كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 18 يوليو، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 4


" النداء الأخير"

" على السادة المسافرين على رحلة الخطوط الجوية الكويتية رحلة رقم 236 المتوجهة الى دبي التوجه الى البوابة رقم 27 "

دوى صدى الصوت المنادي واختفى.. نظرت الى سقف المطار علها تلمح وجه الصوت يطل من احدى الزوايا، انزلت رأسها الى الأرض لتجد طفلا صغيرا قد اخذته رجلاه الى مكانها، وقف الطفل بلباسه الأزرق وعيناه اللامعتان تماما عند ساقيها. حدقت في عينيه و ابتسمت .. ورّد الابتسامة بواحدة احسن منها.

أشار الى طفلة صغيرة تنام على بعد خطوات منها .. وضع سبابته على فمه و قال لها اششششششششششششش.

نظرت الى الطفلة .. ثم اليه، ابتسمت ووافقت مشاركته حواره، أومأت برأسها نعم ثم وضعت هي الأخرى سبابتها على فمها وقالت له اششششششششششش.

نظر الى الطفلة من جديد، ثم نظر اليها، اغمض عينيه، احنى رأسه على راحة يده، وقال خ خ خ خ خ خ خ خ خ 

ضحكت و قالت له: نعم .. هي نائمة .. اغمضت عينيها ورددت خ خ خ خ خ خ خ خ

ضحك الطفل وضحكت ..

جاء صوت الإعلان من جديد ينادي المسافرين الى وجهاتهم المختلفة، انصت الطفل بعينين واسعتين الى صوت المنادي الى أن انتهى، نظر اليها من جديد و ابتسم ملئ وجهه، أشار الى السقف و قال لها: تن تن تن ...

ضحكت و أشارت الى سقف المطار مشيرة الى منبع صوت التنبيه و قالت له: تن تن تن !!


 دبي !! من الذي دبا ؟ كيف استفاقت جميلة الصحراء فجأة من مرقدها؟ كيف نفضت تلك الأرض الرمل من على رأسها ووضعت في مكانه أجمل هامة من ذهب سحري خالص؟ كيف فتحت سيدة العذارى رجليها فأنجبت مدينة تتوه فيها العيون فولدت حضارة ببضع سنين؟ كيف تحوّلت بيوت الطين الى ناطحات سحاب في اقل من ربع قرن؟ كيف زاد زايد قيمة الأرض أضعاف الأضعاف بلا سيول ولا انهار؟ اين وجدوا المصباح .. و ما هو اسم المارد؟ أين يخفي بن مكتوم عصاه السحرية و بكم اشتراها؟؟
من الذي دبا؟؟
دبّت الأحلام في المنام فلم يخنقها أحد! دبّت الأفكار في الرؤوس الفتية فلم تعصرها أياد الشيوخ، دبّت التطلعات في الأفق فلم ترسلها الرياح إلى ما وراء الشمس. اشتعلت المغامرة في أياد المستثمرين، مدّوا أيديهم فوجدوا يدا قوية وكلمة تقطر عروبة تصافح الأمل وتعبّد كل صعوبات المستقبل.
 
دُبي!!
 دبّت الحياة في كل العروق التي نست طعم الحياة،  ودبّ الدم يجري في حقول ملؤها الكسل. لا مزيد من الكسل، و من يتوان في العمل فسيدبي بعيدا عن دبي ..  لا مأسوفٌ عليه .
حفروا البحر و غرسوا النخلة شامخة وجهها بوجه القمر، و بنو برجا عربيا تمنته كل الدماء التي رفضت لون العرب. قصّوا رقعة من نور ووضعوها على صدر الأطلس ليشع نورها في وجه العالم.

هل حقا يفخر الإمارتين في دُبي؟ ام أنهم وجدوا أنفسهم وسط دوّامة من صراخ لا يتوقف هديرها؟ هل فتحت الدهشة عيونهم فاتسعّت وتمددت إلى أن انفجرت داخل محجريها؟ هل اعتراهم الذهول من قيامتهم التي قامت قبل العالم ولم تنته؟ ربع آلات البناء الحديثة والمكنات الثقيلة في العالم موجودة في دُبي. بناء وعمران، جسور وحدائق، جزر وفنادق، ناطحات وشركات أتت من كل صوب، غرست أعلامها في صدر دبي وطالت منها ما طالت.
 ترى .. أين البيوت؟


***

على مكتبها في الغرفة المشتركة، قابلت سلمانة وجهتها اليومية ومتكأها الصباحي، فأرة الكمبيوتر أصبحت لا تفارق يدها، أصبح الإنترنت شغلها الشاغل في مكان الدوام الرسمي الذي لا يشغله أي شاغل. كل صباح تقرأ سلمانة الصحف على الإنترنت، تتصفح المجلات على الإنترنت، تقرأ رسائلها وتجيب عليهم، ترسل ما يجب إرساله وتتعرف كل يوم على أناس جدد في My Space.
 يرن هاتفها المحمول فتلتقطه وتتحدث دون ان ترفع عينييها عن شاشة الكمبيوتر، و يأتي صوت المتحدثة:
-        هاي سلمانة
-        هلا .. ويييه من وين الشمس طالعة؟
-        أي والله من زمان عنكم.
-        من أول ما تعرفتي على تعيس الحظ وانت ما تنشافين! شلون العلاقات .. مستتبه؟ قال متى بيون اهله يخطبونج؟
-        لا لمّا الحين .. بس الحمدالله .. أنا وايد سعيدة معاه. كل وقتي قاعد اقضيه عنده.
تنتشل عيناها من الشاشة، تبعد الهاتف عن اذنها وتنظر في شاشة الهاتف كأنها تتأكد من هوية المتصل، تعيد الهاتف لأذنها وتسأل:
-        عنده وين؟
-        في الشقّة .. رحنا وشفنا شقّة وايد حلوة في بنيد القار، غرفتين وحمامين وصالة ومطبخ .. وأجرناها على طول.
تنظر لشاشة الهاتف من جديد وتصمت أكثر من المرة السابقة .. تعيد الهاتف الى اذنها:
-        اهو الحين عنده شقة ؟
-        أي !
-        و انت تروحين تقدين معاه في الشقة ؟
-        أي
-        مريم ؟؟
تدوي قهقهة خفيفة من داخل الهاتف:
-        و الله ما كنت ادري ان الحب حلو جذي !
     صمت ..
-        خلاص .. الشقة شقتي والبيت بيتي .. هذي الشقة إللي بنتزوج فيها
     صمت ..
-        احنا الحين في حسبة المتزوجين !!
-        بس انتو مو متزوجين !!
-        لا ..  في قلبي قلت " زوجتك نفسي " و اهو جدامي قال " تزوجتك يا مريم امام الله و الرسول"!
-        مريم انت نمتِ معاه ؟
ذاتها الضحكة اللطيفة ولكن بمزيد من الخجل:
-        هاذي امور ما تنقال في التلفون.
بتعجب و ببراءة:
-        مريمو .. انتي لمّا الحين بنت .. صح ؟
-        سلمانة .. خلاص ..الشاطر يفهم .. وانا ما ابي اتكلم في الموضوع! .. هاذي حياتي وقراراتي وأنا المسؤولة عنها.
     صمت ..
-        انا داقّة اسألج .. متى بتسوّين يمعة البنات إللي قلتي عنها؟
-        أول اربعاء من الشهر الجاي ان شاء الله
-        وجنان العروس .. قالت بتيي وإلا لمّا الحينها قاعدة تسبح بالعسل؟
-        قالت أوكي .. ما ادري اذا بتهوّن وإلا لا.
-        انتي شفيج؟ فيج شي؟
-        لا مريم .. بس خايفة عليج.
-        لا تخافين سلمانة .. أنا أدري شنو قاعد أسوّي .. وواثقة من محمد ان عمره ماراح يتخلّى عنّي.
-        ان شاء الله
أقفلت سلمانة سمّاعة الهاتف .. لم تستطع الاطالة .. لم تقو على سماع المزيد من السخافات المعجونة بتلك الكمية الهائلة من الرعونة والسذاجة. وضعت سماعة الهاتف على المكتب وضمت نفسها وهي ترى ميساء تقترب اليها من بعيد. سألتها ان كانت قد انتهت من الكمبيوتر. هزت سلمانة رأسها بشرود. أخذت ميساء مكانها على المكتب أمام الشاشة وسألتها ان كانت بخير! اخفت سلمانة دقات قلبها العالية وابتسمت شاحبة:
-        بس حاسّة بشوية تعب ..

يتبع ...


هناك تعليق واحد:

ARTFUL يقول...

ينوا؟!!

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت