كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 30 يونيو، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 3

لوحة Jane Burt
في احد المطاعم الرائجة على شارع الخليج العربي في الكويت جلست سلمانة وهديل ينتظرن جنان، يقضون عادة وقت الإنتظار في مناقشات نسائية ثورية بحته:

-        أنا متأكدة ان اللي اخترع كلمة عانس هو ريّال، لاحظي حروف الكلمة .. لاحظي طريقة نطقها، لاحظي صوتها و موسيقاها. كلمة جدا قبيحة " عنس .. عانسا .. عنوسة " و الله كأنها مسبّة. عشان جذيه أمي تفضل تسمع " بنتك ماتت " و لا " بنتك عانس".

-        لا .. مو لي هالدرجة!

-        و الله يا هديل لي هالدرجة و نص.

-        المشكلة ان الفجوة بينا وبينهم قاعد تكبر جيل بعد جيل،  كانت أمنياتهم زمان "ريل \ بيت \ عيال"، الزواج بحد ذاته كان الإنجاز الأكبر إللي تنتظره المرأة عشان تكتمل إنسانيتها، وتحقق ذاتها. الحين تغيّر الوقت وتغير الوضع. نبي نبني نفسنا، نحقق مستقبلنا، نلقى ذاتنا. واذا عرفنا منو احنا بالضبط راح نلقى الشريك الصح اللي نعيش معاه الزواج الصح. وما نرجع بيوت أهلنا مطلقات.

قفزت سلمانة بحنق:

-        "مطلقة" شفتي حتى هالكلمة حروفها قبيحة .. " طلق .. طالق .. مطلقة" .. ما ادري منو يخترع هالكلمات!!

تقترب جنان من بعيد .. تبدوا أجمل من المعتاد، عيناها تلمعان وترتسمان على شفتيها ابتسامة من نوع آخر، ترتدي ملابس جديدة.  تقترب لتجلس على الكرسي الثالث من الطاولة الرباعية. تنظر اليهن و تبتسم.

-        عندي خبر ..

     أنا انخطبت .. أمي و أبوي بيسألون عنّه هالكم يوم .. و بعدين بنملج بعد شهر !

تنتظر جنان ردود افعال احتفالية، تلتقي عيني سلمانة و هديل و تبدآن في ضحك بلا سيطرة.


***

 لم تنتظر سلمانة كثيرا لتتلقى الإتصال، خريجي الجامعة السذّج يلتهمون الصحف اليومية كل يوم علهم يجدون أسمائهم معلقة على صدر صفحة التوظيف في وزارات الدولة، سمعت أمها تنادي من قعر صالة المنزل،  أخبرتها ان اسمها مكتوب في الجريدة. أخذت سلمانة الجريدة بحماس وقرأت طابور الأسماء من جديد على الرغم من ان أمها قد طوقت اسمها بدائرة حمراء. العديد من خريجي دفعتها قد وزعوا على وظائف " شاغرة " في وزارات الدولة كل حسب حظه وطبقا لتحركات والده. لازالت الكويت الصغيرة صعبة المراس، تلك الدولة التي بدأت من لاشيء وانتهت لكل شيء. كيف تحوّلت بساطة الوقت ورقة الإنسان فيها الى غابة من مئات العقبات. كيف تحولت بين ليلة وضحاها بيوت الطين الى قصور وقلاع؟ كيف أصبح الماضي المليء بالتواضع والإنسانية والصراع من أجل البقاء، حاضرا موغل في الكبر والعنجهية. كانوا أهل الكويت يعتاشون من البحر، يصنعون سفنهم الخشبية بأيديهم، يمرغون وجوههم في الشمس، يفقئون طبلة آذانهم في قيعان الخليج طلبا للدر، ويبحرون بعيدا عن الوطن، للهند والشام والعراق، يبيعون عرقهم لؤلؤا هناك ويشترون لزوجاتهم الصابرات قماشا ملونا وجوهر، ثم يعودون من جديد. كانوا يحبّون الحياة كما هي، ويحترمون الجميع. كانوا أهل الكويت يبيعون الماء بأيديهم، يجمعون الرماد بأيديهم، يكنسون الدور بأيديهم ويحبون بعضهم بأيديهم. كان أهل الكويت مجتمعا دافئا صبغته طيبة الحياة وكنوز القناعة.
و تبدّل الحال ..  فبعد سنة الطاعون والسور والهدّامة جاءت الوجوه البيضاء لتخرج رائحة زنخة من قعر الأرض القاحلة وتزرع كل شبر فيها بقصور وقلاع. نفض السمر اللؤلؤ من على أكتافهم وبدؤوا يتزينون بأطنان من الذهب الأسود. تيجان وخواتم وقلائد لزجة أثقلت رؤوسهم بنهم المال والبنون. ضرب الكويتيون أرجلهم بالأرض فخرجت كنوزهم المدفونة. امتلأت بطونهم وانتفخ بطن الأرض حتى ارتفعوا إلى مكان لا احد يعرفه. أصبحوا كويتيون وكل من بالأسفل لا يهم. تنكروا لماضيهم صبيانا على ظهور السفن، وتجّارا في ربوع الهند. ركلوا الطين الذي كان يوما بيتهم و ملجأهم.   

ذهبت في اليوم التالي لوزارة تجارة وصناعة الكويت، طلبوها ليقدموا لها على ورق من ذهب عقد العمل الذي انتظرته لستة شهور بعد التخرج. في الكويت .. تكفل الدولة وظيفة لكل مواطن في وزاراتها ومؤسساتها. فبعد التخرج ينتظر الطلاب أسمائهم لتفرز عشوائيا او لا عشوائيا على الجهات الحكومية المختلفة، تقتاد الدولة مواردها البشرية الى مستقبلهم الوظيفي وتهبهم راتبا شهريا ان عملوا وان كانوا لايزالون في انتظار العمل.

دخلت مجمع الوزارات الكبير، بوابات ضخمة بأفواه مفتوحة في كل صوب، موظفين، مراجعين وشرطة يحرسون المكان ويغرسون مخالبهم في كل حقيبة يد. سئلت عن موقع وزارتها فدلّوها الى هناك. طرقت بابا عتيقا في المنتصف ودخلت مكتبا أعيدت صياغته مرات ومرات. استقبلتها موظفة الشئون الإدارية بابتسامة ملؤها السأم. أعطتها ورقة وأشارت الى مكان التوقيع. وقعّت سلمانة ووقفت في المنتصف تنتظر. قامت الموظفة الضئيلة الى جارور حديدي فتحته وألقت بورقتها في فوضى الجارور وأغلقته حتى دوّى. جلست على كرسيها من جديد وأخذت تعيد قراءة مجلتها، انتظرت سلمانة على عتبة الباب توجيها من أي نوع، أحست الموظفة بوجودها فرفعت رأسها:
-        خلاص روحي
-        وين أروح
-        روحي إدارتك .. وين مكتوب انك توظفتي ؟
-        ما ادري
-        وين ورقتك؟
-        أي ورقة؟
زفرت الموظفة وأخرجت هواءا من انفها اعتراه الغبار، توجهت الى الخزانة الحديدية، فتحت الجارور من جديد وأخذت أوراق سلمانة، فصلت الورقة الأولى عن الثانية، ألقت بالأخيرة في غياهب الجارور ودوّى مرة أخرى .. توجهت نحو سلمانة وابتسمت:
-        وي آنا آسفة .. نسيت لا اعطيك نسختك من العقد.
قرأت:
-        انت في إدارة المنظمات العالمية – مسماك الوظيفي إداري
-        اداري شنو؟
-        و الله ما ادري
-        يعني شنو شغلي؟؟ شنو راح اسوي؟
-        اعتقد ان شغلكم يتعلق بالعلاقات والمراسلات مع منظمة التجارة العالمية اذا ما كنت غلطانة .. توها وحدة اسمها ميساء توظفت بنفس مكانك، توها اطلعت من عندي .. لحقي عليها عشان تروحون مع بعض.
شكرتها سلمانه وخرجت مسرعة من الباب، سعدت عندما علمت ان هناك شخصا آخر مثلها تماما، معصورا بمطر الضياع. توجهت الى ادارة المنظمات العالمية ورأت طيفا ضائعا تاهت خطواته بين الممرات والأروقة. اقتربت من الفتاة:
-        ميساء؟
التفتت الفتاة بفرح:
-        هلا !
-        أنا سلمانة .. انا اليوم داومت وحدّي ضايعة
ابتسمت ميساء بفرح .. و ضحكت:
-        وي يا بعد عمري .. الحال من بعضه  .. تعالي تعالي
اقتربت سلمانة من ميساء اكثر، شبكتا ذراعيهما.
بعد المرور على المكاتب وبعد السؤال والتقصّي  والإستفسار .. وجدتا المكان المنشود. توظفتا تماما في نفس الإدارة، في ذات القسم وفي عين المكتب. استقبلهما مدير الإدارة وتحّدث عن مهام ومسؤوليات الإدارة، كان قبيحا الى ابعد الحدود، تدوّي ضحكة رخيصة من فمه بين حين وآخر على نكات سمجة هو يلقيها. قطع رنين الهاتف حديث المدير فرفع السماعة وأخبر المتحدث من الجهة الأخرى انه سيعاود الاتصال. اقفل السماعة ونظر للفتاتين بعينين تلمعان:
-        هذي صاحبتي .. احلى من ام العيال بألف مرّة ، طبعا تستغربون إني اقول هالشيء بصراحة. بس ترى أنا معروف Very open minded . أنا اقعد بحالي لا لي ولا علّي. بس لما تييني وحدة حلوة وامورة وتقول لي احبك.
يفتح ذراعية واسعتين:
-        أقولها يا هلا و يا مرحبا ..
نظرت ميساء الى عين جارتها فوجدتهما لا تتحدثان، ملئ الضباب عينا سلمانة واعترى وجهها جمود غريب. تحدّث مدير الإدارة أكثر، ثم أمر إحدى سكرتيرتيه ان تأخذهما الى مكتبهما. سارتا بتخبط، لا تجيبان ولا تستجيبان، فتحت باب اول مكتب في ممر الإدارة ودخلتا، غرفة صغيرة ومكتبان متواجهان. تجلس موظفتين صغيرتين وجميلتين على مكتب واحد بكرسيين مختلفين. والمكتب المواجه فارغ إلاّ من كرسيين متلاصقين. أشارت السكرتيرة الى المكتب فعرفتا انهم سيتقاسمان الطاولة وجهاز الكمبيوتر والهاتف. رحبت بهما وذهبت.
مرّ الوقت ثقيلا وبطيء. أحبت سلمانة ميساء ولكنها لم تستطع فتح فمها، كانا ينظران لبعضهما ثم تسحب كل واحدة عينها الى الوراء. حاولت نجود و سحر- جارتاهما في المكتب- ان يتعارفو اكثر، لكن شيئا ما اثقل اللسان و حبس غضبا من نوع جديد. تجاذبوا أطراف حديث بارد ولا شيء أكثر.
سألت سلمانة زميلاتها ان كان هناك عمل تقوم به، ضحكتا وأخبرتها سحر انها موظفة في هذه الإدارة منذ 8 شهور، والى الآن لم تجر الى 3 اتصالات ولم تطبع إلا رسالة واحدة. تلاقت نظرات ميساء وسلمانة  بصمت.
انتهى وقت العمل، كانت اتعس ست ساعات قضتها في حياتها. توجهت سلمانة الى سيارتها، أمسكت المقود ولم تتحرك السيارة، تركته وأمسكت بهاتفها النقال. ضغطت أرقاما وجاء صوت رجل من بعيد.
-        احمد !!
-        هلا
و غرقت في نوع آخر من نحيب وبكاء. 



يتبع ...

هناك 4 تعليقات:

سلة ميوّة يقول...

ومازلنا بشغف ولهفة ...ننتظر مابعد اليتبع...


عجبني الحوار...
جدا واقعي...وحسستني بجلسة قديمة مرت علي:))


عفارم:***

ARTFUL يقول...

بانتظار سبمبوت وصاحبتها :)

افلام اون لاين يقول...

مشكووووووووووووووور

ARTFUL يقول...

صباح الخير

ميهاااو (:

شلون الصين؟

ما لهم نية يكملون القصة؟ (:

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت