجوها بيأس ان لا تنحاز لشياطينها، أن لا تميل لتلك البقعة الدبقة التي تخزن فيها شرورها، أن لا تدخل الى ذلك الكهف المنتن الذي تخبئ فيه عفاريتها..
- تبين تسوّين المصيبة مصيبتين؟
- لازم ينقطع لسانها او يحترق قلبها مثل ما حرقت قلبج
- قلبي محروق وسمية، بس مو منها !


لم تنم عمتي تلك الليلة، كانت منكفئة طوال الليل على فكرة ما، تدغدغ الفكرة رجلها فتجفل. قامت الساعة الثانية الى صالة المعيشة واعتقد أنني ما بين صحوتي ونومي سمعتها تحادث نفسها.. عادت وأندست بجانبي! تركت الفراش الساعة الخامسة، ذهبت الى الحمّام ثم جلست على طاولة الأكل تحدق ببقعة صمت أمام عينيها. من مرقدي خفت من طوق الأفكار الذي يدور برأسها. ارعبتني فكرة ان تفقد عمتي إنسانيتها على أعتاب حكايتي، أن تتجرد من جمالها الذي تربيت على ألقه، حبها الذي ترعرعت بكنفه، ان تقترف ذنبا حتى أنا لا أغفره.
رفعت رأسي من على الوسادة، نظرت الى ظلها الجالس في البعيد، وقلت ..
- وسمية .. خلاص .. أنا أبي أسافر !

يتبع ...

هناك تعليقان (2):

ARTFUL يقول...

انشالله غدن

تحياتي لج

:)

غير معرف يقول...

تشووق القصه
متاابعيييييييين
عسااج عالقووه =))

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت