كل تلك الخربشات الصغيرة التي كانت تؤذينا .. كبرت معنا

لتصبح هكذا .. مدونة !

الأحد، 11 سبتمبر، 2011

( سلمــــــــــــــــانة ) 10


حتى بعد مرور سبعة شهور، لم تكن متطلبات العمل في القطاع الخاص وتوقيته لتنزلق بسلاسة من ريق والد سلمانة الذي كبر ونشأ في منزل لم تعمل فيه البنات. وإن عملن فإما مدرسات في مدارس حكومية وغير مختلطة او في مؤسسات حكومية تضع النساء عادة على رأس الوظائف البسيطة بتوقيت دوام صمّم خصيصا لإمرأة متزوجة وربة منزل. كان وقت العودة المقبول جدا بالنسبة لوالدها هو ذاك الذي يبدأ صباحا باكرا وينتهي قبل ان تفكر الشمس في المغيب. الساعة الثانية عشرة ظهرا، الواحدة، وسيغض النظر قسرا عن عمل الوزارات التي ينتهي الساعة الثانية.

 أن تعود ابنته كل اليوم في الساعة الخامسة كان بمثابة الكابوس الذي اعترى قيلولة الظهيرة الذي تعوّد عليها بعد ان يعود للمنزل من عمله ويأكل وجبة الغداء. اما طبيعة عملها التي تتطلب ان تتأخر احيانا الى السادسة فقد كانت القشة التي قصمت ظهر الصبر والإنفتاح الذي حاول كثيرا ان يقنع نفسه به  فباءت كل المحاولات بالفشل.

في ذلك اليوم الذي تأخرت فيه، صلّى المغرب وجلس ينتظرها في صالون المنزل، عندما دخلت همّ واقفا كأي اب غيور، صفع الباب خلفها عندما دخلت مؤذنا ببداية نقاش عسير من الممكن ان ينتهي بقرار او صفعة .. هي ونصيبها!

-        مساء الخير

-        مساء .. بس ما فيه خير

-        اشدعوه يبا .. شصاير؟

نظر لساعته:

-        داخله الساعة سبع وتقوليلي شصاير؟

نظرت لساعتها:

-        يبا الساعة ست وربع

-        الساعة مو ساعة بنت تدخل فيها البيت من الدوام!! انا شدراني انتِ شنو قاعد تسوين طول هالمدة؟

-        يبا و انت شدراك انا شنو كنت قاعد اسوي ست ساعات لماّ كنت اشتغل بالوزارة؟

-        يعني شنو؟

-        يعني يا يبا إللي بتسوي شي مو زين اتسويه بأي مكان وبأي حزّة .. الدور الباجي على الأخلاق والتربية.

-        أنا ادري انج متربية وخلوقة .. بس أنا ما اعرف الناس إللي تشتغلين معاهم!

-        حيّاك الله بأي وقت .. تقدر تزورني في المكتب، تقعد عندي ولشربك شاي واعرفك على كل الناس إللي يشتغلون معاي.

-        أنا ما عندي وقت!

-        انا بنتك .. وانت خايف علي .. لازم يصير عندك وقت!

-        أنا ابيج تطلعين من هالدوام وتدورين دوام حكومي.

-        أنا آسفة يبا .. دوام حكومي ما ينفع لي .. اقعد على مكتب 6 ساعات ما أسوّي شي .. لا يمكن!!

-        شغلي نفسج بأي شي .. قراءة، كتابة .. أي شي

-        يبا هذا شغل .. يعني الوحدة لازم تحلل معاشها، وتسوّي الشي إللي تحبه. المفروض ان شغلنا يسد حاجة الإنتاج والأنجاز فينا!

-        طلعي ودوري لج مكان ثاني .. مو لازم وزارة

-        يعني وين؟

-        الجامعات .. مؤسسات التدريب، المطار، البورصة هذي الأماكن المحترمة، مو شركة ما يندرى شنو قاعد يصير فيها!

-        يبا الشركة إللي قاعد اشتغل فيها من اكبر شركات المقاولات والتجارة العامة في الكويت، شركة معروفة ومشهورة ويشتغل فيها وايد كويتيين.

-        أنا مالي شغل فيهم! انا ما ابيج تشتغلين لمّا الساعة خمس وست.

-        ليش يبا ! طالما انّي مرتاحة

-        انت مرتاحة .. بس احنا مو مرتاحين

-        يعني شنو يبا؟

-        يعني عندج شهر .. تدورين وظيفة ثانية وتطلعين من شغلج.

انتهى الحديث .. وانتهى النقاش وهو يصفع الباب خلفه متوجها لديوانية الليل المعهودة.   

جرت لغرفة والدتها لتنفث ما تبقى في ريقها من اعتراض، توقفت في منتصف الممر المؤدي الى الغرفة الواسعة عندما رأت والدتها تفترش سجادة الصلاة راكعة. نظرت بعيدا في النافذة من وراء كيان أمها الذي يقوم ويقعد، زفرت وتوجهت لتجلس على السرير الخشبي القابع في خلفية الغرفة. عادة ما تجد الفتيات متنفسا في الشجار مع امهاتهن عندما تكتم فيهم رغبة ما. لم تكن يوما صديقة والدها، كان ولازال دكتاتوريا يتوهم الود في وجوههم عندما يتقدمون هي واخوتها لعرينه لطلب أو رجاء. تتقدم خطوة وترجع ثلاث، علها تجد في الطريق سببا يدفعها للعدول عن المطالبة فيما ترغب. تتردد عندما يعتصر كيانها المتزعزع بين عينيه. تستجمع قواها وتسأل:

-        يبا .. ممكن أروح السينما مع رفيجاتي؟

-        لا

تستدير .. وتعود الى غرفتها وهي تقاوم الدموع.

كانت في تلك العمر تحمل في طياتها طلبات بسيطة وطموح ضئيل، كما كانت لا تعرف أن هناك بين لحظة الرفض والإستدارة خيار الحوار والمناقشة! كبرت، وكبرت معها طموحاتها عندما كانت تطالب اكثر بمعاملة ربع مساوية مع اخوتها الأولاد. كانت تراقبهم وهم يرشون العطر الزاكي على ملابسهم النظيفة، يلتقطون اشياؤهم المبعثرة ويتركون المنزل بلا رقيب ولا حسيب. أمها لا تلتفت ولا تهتز، ولا تسأل أين ومتى!

ترى .. أين هي النقطة الفارقة؟

مع تقدم العمر وفورة الشباب تمكنت من المجادلة قيد جملتين مع والدها، فعندما يرفض تسأل لماذا، وعندما يقدم عذرا مهزوزا مثل " لإن باستطاعتك مشاهدة الفلم في المنزل"! كانت تتجرأ وتقوم بتقديم أسباب علمية وأدبية تشرح فيها مزايا السينما عن المنزل. يمصمص شفاهه الغليظة ويعيد الرفض من جديد بنبرة حانقة فتعلم بذكائها وتجاربها السابقة انها ان لم تتوقف سيفقد صبره ويسمعها ما لا تحبه.

مؤخرا فقط .. عندما بدأت فيها الرغبة بأشياء اكبر ومتطلبات اهم استجمعت قوّة كافية لتقف امامه لأكثر من جولتين في صراع حواراتهم الغير متكافئة. كثيرا ما تشعر انه لا يسمعها، هو يسمع ضجيجا عندما تتحدث، و ما ان تنتهي يرفض من جديد ويغادر. نادرا جدا ما تململ من المواجهة وآثر القبول على الرفض ليطرد عن نفسه شبح الظلم. ففي النهاية والدها رجل "عادل" لا يريد ان يظلم احدهم حق الحياة!

فرغت والدتها من التسليم من سجدتها الأخيرة فاستدارت، رمقتها للحظة ثم رجعت لوجهتها، كانت تعلم انه سيبلغها اليوم بالقرار، كما كانت تعلم ان ابنتها ستأتي لتصب جم غضبها وصرخات رفضها المخنوقة في جعبة الأم التي لا حول لها ولا قوة.

-        يما !

-        لا اله إلا الله  محمد رسول الله .. نعم يمّا

-        انتو ليش ما تبون لي السعادة؟

-        ما كو اهل ما يبون حق بنتهم السعادة!

-        عيل ليش ما تهتمون لمّا الاقي شي يفرحني؟ احنا مو اتفقنا اني لازم الاقي نفسي بالشغل؟ هذا انا لقيت نفسي .. ليش ما تخلوني اشتغل بالمكان إللي يحقق طموحي؟

-        يعني اذا كان المكان إللي يحقق طموحج مكان مو زين، وإلا سمعته مو زينة .. شلون نخليج تشتغلين فيه؟

-        ليش انتو سامعين شي عن الشركة؟

-        لا

-        اذن؟

-        لا اذن ولا خشم .. خلاص ابوج مو راضي .. تعوذي من ابليس وسمعي الكلام.

-        يمّا ما يصير اسمع الكلام في شي انا مو مقتنعة فيه! شنو انا ما عندي عقل يقول لي شنو الصح او الخطأ! تبوني اعتمد عليكم في كل شي؟؟

-        طبعا .. احنا اهلج .. اكبر منج وعندنا خبرة اكثر في الحياة، لمّا نشوف ان الشي إللي قاعد تسوينه غلط لازم تصدقينا.

-        قوليلي شنو الغلط في الشغل لمّا الساعة خمسة؟

-        وايد اغلاط .. مافي ريّال راح يتقدم حق وحدة تشتغل لمّا الساعة خمس! اهو يبي ام عيال وإلا كادود؟

صمتت .. وطال الصمت ولا رد لإن النقطة المطروحة على مدخل طموح حياتها العملية ومستقبلها الوظيفي تقذف بثمارها وتصب انهارها في فوهة الحياة الإجتماعية التي باتت هاجس الأحياء والأموات. في الزمن الذي نشأ فيه والداها، كان الزواج والبيت والاولاد هو الشغل الشاغل .. والغريب انه لازال! فالفتاة الى الآن يجب ان تفرش سجادة طويلة حمراء تبدأ من أولى أيام مراهقتها الى ان يأتي النصيب. سجادة الهلا والمسهلا هذه التي تخضبها الفتاة وامها وخالاتها وعماتها وجداتها كل دقيقة ببخور السنع وطيب المنع وعنبر الأخلاق ومسك الطهارة وعطر المظاهر الصادقة كانت ام الكاذبة، يشمها الأزواج المرتقبين من على بعد أميال فيأتون كالذباب .. او لا يأتون!

في الكثير من الأحيان تسحب سجادة المصير هذه بُسط العمل والتفوق والطموح والإنجازات من تحت اقدام الفتيات، فمن أجل عين تكرم الف عين، ولكن احيانا كثيرة لا يمشي العريس على سجادتها الحمراء، ولا تمشي هي على أي بساط!


يتبع ...

هناك تعليقان (2):

ARTFUL يقول...

يا ويلي عقب ما تترك البنت طموحها وتفرش السجاده ولا يدوس على السجاده الحمرا احد

وضاعت الايام

لا تبطين علينا (:

Shaimaa Goda يقول...

القاهرة 14 سبتمبر 2011، PM 5:45
نفس الحوار بين الام والابنة ..
لا جديد تحت السماء العربية :((
Meshmesha

إللي غنّو معاي السبت سبمبوت ..

منورين سبمبوت