كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 31 يوليو، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 9






عندما رأته سلمانة لأول مرّة كانت لا تعلم انه سيصبح جزءا كبيرا من تاريخ انتفاضتها، لم تؤمن يوما بجدوى التعارف الأسري وسط منظومة "القعدة" ثم " الخطبة " فـ "الملكة" و الزواج. كانت دائما تسأل صديقاتها ممن سبقوها بالتجربة .. كيف ينشأ الحب؟ و متى تبدأ الألفة بين قلبين لم يقضوا وقتا كافيا ليعرفوا ولو ابسط الأشياء عن شريك الحياة ! كانت دائما تسأل – وفقا للأعراف و الزواج التقليدي - متى يبدأ النصف الأول في حب النصف الثاني؟

قال لها: من أنت؟

قالت: صندوق

قال: أي نوع من الصناديق؟

قالت: صندوق مبيّت

قال: ماذا بداخله؟

قالت: دمية صغيرة ترتدي دراعة وبخنق طويل

قال: ماذا تفعل الدمية؟

قالت: ترقص

قال: لماذا ترقص؟

قالت: لأنها تحب الرقص

قال: لماذا تحبه؟

قالت: لإنها امرأة

قال: ولماذا ترقص في صندوق؟

قالت: لإنها لا تستطيع الرقص .. إلا في صندوق!

قال: غريبة !

قالت: أنا صندوق مبيت مثل صناديق اوروبا الخشبية التي ما ان تفتحها حتى تجد دمية صغيرة لراقصة بالي تدور على موسيقى هادئة .. أنا النسخة الخليجية من ذلك الصندوق.

ضحك و قال: على اي نغمة ترقص دمية البخنق؟

همهمت اللحن وارهف اذنيه يستمع

قال: ما هذا؟

غنّت: قلت اوقفيلي وارفعي البوشية .. خليني أروي ظامري العطشاني ..

قال: لا افهم .. But it sounds so sexy !!


***

إتصال هاتفي في ساعة متأخرة من الليل، نظرت سلمانة الى هاتفها النقال على طاولة السرير وإذا بالساعة تقارب الواحدة بعد منتصف الليل. المتصلة كانت "هديل" والأمر لابد ان يكون بمنتهى الأهمية لإن هديل عادة لا تتصل بهذه الساعة! فتحت الخط وإذا بهديل تنتحب!
سألتها سلمانة مرارا ماذا حدث؟ وهديل تبكي بلا سيطرة. لا تكاد تقوى على الكلام وكأن الحروف قد غرقت في شلال جزع. تمالكت هديل نفسها بعد دقائق.
كان الإتصال عبارة عن طلب نجدة، فزعة الصديقات اللاتي تناقشن بالموضوع من قبل ولم يخرجن بنتيجة تدفعهن للتدخل في شأن خاص وشائك من منهج انوثة امرأة. ألحت تلك الحاجة الماسة للحب والدفئ الى خلق فتاة تحمل على جبينها وصمة عار لا يراها إلا من يعرفها. خفن الفتيات من المفاتحة! خفن مما سيسمعن منها أكثر مما كانت هي ستسمع منهن، والأهم من كل هذا أنهن خفن من ان يراهم الناس مع الفتاة الموصومة بعلاقة مشبوهة فتدنسهم الشبهة وتطالهم الوصمة.
فهمت سلمانة ان مريم بالمستشفى، لقد تلقت ضربا مبرحا وتشويه واضح لوجهها وأجزاء كبيرة من جسدها من قبل اثنين من اشقائها الذين علموا بوجودها في شقّة مع "محمد" صديقها. يقولون ان احد الأخوه طعنها بأداة حادّة قد اخترقت واحدة من رأتيها وهي الآن بحالة حرجة. علمت سلمانة ايضا ان لا أحد من عائلتها معها في المستشفى، رفضت والدتها البقاء معها وتركتها شبة جثة لفتاة استبقت المشروع والمقبول بإسم الحب الذي ينتظر النهاية المتوقعة لمستقبل رائع و نهاية مشروعة.
بكت الفتاتين كلٌ على جانب بعيد من سماعة الهاتف، ولامت كل واحدة نفسها لإنها تركت مركب العلاقة يبحر في مستنقع من عادات مذمومة لا تُمارس ولا تُقبل في مجتمعاتنا.
في الصباح عرجت جنان بسيارتها على هديل، ثم على آمنة، فسلمانة التي دخلت السيارة وهي ترتدي وجها لا يتماشى مع المناسبة! كانت الوجوه واجمة داخل الصندوق الحديدي، ارتدت الفتيات لباسا غامقا يشير الى حزن حقيقي قد استقر في النفوس التي باتت ليلتها مع عذاب الضمير. على خلافهن، دخلت سلمانة السيارة بابتسامة وقميص برتقالي. كانت تحمل في يدها باقة من الزهور الصفراء ومجموعة من الكتب الصغيرة التي ستهديها لمريم. تلاقت العيون بالوجوه وسألت سلمانة عن ليلى!
أخبرتها جنان ان ليلى لم ترغب بزيارة مريم لإنها لن تقو على رؤيتها بهذه الحال! وجمت نظرة بمغزى على الوجوه .. كلهم يعلمون أن ليلى لن تزور المفضوحة خوفا من أن تتعفر ذمتها بغبار الفضيحة، ولن تزور الموصومة تجنبا لرائحة دخان العار!  
ما إن دخلت الفتيات لغرفة الجريحة حتى عم الهلع ارجاء المكان، الكيان المتدلي على السرير لم يشبه ملامح المرأة التي كانت يوما تسكنه. كانت مريم ملفوفة بالقطن والشاش، عيناها مغمضتين قسرا وكأن الأطباء رغبوا في ان لا تفتح عينيها على غرفة خاوية من اي اهتمام. انزلقت عشرات الدموع على مشهد الحب الذي تجسد عقابا متعدد الأنواع. قالت منال اخت مريم التي جاءت خلسة بغير علم أشقائها أن جروح مريم عميقة وقوية وكأن المعتدين قد درسوا مواقع الثأر. جروح الوجه جاءت لتطمس ملامح الجمال في وجه اختها. كمّا تم تركيز اللكمات على ظهرها تمنيا ان لا تمشي بعد اليوم، والطعنة التي جاءت ببطنها كان المقصود بها اتلاف الرحم!
 ترجمت منال أسى علاقة اشقائها بها وبمريم، فمنذ عرفت الفتيات معنى الدنيا وهن يقبعن تحت سلطة واضحة لأخوتهن الأولاد الثلاثة، فلا يتحركن ولا يتخذن اي طريق او قرار في حياتهن إلا بعد أخذ موافقة الذكور بالإجماع! بكت منال وهي تمسك يد اختها الغائبة وقبلتها، نظرت الى سلمانة التي كانت الأقرب الى مريم وأخبرتهم انها يجب ان تغادر خوفا من ان تعلم اسرتها بمجيئها. شكرتهم على المجيئ واستحلفتهم ان يعاودو الزيارة.
غادرت منال، الجزء الآخر من مأساة اختين تقاسمتا سوء الحظ من بداية التكوين، ربما كانت الجزء الذي لازال يملك وجها جميلا ورحم قادر على الإنجاب، ولكنها حتما كانت ولازالت الجزء الذي وقف شاهدا حزينا على انهيار نصف كرامته ونصف مستقبله الجميل.
في طريق العودة تناقشت آمنة وهديل ما ان كانت قصة مريم يجب ان تروى عبرة لمن لا يعتبر، فأنهت سلمانة الحوار عندما قالت: منذ متى تركت امرأة رجلا أحبته قد وعدها بالزواج خوفا من احتمالية وقوعها بخطر الفضيحة!
منذ أجيال وأجيال ونحن نسمع عن فتيات بعمرنا وأصغر منّا يحرمن من الدراسة، يحبسن بالمنازل، ويزوجن رغما عنهن بحجّة الحب الذي خرج عن النسق المألوف. تلك العاطفة التي تكسر قيود الأعراف والعادات والتقاليد وتخرج من صومعة حب العيون الصامت والقلوب التي تنبض بهدوء ما ان يمر الحبيبان بجانب بعضهما. حب الفرجان القديمة ذاك التي كانت تمارس فيه "بدرية" و"نورية" و"حصة" و"سبيكة" حقها المكتسب بمرأى الحبيب من شباك عال، قد تشققت اطرافه واصبح ذكرى جميلة تقصها جداتنا علينا علنّا نسلك نفس الطريق ونكتفي بالحلم الذي لا يلمس ولا يشم واقعه!
من هي أول فتات خلعت عباءة الحياء الثقيلة وخرجت من صمتها لتعترف للرجل الذي تحبه أنها تريده؟ من كانت أول عروس أذابت جدار بيت الطين الذي كانت تسكنه لتفقأ فتحة مستديرة تطل فيها على الحبيب وتناجيه؟ من أول امرأة ارتأت انها قادرة على قيادة علاقة شجية دون ان تقع بالمحظور؟ ربما لا نصدق بوجودهن، ولكن ما آل الحال إليه لم يولد اليوم ولا البارحة ..
في المقابل، من هو أول أب اعطى لإبنته الأمان وفتح باب الحوار وآمن ان ابنته لها حق الإختيار بعد معرفة كاملة وعشرة - ولو كانت من بعيد – مع الرجل الذي تحب؟
نحن نكمم الحب، ونلقيه بالأزقة الخلفية ونلقي أنفسنا معه لإن الطرق الرئيسية لم تكن يوما مفتوحة على الصراحة والإعتراف. نحن نسوّغ لأحلامنا ان تنام وتسهر بالظلام لإن الأمل بعلاقة النورلازال معفّر بالذنب حتى وان كان الإقتراب ضمن النطاق الذي لا يوّلد شرارات ولا يفتح نيران.
لازالت الفتيات في مجتمعاتنا مشروع عار الى ان تتزوج، والفتيان مشروع شرف يجب ان يخوض في طرقات الدنيا والسماء الى ان يقترن بفتاة احترفت الظلام ومثلّت عليه جيدا دور بنت النور.
" لو سمحت انا مو صاحبة هالسوالف .. عندك بيت ابوي تعال طق الباب واطلبني منّة" عبارات الشرف المعهودة تلك وغيرها عادة ما ترهف آذان الرجل الغشيم الذي يستمع ثم يصدق ثم ينتشي ويتزوّج الى ان يستر الرحمن الى الأبد، او يظهر المخبوء من جحور الماضي فيعيشان معا احيانا واحيانا يفترقان.
ذلك الرجل الذي يعرف للشرف عنوان واحد وزقاق يتيم، سيفهم متأخرا في الحياة ان للعفة مئة ألف بيت قد فاتها كلها واستقر في بؤرة من خداع وغباء.
 في النهاية .. الأعراف لا تحمي المغفلين.



يتبع ...

هناك 3 تعليقات:

ARTFUL يقول...

اردد حق نفس سؤال ي هل الرجال يخاف على بنته او اخته؟

فما يبيها تروح وتختلي بالرجل ويقص عليها؟

والا يخاف من العار؟

ARTFUL يقول...

مستنييين (:

ومستنييين صور البنات بالقرقيعان (:

ARTFUL يقول...

والله مسكينه هالسبمبوووت!!!

وينكم؟؟

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت