كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 30 ديسمبر، 2010

نتف ..



اقترض من جارتي قليلا من السكر، بابها جار بابي لأكثر من سنتين ولم نتعارف على بعضنا إلا عندما احتاجت زيت للقلي! على مسطبة مطبخي الرخامية أذيب ملعقتي بفنجان الشاي، ابتسم خفاءا بيني وبين نفسي! حتى آخر حفنة سكر وضعتها بلا شعور في كوبه، قبل ان يغادر للعمل عب قهوته ووقف عند الباب يربط حذائه، بمكاني المتواري خلف الوهم أتخيل نفسي أطبع قبله ما على خده، ربما كانت قبلة وداع او ذلك النوع من القبل الصديقة التي يعتاد عليها المتزوجون! انفض الفكرة من رأسي وأركلها بعيدا مع صوت الباب يصفع نفسه عندما خرج للعمل دون مع السلامة !


في أول أيام زواجنا كنت أقبله خطفا على شفتيه وهو يهم بالرحيل، الآن لم أعد أعرف كيف اقترب منه أكثر من ذراعين، بين الأزواج، تصبح المسافات الصغيرة جدا أميال غربة، نتوه فيها، نحوم حولها ولا نعرف طريق عودة. أمشي على أطراف أصابعي وهو نائم لكي لا اوقضه، اضع كفي على فم ابني ذو السبع شهور، اكتم ضحكه لكي لا يزعجه، وأجري صفى ومروى كل يوم ما بين القدور والمقالي لكي لا يتأخر طعامه أكثر من المعتاد فيعتقد أنني زوجه ناقصة الأهلية. ألوم والدتي في جلسة نسوية بعيدة:
- الله يسامحج يا يمّا خليتي "خالد " كعبة وانا معتمرة أبدية!
ترد بفخر عنجهي غريب ..
- طبعا .. هذا السَنَع
بيني وبين نفسي ايضا أفكر في مصدر الكلمة التي تقدسها والدتي بقدر تقديسها لذكرى والدتها التي علمتها أسرار الأنوثة والزواج! من اين أتت فكرة "السنع" تلك ومن الذي صاغ مفاهيمها الأولية لتتلاقفها أجيال النساء! من التي بدأتها وكيف برب هذا الكون وصلت إلي؟


يقطع حبل أفكاري صوت ابني يفيق من نومة ليل هانئة! هذه المرة لم اوقضه في لحظة أرق لكي ألعب معه، او احادثه عندما أجد نفسي في زوبعة وحدة. نام "يوسف" في سريره طوال الليل وصحى عندما فرغ البيت لنا، نلعب ونضحك ونبكي ونصرخ كيفما شئنا ..


احمله من على السرير واغمسه بحضني، أقبله فيبتسم لي، تحييني أسنانه اللؤلؤية الجديدة وتبعث في داخلي أمل الأشياء البيضاء، تذكرني أسنانه بالورود التي كنا نزرعها بصحون الورق على كرات القطن عندما كنا في المدرسة، ظهرت زهوري بيضاء ناصعة، اتذكر انها اعطتني وقتها مفهوما جديدا لمعنى أن يينع لي نبتا ابيض!
أطعمه حليبه، أغير حفاضه وأضع على جسده ملابس طازجة ونظيفة، أتركه يلعب في أرجاء المنزل بعدما أزحت كل ما هو قابل للكسر، وغطيت كل الزوايا الحادة. احمل سلّة تكومت داخلها ملابسنا المتسخة والقمها فم الغسالة الكبير .. يرن جرس الهاتف المحمول فأفتحه وانا اعلم انها أختي، تتصل بي كل يوم في هذه الساعة المبكرة من كل صباح لكي تحسدني على عدم عملي واغبطها في المقابل على وظيفتها ..


اسمع "يوسف " يقترب، صوت حبوه، مشيته الخفيفة على اربع يقترب من باب غرفة الغسيل. اتقدم اليه واحمله :
- ما ادري هدى .. اشوف "خالد" اذا قاعد في البيت ما راح اقدر احضر !
لم تيأس مني .. لازالت اختي تدعوني لتجمعاتها الشهيرة مع صاحبات العمل، كل اربعاء يتجمعن في بيتها لقضاء ليلة جميلة يملئنها بضحكات نزقة على قصص شيقة. ولازلت في دوامتي، انتظر بكأس نصف فارغة ان يقرر خالد ان يذهب لمكان ما في الوقت نفسه ..


يعلك ابني قرطاسا غريبا، نصفه بيده ونصفه الآخر بفمه! آخذ منه القرطاس واتركه على الطاولة بجانب غسالة ملابسي، اتفاوض مع اختي التي منذ الأزل تقنعني ان "خالد" لا يستحق عنائي. لا اسمعها، تشخص عيني على القرطاس الذي أتى به يوسف من مكان مجهول داخل بيتي، كان ذلك الشيء "واقي" ذكري لم أره في حياتي ولم يستخدمه زوجي أبدا معي !
اقفل الخط دون كلمة وداع، احمل القرطاس واتلمس الحلقة المطاطية التي بداخله! لم تعد تربطنا انا و"خالد" علاقة حميمة لكي يودع مثل هذه الأدوات في منزلنا، وحتى وإن طفرت الظروف وقمنا بما هو جائز لنا، لم يستخدم "خالد" ابدا واقي معي! أخذتني الدهشة، عقد لساني بألف عقدة، وكالمجانين رفعت ابني ذو السبع شهور وأخذت أسأله .. من اين لك هذا!
يمر اليوم اقضيه في البحث الحثيث على خيوط تدلني على المكان الذي أتى به "يوسف " بالقرطاس! أمسك يدي من الإتصال بهدى وإخبارها عن الإكتشاف الجديد، أقرر انني لا اريد حطبا على ناري، وأنني قادرة على حل مشاكلي واستخراج خبايا زوجي بنفسي. انهكني التعب فآثرت الجلوس أمام ابني، اطعمه غدائه واستجديه ان ينطق أي كلمه.


اليوم التالي ذاته الروتين، هذه المرة ايضا نسيت ان اشتري سكر لكوب شاي "خالد" فاقترضت حفنة اكبر من جارتي التي مازحتني :
- شفيه الحلا مهاجر بيتج؟
ابتسمت ابتسامة مُرة وغادرتها..
هو .. اليوم لم يبتسم ولكنه حتما غادر، وعندما استيقظ "يوسف" بكيت بحضنه وتركته كالمعتاد يلهو بينما اغطس بغسيلي اليومي والتنظيف. أفرك غضبي حثيثا في قاع مغطس الحمام، اسمع صوت الفرك وارتاح، يملؤني صوت الإحتكاك برضا ما، فأضع كل قوتي على تلك الاسفنجة الصفراء وأشعر بالإنتصار وانا اراها تتفت أمام عيني!


اسمعه من جديد، مثل كل يوم يحبو أليّ، أرى وجهه الصغير، تلفحني ابتسامة عجائبية. هذه المرة جاء ابني الى بقعتي، امسك حواف المغطس، سحب نفسه للأعلى ووقف منتصبا ومد لي يده ببضع أوراق صغيرة مقتطعة! اقرأها، كانت واحدة كرت ركوب طائرة بإسم امرأة لا اعرفها، تاريخها جاء تماما مصادفة مع تاريخ رحلة عمله الأخيرة! وكرتين متلاصقين كانا لحضور عرض فيلم رومانسي جدا في سينما ذلك البلد الجميل!


ضحكت .. كالمارد أخرج من وسط المغطس، افرد قامتي واضحك. ارفع ابني واقبله في كل مكان أطاله. ربما لن اعرف ابدا من اين اتى "يوسف" بقذارة زوجي، ولكنها حتما وضعت بمكان سافل جدا لا تصله إلا الحشرات والغبار، و فضول ملاكي الصغير الزاحف على اربع.
ستكبر عزيزي وتطول قامتك وتنسى حقارة والدك التي قدمتها لي على طبق بِرَك، ولكنك لن تنسى أبدا أنك كنت السبب في استعادة سعادتي ..


خرجت في حوضي الى الأبد .. وتركت أشلاء الإسفنجة الصفراء منتوفه في مغطسه.

هناك 8 تعليقات:

Ayamee يقول...

غاليتي سارة
رائعةٌ أنت ...

أعشق كتاباتج بكل ما تحمله الكلمة
من معنى ...

p.s : دزيتلج الإيميل وناطره ردج
على نار


فاطمة الشارخ

BeBe يقول...

مساء الخير
ولو اني يديدة بعالم البلوق قريت مواضيعج وكل الشكر عليها
احب عفويتج وجرأتج واتمنى تستمرين حتى لو رديتي الديرة
كل الاماني الطيبة والحلوة لج بالسنه اليديدو
تقبلي مروري

الجودي يقول...

شدتني حروفج و قريتها بتمعن

حبيت تفاصيلها الدقيقة .. بقدر حذري من مفاجئاتها ...

كل عام وأنت بخير

ARTFUL يقول...

جميل

بس هم ماهو جميل

وانا اقدم اعتراض طوله طول الدائري الرابع


!!!!

وين تكملة القصة الاولية!!!

سبمبوت هذا انذار شخصي
!!!

والا ترا بفتح الموضوع جدام كل متابعينج

وتاليتها الله يعينج

p;

تحياتي لج

والف الحمدلله على السلامه

:)

Sn3a يقول...

حبيت مقابلتج بدلال
بسيطه وسلسه وتدشين القلب

سبمبوت يقول...

Ayamee

قرأت الإيميل غاليتي وسأعاد الرد ما ان استقر بعد الوصول من السفر، لازال الوقت يلاعبني بعنف.


بيبي

تحياتي لك عزيزتي .. ومرحبا بك في المدونة


الجودي

تقبلي تحياتي .. ومفاجآتي


آرتفل

اربط خيلك يا رجال .. توني واصلة من السفر وليلي نهار ونهاري ليل .. خليني استنشق هوا الكويت وارجع اكمل نتلاشى للأمام


سنعا

حبتك العافية حبيبتي .. سعيدة اني دشيت قلبج من اوسع ابوابه.

chatterbox يقول...

مقابلتج في مجلة دلال عرفتني على بلوقج.
تمنيت اني عرفته من زمان:)
راح اسهر عليه اليوم

ARTFUL يقول...

الحمدلله على السلامه

لوما اني اعرف حالة النومة بعد العودة من امريكا والا جان ما رحمتج

p;

الله يعينج بس عاد لا تبطين

p;

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت