كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الخميس، 28 يوليو، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 8


لم تكن تعلم سلمانة انها ستنهمك بكل مجريات عملها الجديد بهذه السرعة، أخذت تتعرف أكثر على زملائها وزميلاتها بالشركة، وأخذت تشعر يوما بعد يوم انها نزلت عن كينونتها الكويتية الخاصة واستساغت المعرفة الجديدة مع الجنسيات الجديدة. الكويتيون دائما يشعرون انهم مختلفين عن الجنسيات العربية الأخرى. ربما هي صدفتهم العجيبة بالحياة التي جعلت لهم وطنا مستقرا يرقد على بحور من البترول، فكلما يعلوا سعر البرميل تعلوا في عقولهم فكرة انهم الأفضل.

سلمانة وجدت بعض الصعوبة في البداية من التأقلم مع الطاقم الغير كويتي! فهي الوحيدة هناك التي لا تعلك الكلمات ولا تمط الحروف ضمن حوار لا نهاية له. ولكن مع مرور الوقت عرفت مميزات جديدة للجنسيات العربية خارج نطاق الخليج غير اللسان الطلق والمجاملات المحبوكة.

من الممكن ان يكونوا حقا أصدقاء، الرجل فيهم لا يملك تلك النظرة الغريبة للمرأة بجانبه، ولا يعتقد انها تريد شيئا خفيا منه عندما تمد له يدا مصافحة. تعوّدوا على الصداقات والعلاقات الإنسانية غير المشوبة بأي تلميحات من أي نوع. المرأة صديقتهم اذا قررت ان تكون وعادة ما تنتهي الجملة.

أحبّت المجتمع الجديد الذي يمثل طابعا مختلفا من التعامل، فهي لا تخشى أن تقرأ عفويتها بطريقة خاطئة ولا ان تُفسر ابتسامتها بمأرب خفي. لم تعد تخشى من ان يتناقل اسمها على لسان الشباب في الديوانيات الليلية، و لا ان يقال عنها ما يقال في محافل قد خلقها الرجال لاجترار سيرة من يشتهون ومن يكرهون من النساء.

في مكتبها كانوا يجتمعون صباحا يتجاذبون أطراف حديث مختلف، بدايات حكاية ستأتي او نهايات قصة لم يكملوها يوم أمس، عن أرض غير أرضها وذكريات لأناس لم تعشهم و لم تراهم من قبل، عن طفولة في ربوع غريبة عنها وتقاليد لم تنشأ معها.  أحبت الزمالة اللطيفة ما ان انقشع ضباب الطبقات ووهم الجنسيات وبدت متفتحة أكثر للإعجاب بحياة الشعوب الأخرى. كانت تسأل كثيرا لتفهم أكثر، لم تحض يوما بفرصة مثل هذه للالتصاق الإنساني بأمم عاشت وفق تاريخ آخر وخلفيات معيشية بعيدة.

 دُهشت عندما لمست حمما من براكين الطموح تقذف من عيونهم، هم يرغبون في ان يكونوا مختلفين من سابقيهم، ان يفخر فيهم آباءهم و أمهاتهم الذين ارتضوا العيش في المدينة المشردّة و لم يفكروا يوما ما الذي يقبع خارج الصندوق. لا يهم ان كانت وطنيّة ام خوف من المجهول، ما يهم ان نحقق شيئا واحدا مما خلقنا وعشنا لأجله.

في بلاد التين والأرز والزيتون يكبر النشئ على أحلام كبيرة مثل الأمن والسلام والعروبة والقومية والاستقرار، وما ان يتعدى الطفل منهم مرحلة بابا نويل و جنية الأسنان، حتى يأتي غول الحقيقة يلاحقه في المنام ويعضّ مؤخرته، فيشب وهو يحتلم ألم واقعه الدامي و ينزف قيحا رماديا على وطن يحتضر، لا مَنيّ ابيض على خيال شغوف لامرأة شهية.

وجدتهم مفعمين بالنور والحب والأمل رغم تاريخهم الدامي ومستقبلهم الركيك، ووجدت نفسها ومن مثلها مثقلين بهموم من نوع آخر وجمود ابدي لا يحركهم ولا يتحرك معهم. هم يناضلون من اجل التغيير، من اجل حياة أفضل ومستقبل أفضل، يخوضون في غمار الحياة ويتوجهون الى أين تشرق الشمس ليجدوا الحلم الذي ضاع والمستقبل الذي انصهر مع هويتهم المسلوبة. تساءلت و هي تستمع لقصص الرحيل والبعد والغربة، أين نحن منهم؟ أين نحن من الأوطان التي تسكن أبناءها؟ ومن الأحزان التي تنشأ بلدا حلما داخل صدورهم؟ أين نحن من بلادنا؟ ولماذا اعتراها السوس حتى نخرت أساساتها وأصبح الكل يعلك ذكريات زماناتها ويتحسر على وقت ما كانت فيه دُرّة الخليج ودانة الشرق الأوسط!

تساءلت .. أين نحن من الرحيل و أين الرحيل منّا!


***


كم كانت تحب السفر عندما كانت صغيرة، كان السفر في قاموسها الإبتدائي الذي يضم عامودين من الكلمات – كلمات السعادة وكلمات الحزن – من أوائل كلمات السعادة. كانت لا تنام عندما تعلم انها ستسافر يوم غد. وتجهز احلى فستان لديها والطف حذاء في خزانتها لترتديهم وهي تعبر بوابات المطار. كانت الطائرة قصرا واسعا من ألعاب وتطلعات منتظرة الى ما سوف يأتي. تعد عينيها انها ستشاهد الكثير وستسمع لهجات ولغات لم تسمعها من قبل. لم يكن السفر في ذلك الوقت كلمة سوداء، و لم تكن الغربة سيلا اسودا من محيطات الفراق.
هي والطائرة والحاجيات اصبحوا لا يفترقون، تسحبهم ويسحبونها الى رحلات لا تنتهي وجولات لا تتوقف، لا تعلم ان كانت لا تزال تحب السفر .. و لكنه حتما اصبح جزءا كبيرا من مسيرة حياتها و صفة ملتصقة بشخصيتها.
في بضع السنين الماضية زارت مطارات لا حصر لها، ورأت سحنات البشر من البلاد البعيدة فالتقطت ملامحها خليّة من كل صوب. مع مرور الزمن بدأت تحس ان وجهها اصبح خليطا من كل بلد زارته ولونها مزيجا من الوان الإنسان اينما كان. ربما كان ولازال هذا السبب الذي يدفع الناس للإبتسام دوما في وجهها، ربما شيئا ما يضحكهم او قصة قرأوها على جبينها دفعتهم لإرسال بسمة اعتراف بوجودها.
نظرت حولها واذا بإمرأة تقتنص عيناها، نظرت داخلهم وابتسمت هي الأخرى لشيء مجهول، لدعوة عامة كتبت على جبينها تدفع الناس ربما للتساؤل او حتى للتحية، اقتربت المرأة اكثر وابتسمت أوسع و قالت:
-        السلام عليكم
انصتت الى صوت المرأة طويلا، انصتت للتحية التي لم تسمعها منذ دهور. عندما كانت هنا لم تستوعب يوما كم جميل ان يحيينا الآخرون بأمنية .. وأي امنية؟ أمنية السلام!
كم تحتاج خلجاتها للكثير من السلام. كم تفتقد نفسها احساسا بالسلام وكم أرادت طويلا لو ينزل عليها وابلا من سلام فتعيش .. و ترتاح.
ظلت صامتة تغرس عينيها بعيني المرأة الغريبة التي جاءت لها بالسلام .. لم تجب .. فقط أرادت ان تعيد الغريبة تمنياتها لها بالسلام. قطبّت المرأة جبينها واعادت التحية بصوت اعلى:
-        السلام عليكم ..
-        و عليكم السلام
بعد تردد:
-        و رحمة الله و بركاته ..
-        بس كنت ابي اسئلج حبيبتي .. ممكن استخدم تلفونج؟ جهازي مافيه شحن، أبـي أدّق على ولدي المفروض يلاقيني هني بس ما ادري وينه ؟؟ ما اشوفه !! (( تلتفت عن يمينها و شمالها )).
-        اهو ياي من السفر ؟
-        لا وييييييييه الشر بره وبعيد، بيلاقيني هني .. عندنا جلسة بحث وتحرّي (( تضحك )).
تناولها هاتفها ..
-        هاو! شنو هذا .. هذا من وين؟؟ ما اعتقد تلفونج يشتغل عندنا! (( تقلب الهاتف في يدها )) انتي من وين؟
تبتسم:
-        من كل مكان ومن أي مكان !
تضحك المرأة عاليا:
-        بنت بطوطة؟
-        تقدرين تقولين جذي
-        الوجه مالنا والكلام مثلنا .. بس تلفونج عمرنا ما شفناه هني!! مو شاريته من هني ؟؟ شلون ما شفناه واحنا عندنا كل تليفونات العالم ؟؟
ابتعدت المرأة قليلا تحادث ابنها .. وهي لحقتها بعينيها، أي هوية تلك التي تحدد ببلد مصنع مقتنياتنا! واذا اعتبرناه معيارا جديدا لكينونتنا .. كم من الأشياء التي نملك قد كتب عليها " صنع في الكويت" ! تقدمت المرأة نحوها من جديد وهي تضغط كل الأزرار على وجه هاتفها .. يأست و ناولتها الهاتف:
-        ويه .. والله ما ادري شلون اصكه ؟؟ وايد معقد!
تبتسم .. و لا ترد
-        ولدي اخترع لمّا شاف رقم التلفون إللي اتصلت عليه منّه .. قال لي يمّا انتي وينج .. باليابان!
تضحك ولا ترد..
تجلس المرأة على المقعد بجانبها:
-        والله هالولد كلّه متأخر .. الحين البنات بيوصلون واهو لمّا الحين ما وصل عشان يشوفهم !
تنظر اليها ولا ترد
-        كبر ولدي و مشى فيه العمر .. نبي نخطبله بنية حلوة وبنت ناس .. ولدي جراح درس بكندا، و صار لنا اكثر من تسع سنين واحنا ندورله على وحدة حلوة تدخل مزاجه .. بس ماكو فايدة. والله شاف بنات الكويت كلهم، وتدرين ماشاء الله بناتنا كل وحدة تقول الزين عندي. بس ولا وحدة اعجبته .. لا والله يعجبونه بس يقول لمّا الحين ما لقى إللي يبيها. على قولته الجمال إللي ما ينمل منّه. عيزت وانا اقول له ان حتى لو تزوّج اجمل وحدة بالعالم بيصحى يوم و يشوفها عادية .. لإن خلاص تعوّد عليها !! بس لا حياة لمن تنادي.
تنظر الى الأرض و لا ترد
-        يبي وحدة يتفاخر فيها جدّام ربعه .. يبي وحدة ما يختلف على جمالها اثنين.
فرّت ضحكة من فمها و لم ترد
-        إي و الله شي يضحك .. بس شسوي .. ولدي ناجح ومتعلم ووظيفته ممتازة ومعاشه قوي .. يبي وحدة تملا البروفايل على قولته. بنت ناس معروفين ومن عايله زينة، يبيها جامعية ولبيسّة وكشّيخة وستايل ومو متزوجة من قبل. ما عندج – يمّا – وحدة من صديقاتج بهالمواصفات؟؟
-        اهو كم عمره؟
-        خمسة و اربعين
لم تتمالك نفسها .. ضحكت والتفتت بعيدا على الصوت المنادي، واذا به الجرّاح يعدوا ليصل. لم تصدق انه ترك ما كان بيديه وأتى لينتظر طائرة ستوصل عائلة ما لأختين قد وصفوا جمالهن لأمه. لم تصدق انه اتى ليقتنص لمحات من فتيات لا يعرف عنهن سوى انهن غاية في الجمال. واذا كان الوصف غير صحيح .. من سيعزي المرضى!
 وصل فنهضت الأم وأوقفته بجانبها، سلمت عليه ووقفت شامخة بجانبه .. التفتت اليها من جديد وقالت:
-        هذا حمد .. إللي كلمتج عنه.
ابتسم بتحفظ و بصوت متواطئ مع الكثير من الكبرياء قال:
-        اهلا وسهلا
أومأت برأسها و لم ترد
-        مشكورة على التلفون ..
ردّت بلطف ممزوجا بشيء من السخرية:
-        العفو يا دكتور .. زوجك واجب قومي لكل من استطاع المساعدة.
   ضحك:
-        أمي ما بقى أحد إلا وافضحتني عنده .. كل البنات اعرفوني والسبّة أمي .. تمشي و تتكلم.
-        صدقني كل البنات يعرفونك لإنهم كلهم قاعد يدورولك على عروس المستقبل .. كلهم فقدوا الأمل بانهم يكونون سعيدة الحظ مرت الجرّاح.
يبتسم بتحفظ مع قليل من الإحراج:
-        والله انفضحنا.
تجره والدته الى أسوار المكان المخصص لانتظار الواصلين، تدفعه أمامها وتخبره ان القادمين بدؤوا بالخروج من مقر الجمارك .. يبتعدان و هي تسمع الأم توصيه.
-        افتح عيونك زين و لا تقولي انك ما شفتهم عدل! قالت لي خالتك فريدة ان وحدة راح تكون لابسة بنفسجي والثانية اصفر فاتح. عاد يالله يا وليدي .. الله يخليك و يهديك و يمسح برحمته على قليبك .. انت بس قول إي و من باجر ندق نخطب. أم البنفسجي خريجة علوم إدارية و أم الأصفر ....
اختفيا بالزحام واختفى صوت الأم، و لكنها تعلم ان "امرأة السلام" لازالت في دوّامة من الدعاية والتسويق لسلعٍ معروضة على رفوف "نص الدين" و"سُنّة الحياة" .. لزبائن في غاية الصعوبة وغاية في التعقيد، لا ترضيهم إلا العلب المتكلفة السحرية و المزركشة.

يتبع ...

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

والله ان كل كلامج درر خصوصا الدختر اللي امه تنقيله من هالبنات وهو قاعد يتعزز الاخ صاك الاربعين وللحين يدوروله زوجه شهادته يبلها ويشرب مايها مو قادر اهو يختار زوجه منوين طالع الدكتور هاذا اكيد من اصحاب العادات والتقاليد والتخلف سبمبوت القصه وايد حلوه والاحلي المخ اللي كتبها صراحه اتابع القصه الجميله دمتي بخير

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت