كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 20 مارس، 2011

خريطة زمان ..

طة


يحتفظ بقصاصات من الورق صغيرة ومطوية ومنثورة في كل مكان، اسأله أحيانا ان كان يريدني ان أرتبها له، او أضعها كلها في جارور واحد؟ يهز رأسه بالرفض أحيانا وينهرني أحيان أخرى!



- لا تلمسين أغراضي! لا تدخلين داري ولا تتعبثين بأشيائي ..


أخرج من الغرفة واقفل الباب خلفي، وأعد نفسي انه عندما يخرج سيكون لي زيارة قريبة اعرف فيها أكثر عمّا تخبأه تلك الأوراق! الساعة تقارب على الثانية ظهرا، عادة ما يأكل لقمة الغداء التي تضعها له جدتي في صحن صيني وصينية ستيل! اسألها عادة إن كانت قد سألته ماذا يريد أن يأكل! تهز كتفها، تمصمص شفتيها وتعيد على مسامعي كلمتها المعتادة:


- هذا إللي ناقص بعد!


لا اعلم متى بدأت الحرب بينها وبينه، ولكني اعلم أنهما كانا في يوم من الأيام متحابان " سمن على عسل"، أتسائل بيني وبين نفسي إن كنت قد ساهمت في القطيعة بينهما عندما أخبرتها عمّا رأيت في غرفته! يخرج "عبدالكريم" الذي أناديه "كرّوم" بعد ان يضع صينية غداءه الفارغة على مسطبة اسمنتية قريبة من المطبخ الخارجي. عادة ما تسمع جدتي صوت ارتطام الصينية بالمسطبة فتطلق صيحتها المعهودة ..


- زقّوم .. عساه ما يحدّر !


ولأنه اعتاد منها على منظومة من دعوات الموت والوجع والمرض والسلاّل، يقرر بينه وبين نفسه ان لا يسمع ما تلقيه عليه كل يوم من آيات المحبة والوئام! يخبرني أحيانا انه يحبها، لازال يحبها على الرغم من كل الظاهر:


- يدتج طيبة وقلبها كبير، بس لسانها طويل شوية.


يبتسم ويخفض صوته ويكمل ..


- ما تعرفين أحّد يقص نتفة من لسانها وهي نايمة ؟؟


اضحك ..


يعرف "كرّوم" نقاط ضعفي، اضحك على أي نكتة تكون بطلتها جدتي، بعد ان كبرت قليلا وتطوّر قاموس الكلمات في رأسي أصبحت اسميها "امرأة قابلة للتنكيت" وهو أيضا وافقني على التسمية.


يركب "كرّوم" سيارته التويوتا العنابية القديمة، اسمع صوت ركامها يبتعد فاقفز من مكاني بجانب مقعد جدتي واهم بالخروج:


- هاو وين رايحه ؟ اركبج جنّي ؟


ابتسم، ديده .. بروح شوي أشوف "هيونة" ولطّوف طلعوا لو لا؟


تتمتم بينها بين نفسها، اعرف دون أصغي السمع انه لا يعجبها لعبي طويلا خارج أسوار البيت حتى لو كنت في حديقة منزلها، عبداللطيف وهيا أولاد جيراننا عادة ما أقابلهم في حديقتنا او حديقتهم بعد الغداء. تعتقد جدتي ان عبداللطيف ولد مستهتر وهيّونة بنت "فهرة "! أخبرت صديقاي رأي جدتي بهما يوما فمنعتهم والدتهم من اللعب معي، قالت لهم ان جدتي لسانها طويل! عندما أخبرتني "هيونة " برأي أمها في جدتي عبر النافذة أكدت لها المعلومة بل وأضفت عليها : "يبيله قص"!


لم تعد علاقتي مع "لطّوف" و"هيونة" إلا عندما تدخل "كرّوم" واقنع والدتهما إنني طفلة وحيدة أعيش مع جدّة طيبة القلب ولكنها سليطة اللسان، أتذكر انه قال لها :" حرام تحملين الياهل ذنب العجوز". صفنت ام الأصحاب وقررت أنها ستسمح لهما باللعب معي طالما أنهما لا يدخلان بيت جدتي، فاقتصر لعبنا على حديقة منزلهم وحديقة منزلنا.


لازلت أتذكر الحوار الذي دار بيني وبين "هيونة" بعد السماح لي بالعودة للعب في حديقة بيتهم، ترددت ولكنها قالت:


- أمي ما تحب جدتك!


- ليش؟


- تقول أنها تخرّع، تجنن الناس وتوديهم مستشفى الميانين !


لم أجادل وقتها، ربما لأني كنت منشغلة باللعبة التي في يدي، ولكنها ليست المرّة الأولى التي اسمع فيها ان جدتي ساهمت في اختفاء احدهم! سمعت أيضا أنها قتلت جدي قهرا، " مات بحسرته". جملة سمعتها كثيرا مرتبطة بسيرة جدي المتوفي، لم أكن افهمها لأرددها. ولكني كنت اعلم ان هناك قصة ما، حب وتعب وموت وجنون!


عند باب الجيران قبل ان يغادر "كرّوم" سور منزلهم، تربت على كتفه ام "لطوّف" و"هيونة":


- وعليا عليك يا وليدي، لا تخفيك مثل ما خفت أمك ..


- لا تخافين " ام سلمان" آنا ريّال ما ينخاف علي.


- طلعت المسكينة تشد شعرها وتصارخ .. ما قدرت على الضيم، من ذاك اليوم محد يدري عنها، وين بتلاقيها يا عوينتي!؟


- الله كريم ان شاالله


استمع الى حوارات مشابهة بكثرة عندما يزور كرّوم خالتي "ام سليمان" او اي من الجارات حول البيت. ولكني لم اعي يوما أن أسأل عن ماذا تتحدث النسوة والى اي سيدة يشيرون!


اترك فكرة "لطّوف" و"هيّونة" خلفي، كانت حجة لترك جدتي والتوجه لغرفة "كرّوم" والبحث في الأشياء والأوراق التي ينثرها بين أشياءه. افتح ورقة صغيرة وارى رقم هاتف ما، ورقة أخرى تحتوي على اسم وعنوان، ورقة اسم ورقم هاتف، ورقة خريطة تصف الطريق لبيت ما، ورقة فيها عملية حسابية وأرقام ونتائج! لم يكن "كرّوم" يذهب للمدرسة ولا يعمل، لهذا شكلت الأوراق والمعلومات المقتطعة فيها لغزا كبيرة لم استطع حلة ولا تحليله. اترك الغرفة والأوراق، اضغط زر قفل التلفزيون القديم الذي كان يشاركني فيه مشاهدة الأفلام المصرية، أغلق الباب خلفي وأتوجه للخارج لعل أصدقائي في الخارج.


لا اجد احدا، ولكني اسمع صوت سيارة "كرّوم" تقترب من المنزل، كان عائدا من المسجد مع العم "سعود" جارنا المسن، اعتقد ان بينه وبين "كرّوم" علاقة جميلة. كلاهما بحاجة الآخر، عبدالكريم بحاجة لأب حاني والعم سعود بحاجة الى ابن بار. يساعد "كرّوم" الرجل الى بيته وأقف انا على الرصيف انتظره، يقترب مني ويأخذني من يدي، اسأله:


- توديني الدكان؟


- لأ


- ليش؟


- لإن مو كل يوم دكان؟ اسنانج تخترب ..


على الرغم من قلة الكلام التي عادة يدور بيننا إلا انني افهمه بسرعة، اقتنع بكل ما يقوله لي ببساطة، عادة لا أجادله ولا أطيل الحديث معه كما افعل مع جدتي.


- "كرّوم" .. أنت وين أمك؟


- أمي "ماما لولوة "


- لأ ماما لولوة جدتك ..


يضحك: - أمي بعيدة في مكان بعيد..


- ودك تروح لها ؟


- ان شاالله اروح لها يوم من الأيام






هدوء "كروم" علمني الكثير من الأمور، صبره وتفانيه وصمته احيانا كثيرة، نادرا جدا ما سمعت صوته عاليا. حتى اثناء جدال عقيم وغير متكافئ مع جدتي، كان دوما يلتزم بالأدب.


عرفت بعد وقت طويل ان "كرّوم" كان يبحث عن والدته، كل القصاصات المنثورة بغرفته كانت تحتوي على معلومات صغيرة جدا عن مكانها، خريطة زمان وربما خريطة طريق يتبع خلالها كل ما حدث للعروس الهندية التي جاء بها جدي من كالكوتا، عاشت في بيته مع جدتي سنتين واختفت بعدها بعدما أنجبت طفلا صغيرا، رآها بعض الرجال تجري في الشارع فجر يوم. في القصاصات إجابات صغيرة لأسئلة كبيرة: ماذا حدث لها، اين كانت، ماذا قالت، والى اين انتهت. لا اعلم ان كان قد استطاع الوصول اليها يوما، ولكنه بعد زمن اختفى من بيت جدتي فجر يوم ما .. ولم يعد.








هناك 4 تعليقات:

~هند~ يقول...

يمه تخررّع :(

Nikon 8 يقول...

قصة جميلة
أما الجدة صج خفيفة طينة على سلاطة لسان
:)

Nikon 8 يقول...

نسيت أقول لك كل عام أنت وكل أم بخير
:)

ARTFUL يقول...

سردج جميييل ماشالله عليج

!!!بس عندي سؤال

خلصت؟

-------

شلون البنيات الحلوين؟ وشلون ابوهم وامهم؟؟

:)

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت