كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الاثنين، 25 يوليو، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 6




بعد ان تعدّت العشرين، اكتشفت انها لا تريد شيئا من هذه الدنيا سوى الحرية. كرهت اللحظات التي ترى فيها أخيها الذي يصغرها بسنتين يصفع الباب خلفه ويذهب مع الريح الى حيث يريد. بدون أسئلة تنتظر الأجوبة وبلا رفض او قبول. لازال المجتمع يضع على كاهل الفتاة مسؤولية أنوثتها، لازالوا يحملونها عبء بكارتها و ثقل قدرتها على الإنجاب. لازالت الحياة في هذا المجتمع أصعب على المرأة من على الرجل، و كأن الأحمال التي تقع على عاتقها منذ ولادتها ليست مؤهلة بما فيه الكفاية لتصنع كيانا يدور في دائرته .. ولا يجد نفسه.

كانت تريد ان تذهب لمشاهدة فيلم مع صديقتها في إحدى صالات السينما، رفضت والدتها إلا في حالة ان وافق أخيها ان يذهب معها. رفضت الفكرة و جلست في غرفتها تبكي.

متى بدأت عبودية النساء؟ في أي عصر و في أي تاريخ؟ هي لم تكن ترغب في أن تكون طليقة بلا حدود، كانت تريد الحدود .. و لكنها دائما ما تمنّت ان ترسم بنفسها خطوطها الحمراء و تبني أسوارها بيدها و تحفظ أسرارها داخل عينيها فتعيش الى الأبد راضية عما صنعته يداها.

حدقّت في وجه والدتها أيام طويلة، كانت ترغب في ان ترى فاصل ما، مؤشر صغير يُرجح احد الجوانب عن الأخرى. هل هو خوف، عدم ثقة، ام مفهوم رضعته بنات جيل الأمس مع حليب أمهاتهن؟

قال لها والدها يوما: ( لو ما كنّا ما  ندير بالنا عليكم .. و نمشي وراكم و نراقبكم .. جان رديتولنا بفضيحة و عار ما ينمحي). أخذت الجملة من شفتيه كما هي و كتبتها بكحل أسود على مرايا غرفتها، تقرأها كل صباح عندما تستفيق!

بأي حق تظهر الفضيحة على بطون النساء و تتوارى كليا عن الرجال؟ البطن يكبر وطفل ينموا في الأحشاء بعد ان يتشارك اثنان في صناعة النطفة. ما الحكمة من ظهور الفعل على أجساد النساء واختفائه عن أجسام الرجال؟ وإذا كان اثنان اشتركوا في الجريمة المحرمة .. فمن هو الشريك الأكبر؟

نظرت لنفسها في المرآة ، فيها الكثير من ملامح والدها، أحست بالشفقة عليه، الم يعلّم و يوجه و يربي؟ الم يضع وقتا وجهدا في صنع هذه المرأة المعكوسة على متن المرايا؟ الم يحلم يوما انها ستكبر وتنجح  وتدير بيدها دفة حياتها؟ هل حقا يعتقد انها بلا عقل ولا إرادة؟ هل حقا يعتقد انه اذا تركها تحيى طليقة في الحياة لن تختار إلا الدهاليز المعتمة و الغرف الحمراء؟ هل فعلا يرى انها بلا عيونه.. عمياء! و بلا رقابته .. فتاة بلهاء ! و بلا حصونه تحيطها من كل صوب ستتوه في عالم يضحك عليها الرجال فيه، فيصفع هذا مؤخرتها و يقرص ذاك نهديها؟

تأملت جملة العار المكتوبة، وأقسمت انها لا تريد من هذه الدنيا سوى حريتها. سوى تلك الحرية التي تمكنها من ان تعيش بلا أصوات تخبرها ماذا تفعل، والى اين تذهب. تلك الحرية التي تؤهل كلمة الرفض فيها فتختار هي ان تقولها .. لا يمليها عليها أحد. حرية من النوع العميق يتغلغل في كيانها فتكون هي الصانعة الوحيدة للقرار، لا والديها و لا رجل ما ولا الناس ولا المجتمع يقذف عليها صكوك ما تريد او ما لا تريد!  أقسمت انها لن تتزوج رجلا يقول لإبنته يوما انه اذا تركها ستعود له بفضيحة.

أخذت ورقة من كراسة كبيرة و كتبت:

1-    يحترم المرأة ايمّا كانت، يؤمن بها، يستلذ بعقلها و يقدّر قدرتها على الحمل و الإنجاب.

2-     صديق .. يراني بفرديتي المطلقة، و يحترم خصوصيتي الى الأبد.

3-     نصف بنصف .. ذراع بذراع .. ند لند.

غطّت القلم .. لبست ملابسها، وضعت حجابا زاهيا على رأسها .. أخذت مفاتيحها .. مرت على غرفة والديها فلم تتوقف، فتحت باب المنزل الخارجي و صفعته خلفها، ركبت السيارة و ابتعدت!




***



لم تصدق سلمانة نفسها عندما سمعت صوت عبير موظفة شئون الموظفين في شركة غانم الجاسم العريقة، تخبرها انه قد تمّ قبولها للعمل. نفضت غبار اللا عمل عن قدميها، وركلت كرسي الوزارة الصدأ بعيدا عنها وتوجهت فورا إلى مقر الشركة. مئات الموظفين من مختلف الجنسيات على مكاتب متقاربة. أحسّت بالحماس لأنهم حقا يعملون! لم تر أحدا يمسك مجلة ويقرأ، ولا اثنين يتحدثون في أمور الحياة المختلفة بعيدا عن العمل. ولم تسمع ضحكات الموظفين تتقافز من هواتفهم النقّالة.
أخبرتها عبير أن العمل متعب و لكنه في نفس الوقت ممتع، ستتعلم سلمانة الكثير من الدروس وتكتسب العديد من الخبرات، كما أنها ستقابل عشرات من الشخصيات المهمة في الكويت وخارجها. حيث ان الشركة تحتوي العديد من الشركات الصغيرة تحت مظلتها مما سيمكنها من اختيار مقر العمل والوظيفة التي جاءت من أجلها.
اختارت سلمانة شركة الدعاية والإعلان التابعة للشركة الكبرى، فيها يقوم خبراء الحملات الإعلامية بالترويج لسلع الشركة المختلفة من سيارات وأثاث والكترونيات، بالإضافة الى العمل على مشاريع مختلفة ووجهات خارجية.
عادة ما يكون اليوم الأول مليء بشيء من رائحة الغربة، سلمانة تكره الوحدة و اليوم الأول من كل مرحلة انتقالية في حياتها كان مشوبا بصبغة الفتاة الجديدة التي لا يعرفها أحد. كانت عادة ما تتثاقل اليوم وتتمنى ان ينجلي بأسرع وقت ممكن. تكره عندما تحتار أي ابتسامة ترتدي في لحظات التعارف الأولى، وتكره الانطباعات المبدئية. ودّت دائما لو تختصر المسافة فتقفز لتلك الفترة التي تعرف فيها الجميع وتستمتع بصحبتهم.
اغلب الموظفين في هذا القسم من الشركة كانوا من الوافدين، فالعمل مجهد وساعات الدوام طويلة، صباحا من الثامنة و مساءا حتى الخامسة وساعة في منصف اليوم للراحة و الغداء.
مر اليوم طويلا فارغا إلا من تعارف على الزملاء وتعارف أولّي بينها وبين مقتصيات العمل، أحبّت البوادر وتحمست للانغماس في يوم شاق ومليء بالتحديات. كانت تتطلع لأن تكون مشغولة بما فيه الكفاية فيتضخم عقلها وتكتسب مهارات بلا حدود. رجعت الى المنزل بعينين براقتين، كان لديها الكثير لتقوله لوالدتها، دخلت المنزل فوجدته نائما بلا حراك. اكتشفت أول تضحيات الطموح الجديد، ستعود هي كل يوم لتجد والديها نائمين وأختها قي غرفتها تحل فروضها الدراسية، و أخويها كل في رقعته من هذه الأرض الواسعة. لن تجد سفرة الغداء بالانتظار ولن تكون جزءا من اللمّة اللذيذة على مائدة الطعام.
دارت عيناها في الصالة الكبيرة وقالت لا يهم، صعدت السلم للطابق الثاني متوجهة الى غرفتها، دخلت والقت نفسها على الفراش، كان قلبها ينبض بالحياة، و شفتاها مبتسمتان لخطوتها الجديدة. دخلت والدتها بابتسامة حزينة، تبذل ما بوسعها لتقنع نفسها انها ستساند قرار ابنتها:
-        شلون الدوام الجديد؟
-        Oh my god  يمّا .. وايد حلو .. فيه شغل .. الناس قاعدين يشتغلون، التلفونات ترن والمدير ينادي
 و الموظفين على مكاتبهم يشتغلون!
-        و الله ما ادري؟!
-        ما تدرين عن شنو ؟؟
-        منو يبي وحده ترجع البيت الساعة خمس؟
باستهزاء
-        أنا أبي وحده ترجع البيت الساعة ست بعد.
-        ترى ماراح تلقين أحد يتزوجج!
-        يمّا .. أنا ما ابي اتزوج واحد يبي يتزوج وحده ترجع البيت الساعة 12 الظهر!!
-        ترى ماكو رياييل يرضون .. راح ايون البيت .. يشوفونج و تعجبينهم .. بس من أول ما يدرون ان هذا شغلج و هذا دوامج .. راح يروحون و ما يردّون!
-        و ليش ايون من اصله .. إللي يبي وحدة ترجع البيت الساعة وحدة وإلا 12 .. يروح أي مدرسة بفريجهم او وزارة يطب و يتخيّر. وإللي يبي وحدة طموحة وشغيله وعنها تطلعات يروح أي شركة في الكويت ويطب ويتخيّر. وبعدين جم مرّه اقول لج لا تحاتين .. آنا بأيبلج الريل من ايده لي عندج يخطبني .. أنا راح اختاره و اتفق معاه و اييبه . و انت بس باركي و فرحي.
تطلق زفرة حارة:
-        انشاء الله
تصمت
-        بس ترى ابوج مو عاجبه دوامج!
-        وليييييه .. ليش بعد؟
-        يقول البنت السنعة ما تقعد برّه البيت لي آخر الليل!!
-        لي آخر الليل ؟؟ أي ليل والساعة ما صارت 5:30 .. عيل لمّا اهو يرجع من الدوانية الساعة 2 والا 3 الفجر .. هذا شنو ؟؟ القايلة ؟؟ " تضحك "
-        و انت بتحطين راسك براس ابوج ؟؟
-        و الله يا يمّا لو بحط راسي براس ابوي كان من زمان مقصوص راسي ومعلق بساحة الصفاة. أنا بس أبي شوية دعم وتشجيع. مو حرام ولا عيب البنت تشتغل بوظيفة تنمي عقلها وتزيد خبراتها. أنا دخلت الجامعة مو عشان احط شهادتي تحتي واقعد عليها .. أنا درست و تعبت عشان اشتغل واكبر وانجح وما تدرين .. يمكن يوم من الأيام اطلع من هالشركة وافتح لي شركتي الخاصة.
زفرة:
-        لا بالله ما شفنا الريل .. أنا ليش ربي ما عطاني بنية قنوعة .. تسمع الكلام!! و الله كنت ادعي ليل ونهار ان يرزقني بنت تقعد تحت رويلاتي وتنطر نصيبها.
بابتسامة:
-        راح اقعد تحت رويلاتج بعد الساعة 5:30 " تضحك "
-        و الله أنا مالي شغل اذا ابوج كلمك .. و عصّب عليج !! ترى كلّش مو عاجبه الموضوع.
تخرج من الغرفة و هي لا تزال تدمدم .. تلقي سلمانة رأسها على الوسادة .. مبتسمة.



يتبع ...


هناك 3 تعليقات:

ARTFUL يقول...

خوف الرجل على المرأة في هذا الزمن المغبر

قد يدفعه لأن يضع الخطوط الحمراء للبنت

ولكن قد يكون من الأفضل أن يجلس مع ابنته ويسمع منها ويسمع خطوطها الحمراء ويتفق الاثنين على ما يطمئن قلب الأب ويفرح قلب البنت

:)

غير معرف يقول...

لم أجد حكاية تروي معاناة فتيات المجتمع المتخلف إلا مدونة سبمبوت، تلك القضايا الحساسة التي نظل ندير لها ظهورنا لمجرد إن الإجهار بها " عيب " لابد لنا أن لا نأتي على ذكره، مجتمع لا يزل يحاسب الفتيات على قضايا هم من أوجدوها بهن، ويظنون إنها الملامة الأولى خلف ما يصنعونه بها من متراكمات.

نطمح فعلاً بقراءة قصة سلمانة .. كــ رواية

غير معرف يقول...

هاذي ام كل البنات هههههه :)

ايمان

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت