كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 27 يونيو، 2011

( سلمـــــــــــــــانة ) 2






نقاش دار في وسط المعيشة، بين رأسين مختلفين تماما يعيشان في ذات المنزل ولكن بقلوب متباعدة ..

-        يمّا .. باجر حفلة تخرجي .. مابي أي شي يشغلني عنها.

-        يعني شدعوه الناس إللي بيون بيشغلونج عن الحفلة؟ الحفلة الساعة 7، وأنا قلت حق أمة ايون الساعة 5، ما راح يقعدون اكثر من ساعتين!

-        اشدراج ؟؟ يعني اذا صارت الساعة 6:30 بتقوليلهم يالله طلعوا بنتي عندها حفلة تخرج؟؟ وتظمنين يعني انهم بيون 5 بالضبط و ما راح يتأخرون؟

-        إي اقول لهم يطلعون اذا صارت الساعة 7، و أدق عليهم الحين واقول لهن ما يتأخرون.

-        يعني ماكو إلا هاليوم ؟؟ خليني اركز على فرحة تخرجي.

-        و انتي خليني أركز على فرحة زواجك، بنت خالتك خالدة تزوجت، وأسيل بنت عمتك إللي اصغر منك تزوجت من سنة وعندها ياهل، وكاهي رانيا انخطبت .. و انت خليج قاعدة في البيت.

-        ردينا على هالإسطوانة !!

-        أنا قلت .. ما راح إينيا من دراسة الإعلام إلا عوار الراس، قوليلي هذا أي ريّال يرضى ياخذ وحدة خريجة اعلام. باجر توقف له وتقول له باشتغل مذيعة وإلا مخرجة توقف كتف بكتف مع الرياييل!! أنا قلت حق ابوج .. لا تخليها تدرس هالدراسة الزفت .. بس ما سمع كلامي! شفيهم المدرسّات ؟؟ ياحلوهم .. أول البنات إللي يتزوجون المدرسات !

تقفز سلمانة من الكرسي الكبير وتهم في الذهاب نحو غرفتها، تكمل والدتها الحديث:

-        الحين شقول للناس ؟ ايون والا ما ايون ؟

تلتفت سلمانة و تصرخ:

-        لا ايون .. لا هلا ولا مرحبا

-        لا هلا ولا مرحبا فيج .. الشرهة علي أنا إللي احاتيج واحاتي مستقلج ..

تقاطعها سلمانة:

-        لا تحاتين مستقبلي .. الحمد الله أول خطوة في مستقبلي وضمنتها،  والريل قسمة و نصيب لما الله يكتب بيطق الباب و بقول اهلا وسهلا.

-        ما ادري شلون بتفيدج هالشهادة بدون ريل ؟؟ اهي إللي بتعزج و ترزج وتحطلك بيت وعيال بعد عينّا انا وابوج؟؟

-        اذا الشهادة ما راح تعزني و ترزني عيل منو إللي بيعزني؟؟

-        ترى الكلام معاج ما منه فايدة

-        ادري

-        عيل روحي حفلتج .. خليها تنفعج .. أنا مالي خلق اروح

-        ما راح تيين حفلة تخرجي؟

-        لا

انسحب رأس سلمانة إلى الأرض، وذهبت ببطء شديد لغرفتها، كانت خطواتها ثقيلة، تتباطأ أكثر وهي تمشي علها تسمع صوت والدتها من بعيد تخبرها انها ستكون هناك.

 ما الذي يدفع ذلك الجنون للانفجار في رؤوس أمهاتنا؟ وكأن العالم سينتهي عندما تنعم فتاة من العائلة الممتدة بالزواج قبل الأخريات؟ هي غيرة من بعضهن! تنافس غريب؟ أم انها تقاليدنا وأعرافنا المدججة بالرسائل الضمنية؟

عندما تتزوج الفتاة سريعا، فهل هذا يعني انها الأجمل؟ الأحسن خلقا؟ الأعرق أصلا ؟ او ان والدتها أتقنت تربيتها وان والدها حفظها وصانها وجعل منها أميرة غالية فاز من اقتناها؟ ألهذا تموت وتحيى الأمهات عندما يتأخر النصيب؟ لأنهن يعتقدن ان هناك خطأ ما في بناتهن وبالتالي خطأ ما بهن؟؟ من آمن بنفسه وحدها علم ان الحياة لا تسيرها الأخطاء ولا النسب، وان الجميل هنا، قبيح هناك، والصحيح هنا من الممكن ان يكون منتهى الخطأ هناك! تتأمل الأمهات فرصة الزواج لبناتهن بعض الأحيان بلا تطلعات، الشرط الوحيد ان يكون رجلا و حسب،  باعتقادهن ان تسمى الفتاة " متزوجة" أفضل مئات المرات من ان تنعت بـ " عانس". 



***



على الكرسي البلاستيكي البارد سمعت صوت الزغاريد...
 قطعت تلك الصرخات الشعبية غفلتها فالتفتت الى الممر الكبير الذي يقود القادمين الى أحضان الوطن او سواعد المُغترب. شاب جميل جاء من بلد بعيد، رسم ابتسامة موغلة في الاتساع على وجهه، يلمع شعره ويدعو هندامه الى آخر ما توصلت اليه صيحات الغربة. "جينز" ازرق من True Religion Jeans، بلوزة تي شيرت حمراء تسطع من بعيد برسومها الغريبة. من كان هناك سيعلم ان Ed Hardy قد علق وسامه على صدور رجالنا. حذاء رياضي معتق، حقيبة كمبيوتر محمول منBally  وحقيبة سفر جلدية متوسطة الحجم تلمع عليها نجمة  Mont Blanc السوداء. شاب بمنتهى الحياة ، منتهى الجمال. آت من غربة ما بمنتهى التأنق وبأغلى الأثمان. تبعته عيناها ملتصقة بنظرة كاسحة اعترت محياه. رأى أحدا ينتظره من بعيد فاتسعت الابتسامة أكثر. سمع صوت الزغاريد من جديد فأطلق ضحكة ملؤها الفرح والخجل. أخذت عيناها منه وألقتها على الطرف الآخر من ممر اللقاء. الى أين هو متجه؟ على أي كتف سيلقي رأسه وفي أي حضن سيغوص؟

فتحت المرأة في نهاية الملتقى يداها كبيرة كالدنيا، اتسعت عيناها وشهقت حواسها وهي تحتويه، احتوته ففاضت لهفتها به، قبلته وقبلها، قبل رأسها ويداها و لم يحسها. لم يشعر بدفء شفتاها على خده، كان هناك حاجز من قماش أسود يغطي كل بقعة من جسد أمه الطاهر. لم تستطع الانتظار فرفعت البرقع الأسود من على فمها وطبعت قبلة حقيقية بكل عطورها وبخورها على رأسه، ضمها بعنف وراحا يذوبان.

غريب ذلك الولد الجميل، كل ما فيه مكتوب تحت عناوين المدينة وأي مدينة؟ عرفت من الملصق المعلق على حقيبة محمولة انه من "نيويورك ، من " مانهاتن" جزيرة المليون لون، والمليون لغة والمليون شكل والمليون رائحة. تعددت الوجوه في ذلك المكان الخانق حتى مل الناس فيها من مرأى الوجوه الطبيعية. فبدءوا يبتدعون أشكالا جديدة لوجوههم وألوانا جديدة لجلودهم، لا شيء غريب في نيويورك ولا في مانهاتن لإن المدينة والجزيرة اصبحتا عنوانا للغرابة وملجأ لكل ما هو غير مألوف، لذلك تسمعهم دائما يقولون "! Its very hard to impress a Newyorker "
كيف استطاع ذلك الولد الخارج من سواد النساء ان يستنشق آلاف النساء بألوانهن الزاهية؟ كيف هضم الراب والجاز والكرمب من على شوارع نيويورك وحاناتها بعد فن النبط ورقصات العصي والسيوف؟ كيف عاش في ناطحات سحاب مانهاتن بعد الغرفة الصغيرة في البيت البسيط؟ كيف فسّر نهود الرجال؟ و ماذا فعل عندما رأى للمرة الأولى رجل مخنوق تحت فستان مزركش يمشي في اروقة "سوهو"؟
كيف كانت تلك الفترة الانتقالية من جهراء الكويت الى الآبر إيست سايد؟ ومن ساحة الرمل والطين الى التايم سكوير؟
لهجة أمه البدوية وزغاريدها المتقنة دلّت على عراقة من نوع آخر؟ تلك الإنسانية البدائية المعجونة برائحة بيوت الشعر وجلود الحيوانات، تلك الأنوثة المغسولة بعطر الزهور البرية وكحل الصحراء الفاحم، تلك الحياة البسيطة المليئة بتعقيدات العيب والتقاليد التي اختلط حابلها بنابل الدين فلم نعد نفرق متى ينتهي ذيل الأعراف ومتى يطل الرأس الحقيقي للعقيدة؟
ليتها تعرف ان ولدها دفع مبلغا وقدره لبوذا عندما ابتاع  بنطالا يروّج للديانة الحقيقية بكرش بوذا ورأسه الأصلع!  ليتها تعرف ان الرسومات على صدره مأخوذة من عرّاب الوشم والوشامين في أمريكا كلها، امتدّت رسومات " دون إد. هاردي" من هاواي حتى استقرت على صدور الرجال ونهود البنات، فاتخذوا خناجره وقلوبه وكلابه وجماجمه أوسمة تناقض كل ما فيهم من عروبة وتنافي كل ما تبقى لديهم من دين.  
ابتسمت عندما مر الاثنان بجانبها، فسمعت صاحب الحقيبة الفارهة التي لو علمت أمه بكم اشتراها لربطته في اقرب شجرة نخيل قرب منزلها. سمعته وهو يحدثها بلهجة طفولته، لكنة بدوية محببة بدت ثقيلة لوت لسانه حتى كاد فكه ان يسقط بين قدميه. سمعتها وهي تعاتبه على الفراق وعلى عدم الاتصال، سمعتها تناديه: " ريحة اهلي" ويرد عليها " تاج راسي"، مصطلحات لم تسمعها منذ سنين. كلمات كساها الغبار وشيء من السخافة بعد ان عفّر العطب رائحة أهلها، وتمرّغ رأسها بتاج الغربة.
 عينا والدته تكادان تقفزان بين سؤال وسؤال. تتطاير نظراتها من بين حفرتي برقعها فيغرق الولد ببئرين من حنان بعد غربة طالت.
ذهب النيويوركي إلى البيت، دافئا تحت عباءة والدته تلفه من كل صوب، وهي جلست على الكرسي تتساءل .. ترى ماذا في الانتظار؟

يتبع ....

هناك تعليقان (2):

ARTFUL يقول...

وحنا ناطرين معاها

الله يتمم عليج كملي (:

سلة ميوّة يقول...

متلهفة..



أعشق اليتبع هنا:****

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت