كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 25 أبريل 2011

حديقة في السماء ..

ح



تقرصني العقربة السوداء وأتمرغ في التراب، أدفع رأسي في الرمل واستنشق ملايين الحبيبات الصغيرة، تدخل في انفي تحرق عيني وتضاعف ألم اللدغة. يبدأ السم في الانتقال متسربا دنيئا الى شراييني، أكاد اشعر بالدفق الحارق يصل الى قلبي، نبض قلبي يتسارع ورئتاي تكادان تلفظان أنفاسهما الأخيرة. يختفي الألم تدريجيا، وأشعر فجأة في حزن بطيء ومجنون يجتاحني. أفتح عيني فأجد رأسي مدفونة في صدر الوسادة، فراشي بارد، شعري يقطر عرقا وعيناي تملؤهما الدموع. أتمرغ أكثر في فراشي لساعات، لا يدفئ الحيز ولا تنام عيناي.



على الوسادة الكبيرة التي دائما نلقيها في أحد زوايا معيشتنا أراه يستند، يضع رأسه على صدرها الحاني يشاهد برنامجا تلفزيوني لا يحبه، هو أيضا عاداه النوم، او ربما هو الآخر قرصته في منامه عقربة سوداء! يشعر بي، يلتفت نحوي ويبتسم شبه ابتسامة:


- آسف .. هل أيقظك صوت التلفزيون؟


- لا عزيزي أيقظتني العقربة ..


- كابوس؟ من جديد؟


ازفر شبه زفرة، وأحاول أن ارسم تفاؤلا مزيفا على شفتاي ولكنهما لا تتحركان. اذهب الى الغرفة الأخرى ذات السرير الصغير، اقفل الباب ولا ابكي. اخرج كتابا قد خبأته تحت الوسادة الصغيرة، علّه يسرق رائحتها! اجلس على الأرض، استند على السرير واقرأ.






الساعة الخامسة صباحا اسمع خطوات " ليليانا" هي الأخرى هذه الأيام يجافيها النوم، أحيانا اسمعها في جوف الليل تصلي، تتلو اهازيجا لا افهمها، ولكن صوت الصلاة – أيا كانت – يريحني. عادة ما نلتقي بعد الفجر بقليل عندما اخرج من غرفتي فأجدها هي الأخرى تهم في الخروج من غرفتها، تلتقي أعيننا ولا نفصح لبعضنا شيئا. نحاول رسم ابتسامة .. عادة لا يحدث!






تفتح باب الغرفة، تجدني لا أزال مستندة على الفراش الصغير، كتابي في يدي لا زال على نفس الصفحة التي فتحتها منذ ثلاث ساعات مضت. تقول لي صباح الخير، انجح هذه المرة في رسم ابتسامة وأرد عليها تحية صباح باكر كالعادة. أخرج من الغرفة، فأجده قد غفت عيناه أخيرا على الوسادة الوثيرة، التلفاز لازال في حوار أحادي الجانب معه، هو لا يرى ولا يسمع.






أغتسل، أتوضئ وانفخ الشمعة التي تضيئها "ليليانا" كل صباح في حمامي، هي تعلم أنني أحب الشموع ذات الرائحة الزهرية. هذه الأيام لا أشتهي الروائح السعيدة. أغمر نفسي تحت رشاش الماء، أتمنى أن يغسل الماء حزني، أن يعيد لي شيئا ضاع داخل نفسي. التفت الى زاوية حوض الاستحمام، أشيح بوجهي كأني رأيت شبحا. ابكي وأنا أمسك بطتها الصفراء البلاستيكية التي كانت تطفو على ألق حمامها الصباحي الدافئ.

 أتوفق عادة في حبس الفيضان في كل مكان في المنزل حتى غرفتها، ولكني ارسب في كل مرّة أدخل بها الحمّام. كنت أحممها هنا، أضمها الى صدري مبللة وخائفة، وما إن تتلامس جلودنا تختفي الدمعة وتحل مكانها ابتسامة. شعرها المبلول يناكف عيناني، يدخل في فمي، لم يكن يهمني، كل تعب الدنيا يختفي عندما تلقي برأسها على صدري بعد حمام دافئ .. وتنام.






أصلّي .. أتضرع الى الله أن يلهمني صبرا ما، لا صبر أيوب ولا محمد، أي نوع من الصبر سأرضى به، علّه يساعدني على تخطّي اليوم الى الذي بعده. لم أعد أرى في الأفق البعيد بصيصا من نور المستقبل. علاقة زوجية جميلة أود الاستمتاع بكل لحظاتها، شقة رائقة على البحر أريد تغيير أثاثها، شهادة رسالة الماجستير التي احضرها، كامراتي الباهظة الثمن والصور التي التقطها وأشارك بها في مسابقات دولية. كل هذا اختفى، وبقى عندي اليوم، اليوم فقط عندما يبدأ، أتضرع الى الله أن يجعله ينتهي.






أخرج من الحمام بعينين حمراوين، ينظر إلي ويمسح على شعري، يغرس أصابعه في رأسي، حركة أصابعه ناعمة:


- اعتقد أننا يجب أن نسافر


- الى أين؟


- أي مكان تريدين .. أمستردام، باريس، أمريكا


- لا اعتقد أنني أقوى على الرحلات الطويلة


- إذن نذهب الى ايطاليا، لم نرها من قبل .. قلت لي دائما أنك تودين الذهاب ..


- هل تعلم ما أود؟


- ماذا؟


- أن أراها في الحلم .. فقط لمرة واحدة ..


هو الآخر لا يدري ماذا يقول في اغلب الأحيان، يعلم أنني مللت من عبارات الناس الرتيبة " هذا اختبار من رب العالمين"، " الله يمتحن قوة إيمانك"،" سيعوضك الله عنها خيرا"،" الله يعينك على ما ابتلاك".

 ذكي زوجي، عادة ما يصمت عندما لا يعرف ماذا يقول...






في غرفة ملابسي اسمع صوت "ليليانا" ترتب الغرفة الصغيرة، اعلم أنها تطلق لبكائها العنان فقط عندما تشغل المكنسة الكهربائية، تحاول أن تدفن حزنها في الأصوات العالية علنّي لا أعي. مسكينة "ليليانا" هي لا تعلم أنني أشم الحزن على بعد أميال، لا حاجة لأن أراه.






أطيل السجود، ادعوا فقط أن أراها في الحلم، ترتدي فستانا ورديا وتقفز في السماء كما كانت تحب أن تفعل، تناديني ماما وتضحك تلك الضحكة العالية المعدية التي تتسلسل كغيمة غزل البنات من يدها الى يدي. كم كنت أحب أن اسرق خيوطا من غيمتها اللذيذة وكم كانت تحب أن تشاركني حلواها.






يحجز زوجي التذاكر، ويخطط للرحلة. هذه المرة لا يخبرني الى أين سنذهب، وماذا سنأكل او نشتري. اكتفى بغرفة الفندق ورحلة في القطار من روما الى فينيسا. ادعو "ليليانا" الى غرفتي وأخبرها أننا مسافران لمدة أسبوعين. أخبرها أنني حجزت لها هي الأخرى رحلة الى الوطن.  تشهق، تسألني إن كنت لا أريدها! قد تخليت عنها! تطالعني عيناها بأسى..

 أخبرها أنني أريدها أن تعود، ولكنني أعرف أنها تشتاق لأبنتها الصغيرة. آمرها أن تذهب لرؤيتها، أن تدفن رأسها في حضنها، أن تشم شعرها وتحفظ ابتسامتها عن ظهر غيب. أخبرها أن تسلم عليها لأجلي وتخبرها أن تدعو لابنتي دعاءا خالصا، تدعو لها أن تجد من يلاعبها في الجنة. كنت دائما مؤمنة أن دعاء الأطفال مستجاب.






تبكي خادمتي وتخبرني أنها ستعود بعد أسبوعين لتعتني بمولودي الجديد ما إن أقرر يوما أنني مستعدة لآخر. سافرت "ليليانا" قبلي بيوم، ومن المتفق أن تعود قبلي بيوم.






نسافر، نركب الطائرة ونجلس كما كنّا في قلبّي بعضنا. لا يناكفني هذه المرة على المقعد بجانب النافذة، يهبني الكرسي بلا تردد ويمسك يدي طوال مدة الرحلة. نصل للفندق الجميل في روما، تطل علينا شجيرات الحديقة المجاورة، غرفتي تطل على ساحة يتجمع فيها كل يوم أحد فنانين ومؤديين من كل مكان. يعزفون موسيقى رقيقة ويؤدون رقصات مسلية.






أجلس في الشرفة لساعات، أنا وهو متقابلين صامتين نمتص من الهواء الغريب كل فراشات الأمل الخفية. أشعر بالتعب، أضع رأسي على الوسادة، أتمرغ داخل نفسي وأغمض عيني.






في الحديقة، تحت الشجيرات العالية الخضراء، تماما أمام النافورة على واحدة من المسطبات الإسمنتية أجلس استمع الى احد الموسيقيين يعزف مقطوعة مألوفة. ابتسم وأتمايل معها. من بعيد ألمحها، فستانا اخضر وشعرا مسدل، هناك وردة صغيرة تشبك خصلات شعرها بعيدا عن عينيها، اسعد لان شعرها لا يضايقها. هي تركض في الحديقة، يطير شعرها مع الهواء وتضحك. تبتسم وتغني أغنية للنجوم، ابتسم معها ولها وأخبرها أنني أحبها، تنظر لي، تجري نحوي وتضمني بيديها الناعمتين. على حاجز النافورة المستدير امسك يدها بينما تمشي، تمد يدها نحو الماء وتضحك عندما تلامسها القطرات الشقية. نلعب أنا وهي والنافورة.






افتح عيني، نائمة على بطني، ارفع رأسي وأرى وسادتي تملؤها الدموع. وجهي غارق بالحب وابتسامة لذيذة لازالت مرسومة على ملامحي. أستند على رأس السرير أضم نفسي وابكي، لأول مرّة منذ زمن أبكي بفرح. على الطاولة البعيدة أرى هاتفي ينبض بضوء أحمر صامت، اعلم أن احدهم اتصل بي.






أتناول هاتفي، أجد رسالة .. أقرؤها .. كانت من "ليليانا "






تقول لي أنها وصلت لديارها بخير، وأن ابنتها صلّت قبل أن تنام أن يمنح الله ابنتي في الجنة أصدقاء لطفاء يلعبون معها في حديقة السماء.






هناك 8 تعليقات:

7osen يقول...

جميلة جداً :)

Glitter يقول...

أبكيتيني ..

الزين يقول...

حديقتك يا صديقتي اصابتني في مقتل

:*

عسى الله يحفظج

غير معرف يقول...

حكايه جدا معبرة و تلامس الجرح ابكيتيني و احزنتيني

ANGEL HEART يقول...

وايد تخرع القصه حسستني بالخوف ياسبمبوت

عسى الله يخلي لنا ولكم كل احبابنا

غير معرف يقول...

لا اقوى على التعبير

رائعه

اطلقت العنان لدموعي

موفقه حبيبتي

wedy يقول...

السلام شلونك ان شاللة بخير بس حبيت اطمن من زمان فاقدتك

غير معرف يقول...

we miss you :(

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت